بسم الله الرحمن الرحيم  

الطريق إلى القلوب

تمهيد بقلم الأستاذ عباس السيسي

مقدمة

الباب الرابع

الباب الثالث

الباب الثاني

الباب الأول

الباب الأول

الدعوة الصامتة

الدعوة الفردية

فتنة ليس لها إلا نبى

ليس عليك هداهم

الأمل الباسم الفسيح

الدعوة بالبلاغ

ميدان عمل الداعية

مغناطيسية القلوب

استغلال المناسبات لإحياء الموات

صفتان للداعية.. الذكاء والنقاء فضيلة الشيخ محمد الغزالى

موقف مع ((سلمان الفارسى))

للغائب عذره ...

الإنسان طاقة جبارة.. بددت فى خسارة

الجهل بالدعوة

السياسة النفسية فى مناقشات جماعية

إلقاء السلام.. مفتاح، وانشراح، وإصلاح

موقف الإسلام ودعاته من مظاهر الحضارة الحديثة

 

الدعوة: روح وعاطفة

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

وبعد..

فقد ظلت العبادات عند كثير من المسلمين محصورة فى شكل بدون روح، فالمسلم يؤدى عبادته ويتقوقع فى ذاته وخصوصياته، دون الاهتمام بأن الإسلام رسالة ودعوة.

وبهذا انكمش دور المسلم الاجتماعى والحركى! فلم يمتد إلى جميع قطاعات المجتمع، لينقله ويصبغه بصبغة الإسلام، حقيقة وعملا، مشاعر وشعائر وشرائع، لبناء الأمة الإسلامية، وتحقيق ا لآمال.

ولما كانت رسالة الإسلام موجهة إلى عامة الناس على الأرض، كان من الضرورى أن يتصدر لهذا المجتمع الواسع دعاة على مستوى من العلم والقدرة والقدوة، ودراية بأسرار النفس البشرية، يتحلون بالصبر، وانشراح الصدر (قال رب اشرح لي صدري) طه: 25، وفراسة وبصيرة (قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا و من اتبعني و سبحان الله و ما أنا من المشركين) يوسف: 108، وفى الحديث: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله "، واستنهاض إمكانات الحواس الربانية، فى جذب القلوب، وتآلف الأرواح، والمعايشة فى رحاب حركة الدعوة ومجالاتها الواسعة، وهذا يكون بالكلمة الطيبة، والدعوة بالحسنى، والجدال- إن اقتضى الأمر- بالتى هى أحسن، والقدوة الصالحة، ذلك أن طهارة الهدف تستلزم- فى عرفنا- طهارة الأسلوب فى تحقيقها، وقبل الغاية يقتضى نبل الوسيلة حتما.

ومنذ صدر الجزء الأول من كتاب " الطريق إلى القلوب " فى سنة 1406 هـ- 1986 م ظهرت دلائل وتباشير الوعى الإسلامى، وتوهج الحب فى مشاهد وتعامل وتالف شباب الإسلام، فتلاحمت القلوب، وتعانقت الأرواح، وبدا ذلك فى مشاعر الجماهير الإسلامية المتدفقة فى كل بلاد العالم الإسلامى، تهفو للتلاقى، وترنو للوحدة، وتعمل على بينة، بالحكمة الربانية، والسنة النبوية، مدعومة بالفطنة واليقظة والانتباه، بصبر جميل، ووفاء ثابت، وعزم أكيد، لا تزعزعه المحن، ولا تؤثر فيه عورات النفوس وتقلبات الزمن.

يعيننا على ذلك تقوى الله تعالى فى السر والعلن، وتصديق بوعد الله الذى لاشك فيه (وعد الله الذين ىمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا)النور: 55، ورابطة من الحب العميق الوثيق، تثبت القلوب، وتشد الأواصر، بحبل الله المتين، وشرعه المبين:

سألبس للفقرثوبا جميلا     وأفتل للصبرحبلا طويلا

سأصبربالرغم لابالرضا     أبنى دعوتى جيلافجيلا

(يا أيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا و رابطوا و اتقوا الله لعلكم تفلحون) آل عمران:200.

عباس السيسى ربيع الأول 1416 هـ اغسطس 1995 م

 

 

مقدمة

إن مهمتنا إيقاظ الشعب المسلم الذى نام طويلا !

ونحن فى حاجة إلى هزة روحية جبارة لتحريك وعى عقله الذى نام لفترة، وضميره الذى تحلل من أثر عوامل الظلم والقهر!

وطالما أن العالم الغربى يحاصر الاتجاه الإسلامى بكل وسائل المكر والخداع، ويحرم بلادنا من الحرية!

وطالما أن أمريكا وحلفاءها فى الغرب والشرق يحاصرون الاتجاه الإسلامى، ويساندون الحكومات التى تدور فى فلكها، فى تحجيم وتضييق الخناق على الحركات الإسلامية، مثلما هو واضح فى الجزائر وتونس ومصر وكشمير والشيشان، فإنه أمام إصرار الدعاة على الانتصار لدينهم الذى هو الحياة.. كل الحياة؟ إنه أمام هذا الظلم: ليس من وسيلة متاحة أمام التيار الإسلامى إلا أن يسلك سبيل الد عوة الفردية، بالصبر المرير، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وهو السبيل الذى يعمل عمل قطرات الماء الذى يحفر فى الصخر، حتى تتفجر ينابيع تسقى الأرض، وتنبت الزرع، وتعبد الحياة، وترفع راية: لا إله إلا الله، (فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا) الشرح.

هكذا تولد الأمم العظيمة، والحضارات الصالحة الكريمة.

 

الباب الأول

فتنة ليس لها إلا نبى

حينما كنت أقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا: يارسول الله؟ وأى الجهاد الأكبر؟ قال: "جهاد النفس ".

حتى إذا عشت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وصحابته فى غزوة " حنين "، وقرأت قول الله تعالى: (و يوم حنين اذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا) التوبة: 25، وعاد المسلمون بعون الله تعالى من هذه الغزوة ظافرين منتصرين، وقام رسولنا صلى الله عليه و سلم يوزع الغنائم، فاختص زعماء القبائل العربية التى أسلمت أخيرا بالقسم الأكبر من الغنائم؟ من أجل أن يتألف بها قلوبهم، فأعطى كل واحد منهم عشرات من الجمال.

عندما رأى الأنصار أن الغنائم قد حجبت عنهم، وانصبت فى أيدى قريش وقبائل المنطقة!، وجدوا فى أنفسهم (أخذوا على خاطرهم)، وتناوشتهم الظنون! فراحوا يتهامسون بها!، وجد هذا الحى من الأنصار فى أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة ((من يقول الكلام الردىء)) حتى قال قائلهم: لقى رسول الله صلى الله عليه و سلم قومه!.

وهنا يجب أن نقف وقفة تأمل وتدبر: كيف تناوشت الأنصار الظنون وهم الذين سبقوا إلى الإسلام، فراحوا يتهامسون بها حتى كثرت منهم القالة، وهم الذين عادوا من معركة " حنين "، ولا تزال الدماء ساخنة؟ فقد كانوا يقاتلون بالسلاح، ويفتدون الإسلام بالمال والأهل والسلام، إنه مشهد خطير. لم يكن أحد يتوقعه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولكن هذا المشهد فى الحقيقة المجردة واقع بشرى سوف يتكرر مع الأجيال على مدى الأيام والسنين، إن هذا المشهد المذهل أشد خطورة مما دار فى معركة ((حنين))، فإن معركة ((حنين)) كانت بين المؤمنين والكافرين، وفى هذه الحالة تقوى عزيمة المؤمنين وتشتد أواصر الأخوة والحب بينهم، والتضحية والفداء لنصرة دينهم، أما فى هذه الحالة المدلهمة فستكون- لا قدر الله- الحرب بين المؤمنين أنفسهم، وفيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم!، (و كيف تكفرون و أنتم تتلى عليكم آيات الله و فيكم رسوله)آل عمران: 101، ولكن الفتن فى ذاتها ليست إلا مستصغر الشرر، ولكن الحكيم العظيم هو الذى يطفئها.. إنها فتنة حالقة ليس لها إلا نبى.

