مختصـر القـدوري

في الفقه على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه

 

للإمام العلامة

أبي الحسين أحمد بن محمد بن جعفر القدوري البغدادي الحنفي

المتوفى سنة 428هـ

 

كتاب الطهارة 5

باب التيمم. 7

باب المسح على الخفين. 7

باب الحيض. 8

باب الأنجاس. 8

كتاب الصلاة 9

باب الأذان. 9

باب شروط الصلاة التي تتقدمها. 9

باب صفة الصلاة. 10

باب قضاء الفوائت. 11

باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة. 11

باب النوافل. 11

باب سجود السهو. 12

باب صلاة المريض. 12

باب سجود التلاوة. 12

باب صلاة المسافر. 13

باب صلاة الجمعة. 13

باب صلاة العيدين. 14

باب صلاة الكسوف. 14

باب الاستسقاء. 14

باب قيام شهر رمضان. 14

باب صلاة الخوف. 14

باب الجنائز. 15

باب الشهيد. 15

باب الصلاة في الكعبة وحولها. 15

كتاب الزكاة 16

باب زكاة الإبل. 16

باب صدقة البقر. 16

باب صدقة الغنم. 16

باب زكاة الخيل. 17

باب زكاة الفضة. 17

باب زكاة الذهب. 17

باب زكاة العروض. 17

باب زكاة الزروع والثمار. 17

باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز. 18

باب صدقة الفطر. 18

كتاب الصوم 18

باب الاعتكاف. 19

كتاب الحج. 19

باب القران. 21

باب التمتع. 21

باب جنايات المحرم. 22

باب الإحصار. 23

باب الفوات. 23

باب الهدي. 23

كتاب البيوع. 24

باب خيار الشرط. 24

باب خيار الرؤية. 25

باب خيار العيب. 25

باب البيع الفاسد. 25

باب الإقالة. 26

باب المرابحة والتولية. 26

باب الربا. 27

باب السلم. 27

باب الصرف. 28

كتاب الرهن. 28

كتاب الحجر. 29

كتاب الإقرار. 30

كتاب الإجارة. 31

كتاب الشفعة. 33

كتاب الشركة. 34

كتاب المضاربة. 34

كتاب الوكالة. 35

كتاب الكفالة. 36

كتاب الحوالة. 37

كتاب الصلح. 37

كتاب الهبة. 38

كتاب الوقف. 39

كتاب الغصب. 40

كتاب الوديعة. 40

كتاب العارية. 41

كتاب اللقيط. 41

باب اللقطة. 42

كتاب الخنثى. 42

كتاب المفقود. 42

كتاب الإباق. 43

كتاب إحياء الموات. 43

كتاب المأذون. 43

كتاب المزارعة. 44

باب المساقاة. 44

كتاب النكاح 44

كتاب الرضاع. 47

كتاب الطلاق. 48

باب الرجعة 50

كتاب الإيلاء 50

باب الخلع. 51

كتاب الظهار. 51

باب اللعان 52

باب العدة 52

كتاب النفقات 53

باب الحضانة 54

كتاب العتق 55

باب التدبير 56

باب الاستيلاد 56

كتاب المكاتب 56

كتاب الولاء 57

كتاب الجنايات 58

كتاب الديات. 59

باب القسامة 60

باب المعاقل 61

كتاب الحدود. 61

باب حد الشرب 62

باب حد القذف 62

كتاب السرقة 63

كتاب الأشربة 64

كتاب الصيد والذبائح 64

كتاب الأضحية. 65

كتاب الأيمان. 66

كتاب الدعوى. 68

كتاب الشهادات. 70

باب الرجوع عن الشهادة. 71

كتاب أدب القاضي. 72

كتاب القسمة. 73

كتاب الإكراه. 74

كتاب السير. 74

باب البغاة. 77

كتاب الحظر والإباحة. 77

كتاب الوصايا. 78

كتاب الفرائض. 80

باب أقرب العصبات. 80

باب الحجب. 81

باب الرد. 81

باب ذوي الأرحام. 81

باب حساب الفرائض. 82

 

 

كتاب الطهارة

- قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين}.

ففرض الطهارة: غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، والمرفقان والكعبان يدخلان في الغسل؛ والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية؛ لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم "أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه ".

وسنن الطهارة:

غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إذا استيقظ المتوضئ من نومه، وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، ومسح الأذنين، وتخليل اللحية والأصابع، وتكرار الغسل إلى الثلاث. ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة، ويستوعب رأسه بالمسح، ويرتب الوضوء، فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره وبالميامن ومسح الرقبة.

- والمعاني الناقضة للوضوء: كل ما خرج من السبيلين، والدم والقيح والصديد إذا خرج من البدن فتجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير ، والقيئ إذا كان ملء الفم، والنوم مضطجعاً أو متكأً أو مستنداً إلى شيءٍ لو أزيل عنه لسقط، والغلبة على العقل بالإغماء، والجنون، والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود.

وفرض الغسل:

المضمضة، والاستنشاق، وغسل سائر البدن.

وسنة الغسل: أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه، ويزيل النجاسة إن كانت على بدنه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا، ثم يتنحى عن ذلك المكان فيغسل رجليه. وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر.

والمعاني الموجبة للغسل: إنزال المني على وجه الدفق والشهوة، من الرجل والمرأة، والتقاء الختانين من غير إنزال، والحيض والنفاس.

وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الغسل للجمعة والعيدين والإحرام.

وليس في المذى والودي غسل، وفيهما الوضوء.

 

والطهارة من الأحداث:

جائزةٌ بماء السماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار.

ولا تجوز بما اعتصر من الشجر والثمر، ولا بماءٍ غلب عليه غيره وأخرجه عن طبع الماء، كالأشربة والخل وماء الورد وماء الباقلا والمرق وماء الزردج.

وتجوز الطهارة بماء خالطه شيءٌ طاهرٌ فغير أحد أوصافه كماء المد والماء الذي يختلط به الأشنان والصابون والزعفران.

وكل ماءٍ وقعت فيه نجاسةٌ لم يجز الوضوء به، قليلاً كان أو كثيراً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بحفظ الماء من النجاسة؛ فقال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة ". وقال عليه الصلاة والسلام: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده".

وأما الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسةٌ جاز الوضوء منه، إذا لم ير لها أثرٌ؛ لأنها لا تستقر مع جريان الماء. والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر.

إذا وقعت نجاسةٌ في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر؛ لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه.

وموت ما ليس له نفسٌ سائلةٌ في الماء لا ينجسه، كالبق والذباب والزنابير والعقارب وموت ما يعيش في الماء فيه لا يفسده كالسمك والضفدع والسرطان.

والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث.

والمستعمل: كل ماءٍ أزيل به حدثٌ أو استعمل في البدن على وجه القربة.

وكل إهابٍ دبغ فقد طهر وجازت الصلاة فيه والوضوء منه، إلا جلد الخنزير والآدمي.

وشعر الميتة وعظمها وحافرها وعصبها وقرنها طاهر.

وإذا وقعت في البئر نجاسةٌ نزحت، وكان نزح ما فيها من الماء طهارة لها، فإن ماتت فيها فأرةٌ أو عصفورةٌ أو صعوةٌ أو سودانيةٌ أو سام أبرص نزح منها ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين دلواً، بحسب كبر الحيوان وصغره، وإن ماتت فيها حمامةٌ أو دجاجةٌ أو سنورٌ نزح منها ما بين أربعين دلواً إلى ستين.

وإن مات فيها كلبٌ أو شاةٌ أو آدميٌ نزح جميع ما فيها من الماء وإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع ما فيها من الماء صغر الحيوان أو كبر.

وعدد الدلاء يعتبر بالدلو الوسط المستعمل للآبار في البلدان، فإن نزح منها بدلوٍ عظيمٍ قدر ما يسع عشرين دلواً من الدلو الوسط احتسب به.

وإن كانت البئر معيناً لا تنزح ووجب نزح ما فيها من الماء أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء. وقد روى عن محمد بن الحسن رحمة الله عليه أنه قال: ينزح منها مائتا دلوٍ إلى ثلاثمائة دلوٍ.

وإذا وجد في البئر فأرةٌ أو غيرها ولا يدرون متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسخ أعادوا صلاة يومٍ وليلةٍ إذا كانوا توضئوا منها، وغسلوا كل شيءٍ أصابه ماؤها، وإن كانت انتفخت أو تفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيامٍ ولياليها في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: ليس عليهم إعادة شيءٍ حتى يتحققوا متى وقعت.

وسؤر الآدمي وما يؤكل لحمه طاهرٌ.

وسؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم نجسٌ، وسؤر الهرة والدجاجة المخلاة وسباع الطير وما يسكن في البيوت مثل الحية والفأرة مكروهٌ، وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيهما، فإن لم يجد غيرهما توضأ بهما وتيمم وبأيهما بدأ جاز.

 

 باب التيمم.

- ومن لم يجد الماء وهو مسافرٌ أو خارج المصر بينه وبين المصر نحو الميل أو أكثر، أو كان يجد الماء إلا أنه مريضٌ فخاف إن استعمل الماء اشتد مرضه، أو خاف الجنب إن اغتسل بالماء أن يقتله البرد، أو يمرضه فإنه يتيمم بالصعيد.

والتيمم ضربتان: يمسح بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين؛ والتيمم من الجنابة والحدث سواءٌ.

ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمدٍ بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر والجص والنورة والكحل والزرنيخ.

وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصةً والنية فرضٌ في التيمم مستحبةٌ في الوضوء.

وينقض التيمم كل شيءٍ ينقض الوضوء، وينقضه أيضاً رؤية الماء إذا قدر على استعماله.

ولا يجوز التيمم إلا بصعيدٍ طاهرٍ.

ويستحب لمن لا يجد الماء وهو يرجو أن يجده في آخر الوقت أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت فإن وجد الماء توضأ به وصلى، وإلا تيمم.

ويصلى بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل.

ويجوز التيمم للصحيح في المصر إذا حضرت جنازةٌ والولي غيره فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة فإنه يتيمم ويصي وكذلك من حضر العيد فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته صلاة العيدين فإنه يتيمم ويصلي؛ وإن خاف من شهد الجمعة إن اشتغل بالطهارة أن تفوته صلاة الجمعة لم يتيمم ولكنه يتوضأ، فإن أدرك الجمعة صلاها، وإلا صلى الظهر أربعاً، وكذلك إذا ضاق الوقت فخشي إن توضأ فات الوقت لم يتيمم، ولكنه يتوضأ ويصلي فائتةٍ.

والمسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى ثم ذكر الماء في الوقت لم يعد الصلاة عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله. وقال أبو يوسف: ويعيدها.

وليس على المتيمم إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماءً أن يطلب الماء، فإن غلب على ظنه أن هناك ماءً لم يجز له أن يتيمم حتى يطلبه، وإن كان مع رفيقه ماءٌ طلبه منه قبل أن يتيمم، فإن منعه منه تيمم وصلى.

 

 باب المسح على الخفين.

- المسح على الخفين جائزٌ بالسنة من كل حدثٍ موجبٍ للضوء إذا لبس الخفين على طهارةٍ كاملةٍ ثم أحدث.

فإن كان مقيماً مسح يوماً وليلةً، وإن كان مسافراً مسح ثلاثة أيامٍ ولياليها، وابتداؤها عقيب الحدث.

والمسح على الخفين على ظاهرهما خطوطاً بالأصابع، يبدأ من رؤس أصابع الرجل إلى الساق.

