لُـمعة الاعتقـاد

الهادي إلى سبيل الرشاد

 

للإمام موفق الدين

أبي محمد عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي

المتوفى سنة 620 هـ

 

بسـم الله الرحمـن الرحيـم

الحمد لله المحمود بكل لسان ، المعبود في كل زمان ، الذي لا يخلو من علمه مكان ، ولا يشغله شأن عن شأن ، جل عن الأشباه والأنداد ، وتنزه عن الصاحبة والأولاد ، ونفذ حكمه في جميع العباد ، لا تمثله العقول بالتفكير ، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير ، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ، له الأسماء الحسنى ، والصفات العلى {الرحمن على العرش استوى ، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى} ، أحاط بكل شيء علما ، وقهر كل مخلوق عزة وحكما ، ووسع كل شيء رحمة وعلما ، {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} ، موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم ، وعلى لسان نبيه الكريم.

وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام صفات الرحمن وجب الإيمان به ، وتلقيه بالتسليم والقبول ، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل ، وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا ، وترك التعرض لمعناه ، ونرد علمه إلى قائله ، ونجعل عهدته على ناقله ، اتباعا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله سبحانه وتعالى: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} ، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله} ، فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم ، ثم حجبهم عما أملوه ، وقطع أطماعهم عما قصدوه ، بقوله سبحانه: {وما يعلم تأويله إلا الله}.

قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينزل الى سماء الدنيا) و (إن الله يُرى في القيامة) وما أشبه هذه الأحاديث: (نؤمن بها ، ونصدق بها ، لا كيف ، ولا معنى ، ولا نرد شيئا منها ، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ، ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه ، بلا حد ولا غاية {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ، ونقول كما قال ، ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك ، ولا يبلغه وصف الواصفين ، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت ، ولا نتعدى القرآن والحديث ، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت القرآن).

قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه: (آمنت بالله وبما جاء عن الله ، على مراد الله ، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله).

وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف رضي الله عنهم كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله.

وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم وحذرنا المحدثات وأخبرنا أنها من الضلالات فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة).

وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم).

وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ـ كلاما معناه ـ: (قف حيث وقف القوم فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا ، ولهم على كشفها كانوا أقوى ، وبالفضل لو كان فيها أحرى ، فلئن قلتم حدث بعدهم فما أحدثه إلا من خالف هديهم ورغب عن سنتهم ، ولقد وصفوا منه ما يشفي ، وتكلموا منه بما يكفي ، فما فوقهم محسر وما دونهم مقصر ، لقد قصر عنهم قوم فجفوا وتجاوزهم آخرون فغلوا ، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم).

وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي رضي الله عنه: (عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس ، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول).

وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي ـ لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها ـ: (هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها ؟) قال: لم يعلموها ! قال: (فشيء لم يعلمه هؤلاء أعلمته أنت ؟!) قال الرجل: فإني أقول قد علموها! قال: (أفوسعهم أن لا يتكلموا به ولا يدعو الناس إليه أم لم يسعهم ؟) قال: بلى وسعهم ! قال: (فشيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لا يسعك أنت!) فانقطع الرجل ، فقال الخليفة - وكان حاضرا -: (لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم).

وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها ولإمرارها كما جاءت فلا وسع الله عليه.

فمما جاء من آيات الصفات قول الله عز وجل: {ويبقى وجه ربك} ، وقوله سبحانه وتعالى: {بل يداه مبسوطتان} ، وقوله تعالى ـ إخبارا عن عيسى عليه السلام أنه قال ـ: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} ، وقوله سبحانه: {وجاء ربك} ، وقوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} ، وقوله تعالى: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} ، وقوله تعالى: {يحبهم ويحبونه} ، وقوله تعالى في الكفار: {غضب الله عليهم} ، وقوله تعالى: {اتبعوا ما أسخط الله} ، وقوله تعالى: {كره الله انبعاثهم}.

ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا) ، وقوله: (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة) ، وقوله: (يضحك الله الى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة).

فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته ، نؤمن به ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره ، ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين ، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ، وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه.