ودخل على رسول الله صلى الله عليه و سلم سعد بن عبادة "سيد الأنصار" فقال:

يارسول الله، إن هذا الحى من الأنصار قد وجدوا عليك فى أنفسهم لما صنعت فى هذا الفىء الذى أصبت!، قسمت فى قومك وأعطيت عطايا عظاما فى قبائل العرب، ولم يكن فى هذا الحى من الأنصار منها شىء! فقال عليه السلام: "فأين أنت من ذلك يا سعد؟" فقال: يا رسول الله: ما أنا إلا من قومى، فقال عليه السلام: "فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة".

وهذا مشهد جديد وفريد ((سعد بن عبادة)) سيد الأنصار، يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم، فيضع بين يديه الأمر بكل أبعاده بصراحة ووضوح وأمانة وشجاعة، حتى إذا سأله رسول الله صلى الله عليه و سلم: "فأين أنت منهم؟ " قال: يارسول الله ما أنا إلا من قومى.

لم يتنصل سيد الانصار مما حدث منهم، ولم يوجه إليهم اللوم أو العتاب، ولم يتقرب إلى النبى صلى الله عليه و سلم بالتجريح فيهم، بل قال بالتضامن معهم: ما أنا إلامن قومى؟ إنه موقف الرجولة الفذة، والقيم العالية التى تهز المشاعر والوجدان.

خرج "سعد" فجمع الأنصار فى تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له، أتاه "سعد" فقال: قد اجتمع لك هذا الحى من الأنصار لم يتخلف منهم أحد، فأتاهم الرسول صلى الله عليه و سلم فحمد الله، واثنى عليه بما هو أهله.. ثم قال: "يا معشر الأنصار؛ مقالة بلغتنى عنكم، وجدة وجدتموها على فى أنفسكم؟، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله ؟ وأعداء فألف بين قلوبكم ؟ " قالوا: بلى، والله ورسوله أمن وأفضل، قال: "ألا تجيبونى يا معشر الأنصار؟" قالوا: بماذا نجيبك يارسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال صلى الله عليه و سلم : " أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم، أتيتنا كذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك ".

الرسول صلى الله عليه وسلم الذى يحب المؤمنين، فهو الذى يقول: "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، والصحابة الذين امتدحهم الله تعالى فى كتابه: (محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) الفتح:29، ويقول تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر)الأحزاب23.

محمد صلى الله عليه و سلم يخفض لهم جناح الذل من الرحمة!! إنه صلى الله عليه و سلم يعرف قدرهم، ويعتز بهم، ولا يفرط فى أنملة أحد منهم، إنهم معادن نادرة من رجال الإسلام، بهذا الشعور الربانى الرقيق، وهذا الخلق النبوى الشريف، انساب فى قلوبهم برقة وعذوبة، هو الذى أسرع سعيا إليهم بعاطفة الحب والإشفاق، يتحاور معهم بالتى هى أحسن، من نبع القلوب، وصفاء العقيدة، وصدق الغاية والقصد.

قال صلى الله عليه و سلم: منعهم حياؤهم أن يقولوه أو يتلفظوا به حين قال لهم:  "أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك ".

الرسول العظيم، والنبى الكريم؟ يدخل فى قلوب أصحابه بأسلوب النبوة الصادق المتواضع، الذى لايشوبه استعلاء ولا غرور، أسمعت فى هذا الوجود من يطفىء النار بالحب والقرب؟، أسمعت فى هذه الدنيا من يقول عن نفسه: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك؟، ياله من نبى معجزة، سجل فى هذا المشهد أعظم ما تتطلع إليه الدنيا من قيادة (بالمؤمنين رءوف رحيم) التوبة: 128،، لم يلجأ رسول الله صلى الله عليه و سلم لاتخاذ إجراءات ومواقف عدائية أو تصفوية كما نشاهد فى كثير من الأحداث، بل صدع لقول الله تعالى: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن) النحل: 25، وأى سبيل أحسن من تضميد الجراح، وجمع القلوب على الفلاح؟، إن رسول الله صلى الله عليه و سلم " يذكر الفضل لأهله "، وبهذا تنمو الفضائل، وتصفو الضمائر، وتسود المحبة والمودة.

ثم يقول الرسول صلى الله عليه و سلم: "أوجدتم يا معشر الأنصار فى أنفسكم فى لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟". الرسول صلى الله عليه و سلم يستحث إيمان الأنصار وماضيهم النورانى حين يقول لهم: أوجدتم يا معشر الأنصار فى أنفسكم فى لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟! فهو بهذا ينبه الغافل منهم أن الأصل فى الجهاد أن نخرج الناس من الظلمات إلى النور، فنجذب الناس إلى الإسلام، فإذا دفعت بشىء من الغنائم لأتألف بها قلوب قوم حديثى عهد بالإسلام ليسلموا ويزدادوا إيمانا، فهذا هو بيت القصيد، بل هو غاية الدعوة لإنقاذ البشرية، مع أن هذه الغنائم مهما بلغت قيمتها فهى لعاعة (أى الشىء التافه القليل) من الدنيا، وما عند الله خير وأبقى، والمؤمن يجب أن يسترجع الأصل فى كل موقف حين يهتف ((الله غايتنا)) وهذا هو معنى قول رسولنا الكريم " ووكلتكم إلى إسلامكم " أى: وكلتكم إلى فقهكم ووعيكم الإسلامى الشامل الجامع.

ثم يقول الرسول صلى الله عليه و سلم: " ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟".

يالها من نقلة روحية وجدانية جليلة المعنى، خطيرة التأثير فى القلوب والوجدان والمشاعر، الناس يعودون باللعاعة من الدنيا الفانية، وأنتم يا معشر الأنصار تعودون بأحب خلق الله إلى الله... محمد رسول الله، أى جلال هذا؟ وأى فخر هذا؟ وأى مجد هذا؟ وأى نعمة هذه؟ ثم بعد ذلك شفاعة وأنس وصحبة يوم القيامة.

ثم يقول الرسول صلى الله عليه و سلم: "والذى نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار"، قال: فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا.

ثم يتوجه رسول الله صلى الله عليه و سلم بكلمة إلى عامة الناس، كلمة ترطب القلوب، وتهدهد العواطف، وتسبح فى وجدانهم، وتؤثرهم على غيرهم بما سبق لهم من فضل الإيواء والنصرة، حين يقول لهم: لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا، وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، ليتنا كنا يومئذ منهم، أى مطمع بعد هذا؟ لو أنفقت الأنصار مافى الأرض جميعا ما أدركت مثل هذا المنار، أو هذا الفخر والفوز بالجنة ورضا الرحمن.

أخى الكريم.. أرأيت كيف كان ويكون وسيكون حال البشر، وهى سنة الله فى خلقه إلا من رحم؟، أرأيت كيف يكون العلاج أمام أعتى الفتن وأعصى المعضلات؟ إنه العلاج الذى يجمع ولا يفرق، يبنى ولايهدم، يشع الحب ويزيد من القرب، يهزم نوازغ ووساوس النفوس ويرتفع بالناس إلى مستوى العقيدة وسمو الغاية ووضوح الهدف، نحو تحقيق أسمى الأمانى بقيام دولة الإسلام التى ترفرف عليها راية القرآن.

لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم.

 

الدعوة الفردية

الفرد المسلم هو المقصود بالرسالة، ومن أجله بعث الله الرسل والأنبياء، ومن بعدهم كلف الله العلماء والدعاة، فإذا مست العقيدة القلب، وأشربت النفوس الإيمان، وصلح الفرد، صلحت الأمة، وقامت دولة الإسلام، لهذا عنى الإسلام عناية بالغة بالفرد، عقيدة وفهما وتربية، ليكون النموذج الحى، والنبراس الوضىء المضىء للسالكين سبيل الهداية والرشاد.

ومن أجل توصيل الدعوة بمفهومها الشامل الكامل إلى قلب كل مسلم فى هذا العصر الذى اختلطت فيه المفاهيم، وتوالت فيه أمواج التضليل والتشويه والتشويش على صوت الحق المبين، وما أحاط العالم الإسلامى من عداء بخصومة لدودة، وجهالة حاقدة بحقيقة الإسلام، أصبح من الضرورى تدعيم داعية الدعوة الفردية "بروشتة" تشخيصية تفصيلية، تعينه على وضوح الرؤية لكل شخص سيتعامل معه من الناحية النفسية والاجتماعية والسياسية، بحيث لايصطدم أو يتعثر أو يصيبه إحباط.