وفرض ذلك مقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد.

ولا يجوز المسح على خف فيه خرقٌ كبيرٌ يبين منه مقدار ثلاث أصابع من أصابع الرجل، وإن كان أقل من ذلك جاز.

ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل.

وينقض المسح ما ينقض الوضوء، وينقضه أيضاً نزع الخف، ومضي المدة، فإذا مضت المدة نزع خفيه وغسل رجليه وصلى، وليس عليه إعادة بقية الوضوء.

ومن ابتدأ المسح وهو مقيمٌ فسافر قبل تمام يومٍ وليلةٍ مسح ثلاثة أيامٍ ولياليها، ومن ابتدأ المسح وهو مسافرٌ ثم أقام، فإن كان مسح يوماً وليلةً أو أكثر لزمه نزع خفيه وغسل رجليه وإن كان مسح أقل من يومٍ وليلةٍ تمم مسح يومٍ وليلةٍ.

ومن لبس الجرموق فوق الخف مسح عليه.

ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين لا يشفان الماء  ولا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة  والبرقع والقفازين.

ويجوز المسح على الجبائر وإن شدها على غير وضوءٍ، فإن سقطت عن غير برءٍ لم يبطل المسح، وإن سقطت عن برءٍ بطل المسح.

 

 باب الحيض.

- أقل الحيض ثلاثة أيامٍ ولياليها، وما نقص عن ذلك فليس بحيضٍ وهو استحاضةٌ. وأكثر الحيض عشرة أيامٍ ولياليها، وما زاد على ذلك فهو استحاضةٌ. وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض فهو حيضٌ حتى ترى البياض الخالص.

والحيض يسقط عن الحائض الصلاة، ويحرم عليها الصوم، وتقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، ولا تدخل المسجد، ولا تطوف بالبيت، ولا يأتيها زوجها.

ولا يجوز لحائضٍ ولا جنبٍ قراءة القرآن. ولا يجوز لمحدثٍ مس المصحف إلا أن يأخذه بغلافه.

وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيامٍ لم يجز وطؤها حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاةٍ كاملٌ، فإن انقطع دمها لعشرة أيامٍ جاز وطؤها قبل الغسل.

والطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم الجاري.

وأقل الطهر خمسة عشر يوماً ولا غاية لأكثره.

ودم الاستحاضة هو ما تراه المرأة أقل من ثلاثة أيامٍ أو أكثر من عشرة أيامٍ؛ فحكمه حكم الرعاف الدائم: لا يمنع الصوم، ولا الصلاة، ولا الوطء،

وإذا زاد الدم على عشرة أيامٍ وللمرأة عادةٌ معروفةٌ ردت إلى أيامها عادتها، وما زاد على ذلك فهو استحاضةٌ، وإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضةً فحيضها عشرة أيامٍ من كل شهرٍ، والباقي استحاضةٌ.

والمستحاضة، ومن به سلس البول، والرعاف الدائم، والجرح الذي لا يرقأ - يتوضئون لوقت كل صلاةٍ؛ فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل، فإذا خرج الوقت بطل وضوءهم، وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاةٍ أخرى.

والنفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة، والدم الذي تراه الحامل وما تراه المرأة في حال ولادتها قبل خروج الولد استحاضةٌ، وأقل النفاس لا حد له، وأكثره أربعون يوماً، وما زاد على ذلك فهو استحاضةٌ، وإذا تجاوز الدم الأربعين، وقد كانت هذه المرأة ولدت قبل ذلك ولها عادةٌ في النفاس ردت إلى أيام عادتها، وإن تكن لها عادةٌ فابتداء نفاسها أربعون يوماً، ومن ولدت ولدين في بطنٍ واحدٍ.

فنفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد وزفرٌ: نفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الثاني.والله أعلم

 

 باب الأنجاس.

- تطهير النجاسة واجبٌ من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي عليه.

ويجوز تطهير النجاسة بالماء، وبكل مائعٍ طاهرٍ يمكن إزالتها به كالحل وماء الورد.

وإذا أصابت الخف نجاسةٌ ولها جرمٌ فجفت فدلكه بالأرض جاز.

والمني نجسٌ يجب غسل رطبه، فإذا جف على الثوب أجزأ فيه الفرك.

والنجاسة إذا أصابت المرآة أو السيف اكتفي بمسحهما.

وإذا أصابت الأرض نجاسةٌ فجفت بالشمس وذهبت أثرها جازت الصلاة بمكانها، ولا يجوز التيمم منها.

ومن أصابه من النجاسة المغلظة كالدم والبول والغائط والخمر مقدار الدرهم فما دونه جازت الصلاة معه، فإن زاد لم تجز، وإن أصابته نجاسةٌ مخففةٌ كبول ما يؤكل لحمه جازت الصلاة معه، ما لم يبلغ ربع الثوب.

وتطهير النجاسة التي يجب غسلها على وجهين: فما كان له منها عينٌ مرئيةٌ فطهارتها زوال عينها، إلا أن يبقى من أثرها ما يشق إزالته، وما ليس له عينٌ مرئيةٌ فطهارتها أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر.

والاستنجاء سنةٌ، يجزئ فيها الحجر وما يقوم مقامه يمسحه حتى ينقيه، وليس فيه عددٌ مسنونٌ، وغسله بالماء أفضل، فإن تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه إلا الماء. ولا يستنجي بعظم ولا بروثٍ ولا بطعامٍ ولا بيمينه إلا بعذر.

 

 

 كتاب الصلاة

- أول وقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني، وهو البياض المعترض في الأفق، وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس، وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس، وآخر وقتها عند أبي حنيفة إذا صار ظل كل شيءٍ مثليه سوى فيء الزوال.

وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا صار ظل كل شيء مثله. وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر على القولين، وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس، وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس، وآخر وقتها ما لم يغب الشفق، وهو البياض الذي في الأفق بعد الحمرة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: هو الحمرة، وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر، وأول وقت الوتر بعد العشاء، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر.

ويستحب الإسفار بالفجر، والإبراد بالظهر في الصيف، وتقديمها في الشتاء، وتأخير العصر ما لم تتغير الشمس، وتعجيل المغرب  وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل. ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل، فإن لم يثق بالانتباه أوتر قبل النوم.

 

 باب الأذان.

- الأذان سنةٌ للصلوات الخمس والجمعة دون ما سواها.

وصفة الأذان أن يقول: الله أكبر، الله أكبر - إلى آخره، ولا ترجيع فيه  ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح: الصلاة خيرٌ من النوم، مرتين.

والإقامة مثل الأذان، إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح: قد قامت الصلاة، مرتين.

ويترسل في الأذان، ويحدر عن الإقامة، ويستقبل بهما القبلة، فإذا بلغ إلى الصلاة والفلاح حول وجهه يميناً وشمالاً.

ويؤذن للفائتة ويقيم، فإن فاتته صلواتٌ أذن للأولى وأقام، وكان مخيراً في الباقية: إن شاء أذن وأقام، وإن شاء اقتصر على الإقامة، وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهرٍ، فإن أذن على غير وضوءٍ جاز، ويكره أن يقيم على غير وضوءٍ أو يؤذن وهو جنبٌ، ولا يؤذن لصلاةٍ قبل دخول وقتها.

 

 باب شروط الصلاة التي تتقدمها.

- يجب على المصلي أن يقدم الطهارة من الأحداث والأنجاس على ما قدمناه، ويستر عورته، والعورة من الرجل: ما تحت السرة إلى الركبة، والركبة من العورة، وبدن المرأة الحرة كله عورةٌ إلا وجهها وكفيها وقدميها. وما كان عورةً من الرجل فهو عورةٌ من الأمة، وبطنها وظهرها عورةٌ، وما سوى ذلك من بدنها فليس بعورةٍ.

ومن لم يجد ما يزيل به النجاسة صلى معها ولم يعد الصلاة.

ومن لم يجد ثوباً صلى عرياناً قاعداً يومئ بالركوع والسجود؛ فإن صلى قائماً أجزأه؛ والأول أفضل، وينوي الصلاة التي يدخل فيها بنيةٍ لا يفصل بينهما وبين التحريمة بعملٍ، ويستقبل القبلة.

إلا أن يكون خائفاً فيصلي إلى أي جهةٍ قدر؛ فإن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وصلى، فإن علم أنه أخطأ بإخبارٍ بعد ما صلى فلا إعادة عليه، وإن علم ذلك وهو في الصلاة استدار إلى القبلة وبنى عليها.

 

 باب صفة الصلاة.

- فرائض الصلاة سنةٌ: التحريمة، والقيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والقعدة الأخيرة مقدار التشهد، وما زاد على ذلك فهو سنةٌ، فإذا دخل الرجل في الصلاة كبر، ورفع يديه مع التكبير حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه ، فإن قال بدلاً من التكبير: الله أجل أو أعظم أو الرحمن أكبر؛ أجزأه عند أبي حنيفة ومحمدٍ. وقال أبو يوسف: لا يجزئه إلا بلفظ التكبير، ويعتمد بيده اليمنى على اليسرى، ويضعهما تحت سرته، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ، ويستعيذ من الشيطان الرجيم ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويسر بهما ، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة معها أو ثلاث آياتٍ من أي سورة شاء، وإذا قال الإمام "ولا الضالين" قال: آمين، ويقولها المؤتم ويخفونها ، ثم يكبر ويركع ويعتمد بيديه على ركبتيه ويفرج أصابعه، ويبسط ظهره، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه، ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاثاً، وذلك أدناه، ثم يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد، فإذا استوى قائماً كبر وسجد، واعتمد بيديه على الأرض ووضع وجهه بين كفيه، وسجد على أنفه وجبهته؛ فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذرٍ، وإن سجد على كور عمامته أو فاضل ثوبه جاز، ويبدي ضبعيه، ويجافي بطنه عن فخذيه، ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً، وذلك أدناه، ثم يرفع رأسه ويكبر، فإذا اطمأن جالساً كبر وسجد، فإذا اطمأن ساجداً كبر واستوى قائماً على صدور قدميه، ولا يقعد، ولا يعتمد بيديه على الأرض، ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ، ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى ، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية افترش رجله اليسرى فجلس عليها ونصب اليمنى نصباً ووجه أصابعه نحو القبلة ووضع يديه على فخذيه وبسط أصابعه وتشهد.

والتشهد أن يقول: التحيات للّه، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى، ويقرأ في الركعتين الأخريين فاتحة الكتاب خاصةً، فإذا جلس في آخر الصلاة جلس كما في الأولى، وتشهد، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا بما شاء بما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة ولا يدعو بما يشبه كلام الناس، ثم يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره مثل ذلك.

ويجهر بالقراءة في الفجر والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء إن كان إماماً، ويخفي القراءة فيما بعد الأوليين، وإن كان منفرداً فهو مخيرٌ: إن شاء جهر وأسمع نفسه، وإن شاء خافت، ويخفي الإمام القراءة في الظهر والعصر. والوتر ثلاث ركعاتٍ لا يفصل بينهما بسلامٍ، ويقنت في الثالثة قبل الركوع في جميع السنة، ويقرأ في كل ركعةٍ من الوتر بفاتحة الكتاب وسورةٍ معها، فإذا أراد أن يقنت كبر ورفع يديه ثم قنت. ولا يقنت في صلاةٍ غيرها.