ومن ذلك قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} ، وقوله تعالى: {أأمنتم من في السماء}.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك) وقال للجارية: (أين الله؟) قالت: في السماء ، قال: (أعتقها فإنها مؤمنة) ، رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحصين: (كم إلها تعبد؟) قال: سبعة ستة في الأرض وواحدا في السماء ! قال: (من لرغبتك ورهبتك؟) قال: الذي في السماء ، قال: (فاترك الستة واعبد الذي في السماء وأنا أعلمك دعوتين) ، فأسلم وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: (اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي).

وفيما نقل من علامات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الكتب المتقدمة أنهم يسجدون بالأرض ويزعمون أن إلههم في السماء.

وروى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا) وذكر الخبر إلى قوله: (وفوق ذلك العرش والله سبحانه فوق ذلك).

فهذا وما أشبههه مما أجمع السلف رحمهم الله على نقله وقبوله ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله.

سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله ، فقيل يا أبا عبد الله {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى؟ فقال: (الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة) ثم أمر بالرجل فأخرج.

ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم يسمعه منه من شاء من خلقه ، سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة ، وسمعه جبريل عليه السلام ومن أذن له من ملائكته ورسله.

وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه ، ويأذن لهم فيزورونه.

قال الله تعالى {وكلم الله موسى تكليما} ، وقال سبحانه: {‏يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} ، وقال سبحانه: {منهم من كلم الله} ، وقال سبحانه:{وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} ، وقال سبحانه: {فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك} ، وقال سبحانه: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء) روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وروى عبدالله بن أنيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلا بهما ، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب " أنا الملك أنا الديان ") رواه الأئمة واستشهد به البخاري.

وفي بعض الآثار أن موسى عليه السلام ليلة رأى النار فهالته ففزع منها فناداه ربه: يا موسى ، فأجاب سريعا استئناسا بالصوت فقال: لبيك لبيك أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت ؟ ، فقال: أنا فوقك وأمامك وعن يمينك وعن شمالك - فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى - قال: كذلك أنت يا إلهي ، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك ؟ قال: بل كلامي يا موسى.

ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم ، وهو كتاب الله المبين وحبله المتين وصراطه المستقيم وتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.

وهو سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ، له أول وآخر وأجزاء وأبعاض ، متلو بالألسنة محفوظ في الصدور مسموع بالآذان مكتوب في المصاحف ، فيه محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخاص وعام وأمر ونهي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} ، وقوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}.

وهذا هو الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: {لن نؤمن بهذا القرآن} ، وقال بعضهم: {إن هذا إلا قول البشر} فقال الله سبحانه: {سأصليه سقر} ، وقال بعضهم: "هو شعر" ، فقال الله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنا لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر.

وقال عز وجل: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله} ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل.

وقال تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم.

وقال تعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} ، وقال تعالى: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون} بعد أن أقسم على ذلك.

وقال تعالى: {كهيعص} {حم عسق} وافتتح تسعا وعشرين سورة بالحروف المقطعة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة) حديث صحيح.

وقال عليه الصلاة والسلام: (اقرأوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوز تراقيهم يتعجلون أجره ولا يتأجلونه).

وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه).

وقال علي رضي الله عنه: (من كفر بحرف منه فقد كفر به كله).

واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه.

ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفا متفقا عليه أنه كافر وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف.

والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه ، قال الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} ، وقال تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} ، فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضى وإلا لم يكن بينهما فرق.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) حديث صحيح متفق عليه ، وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير.

ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد ، لا يكون شيء إلا بإرادته ، ولا يخرج شيء عن مشيئته ، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ، ولا محيد عن القدر المقدور ، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور ، أراد ما العالم فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه ، ولو شاء أن يطيعوه جميعا لأطاعوه ، خلق الخلق وأفعالهم ، وقدر أرزاقهم وآجالهم ، يهدي من يشاء بحكمته ، قال الله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} ، وقال الله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} ، وقال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} وقال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} ، وقال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}.

وروى ابن عمر أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما الإيمان؟) قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره) ، فقال جبريل: (صدقت). رواه مسلم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره).

ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم - الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر -: (وقني شر ما قضيت).

ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه ، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل ، قال الله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}.

ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك وأنه لم يجبر أحدا على معصية ولا اضطره الى ترك طاعة.

وقال الله تعالى {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ، وقال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ، وقال تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم} ، فدل على أن للعبد فعلا وكسبا يجزى على حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب وهو واقع بقضاء الله وقدره.

والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان ، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان ، قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} ، فجعل عبادة الله تعالى وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) ، فجعل القول والعمل من الإيمان.

وقال تعالى: {فزادتهم إيمانا} ، وقال: {ليزدادوا إيمانا}.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة أو خردلة أو ذرة من الإيمان فجعله متفاضلا).

ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا ، نعلم أنه حق وصدق ، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه ، مثل حديث الإسراء والمعراج وكان يقظة لا مناما فإن قريشا أنكرته وأكبرته ولم تنكر المنامات.

ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فرد عليه.

ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتله ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج الدابة ، وطلوع الشمس من مغربها ، وأشباه ذلك مما صح به النقل.

وعذاب القبر ونعيمه حق ، وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه وأمر به في كل صلاة.

وفتنة القبر حق ، وسؤال منكر ونكير حق.

والبعث بعد الموت حق ، وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور {فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} ، ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما ، فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ويحاسبهم الله تبارك وتعالى ، وتنصب الموازين ، وتنشر الدواوين ، وتتطاير صحف الأعمال إلى الأيمان والشمائل {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ، وينقلب إلى أهله مسرورا ، وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ، ويصلى سعيرا}.

والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون}.

ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حوض في القيامة ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأباريقه عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا.

ويشفع نبينا صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحما وحمما فيدخلون الجنة بشفاعته.

ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات ، قال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} ، ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين.

والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ، فالجنة مأوى أوليائه ، والنار عقاب لأعدائه ، وأهل الجنة فيها مخلدون {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون ، لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون}.

ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت.

ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين ، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته ، ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته ، ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته ، صاحب لواء الحمد ، والمقام المحمود ، والحوض المورود ، وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم ، أمته خير الأمم ، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء عليهم السلام.

وأفضل أمته أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي المرتضى رضي الله عنهم أجمعين ، لما روى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا نقول والنبي صلى الله عليه وسلم حي أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره).

وصحت الرواية عن علي رضي الله عنه أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ولو شئت لسميت الثالث).

وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر) ، وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لفضله وسابقته وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضي الله عنهم وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة.

ثم من بعده عمر رضي الله عنه لفضله وعهد أبي بكر إليه.

ثم عثمان رضي الله عنه لتقديم أهل الشورى له.

ثم علي رضي الله عنه لفضله وإجماع أهل عصره عليه.

وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ).

وقال صلى الله عليه وسلم: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) ، فكان آخرها خلافة علي رضي الله عنه.

ونشهد للعشرة بالجنة كما شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: (أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وسعد في الجنة وسعيد في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة).

وكل من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم شهدنا له بها ، كقوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ، وقوله لثابت بن قيس إنه من أهل الجنة.

ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من جزم له الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكنا نرجو للمحسن ، ونخاف على المسيء.

ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بعمل.

ونرى الحج والجهاد ماضيا ، مع طاعة كل إمام برا كان أو فاجرا ، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة ، قال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل ، والجهاد ماض منذ بعثني الله عز وجل حتى يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل ، والإيمان بالأقدار) رواه أبوداود.

ومن السنة تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبتهم وذكر محاسنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم ، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم ، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم ، قال الله تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا} ، وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لاتسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).

ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء ، أفضلهم خديجة بنت خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم.

ومعاوية خال المؤمنين وكاتب وحي الله أحد خلفاء المسلمين رضي الله عنهم.

ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين برهم وفاجرهم ، ما لم يأمروا بمعصية الله فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله ، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار الخليفة وسمي امير المؤمنين وجبت طاعته وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين.

ومن السنة هجران أهل البدع ومباينتهم وترك الجدال والخصومات في الدين ، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم ، كل محدثة في الدين بدعة.

وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع - كالرافضة والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرام والكلابية ونظائرهم - فهذه فرق الضلال وطوائف البدع أعاذنا الله منها.

وأما بالنسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع فليس بمذموم ، فإن الاختلاف في الفروع رحمة ، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم ، مثابون في اجتهادهم ، واختلافهم رحمة واسعة ، واتفاقهم حجة قاطعة.

نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة ويحيينا على الإسلام والسنة ويجعلنا ممن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياة ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله آمين.

وهذا آخر المعتقد

والحمد لله وحده

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

تـمّت