والذى يتصدى للدعوة الفردية يجب أن يكون مدفوعا من الأعماق بأهمية وقيمة توالد أجيال الدعوة، حتى لاتتوقف مسيرة الدعوة فى الوجود لنصرة الإسلام.

فالداعية الذى يتأجج بالألم العبقرى الذى يعيش فى وجدانه لما أصاب ويصيب عالم المسلمين.. يدفعه ذلك الألم بيقظة وقوة على أن يكون للدعوة على الدوام أزهار وثمار.

ولا ينجح الداعية فى مهمته حتى يتعبد بالإخلاص والتجرد (و ما توفيقي الا بالله) هود: 88، (ذلك الفضل من الله) النساء: 7، ولاينسى قصة الصحابى الداعية " مصعب بن عميرا " حين ابتعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم داعية إلى الطائف، وجاء "سعد بن عبادة " متصديا. فقال له (سعد بن زرارة): يا مصعب.. هذا سيد قومه قد جاءك.. فاصدق الله فيه.

وتبدو نتيجة هذا العمل الخالص المخلص فى الأخلاق من أهم وأعظم وسائل الدعوة وهى:

 

الدعوة الصامتة

وهى التى تتمثل فى (( القدوة الحسنة )) فالقدوة الحسنة دعوة شاملة لاتحتاج إلى شرح أو مناقشة، فهى أقصر طريق، لأن الإيمان بالدعوة فى هذه الحالة سيكون إيمانا بالعين والصورة، والواقع الحى الناطق، وهو أقرب إلى التصديق والاقتناع، وقد قال الإمام البنا- رحمه الله-: الكتاب يوضع فى المكتبة قلما يقرؤه أحد، ولكن المسلم الصادق كتاب مفتوح يقرؤه الناس، وهو أينما سار فهو دعوة متحركة (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة) الأحزاب: 21، لهذا نجد الطالب المسلم الذى يحصل على درجة الامتياز مع مرتبة الشرف مرموقا محبوبا، وهو فى ذات الوقت دعوة مضيئة ناطقة، وكذا يكون الموظف والعامل وغيرهما (و لكن الله حبب اليكم الايمان و زينه في قلوبكم) الحجرات    :22

 

الدعوة بالبلاغ

وتكون من الداعية بالوسائل الشرعية: بالحديث والبيان، وتكون بالوسائل منبثقة من روح الإسلام، فلا يجوز أن تحاول الوصول إلى القلوب بوسائل جاهلية!. فلابد أن تكون من جنس الفكرة وروح ا لإسلام.

وكم من شاب يتحمس أن يسلك سبيل الدعوة الفردية ولكنه يشعر بالعجز عن الإقدام، أو يفتقر إلى أساليب الدعوة.. وتلك من العوائق والعقبات التى تعطل الكثير عن الإقدام.

ومن أبرز تلك العقبات أن يكون الأخ ليس على درجة من العلم والفقه كافية للوفاء بهذا الواجب، ولعله يكون (غاوى) وله فراسة وموهبة وحيل واسعة، وقد سهل رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا الأمر فقال: "بلغوا عنى ولو آية" وكثيرا ما تكون كلمة طيبة كافية للجذب والتأثير، ونسمع من كلام أهل التجربة (( اللفظ سعد ))، بل إن صياغة العبارة المناسبة أمر مهم (و قولوا للناس حسنا) البقرة: 83،. وليكن واضحا فى ذهن الداعية حين يتوجه لأى فرد؟ أن هذا الإنسان ربما يكون مطعما بأفكار سيئة موروثة عما أشاعه الطغاة الظالمون من مفاهيم خاطئة حول بعض الاتجاهات الإسلامية، فلا تأس إذا قوبلت بالصدود، بل يجب أن تعد نفسك لمثل هذه الاتهامات المتوقعة!، بل عليك أن تعذرهم بجهلهم بالحقيقة الغائبة عنهم، فإذا أنت أدركت هذه الحقيقة، كان عليك أن تصبر معهم حتى يعرفوها، ويتذوقوها، فرسولنا صلى الله عليه و سلم يقول لنا: " تألفوا الناس وتأنوا بهم "، فالتآلف والمودة والحب فى صبر وتأن، يقرب الإنسان من الحقائق الغائبة، حتى إذا فهمها وتذوقها آمن بها واستيقن.

من ذاق طعم الإسلام يدريه        ومن دراه غدا بالروح يفديه

وليكن فى فقه الداعية أن أسلوب الدعوة يتغير ويتنوع من شخص لآخر، فوسائل الدعوة ليست ثابتة؟ ولكنها كثيرا ما تكون رهن الظروف والمناسبات، فهى التى توحى بالحيلة أو الوسيلة المناسبة، فقد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم رجل يسمى " ركامة " وكان مصارعا، ولم يكن قد أسلم بعد، ولم يسأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن العقيدة الإسلامية أو العبادات، ولكنه قال للرسول صلى الله عليه و سلم: " إذا صرعتنى أسلم " واستجاب الرسول لطلبه وقام وصرعه.. فأسلم. و " حمزة بن عبد المطلب " لم يكن قد أسلم؟ حين جاء من رحلة صيد، فقيل له: إن أبا جهل قد سب ابن عمك "محمدا" وهو يجلس بجوار الكعبة، فأسرع " حمزة " ودخل الكعبة وشج رأس أبى جهل وهو يقول: كيف تسب محمدا وأنا على دينه؟!. وفى هذه اللحظة قال: " أنا على دين الإسلام "!!.

 

الأمل الباسم الفسيح

يقيس الإخوة الناس بالنسبة لنشاطهم فى خدمة الدعوة الإسلامية بمقاييس جامدة محدودة، فالأخ الذي لا يعطى الدعوة كل جهوده من وقت ومال فهو فى نظرهم مقصر!، ومنهم من يتهم إخوانه بغير معرفة بشئون الحياة الاجتماعية الصعبة التى نعيشها فى هذا العصر، فحين كان الأخ طالبا فى الجامعة كان يقدم معونة مالية بسيطة لممارسة النشاط، فلما تخرج وصار موظفا قدم معونة مالية أكبر، ولكنه قصر فى نصيب الدعوة من الوقت، فلما تزوج قلت القيمة المالية وقلت قيمة الوقت، فلما أنجب لم يبق عنده غير الوفاء بقدر الاستطاعة، وفى مفهوم أصحاب الدعوات "أن كل إنسان يجود بما عنده" (لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت) البقرة: 286، فكلماقدم وبذل وجاهد فإن ذلك سيكون رصيدا فى حسناته.

وعلى كل حال فليس هذا السلوك شأنا عامأ، فإن كثيرا من الشباب يقهر كل هذه المشاغل والعقبات بقدر إيمانه العميق بعظمة الرسالة، وخطر الأمانة، والتبعة نحو الإسلام ومستقبله.

فالدعوة تأخذ من كل مسلم بقدر لايعوقه ولا يضيق عليه حياته بل إن الواجب عكس ذلك، فهناك من يبذل ويضحى فيعوض ويسد الثغرات، وكل مسلم عليه أن يدرك إن جسم الإنسان يتكون من أجهزة وحواس: يدين وعينين وأذنين وما شاكل ذلك؟

وكل له مهمة ورسالة، فكذلك كل مسلم يؤدى رسالة على قدر ما منحه الله تعالى، وبذلك يتشكل المجتمع الإسلامي، وما زلت أذكر أن أحد الإخوة كان يسمى: بالأخ المستمع، فهو يعيش معنا مجرد مستمع فقط، ولكن بعد أن من الله عليه بالزواج، أنجب ثلاثة من الذكور، كانوا جميعا من خريجى الجامعة ومن الإخوان، فكان ذلك تعويضا عظيمأ شرح الله به صدره.

وما زلنا فى حاجة ملحة إلى أن نتمعن قول رسول الله صلى الله عليه و سلم حين ألقى أهل الطائف الحجارة عليه صلى الله عليه و سلم حتى دميت قدماه عليه السلام وتوجه بدعائه إلى الله عز وجل، فجاءه جبريل عليه السلام وألقى عليه السلام وقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين- هما جبلان فى مكة- فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: لا.. عسى الله تعالى أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله تعالى.!