وليس في شيء من الصلوات قراءة سورةٍ بعينها لا يجزئ غيرها؛ ويكره أن يتخذ سورةً بعينها لصلاةٍ لا يقرأ فيها غيرها.

وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة ما يتناوله اسم القرآن عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجزئ أقل من ثلاث آياتٍ قصارٍ أو آيةٍ طويلةٍ.

ولا يقرأ المؤتم خلف الإمام.

ومن أراد الدخول في صلاة غيره يحتاج إلى نيتين: نية الصلاة ونية المتابعة.

والجماعة سنةٌ موكدةٌ.

وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة، فإن تساوو فأقرؤهم، فإن تساووا فأورعهم، فإن تساووا فأسنهم.

ويكره تقديم العبد والأعرابي والفاسق والأعمى وولد الزنا، فإن تقدموا جاز.

وينبغي للإمام أن لا يطول بهم الصلاة.

ويكره للنساء أن يصلين وحدهن جماعةً، فإن فعلن وقفت الإمام وسطهن.

ومن صلى مع واحدٍ أقامه عن يمينه، فإن كانا اثنين تقدم عليهما.

ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأةٍ أو صبيٍ.

ويصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء.

فإن قامت امرأةٌ إلى جنب رجلٍ وهما مشتركان في صلاةٍ واحدةٍ فسدت صلاته .

ويكره للنساء حضور الجماعات، ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء.

ولا يصلي الطاهر خلف من به سلس البول، ولا الطاهرات خلف المستحاضة، ولا القارئ خلف الأمي، ولا المكتسي خلف العريان، ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين، والماسح على الخفين الغاسلين، ويصلي القائم خلف القاعد، ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلف المومئ، ولا يصلي المفترض خلف المتنفل، ولا من يصلي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر، ويصلي المتنفل خلف المفترض.

ومن اقتدى بإمامٍ، ثم علم أنه على غير وضوءٍ أعاد الصلاة.

ويكره للمصلي أن يعبث بثوبه أو بجسده، ولا يقلب الحصى إلا أن لا يمكنه السجود فيسويه مرةً واحدةً، ولا يفرقع أصابعه، ولا يتخصر، ولا يسدل ثوبه، ولا يعقص شعره، ولا يكف ثوبه، ولا يلتفت، ولا يقعي، ولا يرد السلام بلسانه ولا بيده، ولا يتربع إلا من عذرٍ، ولا يأكل ولا يشرب.

فإن سبقه الحدث انصرف، فإن كان إماماً استخلف وتوضأ وبنى على صلاته، والاستئناف أفضل.

وإن نام فاحتلم أو جن أو أغمي عليه أو قهقه استأنف الوضوء والصلاة.

فإن تكلم في صلاته عامداً أو ساهياً بطلت صلاته.

وإن سبقه الحدث بعد التشهد توضأ وسلم، وإن تعمد الحدث في هذه الحالة أو تكلم أو عمل عملاً ينافي الصلاة تمت صلاته.

وإن رأى المتيمم الماء في صلاته بطلت صلاته، وإن رآه بعدما قعد قدر التشهد، أو كان ماسحاً على الخفين فانقضت مدة مسحه، أو خلع خفيه بعملٍ رفيقٍ، أو كان أمياً فتعلم سورةً، أو عرياناً فوجد ثوباً، أو مومياً فقدر على الركوع والسجود، أو تذكر أن عليه صلاةً قبل هذه الصلاة، أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أمياً، أو طلعت الشمس في صلاة الفجر، أو دخل وقت العصر في الجمعة، أو كانت مستحاضة فطهرت ، أو كان ماسحاً على الجبيرة فسقطت عن برءٍ، أو كان صاحب عذرٍ فانقطع عذره - بطلت صلاته في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: تمت صلاته في هذه المسائل كلها.

 

 باب قضاء الفوائت.

- ومن فاتته الصلاة قضاها إذا ذكرها وقدمها لزوماً على صلاة الوقت إلا أن يخاف فوات صلاة الوقت فيقدم صلاة الوقت ثم يقضيها، فإن فاتته صلواتٌ رتبها في القضاء كما وجبت في الأصل، إلا أن تزيد الفوائت على ست صلواتٍ، فيسقط الترتيب فيها.

 

 باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة.

- لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس، ولا عند قيامها في الظهيرة، ولا عند غروبها، ولا يصلى على جنازةٍ، ولا يسجد للتلاوة، إلا عصر يومه عند غروب الشمس، ويكره أن يتنفل بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس؛ ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين الفوائت، ويسجد للتلاوة، ويصلي على الجنازة، ولا يصلي ركعتي الطواف، ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر ولا يتنفل قبل المغرب.

 

 باب النوافل.

- السنة في الصلاة أن يصلي ركعتين بعد طلوع الفجر، وأربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وأربعاً قبل العصر، وإن شاء ركعتين، وركعتين بعد المغرب، وأربعاً قبل العشاء، وأربعاً بعدها، وإن شاء ركعتين.

ونوافل النهار إن شاء صلى ركعتين بتسليمةٍ واحدةٍ، وإن شاء أربعاً، وتكره الزيادة على ذلك، فأما نافلة الليل فقال أبو حنيفة: إن صلى ثمان ركعاتٍ بتسليمةٍ واحدةٍ جاز؛ وتكره الزيادة على ذلك.

وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمةٍ واحدةٍ.

والقراءة في الفرض واجبةٌ في الركعتين الأوليين، وهو مخيرٌ في الأخريين إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت.

والقراءة واجبةٌ في جميع ركعات النفل، وفي جميع الوتر،

ومن دخل في صلاة النفل ثم أفسدها قضاها، فإن صلى أربع ركعاتٍ وقعد في الأوليين ثم أفسد الأخريين قضى ركعتين.

ويصلي النافلة قاعداً مع القدرة على القيام، وإن افتتحها قائماً ثم قعد جاز عند أبي حنيفة.

وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجوز إلا من عذرٍ،

ومن خارج المصر يجوز أن يتنفل على دابته إلى أي جهةٍ توجهت يومئ إيماءً والله أعلم.

 

 باب سجود السهو.

- سجود السهو واجبٌ، في الزيادة والنقصان، بعد السلام ثم يسجد سجدتين ثم يتشهد ويسلم.

والسهو يلزم إذا زاد في صلاته فعلاً من جنسها ليس منها، أو ترك فعلاً مسنوناً أو ترك قراءة فاتحة الكتاب، أو القنوت، أو التشهد، أو تكبيرات العيدين، أو جهر الإمام فيما يخافت أو خافت فيما يجهر.

وسهو الإمام يوجب على المؤتم السجود، فإن لم يسجد الإمام لم يسجد المؤتم، وإن سها المؤتم لم يلزم الإمام ولا المؤتم السجود.

ومن سها عن القعدة الأولى ثم تذكر وهو إلى حال القعود أقرب عاد فجلس وتشهد، وإن كان إلى حال القيام أقرب لم يعد، ويسجد للسهو، ومن سها عن القعدة الأخيرة فقام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد وألغى الخامسة، ويسجد للسهو، وإن قيد الخامسة بسجدةٍ بطل فرضه وتحولت صلاته نفلا وكان عليه أن يضم إليها ركعةً سادسةً، وإن قعد في الرابعة قدر التشهد ثم قام ولم يسلم يظنها القعدة الأولى عاد إلى القعود ما لم يسجد في الخامسة ويسلم، وإن قيد الخامسة بسجدةٍ ضم إليها ركعة أخرى وقد تمت صلاته، والركعتان له نافلةٌ، وسجد للسهو، ومن شك في صلاته فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً وكان ذلك أول ما عرض له استأنف الصلاة، فإن كان الشك يعرض له كثيراً بنى على غالب ظنه إن كان له ظنٌ، فإن لم يكن له ظنٌ يبني على اليقين.

 

 باب صلاة المريض.

- إذا تعذر على المريض القيام صلى قاعداً يركع ويسجد، فإن لم يستطع الركوع والسجود أومأ إيماءً برأسه وجعل السجود أخفض من الركوع ولا يرفع إلى وجهه شيئاً يسجد عليه، فإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره وجعل رجليه إلى القبلة وأومأ بالركوع والسجود، وإن استلقى على جنبه ووجهه إلى القبلة وأومأ جاز، فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخر الصلاة، ولا يومئ بعينيه ولا بقلبه ولا بحاجبيه، فإن قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود لم يلزمه القيام وجاز أن يصلي قاعداً يومئ إيماءً، فإن صلى الصحيح بعض صلاته قائماً ثم حدث به مرضٌ أتمها قاعداً يركع ويسجد أو يومئ إن لم يستطع الركوع والسجود أو مستلقياً إن لم يستطع القعود، ومن صلى قاعداً يركع ويسجد لمرضٍ به ثم صح بنى على صلاته قائماً، فإن صلى بعض صلاته بإيماء ثم قدر على الركوع والسجود استأنف الصلاة، ومن أغمي عليه خمس صلواتٍ فما دونها قضاها إذا صح، فإن فاتته بالإغماء أكثر من ذلك لم يقض.

 

 باب سجود التلاوة.

- سجود التلاوة في القرآن أربعة عشر. في آخر الأعراف وفي الرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والأولى في الحج، والفرقان، والنمل؛ وآلم تنزيل، وص، وحم السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك.

والسجود واجبٌ في هذه المواضع كلها على التالي والسامع، سواءٌ قصد سماع القرآن أو لم يقصد، وإذا تلا الإمام آية السجدة سجدها وسجد المأموم معه، وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المأموم، وإن سمعوا وهم في الصلاة آية سجدةٍ من رجلٍ ليس معهم في الصلاة لم يسجدوها في الصلاة وسجدوها بعد الصلاة، فإن سجدوها في الصلاة لم تجزهم ولم تفسد صلاتهم، ومن تلا آية سجدةٍ فلم يسجدها حتى دخل في الصلاة فصلاها وسجد لها أجزأته السجدة عن التلاوتين، وإن تلاها في غير الصلاة فسجد لها ثم دخل في الصلاة فتلاها سجد لها ولم تجزه السجدة الأولى ومن كرر تلاوة سجدةٍ واحدةٍ في مجلسٍ واحدٍ أجزأته سجدةٌ واحدةٌ.

ومن أراد السجود كبر ولم يرفع يديه، وسجد ثم كبر، ورفع رأسه، ولا تشهد عليه ولا سلام.

 

 باب صلاة المسافر.

- السفر الذي تتغير به الأحكام: أن يقصد الإنسان موضعاً بينه وبين ذلك الموضع مسيرة ثلاثة أيامٍ ولياليها بسير الإبل ومشي الأقدام، ولا يعتبر ذلك بالسير في الماء.

وفرض المسافر عندنا في كل صلاةٍ رباعيةٍ ركعتان، لا تجوز له الزيادة عليهما، فإن صلى أربعاً وقد قعد في الثانية مقدار التشهد أجزأته ركعتان عن فرضه، وكانت الأخريان له نافلة، وإن لم يقعد مقدار التشهد في الركعتين الأوليين بطلت صلاته.