ففى المفهوم العميق للحديث الشريف أعظم ما يندبنا إليه الرسول العظيم: وهو أن الأمل عند الداعية أوسع من حدود هذه الدنيا، والله تعالى يقول: (عسى الله أن يجعل بينكم و بين الذين عاديتم منهم مودة و الله قدير و الله غفور رحيم) الممتحنة: 7.

 

ليس عليك هداهم

الانطباع الأول الذى يتركه الداعية فى نفس من يدعوه هو الذى تدور حوله رحلة المستقبل، وعلى قدر تأثره بهذا اللقاء يكون الانشراح والانفساح، لهذا يجب أن يكون الداعية مصبوغا أو مطبوعا بروح الدعوة ووضوحها روحا وسلوكا، وأن يتجه إلى الله تعالى فى خطوته هذه بالصدق، وأن يشرح الله له صدره وصدر من يتوجه إليه، فإذا تعذر عليه بلوغ غايته، وبلوغ الأسباب من أسرار النفوس البشرية.. من هذا الطريق.. ولكل حال وظروف لايعلمها إلا الله وحده؛ تذكر قوله تعالى: (ليس عليك هداهم و لكن الله يهدي من يشاء) البقرة: 272.

و إنى لأذكر فى هذا المقام قصة معبرة عشتها بنفسى مع أحد الإخوة الذين أحببتهم حبا جما، يفوق الوصف، حتى بدت ظروف فكرية خطيرة؟ حاولت فيها بكل الكتب والمراجع والشروح؟ أن يشرح الله تعالى صدره حتى نتوحد على فكر واحد، ويبقى هذا الحب فى مساره، ولكن دون جدوى، وفيما أنا حزين لهذا الموقف؟ طرقت أذنى هذه الآية الكريمة (إنك لا تهدي من أحببت و لكن الله يهدي من يشاء) القصص: 56، ووقفت كثيرا عند قوله تعالى: (من أحببت) أى أن هذا الحب العميق لايكون سببا فى الهداية، ولكن الله يهدى من يشاء.

وفى حالة تعذر الأخ الداعية الذى أشرنا إليه آنفا فى بلوغ غايته، فلا أظن أنه يعود مع نفس هذا الإنسان، وإنما يتدارك الأمر بعد فترة طويلة، ويعاود ذلك مع أخ غيره، بعد أن يتزود بمعلومات وأفكار عن طبيعته، وبيئته وظروفه، فلعل بعض الوقت أيمن من بعض، وبعض الظروف أيمن من بعض، فكم من إنسان تكون لديه ظروف خاصة ليس من السهل أن يبوح بها، وبعد مدة من الزمن تنفرج هذه الظروف، وييسر الله الأ مور ويشرح الصدور.

فلا يجوز أن يحكم على الإنسان حكم المفاصلة!، وإنما هى سنة الله تعالى فى البشر، وعلينا أن ندرك ذلك، فلا نيأس، ولا نقطع الصلة.

وأمرآخر أريد أن يتنبه إليه كل داعية:

إذ يجب أن تكون صورة الداعية مستنيرة وضاءة فى كل الأحوال، فلا هو يقابل فردا من الناس بوجه عابس، ويقابل الآخر بوجه باسم!. بل هو على الدوام منشرح باسم (( اطلبوا الخير عند صباح الوجوه )) لأن كل الناس فى خاطره ربح كبير للدعوة، والقلوب جبلت على حب من أحسن استقبالها وأداء الخدمات لها. (عبس و تولى، أن جاءه الأعمى، و ما يدريك لعله يزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى) عبس: 1-4،.

 

استغلال المناسبات لإحياء الموات

سافرت إلى بلد عربى فى زيارة، ودعانى أحد الإخوة على الغداء، وهناك وجدت مجموعة مدعوة مثلى، وكانت جلسة طيبة مؤنسة، وقبل أن نفترق دعانى واحد منهم على الغداء فى منزله، وذهبت فى الموعد، فوجدت نفس المجموعة الأولى تشاركنا الغداء!!، وأدركت أن كل واحد من هؤلاء سوف يكرر الدعوة، فقلت لهم: أظنكم سوف تتبادلون الدعوة حتى آخركم؟، فقالوا: نعم، هذا ما سيكون، فاتجهت إليهم وقلت لهم: هل تظنون أننى راغب فى ذلك؟، الواقع أننى كنت أظنكم قد فكرتم فى أن كل واحد منكم يدعونى على الغداء ويستحضر مجموعة جديدة من الشباب الجدد، ليجلسوا معنا ونتحدث إليهم من خلالكم وهم جلوس يستمعون فى حديث غير مباشر، ونتداول الأسئلة التى تفيد، وبذلك يكون كل واحد منكم دعانى للغداء ومعه عدد من الإخوة، بدلا من أن نتبادل الدعوة للغداء، ونكرر نفس اللقاء، وبهذه الفكرة نكون قد استفدنا بالغداء فى جذب القلوب، وجنينا ثمن العزومة خدمة للدعوة.

ولهذا.. فإن الأمر ليس طعاما، ولكن الطعام وسيلة للقاء، وفرصة لدعوة شباب جدد، يجلسون معنا، ويسمعوننا ونحن نتحدث عن الإسلام، فيسهل فهمه، ونجدد عزمه، ويسترشد بما يسمع من آيات وأحاديث، فنستفيد بالوقت قبل أن يضيع فى غير جدوى.

وهذا هو الداعية الذى يحمل هم الدعوة، وهموم المسلمين (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) المزمل: 5، الداعية الذى يعيش فى أتون معركة الإسلام مع أعدائه، الداعية الذى يستشعر عظمة الدعوة وقدسيتها، وشدة حاجة البشرية المطحونة إليها، تلك البشرية التى تمد البصر منذ قرون تترقب مطلعها، هذا الداعية الذى تعيش تلك الهموم والآمال فى ضميره وعقله، وتضطرم بها جوانحه، مهيأ- بإذن الله تعالى- أن يتحرك نحو القلوب (يهديهم ربهم بايمانهم) يونس: 9،.

 

مغناطيسية القلوب

ليس من إنسان خلقه الله تعالى إلا وله جهاز استقبال، وجهاز إرسال، فإذا فقدهما فقد فقد نفسه، وفقد سر وجوده، فهو كالشجرة الجافة التى تساقط ورقها، فلا خضرة فيها ولاحياة، أو كشجر "السرو" له رواء، وما له ثمر. فهو لهذا حى كميت!، لا أثر له فى الحياة، يأخذ لكنه لا يعطى!.

وهناك ناس ماهم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانتهم عند الله، هؤلاء اكتشفوا سر الله فيهم، ألا وهى الحواس: السمع، والبصر، والفؤاد، فاستنهضوها، وغذوها بالعبادة والطاعة، حتى اشتعلت وتوهجت، وأرسلت من منابع روحها، وسلسبيل قلبها، نبضات وموجات موحيات، تدق على قلوب الناس حتى تلين لذكر الله تعالى، فتتبادل الهواتف الروحية بأحاسيس لا ننطقها، ولكننا نسعد بها كأطياف هفهافة، فتتحول إلى مغناطيسية تجذب الأرواح، وتشد القلوب.

ولا يعدم الإنسان هذا الإحساس ولو بقدر يسير، والداعية الموفق هو الذى يهديه الله تعالى إلى مكامن هذا الشعور فيقويه وينميه (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم) الأ نفال: 24،.

والذين جفت منابع قلوبهم، وصدئت أرواحهم، يقول الله فيهم (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة و إن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار و إن منها لما يشقق فيخرج منه الماء و إن منها لما يهبط من خشية الله) البقرة: 74،. إن الآية الكريمة تقرر أن الحجارة تحس، بل إنها تهبط من خشية الله تعالى، ولكن نحن لا نملك هذه الأجهزة التى تبلغ من دقة الإحساس ما نكشف به كيف تحس، ولكنها يقينا تحس، وتخاف، وتندك من خشية الله تعالى. فإذا كانت الحجارة تحس وتقشعر، وتندك رهبة من الله تعالى، فكيف بالإنسان الذى حمله الله تعالى بتلك النعم العظيمة: العقل، والقلب، والشعور، والاحساس، والقلب- مستودع الرحمات- (رب اشرح لي صدري، و يسر لي أمري، و احلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي) طه: 25 إلى 28،.

 

ميدان عمل الداعية

أتصور أن ميدان عمل الواعظ غير ميدان عمل الداعية.

فالواعظ يرشد الناس إلى الإيمان بأصول الدين وعقائده، والتمسك بآداب الإسلام، والعمل بأحكامه، وشرح وتفسير آيات الكتاب والسنة المطهرة.

أما الداعية فإنه يحاول أن يضع أيدى المؤمنين على أهداف الإسلام وغاياته، ورسالته العالمية الإصلاحية لإنقاذ البشرية، وتحريرها من العبودية لغير الله تعالى، والنهوض بالشعوب الإسلامية لتحقيق أهداف الإسلام العليا: من التوحيد، والوحدة، والحرية، والعدل، والتكافل، والأخذ بأيدى المسلمين إلى التربية الإسلامية، فى الأخلاق والسلوك والمعاملات، حتى يتكون الفرد المسلم، والمجتمع المسلم.

إن عملية الوعظ أضيق مساحة من دائرة الدعوة، فمنهج الواعظ يتجه نحو الجمهور، أما مهمة الداعية فهى أن يستخلص الفرد الإيجابى من المجموع، يستخلصه للفهم الصحيح، والإيمان العميق، والعمل المنتج، والتدريب العملى على صراط الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والصبر الجميل.

فميدان عمل الداعية أوسع من ميدان الواعظ، فالواعظ يقول ويمضى، ولكن الداعية كالمدرس فى المدرسة؟ يشرح، ويوضح، وفى ذهنه أنه بعد ذلك سيكون امتحان للطلاب، يترتب على هذا الامتحان " تقدير" للمدرس آخر العام، يترتب عليه ترقيته من عدمه، فهو لهذا يتحتم عليه أن يجتهد بصدق وقوة فى أن تكون المحصلة لصالحه، ولهذا ترى الداعية يعايش الناس، ويشاركهم فى أفراحهم وأحزانهم، ويساعد فقيرهم، ويأسى لمريضهم، ويطبق موجبات الدعوة الإسلامية على نفسه، حتى يكون مثالا يحتذى به فى مظهره وسلوكه وأخلاقه، ومثل هذا الداعية تراه محببا إلى الناس، والناس من حوله تدعمه وتؤيده، وتسترشد به فى كثير من شئونها، وهو كذلك يدرك رسالته فى معالجة شئون هذا المجتمع، فنراه يبتعد فى أحاديثه وخطبه ومحاضراته عن تجريح الناس والهيئات، والسخرية مما يحبونه من عادات جاهلية، بل الداعية الحصيف هو ذلك الذى لديه إلمام بعادات وتقاليد وظروف المجتمع الذى ينزل فيه.

فإذا نزل الداعية فى أى بلد، فإنه يدرك أولا أن مهمته أن يجمع قلوب الناس، فلا تبدو منه كلمة أو عبارة منفرة، أو تثير الضغائن، أو تفتح بابا يتسرب منه شيطان الإنس!. والواعظ فى الأصل داعية والداعية والواعظ يجمعهما هدف واحد هو خدمة الإسلام.

سئل الإمام ((حسن البنا)) ذات مرة، فى إحدى ليالى "حديث الثلاثاء" بالقاهرة: ما الفرق بين جماعة " أنصار السنة " وجماعة " الإخوان المسلمون "؟، فرد "البنا " على هذا السؤال بسرعة قائلا: جماعة "أنصار السنة " مدرسة إعدادية، وجماعة "الإخوان " مدرسة ابتد ائية!.

وكان لهذا الرد أحسن الأثر فى نفوس إخواننا " أنصار السنة "، كما كان " حسن البنا " يصلى القيام فى شهر رمضان المبارك، بالمركز العام للإخوان المسلمين مأموما بأحد إخواننا علماء "الجمعية الشرعية الإسلامية"، فضلا عن أن جمعا كبيرا من أبناء مصر، من مختلف الجمعيات والأحزاب، بل وأيضا من الأقباط يحضرون هذا الحديث ((حديث الثلاثاء " الجامع الشامل.

إن رسالة " الإخوان المسلمون " للبناء والتشييد، وليست للهدم والتجريح، ولا يجمع هذه الأمة على قلب رجل واحد إلا هدف عظيم، وغاية شريفة، تتوحد عليها القلوب، وتتألف بها الأرواح، وتشتعل بها المشاعر، بقوة الإرادة، وقوة الحب، وقوة الدفع: دفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه و لي حميم) فصلت: 34. بكل هذه القوى الروحية الهائلة؟ لا يستعصى الإنسان على القرب والملاينة، ولا عجب أن يكون فى الوحوش المفترسة المخيفة ما يأتلف مع الإنسان فى صداقة، وتعيش أحيانا مع البشر كما نرى فى بعض الأفلام السينمائية من ترويض للاسود والنمور، وحتى الثعابين التى ترقص على صوت الناى، ويجلس بها أصحابها فى الشوارع وأمام الفنادق، رغم أن الثعابين لا تسمع لأنهاءصماء.

لقد منح الله تعالى الإنسان قوى مختلفة، أعظمها: قدرته على بعث روح الحب والمودة.

 

موقف مع ((سلمان الفارسى))

كان ((سلمان الفارسى)) يعيش فى بلاد فارس، وترامى إلى سمعه أن هناك فى مكة قد بعث نبى اسمه " محمد " يبشر بدين الإسلام، فاشتقات نفسه للتعرف على هذا الدين، وكان " محمد " يومئذ يعيش كغريب فى قومه الذين أنكروا عليه رسالته، وحاربوه وآذوه، ولكن " سلمان " لم يأبه لكل هذا، وأخذ سبيله مرتحلا إلى " مكة " يتحسى طريقه إلى النبى الجديد.

وحين بلغ " مكة المكرمة " توجه إلى البيت الحرام يبحث عن مأوى يستكن فيه حتى يبلغ غايته.

وهناك فى "مكة " تعود الناس- من باب الكرم- أن يستضيفوا أى زائر غريب فى منازلهم لمدة أربعة أيام، وكان " على بن أبى طالب " حاضرا حال مقدم " سلمان الفارسى "، فأسرع إلى دعوته قبل أن يلتقطه أحد غيره، ذلك لأن "على بن أبى طالب" أصبح داعية يبحث عن أنصار لدعوة " محمد " صلى الله عليه و سلم، فهو بدافع الرغبة، وإدراك أهمية الحصول على قلب جديد أسرع لانتهاز هذه الفرصة، فلا يجب أن تضيع من يده.

وفى بيت " على بن أبى طالب " نزل " سلمان الفارسى "، وفى خلال استضافته لاحظ تصرفات وأخلاق ومعاملات " على بن أبى طالب" فاستشف أنها أخلاق جديدة وفريدة، عساها تكون من نبع النبوة، ومن معين الدين الجديد، وأحس " على بن أبى طالب " بما يدور فى ذهن " سلمان "، وما يبدو عليه من علامات الرضا والاطمئنان.

والعيون تتحدث، والمشاعر تتأجج، وكانت المصارحة، والمصافحة، وكان الإسلام، وكانت الصحبة، وكان التا ريخ.

 

صفتان للداعية.. الذكاء والنقاء

فضيلة الشيخ محمد الغزالى

لكى تكون دعايتنا للإسلام ناجحة، يجب أن تتوفر فى الداعية خصلتمان: الذكاء، والنقاء.

أعنى ذكاء العقل، ونقاء القلب، ولا أريد بالذكاء عبقرية فائقة، يكفى أن يرى الأشياء كما هى.. دون زيادة أو نقص؟ فقد رأيت بعض الناس مصابا بحول فكرى!! لا تنضبط معه الحقائق: قد يرى العادة عبادة! والنافلة فريضة، والشكل موضوعا، ومن ثم يضطرب علاجه للأمور، وتصاب الدعوة على يديه بهزائم شديدة!