ومن خرج مسافراً صلى ركعتين إذا فارق بيوت المصر ولا يزال على حكم السفر حتى ينوي الإقامة في بلدٍ خمسة عشر يوماً فصاعداً؛ فيلزمه الإتمام، وإن نوى الإقامة أقل من ذلك لم يتم، ومن دخل بلداً ولم ينو أن يقيم فيه خمسة عشر يوماً وإنما يقول غداً أخرج أو بعد غدٍ أخرج حتى بقي على ذلك سنين صلى ركعتين، وإذا دخل العسكر أرض الحرب فنووا الإقامة بها خمسة عشر يوماً لم يتموا الصلاة، وإذا دخل المسافر في صلاة المقيم مع بقاء الوقت أتم الصلاة، وإن دخل معه في فائتةٍ لم تجز صلاته خلفه، وإذا صلى المسافر بالمقيمين ركعتين سلم، ثم أتم المقيمون صلاتهم، ويستحب له إذا سلم أن يقول: أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سفرٌ، وإذا دخل المسافر مصره أتم الصلاة، وإن لم ينو الإقامة فيه، ومن كان له وطنٌ فانتقل عنه واستوطن غيره ثم سافر فدخل وطنه الأول لم يتم الصلاة، وإن نوى المسافر أن يقيم بمكة ومنىً خمسة عشر يوماً لم يتم الصلاة،

ومن فاتته صلاةٌ في السفر قضاها في الحضر ركعتين.

ومن فاتته صلاةٌ في الحضر قضاها في السفر أربعاً.

والعاصي والمطيع في السفر في الرخصة سواءٌ.

 

 باب صلاة الجمعة.

- لا تصح الجمعة إلا بمصرٍ جامعٍ أو في مصلى المصر، ولا تجوز في القرى، ولا تجوز إقامتها إلا بالسلطان أو من أمره السلطان. ومن شرائطها: الوقت فتصح في وقت الظهر ولا تصح بعده، ومن شرائطها الخطبة قبل الصلاة، يخطب الإمام خطبتين يفصل بينهما بقعدةٍ، ويخطب قائماً على طهارةٍ، فإن اقتصر على ذكر الله تعالى جاز عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لابد من ذكر طويلٍ يسمى خطبةً، وإن خطب قاعداً أو على غير طهارةٍ جاز ويكره، ومن شرائطها الجماعة، وأقلهم عند أبي حنيفة ثلاثةٌ سوى الإمام، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: اثنان سوى الإمام، ويجهر الإمام بالقراءة في الركعتين، وليس فيهما قراءة سورةٍ بعينها، ولا تجب الجمعة على مسافرٍ ولا امرأةٍ ولا مريضٍ ولا عبدٍ ولا أعمى.

فإن حضروا وصلوا مع الناس أجزأهم عن فرض الوقت.

ويجوز للمسافر والعبد والمريض ونحوهم أن يؤم في الجمعة.

ومن صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذر له كره له ذلك، وجازت صلاته، فإن بدا له أن يحضر الجمعة فتوجه إليها بطلت صلاة الظهر عند أبي حنيفة بالسعي وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا تبطل حتى يدخل مع الإمام.

ويكره أن يصلي المعذورون الظهر بجماعة يوم الجمعة وكذلك أهل السجن، ومن أدرك الإمام يوم الجمعة صلى معه ما أدرك وبنى عليها الجمعة، وإن أدركه في التشهد أو في سجود السهو بنى عليها الجمعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمدٌ: إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية بنى عليها الجمعة، وإن أدرك أقلها بنى عليها الظهر، وإذا خرج الإمام على المنبر يوم الجمعة ترك الناس الصلاة والكلام حتى يفرغ من خطبته، وإذا أذن المؤذنون يوم الجمعة الأذان الأول ترك الناس البيع والشراء وتوجهوا إلى صلاة الجمعة، فإذا صعد الإمام المنبر جلس وأذن المؤذنون بين يدي المنبر، فإذا فرغ من خطبته أقاموا الصلاة وصلوا.

 

 باب صلاة العيدين.

- يستحب في يوم الفطر: أن يطعم الإنسان قبل الخروج إلى المصلى، ويغتسل، ويتطيب، ويتوجه إلى المصلى، ولا يكبر في طريق المصلى عند أبي حنيفة، وعندهما يكبر، ولا يتنفل في المصلى قبل صلاة العيد، فإذا حلت الصلاة من ارتفاع الشمس دخل وقتها إلى الزوال، فإذا زالت الشمس خرج وقتها، ويصلي الإمام بالناس ركعتين: يكبر في الأولى تكبيرة الافتتاح، وثلاثاً بعدها، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورةً معها، ثم يكبر تكبيرةً يركع بها، ثم يبتدئ في الركعة الثانية بالقراءة، فإذا فرغ من القراءة كبر ثلاث تكبيراتٍ، وكبر تكبيرةً رابعةً يركع بها  ويرفع يديه في تكبيرات العيدين، ثم يخطب بعد الصلاة خطبتين يعلم الناس فيها صدقة الفطر وأحكامها، ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام لم يقضها، فإن غم الهلال على الناس فشهدوا عند الإمام برؤية الهلال بعد الزوال صلى العيد من الغد، فإن حدث عذرٌ منع الناس من الصلاة في اليوم الثاني لم يصلها بعده.

ويستحب في يوم الأضحى: أن يغتسل، ويتطيب، ويؤخر الأكل حتى يفرغ من الصلاة، ويتوجه إلى المصلى وهو يكبر، ويصلي الأضحى ركعتين كصلاة الفطر، ويخطب بعدها خطبتين يعلم الناس فيهما الأضحية وتكبيرات التشريق، فإن حدث عذرٌ منع الناس من الصلاة في يوم الأضحى صلاها من الغد وبعد الغد، ولا يصليها بعد ذلك؛ وتكبير التشريق أوله عقيب صلاة الفجر من يوم عرفة، وآخره عقيب صلاة العصر من النحر عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، والتكبير عقيب الصلوات المفروضات، وهو أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، وللّه الحمد.

 

 باب صلاة الكسوف.

- إذا انكسفت الشمس صلى الإمام بالناس ركعتين كهيئة النافلة في كل ركعةٍ ركوعٌ واحدٌ ويطول القراءة فيهما، ويخفي عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجهر، ثم يدعو بعدها حتى تنجلي الشمس، ويصلي بالناس الإمام الذي يصلي بهم الجمعة، فإن لم يجمع صلاها الناس فرادى، وليس في خسوف القمر جماعة، وإنما يصلي كل واحدٍ بنفسه، وليس في الكسوف خطبةٌ.

 

 باب الاستسقاء.

- قال أبو حنيفة رحمة الله عليه: ليس في الاستسقاء صلاةٌ مسنونةٌ في جماعةٍ، فإن صلى الناس وحداناً جاز، وإنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار.

وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يصلي الإمام بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، ثم يخطب، ويستقبل القبلة بالدعاء، ويقلب الإمام رداءه، ولا يقلب القوم أرديتهم، ولا يحضر أهل الذمة الاستسقاء.

 

 باب قيام شهر رمضان.

- يستحب أن يجتمع الناس في شهر رمضان بعد العشاء، فيصلي بهم إمامهم خمس ترويحاتٍ، في كل ترويحةٍ تسليمتان، ويجلس بين كل ترويحتين مقدار ترويحةٍ، ثم يوتر بهم، ولا يصلي الوتر بجماعةٍ في غير شهر رمضان.

 

 باب صلاة الخوف.

- إذا اشتد الخوف جعل الإمام الناس طائفتين: طائفةً في وجه العدو، وطائفةً خلفه، فيصلي بهذه الطائفة ركعةً وسجدتين، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية مضت هذه الطائفة إلى وجه العدو، وجاءت تلك الطائفة، فيصلي بهم الإمام ركعةً وسجدتين، وتشهد وسلم، ولم يسلموا، وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأولى فصلوا وحداناً ركعةً وسجدتين بغير قراءةٍ وتشهدوا وسلموا ومضوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلوا ركعةً وسجدتين بقراءةٍ وتشهدوا وسلموا، فإن كان الإمام مقيماً صلى بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعتين ويصلي بالطائفة الأولى ركعتين من المغرب وبالثانية ركعةً، ولا يقاتلون في حال الصلاة، فإن فعلوا ذلك بطلت صلاتهم، وإن اشتد الخوف صلوا ركباناً واحداناً يومئون بالركوع والسجود إلى أي جهةٍ شاءوا، إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة.

 

 باب الجنائز.

- إذا احتضر الرجل وجه إلى القبلة على شقه الأيمن ولقن الشهادتين، فإذا مات شدوا لحييه، وغمضوا عينيه،

وإذا أرادوا غسله وضعوه على سريرٍ، وجعلوا على عورته خرقةً، ونزعوا ثيابه، ووضئوه، ولا يمضمض، ولا يستنشق، ثم يفيضون الماء عليه، ويجمر سريره وتراً، ويغلى الماء بالسدر أو بالحرض، فإن لم يكن فالماء القراح، ويغسل رأسه ولحيته بالخطمى، ثم يضجع على شقه الأيسر فيغسل بالماء والسدر، حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه، ثم يضجع على شقه الأيمن، فيغسل بالماء والسدر حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه، ثم يجلسه ويسنده إليه ويمسح بطنه مسحاً رفيقاً، فإن خرج منه شيءٌ غسله ولا يعيد غسله، ثم ينشفه بثوبٍ ويجعله في أكفانه، ويجعل الحنوط على رأسه ولحيته، والكافور على مساجده.

والسنة أن يكفن الرجل في ثلاثة أثوابٍ: إزارٍ، وقميصٍ، ولفافةٍ، فإن اقتصروا على ثوبين جاز، وإذ أرادوا لف اللفافة عليه ابتدءوا بالجانب الأيسر فألقوه عليه، ثم بالأيمن، فإن خافوا أن ينتشر الكفن عنه عقدوه، وتكفن المرأة في خمسة أثوابٍ: إزارٍ، وقميصٍ، وخمارٍ، وخرقةٍ يربط بها ثدياها، ولفافة، فإن اقتصروا على ثلاثة أثوابٍ جاز، ويكون الخمار فوق القميص تحت اللفافة، ويجعل شعرها على صدرها، ولا يسرح شعر الميت ولا لحيته، ولا يقص ظفره، ولا يعقص شعره، وتجمر الأكفان قبل أن يدرج فيها وتراً، فإذا فرغوا منه صلوا عليه، وأولى الناس بالصلاة عليه السلطان إن حضر، فإن لم يحضر فيستحب تقديم إمام الحي ثم الولي، فإن صلى عليه غير الولي والسلطان أعاد الولي، وإن صلى الولي لم يجز لأحدٍ أن يصلي بعده فإن دفن ولم يصل عليه صلى على قبره.

والصلاة: أن يكبر تكبيرةً يحمد الله تعالى عقبيها، ثم يكبر تكبيرةً ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكبر تكبيرةً يدعو فيها لنفسه وللميت وللمسلمين، ثم يكبر تكبيرةً رابعةً ويسلم.

ولا يصلى على ميتٍ في مسجدٍ جماعةٍ. فإذا حملوه على سريره أخذوا بقوائمه الأربع، ويمشون به مسرعين دون الخبب، فإذا بلغوا إلى قبره كره للناس أن يجلسوا قبل أن يوضع عن أعناق الرجال، ويحفر القبر ويلحد ويدخل الميت مما يلي القبلة، فإذا وضع في لحده قال الذي يضعه: باسم الله وعلى ملة رسول الله، ويوجهه إلى القبلة، ويحل العقدة، ويسوي اللبن عليه، ويكره الآجر والخشب، ولا بأس بالقصب ثم يهال التراب عليه، ويسنم القبر ولا يصطح، ومن استهل بعد الولادة سمى وغسل وصلى عليه، وإن لم يستهل أدرج في خرقةٍ ولم يصل عليه.

 

 باب الشهيد.