كما أنى لا أريد بنقاء القلب: صفاء الملائكة، وإنما أنشد قلبا محبا للناس، عطوفا عليهم، لا يفرح فى زلتهم، ولا يشمت فى عقوبتهم، بل يحزن لخطئهم ويتمنى لهم الصواب.

جاءنى طالب جامعى يخبرنى أن بعض المنحرفين يريد أن يقيم حفلا غنائيا، وأنه هو وأصحابه سوف يمنعون هذا الحفل بالقوة!. قلت له: أوافقكم على عدم إقامة الحفل، وانقل لهم رأيى مصحوبا بهذا النصح، لا مكان للفرح فى أيام كثرت فيها الأحزان.. المحلية.. والعالمية!، كيف نغنى وعشرات الالوف من المسلمين بين قتيل وجريح وشريد؟، إن مصابنا فى فلسطين وأفغانستان ينزف، ومستقبل الإسلام فيهما غامض!، والحرب الأهلية فى الصومال تزيد ضحاياها مائة مرة.. أو مئات المرات على الحرب الأهلية فى يوغوسلافيا!!!، ولا نزال فى مصر حديثى عهد بنكبة الباخرة فى البحر الأحمر، وغرقى السيول فى الإسكندرية، فعلام الغناء؟! هل قدت قلوبهم من صخر؟!

قال لى الطالب: لن يقنعهم هذا الكلام!

قلت: سلهم.. بم يغنون؟، بغزل رقيع، ولحن هابط، إن الأوساط الفنية مريضة الذوق والحس! فلن يصدر عنها إلا ما يسوء!، والواجب فى الأيام العصيبة التى تحيط بنا.. أن ننزه الاسماع عن اللغو.

قال لى الطالب: لن أقول شيئا من هذا الذى توصينى به، سأقول لهم: الإسلام يحرم الغناء، وسنهدم الحفل المقام على رءوس اصحابه!.

قلت له: إنك ناشئ فى ميدان الدعوة، فلماذا لا تنتفع بتجارب من سبقوك؟ وإن للإسلام خصوما متربصين فلا يجوز إعطاؤهم حجة على سوء فهمنا، وسوء سلوكنا! فأبى إلا ما استقرفى ذهنه‍‍‍‍‍‍ !.  

وأخيرا تدخلت الشرطة، ودخل البعض السجون!.

إننى ما أزال أنصح الإسلاميين بأن يرعوا الحكمة فى مجال الدعوة، وألا يمكنوا خصوم الإسلام من النيل منه بسبب حماس طائش!. وليكن الهدف الأول بناء العقائد والأخلاق والعبادات، أما الخلاقات الفقهية فلا صلة لها بميدان الدعوة، ولا بقاعدة: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إن " داود وسليمان " لم يختصما من أجل قضية الحرث الذى عاثت فيه الغنم، ومن الفقهاء من رأى حكم الرضاع فى الكبركحكم الرضاع فى الصغر...، فليقع الخلاف، وليدرس فى ميدانه، أما نقله إلى ميدان الدعوة.. فخطأ فادح!، إن الداعية الذى لا يجمع بين الذكاء والنقاء.. يثير مشكلات معقدة أمام انتشار الإسلام، وقد رأيت فى كندا والولايات المتحدة- وكانت رابطة العالم الإسلامى قد أوفدتنى إليها- رأيت دعاة وضعوا فى طريق الإسلام أحجارا، نقلوها من البيئات التى عاشوا فيها قديما، كى توقف سير الدعوة فى العالم الجديد!!، إنهم يغضبون لمذاهبهم وأهوائهم باسم الغضب للإسلام، ويعلم الله حاجتهم إلى من ينير عقولهم ويطهر أفئدتهم.

الشيخ محمد الغزالى

 

الجهل بالدعوة

الجهل بالدعوة لا ينفى عن الناس الإسلام!، ولهذا يقول الدعاة عن جهل الناس بدعوتهم: إنهم معذورون بجهلهم!، وقد قال رسولنا العظيم صلى الله عليه و سلم: "اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون "، إذا ثبت هذا فى فهم الداعية، فإنه يترتب على هذا الفهم: الرفق، والتواصى بالحق، والصبر، والنفس الطويل، وأن يضع الداعية نفسه فى نفس الظروف قبل أن يوفقه الله ويشرح صدره للإيمان (كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم) النساء: 194 فالهداية والتوفيق فضل من الله ومنة (بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان ان كنتم صادقين) الحجرات: 17.

وأنت حين تحاول أن تنقل إنسانا من فكر قديم إلى فكر جديد؟ فأنت تعرف أنه فكر جديد عليه، أى أن صاحبنا يجهله، والذى يجهل شيئا يعاديه!، وكم وقف الصحابة الكرام قبل إسلامهم يواجهون رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعداء! حتى إذا شرح الله صدورهم للإيمان كانوا أنصارا، بل جاهدوا وقاتلوا حول رسول الله صلى الله عليه و سلم.

لهذا إذا فقه الداعية أنه مصلح، وطبيب، ومدرس، تغير أسلوبه ومنهجه من الدعوة مع عامة الناس، ابتغاء بلوغ الدعوة سويداء القلوب، ومجامع العقول، فتستبد بالإنسان روحا وقلبا ووجدانا. وقديما قال لنا الإمام "البنا": لو أنه وضع أمامك قطعة من السكر النبات، وقطعة من الملح المبلور" ملح الليمون " فكيف تميز بينهما؟ قلت: لابد أن أتذوق الاثنين، فبالتذوق نفرق بين الحلو والملح.

ولهذا- حتى يعرف الناس الدعوة- يلزم أن يذوقوا حلاوتها، وسحرها الحلال، فيغير أن يذوقوا فهم معذورون، حتى نسعى إليهم، ونقد مها لهم.

من ذاق طعم الإسلام يدريه       ومن دراه غدا بالروح يفديه

وكم من المسلمين يجهلون الدعوة! بل ويكرهون الدعاة! ويحاربون الإسلام بصور وأشكال لم تخطر على بال الشياطين!(( من كلمات الأمام حسن البنا: لا تزال دعوتكم مجهولة عند كثير من الناس ويوم يعرفونها على حقيقتها سيقف جهل الشعب بالإسلام عقبة فى طريقكم..) من رسالة المؤتمر الخامس)) وكل هذه المفتريات تجسمت فى هذا العصر فى كثير من وسائل الإعلام الختلفة فى أنحاء العالم!، وأصحاب الدعوات محرومون بسلطة القانون من أن يسمع لهم صوت فى هذا الصخب الداوى!، ومع كل هذا الحصار الذى تآمر عليه العالم الظالم ليبيدوا الإسلام وأهله؟ فإننا نملك- والحمد لله- قوة هائلة من الإيمان الذى ملا جوانحنا بالأمل المؤمن فى نصر الله (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا و قالوا حسبنا الله و نعم الوكيل) آل عمران: 173، ومن كلمات المرشد الشهيد: ( سنتتصر بأهون الوسائل، وستعلم الدنيا منا مالم تكن تعلم )، ولقد كان لهذه الكلمات أثرها الخطير فى البعث، والقوة، والحياة،، كنا ندهش .. كيف ننتصربأهون الوسائل؟ ونحن لا نملك منها شيئا! حتى كان موت روسيا الشيوعية " الاتحاد السوفيتى " وهى تملك المئات من الرءوس النووية، ولم تصنع بها شيئا! ولم تحرك بها ساكنا!

أليس ذلك معنى صحيحا لأن النصر من عند الله تعالى، يوجهه كيف شاء؟ وما أمره إلا كلمح البصر أو هو أقرب؟ وقوله تعالى للشئ: كن، فيكون.

(هذا بلاغ للناس و لينذروا به و ليعلموا أنما هو اله واحد و ليذكر أولوا الألباب) إبرا هيم: 52،

إن رسالة الداعية فى الظلام أن يضئ شمعة، وأن يهدى الأعمى، ويسمع الأصم، وأن يحمل الكل، ويطعم الجائع، ويخفض جناح الذل من الرحمة لإخوانه المسلمين.