- الشهيد: من قتله المشركون أو وجد في المعركة وبه أثر الجراحة، أو قتله المسلمون ظلماً ولم تجب بقتله ديةٌ، فيكفن ويصلى عليه، ولا يغسل، وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة، وكذلك الصبي. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يغسلان، ولا يغسل عن الشهيد دمه، ولا ينزع عنه ثيابه، وينزع عنه الفرو والخف والحشو والسلاح، ومن ارتث غسل. والارتثات: أن يأكل أو يشرب أو يداوى أو يبقى حياً حتى يمضي عليه وقت صلاةٍ وهو يعقل، أو ينقل من المعركة حياً، ومن قتل في حد أو قصاص غسل وصلى عليه، ومن قتل من البغاة أو قطاع الطريق لم يصل عليه.

 

 باب الصلاة في الكعبة وحولها.

- الصلاة في الكعبة جائزةٌ فرضها ونفلها، فإن صلى الإمام بجماعةٍ فجعل بعضهم ظهر الإمام جاز، ومن جعل منهم ظهره إلى وجه الإمام لم تجز صلاته، وإذا صلى الإمام في المسجد الحرام تحلق الناس حول الكعبة وصلوا بصلاة الإمام، فمن كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإمام جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الإمام، ومن صلى على ظهر الكعبة جازت صلاته.

 

 

 كتاب الزكاة

- الزكاة واجبةٌ على الحر المسلم البالغ العاقل إذا ملك نصاباً ملكاً تاماً وحال عليه الحول؛ وليس على صبيٍ ولا مجنونٍ ولا مكاتبٍ زكاةٌ، ومن كان عليه دينٌ يحيط بماله فلا زكاة عليه، وإن كان ماله أكثر من الدين زكى الفاضل إذا بلغ نصاباً، وليس في دورٍ السكنى، وثياب البدن، وأثاث المنازل، ودواب الركوب، وعبيد الخدمة، وسلاح الاستعمال - زكاةٌ، ولا يجوز أداء الزكاة إلا بنيةٍ مقارنةٍ للأداء أو مقارنةٍ لعزل مقدار الواجب.

ومن تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة سقط فرضها عنه.

 

 باب زكاة الإبل.

- ليس في أقل من خمس ذودٍ من الإبل صدقةٌ فإذا بلغت خمساً سائمةً وحال عليها الحول ففيها شاةٌ إلى تسعٍ، فإذا كانت عشراً ففيها شاتان إلى أربع عشرة، فإذا كانت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه إلى تسع عشرة فإذا كانت عشرين ففيها أربع شياهٍ إلى أربعٍ وعشرين، فإذا كانت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاضٍ إلى خمسٍ وثلاثين، فإذا كانت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبونٍ، إلى خمسٍ وأربعين، فإذا كانت ستاً وأربعين ففيها حقةٌ إلى ستين، فإذا كانت وستين ففيها جذعةٌ إلى خمس وسبعين، فإذا كانت ستاً وسبعين ففيها بنتا لبونٍ إلى تسعين، فإذا كانت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى مائةٍ وعشرين؛ ثم تستأنف الفريضة، فيكون في الخمس شاةٌ مع الحقتين، وفي العشر شاتان، وفي الخمس عشرة ثلاث شياهٍ، وفي عشرين أربع شياهٍ، وفي خمس وعشرين بنت مخاضٍ، إلى مائةٍ وخمسين فيكون فيها ثلاث حقاقٍ؛ ثم تستأنف الفريضة، فيكون في الخمس شاةٌ، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياهٍ، وفي خمسٍ وعشرين بنت مخاضٍ، وفي ست وثلاثين بنت لبونٍ، فإذا بلغت مائةً وستاً وتسعين ففيها أربع حقاقٍ إلى مائتين، ثم تستأنف الفريضة أبداً كما استؤنفت في الخمسين التي بعد المائة والخمسين، والبخت والعراب سواءٌ .

 

 باب صدقة البقر.

- ليس في أقل من ثلاثين من البقر صدقةٌ، فإذا كانت ثلاثين سائمةً وحال عليها الحول ففيها تبيعٌ أو تبيعةٌ، وفي أربعين مسنةٌ أو مسنٌ، فإذا زادت على الأربعين وجب في الزيادة بقدر ذلك إلى ستين عند أبي حنيفة ففي الواحدة ربع عشر مسنةٍ، وفي الاثنين نصف عشر مسنةٍ، وفي الثلاثة ثلاثة أرباع عشر مسنةٍ، وفي الأربع عشر مسنةٍ، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان، وفي سبعين مسنةٌ وتبيعٌ، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعةٍ، وفي مائة تبيعان ومسنةٌ، وعلى هذا يتغير الفرض في كل عشرةٍ من تبيعٍ إلى مسنةٍ، والجواميس والبقر سواءٌ.

 

 باب صدقة الغنم.

- ليس في أقل من أربعين شاةً صدقةٌ، فإذا كانت أربعين سائمةً وحال عليها الحول ففيها شاةٌ إلى مائةٍ وعشرين، فإذا زادت واحدةً ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدةً ففيها ثلاث شياهٍ، فإذا بلغت أربعمائةٍ ففيها أربع شياهٍ، ثم في كل مائةٍ شاةٌ،

والضأن والمعز سواءٌ.

 

 باب زكاة الخيل.

- إذا كانت الخيل سائمةً ذكوراً وإناثاً فصاحبها بالخيار: إن شاء أعطى عن كل فرسٍ ديناراً، وإن شاء قومها وأعطى عن كل مائتي درهمٍ خمسة دراهم، وليس في ذكورها منفردةً زكاةٌ، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا زكاة في الخيل، ولا في شيء من البغال والحمير إلا أن تكون للتجارة، وليس في الفصلان والحملان والعجاجيل صدقةٌ عند أبي حنيفة ومحمدٍ إلا أن يكون معها كبارٌ، وقال أبو يوسف. فيها واحدةٌ منها، ومن وجب عليه سنٌ فلم توجد عنده أخذ المصدق أعلى منها ورد الفضل، أو أخذ دونها وأخذ الفضل.

ويجوز دفع القيمة في الزكاة.

وليس في العوامل والعلوفة صدقةٌ، ولا يأخذ المصدق خيار المال ولا رذالته ويأخذ الوسط منه، ومن كان له نصابٌ فاستفاد في أثناء الحول من جنسه ضمه إلى ماله وزكاه به، والسائمة هي: التي تكتفي بالرعي في أكثر حولها، فإن علفها نصف الحول أو أكثر فلا زكاة فيها. والزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف في النصاب دون العفو. وقال محمدٌ: فيهما، وإذا هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت، فإن قدم الزكاة على الحول، وهو مالكٌ للنصاب جاز.

 

 باب زكاة الفضة.

- ليس فيما دون مائتي درهمٍ صدقةٌ، فإذا كانت مائتي درهمٍ وحال عليها الحول ففيها خمسةٌ دراهم، ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهماً فيكون فيها درهمٌ، ثم في كل أربعين درهما درهمٌ، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: ما زاد على المائتين فزكاته بحسابه، وإذا كان الغالب على الورق الفضة فهي في حكم الفضة، وإن كان الغالب عليها الغش فهي في حكم العروض، ويعتبر أن تبلغ قيمتها نصاباً.

 

 باب زكاة الذهب.

- ليس فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب صدقةٌ، فإذا كانت عشرين مثقالاً وحال عليها الحول ففيها نصف مثقالٍ، ثم في كل أربعة مثاقيل قيراطان، وليس فيما دون أربعة مثاقيل صدقةٌ عند أبي حنيفة، وفي تبر الذهب والفضة وحليهما والآنية منهما الزكاة.

 

 باب زكاة العروض.

- الزكاة واجبةٌ في عروض التجارة كائنةً ما كانت إذا بلغت قيمتها نصاباً من الذهب أو الورق، يقومها بما هو أنفع للفقراء والمساكين منهما وإذا كان النصاب كاملاً في طرفي الحول فنقصانه فيما بين ذلك لا يسقط الزكاة، وتضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة، وكذلك يضم الذهب إلى الفضة بالقيمة حتى يتم النصاب عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يضم الذهب إلى الفضة بالقيمة ويضم بالأجزاء.

 

 باب زكاة الزروع والثمار.

- قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر، سواءٌ سقى سيحاً أو سقته السماء إلا الحطب والقصب والحشيش. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجب العشر إلا فيما له ثمرةٌ باقيةٌ إذا بلغ خمسة أوسقٍ، والوسق. ستون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في الخضروات عندهما عشرٌ، وما سقى بغربٍ أو داليةٍ أو سانيةٍ ففيه نصف العشر في القولين، وقال أبو يوسف فيما لا يوسق كالزعفران والقطن. يجب فيه العشر إذا بلغت قيمته قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يدخل تحت الوسق. وقال محمدٌ: يجب العشر إذا بلغ الخارج خمسة أمثالٍ من أعلى ما يقدر به نوعه، فاعتبر في القطن خمسة أحمالٍ، وفي الزعفران خمسة أمناء، وفي العسل العشر إذا أخذ من أرضٍ العشر قل أو كثر، وقال أبو يوسف: لا شيء فيه حتى يبلغ عشرة أزقاقٍ. وقال محمدٌ: خمسة أفراق، والفرق: ستةٌ وثلاثون رطلاً بالعراقي، وليس في الخارج من أرض الخراج عشرٌ.

 

 باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز.

- قال الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية. فهذه ثمانية أصنافٍ قد سقطت منها المؤلفة قلوبهم؛ لأن الله تعالى أعز الإسلام وأغنى عنهم، والفقير. من له أدنى شيء، والمسكين: من لا شيء له، والعامل: يدفع إليه الإمام بقدر عمله إن عمل، وفي الرقاب: يعان المكاتبون في فك رقابهم، والغارم، من لزمه دينٌ، وفي سبيل الله. منقطع الغزاة، وابن السبيل. من كان له مالٌ في وطنه، وهو في مكانٍ لا شيء له فيه، فهذه جهات الزكاة.

وللمالك أن يدفع لكل واحدٍ منهم، وله أن يقتصر على صنفٍ واحدٍ، ولا يجوز أن يدفع الزكاة إلى ذمي، ولا يبني بها مسجدٌ، ولا يكفن بها ميتٌ، ولا يشتري بها رقبةٌ تتعتق، ولا تدفع إلى غني، ولا يدفع المزكي زكاته إلى أبيه وجده وإن علا ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل ولا إلى امرأته، ولا تدفع المرأة إلى زوجها عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: تدفع إليه، ولا يدفع إلى مكاتبه ولا مملوكه ولا مملوك غنيٍ ولا ولد غني إذا كان صغيراً، ولا تدفع إلى بني هاشمٍ، وهم. آل عليٍ وآل عباسٍ وآل جعفرٍ وآل عقيلٍ وآل حارث بن عبد المطلب ومواليهم، وقال أبو حنيفة ومحمدٌ. إذا دفع الزكاة إلى رجلٍ يظنه فقيراً ثم بان أنه غنيٌ أو هاشميٌ أو كافرٌ أو دفع في ظلمةٍ إلى فقير ثم بان أنه أبوه أو ابنه فلا إعادة عليه. وقال أبو يوسف: عليه الإعادة، ولو دفع إلى شخص ثم علم أنه عبده أو مكاتبه لم يجز في قولهم جميعاً، ولا يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصاباً من أي مالٍ كان، ويجوز دفعها إلى من يملك أقل من ذلك وإن كان صحيحاً مكتسباً، ويكره نقل الزكاة من بلدٍ إلى بلدٍ آخر، وإنما تفرق صدقة كل قومٍ فيهم، إلا أن ينقلها الإنسان إلى قرابته أو إلى قومٍ هم أحوج من أهل بلده.