 

الإنسان طاقة جبارة.. بددت فى خسارة

دخلنا السجون بظلم الظالمين، وعذبنا عذاب الهون!، وديست كرامة الإنسان بأخس الأخلاق الدنيئة، بمالم يسمع به الأولون!، وكادت أرواحنا تنطلق إلى بارئها!، وصبرنا على الجوع والعطش، وعرفنا قيمة الغذاء والماء بالحرمان الطويل منهما، حتى فهمنا قول الله تعالى: (لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء و الصيف، فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف) قريش، حق الفهم، وجرينا فى الطوابير بالخطوة السريعة!، وحولنا الكلاب المفترسة، والكرابيج التى تمزق الأجساد، وذقنا الخوف والرعب!، فمنا من سقط مغشيا عليه، ومنا من سقط على وجهه، فترك بلا علاج!!، نجرى بالساعات بلا فرصة للراحة ولا يسمح لنا أن نستظل بظل سحابة عابرة!! منا من يتبول على نفسه!!!، بل أكثرمن ذلك !!.

كنا قبل أن نعيش هذه المحنة، لا نتصور على الإطلاق أن فى إمكان بشر من الشباب أن يتحمل بعضا مما يصب علينا دون أن يصاب بالشلل!، أو كثير من العلل!!، ولكن- سبحان الله- فقد اكتشفنا بعد هذه المحنة التى بلغت سنين؟ أن الإنسان يملك طاقات هائلة جدا من القدرة على الصبر والاحتمال والمجاهدة، طاقات عقدية ونفسية وروحية لم يكن قد اكتشفها أو عثر على منابعها أو مناجمها، وهى طاقات فاعلة بقدرة الله تعالى التى تهزم الجبارين وا لظالمين.

لقد كان القوم يتعجبون، بل كانوا فى ذهول مما يجدونه منا: إنهم كانوا فى غيهم سادرين!، حتى أتاهم أمر الله تعالى فتحققت المعجزة، وبدل الله حالنا من بعد الخوف أمنا، وهم من بعد الأمن خوفا!!، ورأيناهم بأعيننا: مغلقة عليهم زنازين السجن الحربى ا!!. العبرة فى الأمر: أن فى شباب الأمة الإسلامية طاقات خارقة، لو أتيحت لها فرص العمل والإنتاج؟ لتغير حال هذه الأمة إلى الحرية، وا لعدل، وا لمجد.

والذين عاشوا هذه المواقف؟ فقهوا هذه الدروس بدقة، واكتشفوا قدرة الإنسان المسلم على الإبداع يوم تتاح له هذه الحرية.

لقد اكتشفنا فى الإنسان طاقات مذخورة، لم يكتشفها الإنسان!، ضاعت فى اللهو، والعبث، والضياع!، وفقدنا قيمة هذا الجهد فى البناء، والإنتاج، وتربية الأجيال.

ألا فليعمل الأخ فى الدعوة بكل جهد حتى يلقى الله، فالإسلام دين الدنيا والآخرة.

إن فى هذه الأمة مناجم من قلوب لا يحجبهما عنكم إلا غبار الزمن، وظهور الباطل على الحق.

 

للغائب عذره ...

كان من خيرة الإخوان، وأكثرهم تواجدا بالمسجد، وحبا ومودة لأقرانه.

ومضت فترة... وغاب عنهم... وطال غيابه!، ولما ذهب أحدهم يعاتبه لغيابه الطويل، قال له فى نبرة حزن وأسى: كيف تأتينى الآن؟ وأين كنت أنت وإخوانك؟ فلم تتفقدونى طوال هذه الشهور!، وقد كنت فى حاجة ماسة وملحة أن أجدكم بجوارى حين ماتت زوجتى! وتركت لى أبناء صغارا!، وفقدت من كانوا أولى بى، وأقرب منى فى هذه اللحظات الصعبة!.

وكان درسا كبيرا للإخوة الذين لم يوفوا بعهد أخيهم فى السؤال والمتابعة، وهذا أقل الواجبات، ورسولنا صلى الله عليه و سلم يقول لنا: ((... وإذا غاب فتفقده..))

هذا مثال لمن غاب، ولم يتضح عذره إلا بعد السؤال عنه!، وهذا مثال آخر: يتعايش آخرون معا سنين، على حال ومنوال قريب، ولكن سنة الله فى خلقه أن الناس أحيانا كثيرة يتباعدون، لظروف حياتية، أو دراسية، أو وظيفية، فيظن البعض أن هذا الأخ الكريم قد تسرب متقاعسا!، أو غاب رهبة!، أو خوفا أو ضعفا! فيظن به الظنون، وقد نهينا عن ذلك ويغيب هذا الأخ الكريم عن ذاكرة إخوانه، لفرط ما قصروا فى حقه..!.

وتمضى الأيام، وتحدث أحداث شديدة، كما هو الحال فى طريق الدعوات، فإذا هم بهذا الأخ يتواجد فجأة بين صفوفهم، يقدم نفسه، ويقدم ماله فى صدق وشجاعة تذهل وتخجل الذين لم يفهموا أو يدركوا أن من ذاق طعم هذه الدعوة، وعاشت فى قلبه ووجدانه، فإنه يستحيل عليه أن يجحد فضلها، أو ينساها!.

إن الأخ الداعية لا يظن إلا خيرا، ولا يحقر أحدا، ولا يضع نفسه موضع الأعلى والأخير دونه فى الصف!، بل إن صاحب الدعوة يكون حينا فى المقدمة، وحينا فى الساحة.

إن كل من مسته روح الدعوة، لهو حى بها حتى يلقى الله تعالى..

إن الداعية يجب أن يحسن الظن بإخوانه ويستر عيوبهم حتى يثوبوا فيعودوا الداعية إلى إخوانهم وهم يحملون الحب لهم.

 

موقف الإسلام ودعاته من مظاهر الحضارة الحديثة

الإسلام دين الخلود، والحياة لا تقف! جامدة عند صورة واحدة، فيملها الناس ويبحثوا عن غيرها، وليست الحياة إنشاءات وجمادات، وإنما الحياة تجديد روح، ونماء، وأحاسيس، ومشاعر. والإسلام كدعوة للناس جميعا على اختلاف الملل والنحل، والألوان والأوطان؟ فيه كل الأشواق النظيفة، والإبداعات الفنية اللطيفة، التى تبنى الحضارات، وتسعد المجتمعات فى غير غلو ولا تفريط.

ودعوتنا قد كشفت عن هذه المفاهيم الراقية، المنبعثة من روح الإسلام، فيما جاء فى رسائل (الإمام البنا) حيث يقول:

((إن الإخوان يستعينون بكل وسائل الإعلام الحديثة، مثل: الصحافة والراديو والمسارح)) حيث عرض الإخوان مسرحيات أذيعت فى الراديو لمؤلفها الأستاذ " عبد الرحمن البنا " وحضرها الإمام ( حسن البنا ) عام 1947.

ويقول الشيخ " محمد الغزالي ": الأصل فى الأشياء الإباحة، ولا تحريم إلا بنص قاطع، والواقع أن نفرا من سوداوي المزاج أولعوا بالتحريم، ومنهجهم فى الحكم على أشياء يخالف منهج نبى الإسلام صلى الله عليه و سلم، الذى ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما، وقال فى ذلك، " لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فتلك بقاياهم فى الصوامع والأ ديرة؟ رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ".

وقد أشاعت المدنية الحديثة " الراديو والتليفزيون " وغيرهما من الأجهزة الناقلة للثقافة والملاهى على السواء، وهذه أجهزة وأدوات غير مسئولة عما يصدر عنها، والمسئولية تقع على المؤلفين والمغنين والمخرجين، وفى استطاعتهم أن يقدموا النافع، ويحجبوا الضار، ويؤكد الشيخ " الغزالى " أنه لا يحارب الغناء والموسيقى والترويح عن النفس، ولكن يؤلمه أن الأمة العربية والإسلامية تريد أن تعمل قليلا وتغنى كثيرا !! والاستجمام حق المرهقين لا حق القاعدين! ويقول: "الغناء كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح"، ومن غنى أو استمع إلى غناء شريف المعنى، طيب اللحن فلا حرج عليه، وما نحارب إلا غناء هابط المعنى واللحن، ولم يرد حديث صحيح فى تحريم الغناء! وقد احتج البعض بقوله تعالى (و من الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم و يتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين، و إذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم) لقمان: 6-7، ويرد الشيخ  ((الغزالى)) على هؤلاء بأن " من يشترى جد الحديث أو لهوه للاسباب المذكورة فى الآية جدير بسوء العقاب، أما من يريح أعصابه المكدودة بصوت حسن، ولحن جميل، فلا علاقة للآية به)) ويقول: ((إذا كان الغناء مقرونا بالمحرمات فهو مرفوض أما إذا برئ منها فلا شئ فيه، والموسيقى كالغناء، وقد سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم صوت الدف والمزمار دون تحرج، والألحان تختلف فى تأثيرها وصداها النفسى؟ فإذا كان هناك مجال للاعتراض فعلى الأصوات الخنثة، والألحان الطرية المائعة ".

وفى النهاية .. يؤكد فضيلة الشيخ " محمد الغزالى ": أن الأمة الإسلامية فى حاجة شديدة إلى الكثير من الجد، والقليل من اللهو، ويقول: " لو رزقنا بفنانين ذوى شرف ومقدرة، لأمكن تحويل الفنون إلى عوامل للبناء لا الهدم، ولإثارة المشاعر النبيلة لا إهاجة الغرائز الدنيا.

وفى العصر الحديث حين بدأت الثورة الفلسطينية " منظمة حماس الإسلامية " ضد الاحتلال الصهيونى، ظهرت على الساحة عدة أناشيد إسلامية حماسية، أشهرها: (أبو راتب)،  (أبو مازن) هذا خلاف عشرات الفرف التى انتشرت فى مصر والأردن، وكان- ولا يزال- لها آثار عميقة فى قلوب وضمائر الشباب الإسلامى فى كل مكان، وكان للصوت واللحن الجميل صداه فى نفوس عامة المسلمين.

 

إلقاء السلام.. مفتاح، وانشراح، وإصلاح

حدثنى أخى- فى السجن الحربى عام 1954- فى محنة حادث المنشية.. قال:

إنه كان يعيش مع إخوانه فى الزنزانة فى حالة من الخوف والرعب! حالة مذبحة رهيبة!! ولم يكن هناك أى شعور بالاطمئنان!، وكان الجو من القتامة والكآبة بمكان! تحيط بهم عوامل الرعب والإرهاب!!!.

وبينما هم فى هذه الحالة المظلمة! إذا فتح عليهم باب الزنزانة، فإذا بضابط برتبة نقيب يلقى عليهم ((السلام عليكم ورحمة الله " فإذا بالجميع ينفجرون بالبكاء وبصوت رهيب حزين!! مما جعل الضابط يصاب بالدهشة والوجل!، وأدرك الضباط مدى ما تجيش به صدور هؤلاء من عميق الحزن والأسى، إذ كان إلقاء السلام فى خاطرهم شيئا لا يمكن أن يتوقعه أحد! أو يمكن له أن يحدث فى مثل هذا الجحيم!. وهكذا.. نزل السلام عليهم كالماء البارد فى أتون نار مشتعلة .

 

السياسة النفسية فى مناقشات جماعية

أحيانا فى إحدى المناسبات يجمعنا لقاء على غيرموعد. وبعض الحاضرين لم أره من قبل. ويتطرق الحديث عن دعوة  ((الإخوان المسلمون)) وتعرضت لبعض الأسئلة حول فكر الإخوان وتاريخهم وما يدور حولهم وبعد فترة من المناقشات والإبانة والتوضيح وأنا أراقب تفاعلات الوجوه، حتى سألنى أحد هؤلاء الجدد فقال: إحنا الإخوان : بماذا نجيب هؤلاء الذين يصدون عن دعوتنا؟ أريد أن أكون على بينة عن فكر الإخوان وتاريخ حركتهم حتى أستطيع أن أدافع عنهم؟

وفى نفس الوقت يسأل صديقه: أنتم الإخوان: كيف ستواجهون هذه العقبات والتهم ومخططات أعداء الدعوة الإسلامية!؟ فأدركت أن الأول قد شرح الله صدره وبدأ يتجاوب ويقترب واستراح لعموم دعوتنا واطمأن قلبه لها. وأما الثانى فلا يزال مترددا ولما يستسلم نفسيا لمنهج الإخوان ويحتاج لكثير من التبيان والإيضاح وفى الحال وجهت اهتمامى له وصار حديثى موجها إليه بكل حواسى واحترامى .. ولم أحاول أن أحتفى وأمد جسورا سريعة إلى صديقه الأول.. فلو أننى فعلت ذلك لصنعت بينهما فجوة نفسية وجفوة قلبية، لما بدا بينهما من خلاف فكرى. فمن طبيعة النفوس أن تتحامل على المفارق الذى لم يتفق مع الآخرين.

ولقد اقتنعت أن عرض الدعوة على جماعة ولا سيما إذا كانت غير متجانسة.. قلما تجد سبيلا إلى قلوبهم وعقولهم إلا من رحم ربك حيث إن العدد الكبير تتضارب فيه الأفكار وتتصارع فيه النزعات المذهبية. ويريد كل متحدث أن ينتصر على محدثه أحيانا بالحق وأحيانا بالباطل. ويسود الجدل والمراء الذى لا يأتى بخير.

لكن الدعوة الفردية تتناول لب الموضوع وتعطيك فرصة أوسع فى المناقشة الحرة الهادئه " بالتى هى أحسن " التى تتبادل فيه وجهات النظر وتقارع الحجة بالحجة. وفى الدعوة الفردية فرصة للمكاشفة فأحيانا تكون لمحدثك أسئلة لا يستطيع أن يستفسرعنها لوكان فى جماعة من الناس. مثل تلك الشبهات والاتهامات الباطلة التى ترسبت فى عقول أجيال تجهل الحقيقة الصافية بفعل الظروف السياسية القاهرة التى صنعها أعداء الدعوة الإسلامية. ليصدوا عن سبيل الله. (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

 

الدعوة: روح وعاطفة

دعيت لزيارة مجموعة من الشباب، واستغرق السفر إليهم ثلاث ساعات!، وحين وصلت إليهم، وجدتهم قد استقبلونى وهم جلوس! وجوههم جامدة، ومشاعرهم خامدة، وعيونهم ميتة!، قدمنى إليهم كبيرهم، فتحدثت إليهم بلا قلب، ولا روح!، حتى إذا انتهيت من حديثى، شكرنى، وخرجت كأننى كنت أعزى فى ميت!! وعدت من حيث أتيت، حزينا لما شاهدت ورأيت!.

ومضت الأيام والأسابيع، وجاءنى الأخ نفسه، الذى دعانى أول مرة، جاء يدعونى لأكرر الزيارة مرة أخرى!.

فقلت له: إلى أين؟.

قال: إلى الإخوة.

قلت له: أهؤلاء إخوة؟.

قال: نعم.

قلت: مستحيل أن يكون هؤلاء عندهم تذوق لمعنى الأخوة!، كيف يكونون إخوة.. وقد جاءهم ضيف قطع إليهم مسافرا أكثر من ثلاث ساعات، جاء إليهم بأشواق متلهفة، وعواطف مشتعلة، ونفس منشرحة؟ فيتلقونه بمشاعر جامدة، وهم جلوس كأنهم تلاميذ فى مدرسة!، لا تربطنى بهم سوى علاقة المدرس فى الفصل!!، فإذا أنها الدرس خرج لا يلوى على شيء، لا عواطف! ولا مشاعر! ولا دعوة تجمع بينهم!!!.

لقد تركتكم كاسف البال!، أتحسر على جمود العواطف! وفقدان يقظة القلوب، وحياة المشاعر التى هى سر وجودنا وحيويتنا وانتعاشنا.

أصاب أخى الخجل والحيرة، ثم بادرنى يقول:.. إذا كان الإخوة قد فاتهم هذا المعنى فى أول مرة، فسوف أقوم بالتنبيه عليهم، حتى يتداركوه المرة القادمة.

فنظرت إليه وقلت: يا سيدى إن هذه المواهب الروحية، واللمسات العاطفية، والأريحية، واللطائف النفسية، والذوق؟ لا تنهض به توجيهات أو أوامر!، وإنما تنهض به: موحيات قلوب معطرة بالحب، مشتاقة تواقة إلى توأمها فى العقيدة التى تتأجج بها القلوب.

واعتذرت لأخى عن الزيارة، رغم أنى مشتاق إليهم، ومشفق علي