 

 باب صدقة الفطر.

- صدقة الفطر واجبةٌ على الحر المسلم إذا كان مالكاً لمقدار النصاب فاضلاً عن مسكنه وثيابه وأثاثه وفرسه وسلاحه وعبيده للخدمة، يخرج ذلك عن نفسه وعن أولاده الصغار وعن مماليكه، ولا يؤدي عن زوجته ولا عن أولاده الكبار وإن كانوا عياله، ولا يخرج عن مكاتبه، ولا عن مماليكه للتجارة، والعبد بين شريكين لا فطرة على واحدٍ منهما، ويؤدي المولى المسلم الفطرة عن عبده الكافر.

والفطرة. نصف صاعٍ من برٍ، أو صاعٌ من تمرٍ أو زبيبٍ أو شعيرٍ. والصاع عند أبي حنيفة ومحمدٌ ثمانية أرطالٍ بالعراقي. وقال أبو يوسف: خمسة أرطالٍ وثلث رطلٍ.

ووجوب الفطرة يتعلق بطلوع الفجر من يوم الفطر، فمن مات قبل ذلك لم تجب فطرته، ومن أسلم أو ولد بعد طلوع الفجر لم تجب فطرته، ويستحب للناس أن يخرجوا الفطرة يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى، فإن قدموها قبل يوم الفطر جاز، وإن أخروها عن يوم الفطر لم تسقط، وكان عليهم إخراجها.

 

 

 كتاب الصوم

- الصوم ضربان: واجبٌ ونفلٌ؛ فالواجب ضربان: منه ما يتعلق بزمانٍ بعينه كصوم رمضان والنذر المعين؛ فيجوز صومه بنيةٍ من الليل، فإن لم ينو حتى أصبح أجزأته النية ما بينه وبين الزوال.

والضرب الثاني: ما يثبت في الذمة، كقضاء رمضان والنذر المطلق والكفارات؛ فلا يجوز إلا بنية من الليل، والنفل كله يجوز بنية قبل الزوال.

وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان، فإن رأوه صاموا، وإن غم عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صاموا، ومن رأى هلال رمضان وحده صام، وإن لم يقبل الإمام شهادته، وإذا كان بالسماء علةٌ قبل الإمام شهادة الواحد العدل في رؤية الهلال رجلاً كان أو امرأةً حراً كان أو عبداً، فإن لم يكن بالسماء علةٌ لم تقبل شهادته حتى يراه جمعٌ كثيرٌ يقع العلم بخبرهم.

ووقت الصوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.

والصوم هو: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع نهاراً مع النية، فإن أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسياً لم يفطر، وإن نام فاحتلم أو نظر إلى امرأةٍ فأنزل أو ادهن أو احتجم أو اكتحل أو قبل لم يفطر . فإن أنزل بقبلةٍ أو لمس فعليه القضاء، ولا بأس بالقبلة إذا أمن على نفسه. ويكره إن لم يأمن، وإن ذرعه القيء لم يفطر، وإن استقاء عامداً ملء فيه فعليه القضاء ، ومن ابتلع الحصاة أو الحديد أفطر.

ومن جامع عامداً في أحد السبيلين أو أكل أو شرب ما يتغذى به أو يتداوى به فعليه القضاء والكفارة مثل كفارة الظهار، ومن جامع فيما دون الفرج فأنزل فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وليس في إفساد الصوم في غير رمضان كفارةٌ، ومن احتقن أو استعط أو قطر في أذنيه أو داوى جائفةً أو آمةً بداوء فوصل إلى جوفه أو دماغه أفطر  وإن أقطر في إحليله لم يفطر عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف يفطر.

ومن ذاق شيئاً بفمه لم يفطر، ويكره له ذلك، ويكره للمرأة أن تمضغ لصبيها الطعام إذا كان لها منه بدٌ، ومضغ العلك لا يفطر الصائم ويكره، ومن كان مريضاً في رمضان فخاف إن صام زاد مرضه أفطر وقضى، وإن كان مسافراً لا يستضر بالصوم فصومه أفضل، وإن أفطر وقضى جاز، وإن مات المريض أو المسافر وهما على حالهما لم يلزمهما القضاء، وإن صح المريض أو أقام المسافر ثم ماتا لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة، وقضاء رمضان إن شاء فرقه وإن شاء تابعه، فإن أخره حتى دخل رمضانٌ آخر صام رمضان الثاني وقضى الأول بعده ولا فدية عليه.

والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا ولا فدية عليهما. والشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام يفطر ويطعم لكل يومٍ مسكيناً كما يطعم في الكفارات، ومن مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به أطعم عنه وليه لكل يومٍ مسكيناً نصف صاعٍ من برٍ أو صاعا من تمرٍ أو صاعاً من شعير. ومن دخل في صوم التطوع أو صلاة التطوع ثم أفسده قضاه .

وإذا بلغ الصبي، أو أسلم الكافر في رمضان أمسكاً بقية يومهما وصاما ما بعده ولم يقضيا ما مضى، ومن أغمي عليه في رمضان لم يقض اليوم الذي حدث فيه الإغماء وقضى ما بعده،وإذا أفاق المجنون في بعض رمضان قضى ما مضى منه، وإذا حاضت المرأة أفطرت وقضت، وإذا قدم المسافر، أو طهرت الحائض في بعض النهار أمسكا عن الطعام والشراب بقية يومهما، ومن تسحر وهو يظن أن الفجر لم يطلع أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم تبين أن الفجر كان قد طلع أو أن الشمس لم تغرب قضى ذلك اليوم ولا كفارة عليه، ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر.

وإذا كان بالسماء علةٌ لم تقبل في هلال الفطر إلا شهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين، وإن لم يكن بالسماء علةٌ لم تقبل إلا شهادة جمعٍ كثير يقع العلم بخبرهم.

 

 باب الاعتكاف.

- الاعتكاف مستحبٌ، وهو اللبث في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف، ويحرم على المعتكف: الوطء، واللمس، والقبلة، ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان أو الجمعة، ولا بأس بأن يبيع ويبتاع في المسجد من غير أن يحضر السلع ولا يتكلم إلا بخيرٍ، ويكره له الصمت، فإن جامع المعتكف، ليلاً أو نهاراً بطل اعتكافه، ومن أوجب على نفسه اعتكاف أيامٍ لزمه اعتكافها بلياليها، وكانت متتابعةً وإن لم يشترط التتابع.

 

 كتاب الحج.

- الحج واجبٌ على الأحرار البالغين العقلاء الأصحاء إذا قدروا على الزاد والراحلة، فاضلاً عن مسكنه وما لا بد منه، وعن نفقة عياله إلى حين عوده، وكان الطريق آمناً، ويعتبر في المرأة أن يكون لها محرمٌ يحج بها أو زوجٌ، ولا يجوز لها أن تحج بغيرهما إذا كان بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيامٍ و لياليها، وإذا بلغ الصبي بعدما أحرم أو أعتق العبد فمضيا على ذلك لم يجزهما عن حجة الإسلام.

والمواقيت التي لا يجوز أن يتجاوزها الإنسان إلا محرماً: لأهل المدينة ذو الحليفة، ولأهل العراق ذات عرقٍ، ولأهل الشأم الجحفة، ولأهل نجدٍ قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فإن قدم الإحرام على هذه المواقيت جاز، ومن كان منزله بعد المواقيت فميقاته الحل، ومن كان بمكة فميقاته في الحج الحرم وفي العمرة الحل.

وإذا أراد الإحرام اغتسل أو توضأ - والغسل أفضل - ولبس ثوبين جديدين أو غسيلين إزاراً ورداءً ومس طيباً إن كان له طيبٌ وصلى ركعتين وقال: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني، ثم يلبي عقيب صلاته، فإن كان مفرداً في الحج نوى بتلبيته الحج، والتلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. ولا ينبغي أن يخل بشيءٍ من هذه الكلمات، فإن زاد فيها جاز، فإذا لبى فقد أحرم، فليتق ما نهى الله عنه من الرفث والفسوق والجدال، ولا يقتل صيداً، ولا يشير إليه، ولا يدل عليه، ولا يلبس قميصاً ولا سراويل ولا عمامةً ولا قلنسوةً ولا قباءً ولا خفين إلا أن لا يجد النعلين فيقطعهما أسفل الكعبين، ولا يغطي رأسه ولا وجهه، ولا يمس طيباً، ولا يحلق رأسه، ولا شعر بدنه، ولا يقص لحيته، ولا من ظفره، ولا يلبس ثوباً مصبوغاً بورسٍ ولازعفرانٍ ولا عصفرٍ، إلا أن يكون غسلاً لا ينفض، ولا بأس أن يغتسل، ويدخل الحمام، ويستظل بالبيت، والمحمل، ويشد في وسطه الهميان، ولا يغسل رأسه ولا ليته بالخطمى ويكثر من التلبية عقب الصلوات، وكلما علا شرفاً، أو هبط وادياً، أو لقي ركباناً، وبالأسحار.

فإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد الحرام ، فإذا عاين البيت كبر وهلل ثم ابتدأ بالحجر الأسود فاستقبله وكبر ورفع يديه واستلمه وقبله إن استطاع من غير أن يؤذي مسلماً، ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب، وقد اضطبع رداءه قبل ذلك، فيطوف بالبيت سبعة أشواطٍ، ويجعل طوافه من وراء الحطيم، ويرمل في الأشواط الثلاثة الأول، ويمشي فيما بقي على هينته، ويستلم الحجر كلما مر به إن استطاع، ويختم الطواف بالاستلام، ثم يأتي المقام فيصلي عنده ركعتين أو حيث تيسر من المسجد، وهذا الطواف طواف القدوم، وهو سنةٌ وليس بواجب، وليس على أهل مكة طواف القدوم، ثم يخرج إلى الصفا فيصعد عليه ويستقبل البيت، ويكبر ويهلل، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو الله تعالى بحاجته، ثم ينحط نحو المروة ويمشي على هينته، فإذا بلغ إلى بطن الوادي سعى بين الميلين الأخضرين سبعاً حتى يأتي المروى فيصعد عليها ويفعل كما فعل على الصفا، وهذا شوطٌ، فيطوف سبعة أشواطٍ، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، ثم يقيم بمكة حراماً يطوف بالبيت كلما بدا له، فإذا كان قبل يوم التروية بيوم خطب الإمام خطبةً يعلم الناس فيها الخروج إلى منىً والصلاة بعرفاتٍ والوقوف والإفاضة ، فإذا صلى الفجر  يوم التروية بمكة خرج إلى منىً فأقام بها حتى يصلي الفجر يوم عرفة، ثم يتوجه إلى عرفاتٍ فيقيم بها، فإذا زالت الشمس من يوم عرفة صلى الإمام بالناس الظهر والعصر يبتدئ فيخطب خطبةً يعلم الناس فيها الوقوف بعرفة والمزدلفة، ورمي الجمار والنحر وطواف الزيارة، ويصلي بهم الظهر والعصر في وقت الظهر بآذانٍ وإقامتين، ومن صلى في رحله وحده صلى كل واحدةٍ منهما في وقتها عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى،

وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: يجمع بينهما المنفرد، ثم يتوجه إلى الموقف فيقف بقرب الجبل، وعرفات كلها موقفٌ إلا بطن عرفة. وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته ويدعو ويعلم الناس المناسك، ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف ويجتهد في الدعاء، فإذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه على هينتهم حتى يأتوا المزدلفة فينزلوا بها، والمستحب أن ينزل بقرب الجبل الذي عليه الميقدة يقال له قزح، ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء بأذانٍ وإقامةٍ، ومن صلى المغرب في الطريق لم يجز عند أبي حنيفة ومحمدٍ، فإذا طلع الفجر صلى الإمام بالناس الفجر بغلسلٍ ثم وقف ووقف الناس معه، فدعا: والمزدلفة كلها موقفٌ إلا بطن محسرٍ، ثم أفاض الإمام والناس معه قبل طلوع الشمس حتى يأتوا منى فيبتدئ بجمرة العقبة فيرميها من بطن الوادي بسبع حصياتٍ مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاةٍ ولا يقف عندها ويقطع التلبية مع أول حصاةٍ، ثم يذبح إن أحب، ثم يحلق أو يقصر، والحلق أفضل، وقد حل له كل شيء إلا النساء، ثم يأتي مكة من يومه ذلك أو من الغد أو من بعد الغد، فيطوف بالبيت طواف الزيارة سبعة أشواطٍ، فإن كان سعى بين الصفا والمروة عقيب طواف القدوم لم يرمل في هذا الطواف ولا سعى عليه وإن لم يكن قدم السعي رمل في هذا الطواف وسعى بعده على ما قدمناه، وقد حل له النساء، وهذا الطواف هو المفروض في الحج، ويكره تأخيره عن هذه الأيام، فإن أخره عنها لزمه دمٌ عند أبي حنيفة، ثم يعود إلى منىً فيقيم بها، فإذا زالت الشمس من اليوم الثاني من النحر رمى الجمار الثلاث يبتدئ بالتي تلي المسجد فيرميها بسبعٍ حصياتٍ يكبر مع كل حصاةٍ ويقف ويدعو عندها، ثم يرمي التي تليها مثل ذلك ويقف عندها، ثم يرمي جمرة العقبة كذلك ولا يقف عندها، فإذا كان من الغد رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس كذلك، فإذا أراد أن يتعجل النفر نفر إلى مكة، وإن أراد أن يقيم رمى الجمار الثلاث في يوم الرابع بعد زوال الشمس، فإن قدم الرمي في هذا اليوم قبل الزوال بعد طلوع الفجر جاز عند أبي حنيفة، ويكره أن يقدم الإنسان ثقله إلى مكة ويقيم بها حتى يرمي، فإذا نفر إلى مكة نزل بالمحصب، ثم طاف بالبيت سبعة أشواطٍ لا يرمل فيها، وهذا طواف الصدر، وهو واجبٌ  إلا على أهل مكة، ثم يعود إلى أهله.

فإن لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفاتٍ ووقف بها على ما قدمناه فقد سقط عنه طواف القدوم ولا شيء عليه لتركه.

ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج، ومن اجتاز بعرفة وهو نائمٌ أو مغمى عليه أو لم يعلم أنها عرفة أجزأه ذلك عن الوقوف.

والمرأة في جميع ذلك كالرجل، غير أنها لا تكشف رأسها، وتكشف وجهها، ولا ترفع صوتها بالتلبية، ولا ترمل في الطواف، ولا تسعى بين الميلين، ولا تحلق رأسها، ولكن تقصر.

 

 باب القران.

- القران عندنا أفضل من التمتع والإفراد.

وصفة القران: أن يهل بالعمرة والحج معاً من الميقات، ويقول عقيب صلاته: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني، فإذا دخل مكة ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواطٍ يرمل في الثلاث الأول منها ويسعى بعدها بين الصفا والمروة، وهذه أفعال العمرة، ثم يطوف بعد السعي طواف القدوم ويسعى بين الصفا والمروة كما بينا في المفرد، فإذا رمى الجمرة يوم النحر ذبح شاةً أو بقرةً أو بدنةً أو سبع بدنةٍ، فهذا دم القران، فإن لم يكن له ما يذبح صام ثلاثة أيامٍ في الحج وآخرها يوم عرفة، فإن فاته الصوم حتى جاء يوم النحر لم يجزه إلا الدم، ثم يصوم سبعة أيامٍ إذا رجع إلى أهله، وإن صامها بمكة بعد فراغه من الحج جاز.

وإن لم يدخل القارن مكة وتوجه إلى عرفاتٍ فقد صار رافضاً لعمرته بالوقوف، وبطل عنه دم القران، وعليه دمٌ لرفض عمرته، وعليه قضاؤها.

 

 باب التمتع.

- التمتع أفضل من الإفراد عندنا.

والتمتع على وجهين: متمتعٌ يسوق الهدي، ومتمتعٌ لا يسوق الهدي.

وصفة التمتع: أن يبتدئ من الميقات فيحرم بعمرةٍ ويدخل مكة فيطوف لها ويسعى ويحلق أو يقصر، وقد حل من عمرته، ويقطع التلبية إذا ابتدأ بالطواف، ويقيم بمكة حلالاً، فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج من المسجد، وفعل ما فعله الحاج، المفرد وعليه دم التمتع، فإن لم يجد صام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةُ إذا رجع.

وإذا أراد المتمتع أن يسوق الهدي أحرم وساق هديه، فإذا كانت بدنةً قلدها بمزادةٍ أو نعلٍ وأشعر البدنة عند أبي يوسف ومحمدٍ، وهو: أن يشق سنامها من الجانب الأيمن، ولا يشعرها عند أبي حنيفة، فإذا دخل مكة طاف وسعى ولم يتحلل حتى يحرم بالحج يوم التروية، وإن قدم الإحرام قبله جاز وعليه دمٌ، فإذا حلق يوم النحر فقد حل من الإحرامين.

وليس لأهل مكة تمتعٌ ولا قرانٌ، وإنما لهم الإفراد خاصةً،

وإذا عاد المتمتع إلى أهله بعد فراغه من العمرة ولم يكن ساق الهدي بطل تمتعه.

ومن أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج فطاف لها أقل من أربعة أشواطٍ ثم دخلت أشهر الحج فتممها وأحرم بالحج كان متمتعاً، وإن طاف لعمرته قبل أشهر الحج أربعة أشواطٍ فصاعداً ثم حج من عامه ذلك لم يكن متمتعاً.

وأشهر الحج: شوالٌ، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجة، فإن قدم الإحرام بالحج عليها جاز إحرامه وانعقد حجاً.

وإذا حاضت المرأة عند الإحرام اغتسلت وأحرمت وصنعت كما يصنعه الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر، وإن حاضت بعد الوقوف وطواف الزيارة انصرفت من مكة ولا شيء عليها لترك طواف الصدر.

 

 باب جنايات المحرم.

- إذا تطيب المحرم فعليه الكفارة، فإن طيب عضواً كاملاً فما زاد فعليه دمٌ، وإن طيب أقل من عضوٍ فعليه صدقةٌ.

وإن لبس ثوباً مخيطاً أو غطى رأسه يوماً كاملاً فعليه دمٌ، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقةٌ، وإن حلق ربع رأسه فصاعداً فعليه دمٌ، وإن حلق أقل من الربع فعليه صدقةٌ.

وإن حلق مواضع المحاجم فعليه دمٌ عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: عليه صدقةٌ، وإن قص أظافير يديه ورجليه فعليه دمٌ.

وإن قص يداً أو رجلاً فعليه دمٌ، وإن قص أقل من خمسة أظافير متفرقةً من يديه و رجليه فعليه صدقةٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمدٌ: عليه دمٌ.

وإن تطيب أو حلق أو لبس من عذرٍ فهو مخيرٌ: إن شاء ذبح شاةً، وإن شاء تصدق على ستة مساكين بثلاثة أصوع من طعامٍ، وإن شاء صام ثلاثة أيامٍ.

وإن قبل أو لمس بشهوةٍ فعليه دمٌ، ومن جامع في أحد السبيلين قبل الوقوف بعرفة فسد حجه وعليه شاةٌ، ويمضي في الحج كما يمضي من لم يفسد حجه، وعليه القضاء، وليس عليه أن يفارق امرأته إذا حج بها في القضاء، ومن جامع بعد الوقوف بعرفة لم يفسد حجه، وعليه بدنةٌ، فإن جامع بعد الحلق فعليه شاةٌ، ومن جامع في العمرة قبل أن يطوف أربعة أشواطٍ أفسدها ومضى فغيها وقضاها وعليه شاةٌ، وإن وطئ بعدما طاف أربعة أشواطٍ فعليه شاةٌ ولا تفسد عمرته، ولا يلزمه قضاؤها، ومن جامع ناسياً كمن جامع عامداً.

ومن طاف طواف القدوم محدثاً فعليه صدقةٌ، وإن طاف جنباً فعليه شاةٌ، ومن طاف طواف الزيارة محدثاً فعليه شاةٌ، وإن طاف جنباً فعليه بدنة، والأفضل أن يعيد الطواف ما دام بمكة ولا ذبح عليه، ومن طاف طواف الصدر محدثاً فعليه صدقةٌ، وإن طاف جنباً، فعليه شاةٌ.

ومن ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواطٍ فما دونها فعليه شاةٌ، وإن ترك أربعة أشواطٍ بقي محرماً أبداً حتى يطوفها، ومن ترك ثلاثة أشواطٍ من طواف الصدر فعليه صدقةٌ، وإن ترك طواف الصدر أو أربعة أشواطٍ منه فعليه شاةٌ.

ومن ترك السعي بين الصفا والمروة فعليه شاةٌ، وحجه تامٌ.

ومن أفاض من عرفة قبل الإمام فعليه دمٌ.

ومن ترك الوقوف بالمزدلفة فعليه دمٌ.

ومن ترك رمي الجمار في الأيام كلها فهليه دمٌ، وإن ترك رمي يومٍ واحدٍ فعليه دمٌ، وإن ترك رمي إحدى الجمار الثلاث فعليه صدقةٌ، وإن ترك رمي جمرة، العقبة في يوم النحر فعليه دمٌ.

ومن أخر الحلق حتى مضت أيام النحر فعليه دمٌ عند أبي حنيفة، وكذلك لو أخر طواف الزيارة عند أبي حنيفة رحمه الله.

وإذا قتل المحرم صيداً أو دل عليه من قتله فعليه الجزاء ، يستوي في ذلك العامد والناسي والمبتدئ والعائد والجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن يقوم الصيد في المكان الذي قتله فيه أو في أقرب المواضع منه إن كان في بريةٍ، يقومه ذوا عدلٍ، ثم هو مخييرٌ في القيمة، إن شاء ابتاع بها هدياً فذبح إن بلغت هدياً، وإن شاء اشترى بها طعاماً فتصدق به على كل مسكينٍ نصف صاع من برٍ أو صاعاً من تمرٍ أو شعيرٍ، وإن شاء صام عن كل نصف صاعٍ من برٍ يوماً، وعن كل صاعٍ من شعيرٍ يوماً، فإن فضل من الطعام أقل من نصف صاعٍ فهو مخيرٌ: إن شاء تصدق به، وإن شاء صام عنه يوماً كاملاً. وقال محمدٌ. يجب في الصيد النظير فيما له نظيرٌ؛ ففي الظبي شاةٌ، وفي الضبع شاةٌ، وفي الأرنب عناقٌ، وفي النعامة بدنةٌ، وفي اليربوع جفرةٌ، ومن جرح صيداً، أو نتف شعره، أو قطع عضواً منه ضمن ما نقصه، وإن نتف ريش طائرٍ، أو قطع قوائم صيدٍ، فخرج من حيز الامتناع فعليه قيمته كاملةً، ومن كسر بيض صيدٍ فعليه قيمته، فإن خرج من البيض فرخٌ ميتٌ فعليه قيمته حياً وليس في قتل الغراب والحدأة والذئب والحية، والقرب والفأرة جزاءٌ .

وليس في قتل البعوض والبراغيث والقراد شيءٌ.

ومن قتل قملةً تصدق بما شاء، ومن قتل جرادةً تصدق بما شاء، وتمرةٌ خيرٌ من جرادةٍ.

ومن قتل ما لا يؤكل لحمه من الصيد كالسباع ونحوها فعليه الجزاء، ولا يتجاوز بقيمتها شاةً.

وإن صال السبع على محرمٍ فقتله فلا شيء عليه،

وإن اضطر المحرم إلى أكل لحم الصيد فقتله فعليه الجزاء، ولا بأس أن يذبح المحرم الشاة والبقرة والبعير والدجاج والبط الكسكري وإن قتل حماماً مسرولا أو ظبياً مستأنساً فعليه الجزاء.

وإن ذبح المحرم صيداً فذبيحته ميتةٌ لا يحل أكلها، ولا بأس أن يأكل المحرم لحم صيدٍ اصطاده حلالٌ أو ذبحه إذا لم يدله المحرم عليه ولا أمره بصيده، وفي صيد الحرم إذا ذبحه الحلال فعليه الجزاء، وإن قطع حشيش الحرم أو شجرة الذي ليس بمملوكٍ ولا هو مما ينبته الناس فعليه قيمته، وكل شيءٍ فعله القارن مما ذكرنا أن فيه على المفرد دماً فعليه دمان: دمٌ لحجته، ودمٌ لعمرته، إلا أن يتجاوز الميقات من غير إحرامٍ ثم يحرم بالعمرة والحج فيلزمه دمٌ واحدٌ، وإذا اشترك المحرمان في قتل صيدٍ فعلى كل واحدٍ منهما الجزاء كاملاً، وإذا اشترك الحلالان في قتل صيد الحرم فعليهما جزاءٌ واحد.

وإذا باع المحرم صيداً أو ابتاعه فالبيع باطلٌ.

 

 باب الإحصار.

- إذا أحصر المحرم بعدوٍ أو أصابه مرضٌ منعه من المضي جاز له التحلل وقيل له: أبعث شاةً تذبح في الحرم وواعد من يحملها يوماً بعينه يذبحها فيه ثم تحلل،

وإن كان قارنا بعث بدمين، ولا يجوز ذبح دم الإحصار إلا في الحرم، ويجوز ذبحه قبل يوم النحر عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: لا يجوز الذبح للمحصر بالحج إلا في يوم النحر، ويجوز للمحصر بالعمرة أن يذبح متى شاء، والمحصر بالحج إذا تحلل فعليه حجةٌ وعمرةٌ، وعلى المحصر بالعمرة القضاء، وعلى القارن حجةٌ وعمرتان، وإذا بعث المحصر هدياً وواعدهم أن يذبحوه في يومٍ بعينه ثم زال الإحصار، فإن قدر على إدراك الهدي والحج لم يجز له التحلل ولزمه المضي، وإن قدر على إدراك الهدي دون الحج تحلل، وإن قدر على إدراك الحج دون الهدي جاز له التحلل استحساناً، ومن أحصر بمكة وهو ممنوعٌ من الوقوف والطواف كان محصراً وإن قدر على أحدهما فليس بمحصر.

 

 باب الفوات.

- ومن أحرم بالحج ففاته الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج وعليه أن يطوف ويسعى ويتحلل ويقضي الحج من قابل، ولا دم عليه، والعمرة لا تفوت، وهي جائزة في جميع السنة إلا خمسة أيام يكره فعلها فيها: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.

والعمرة سنةٌ، وهي: الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق أو التقصير.

 

 باب الهدي.

- الهدي أدناه شاةٌ. وهو ثلاثة أنواعٍ: الإبل والبقر، والغنم، يجزئ في ذلك الثني فصاعداً، إلا من الضأن فإن الجذع منه يجزئ، ولا يجوز في الهدي مقطوع الأذن أو أكثرها ولا مقطوع الذنب ولا اليد ولا الرجل، ولا الذاهبة العين ولا العجفاء ولا العرجاء التي لا تمشي إلى المنسك.

والشاة جائزةٌ في كل شيء إلا في موضعين: من طاف طواف الزيارة جنباً، ومن جامع بعد الوقوف بعرفة فإنه لا يجوز إلا بدنةٌ. والبدنة والبقرة تجزئ كل واحدةٍ منهما عن سبعةٍ إذا كان كل واحدٍ من الشركاء يريد القربة، فإن أراد أحدهم بنصيبه اللحم لم يجزئ عن الباقين، ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا .

ولا يجوز ذبح هدي التطوع والمتعة والقران إلا في يوم النحر ويجوز ذبح بقية الهدايا أي وقتٍ شاء، ولا يجوز ذبح الهدايا إلا في الحرم، ويجوز أن يتصدق بها على مساكين الحرم وغيرهم، ولا يجب التعريف بالهدايا، والأفضل في البدن النحر، وفي البقر والغنم الذبح، والأولى أن يتولى الإنسان ذبحها بنفسه إذا كان يحسن ذلك ويتصدق بجلالها وخطامها، ولا يعطي أجرة الجزار منها، ومن ساق بدنةً فاضطر إلى ركوبها ركبها، وإن استغنى عن ذلك لم يركبها، وإن كان لها لبنٌ لم يحلبها وينضح ضرعها بالماء البارد حتى ينقطع اللبن، ومن ساق هدياً فعطب، فإن كان تطوعاً فليس عليه غيره، وإن كان عن واجبٍ فعليه أن يقيم غيره مقامه، وإن أصابه عيبٌ كبيرٌ أقام غيره مقامه، وصنع بالمعيب ما شاء وإذا عطبت البدنة في الطريق، فإن كان تطوعاً نحرها وصبغ نعلها بدمها وضرب بها صفحتها ولا يأكل منها هو ولا غيره من الأغنياء، وإن كانت واجبةً أقام غيرها مقامها وصنع بها ما شاء؛ ويقلد هدي التطوع والمتعة والقران، ولا يقلد دم الإحصار ولا دم الجنايات.

 

 

 كتاب البيوع.

- البيع ينعقد بالإيجاب والقبول إذا كانا بلفظ الماضي، وإذا أوجب أحد المتعاقدين البيع فالآخر بالخيار: إن شاء قبل في المجلس وإن شاء رده،

وأيهما قام من المجلس قبل القبول بطل الإيجاب.

وإذا حصل الإيجاب والقبول لزم البيع ولا خيار لواحدٍ منهما، إلا من عيبٍ أو عدم رؤيةٍ.

والأعواض المشار إليها لا يحتاج إلى معرفة مقدارها في جواز البيع، والأثمار المطلقة لا تصبح إلا أن تكون معروفة القدر والصفة، ويجوز البيع بثمنٍ حالٍ ومؤجلٍ إذا كان الأجل معلوماً، ومن أطلق الثمن في البيع، كان على غالب نقد البلد، فإن كانت النقود مختلفة فالبيع فاسدٌ، إلا أن يبين أحدها.

ويجوز بيع الطعام والحبوب مكاملةً ومجازفةً، وبإناءٍ بعينه لا يعرف مقداره وبوزنٍ حجرٍ بعينه لا يعرف مقداره، ومن باع صبرة طعامٍ كل فقيرٍ بدرهمٍ جاز البيع في فقيرٍ واحدٍ عند أبي حنيفة إلا أن يسمى جملة قفزانها، ومن باع قطيع غنمٍ كل شاةٍ بدرهمٍ فالبيع فاسدٌ في جميعها، وكذلك من باع ثوباً مذارعة كل ذراع بدرهمٍ ولم يسم جملة الذرعان، ومن ابتاع صبرةً على أنها مائة قفيزٍ بمائة درهمٍ فوجدها أقل كان المشتري بالخيار: إن شاء أخذ الموجود بحصته من الثمن، وإن شاء فسخ البيع، وإن وجدها أكثر فالزيادة للبائع، ومن اشترى ثوباً على أنه عشرة أذرعٍ بعشرة دراهم أو أرضاً على أنها مائة ذراع بمائة درهمٍ فوجدها أقل فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذها بجملة الثمن، وإن شاء تركها، وإن وجدها أكثر من الذراع الذي سماه فهو للمشتري، ولا خيار للبائع، وإن قال بعتكها على أنها مائة ذراع بمائة درهمٍ كل ذراعٍ بدرهمٍ فوجدها ناقصةً فهو بالخيار: إن شاء أخذها بحصتها من الثمن وإن شاء تركها، وإن وجدها زائدةً فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ الجميع كل ذراعٍ بدرهمٍ، وإن شاء فسخ البيع، ومن باع داراً دخل بناؤها في البيع وإن لم يسمه، ومن باع أرضاً دخل ما فيها وإن لم يسمه، ولا يدخل الزرع في بيع الأرض إلا بالتسمية، ومن باع نخلاً أو شجراً فيه ثمرٌ فثمرته للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع، ويقال للبائع: اقطعها وسلم المبيع، ومن باع ثمرةً لم يبد صلاحها أو قد بدا جاز البيع، ووجب على المشتري قطعها في الحال، فإن شرط تركها على النخل فسد البيع، ولا يجوز أن يبيع ثمرةً ويستثني منها أرطالاً معلومةً، ويجوز بيع الحنطة في سنبلها والباقلاء في قشرها، ومن باع داراً دخل في المبيع مفاتيح أغلافها، وأجرة الكيال وناقد الثمن على البائع، وأجرة وزانٍ الثمن على المشتري.

ومن باع سلعةً بثمنٍ قيل للمشتري: ادفع الثمن أولاً، فإذا دفع قيل للبائع: سلم المبيع، ومن باع سلعةً بسلعةٍ أو ثمنٍ قيل لهما: سلما معاً.

 

 باب خيار الشرط.

- خيار الشرط جائزٌ في البيع للبائع والمشتري ، ولهما الخيار ثلاثة أيامٍ فما دونها،

ولا يجوز أكثر من ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: يجوز إذا سمى مدةً معلومةً.

وخيار البائع يمنع خروج المبيع من ملكه، فإن قبضه المشتري فهلك في يده ضمنه بالقيمة، وخيار المشتري لا يمنع خروج المبيع من ملك البائع، إلا أن المشتري لا يملكه عند أبي حنيفة، وعندهما يملكه، فإن هلك في يده هلك بالثمن وكذلك إذا دخله عيبٌ، ومن شرط له الخيار فله أن يفسخ في مدة الخيار، وله أن يجيزه، فإن أجازه بغير حضرة صاحبه جاز، وإن فسخ لم يجز، إلا أن يكون الآخر حاضراً، وإذا مات من له الخيار بطل خياره، ولم ينتقل إلى ورثته، ومن باع عبداً على أنه خبازٌ أو كاتبٌ فكان بخلاف ذلك فالمشتري بالخيار. إن شاء أخذهى بجميع الثمن، وإن شاء ترك،

 

 باب خيار الرؤية.

- ومن اشترى شيئاً لم يره فالبيع جائزٌ، وله الخيار إذا رآه: إن شاء أخذه، وإن شاء رده، ومن باع مالم يره فلا خيار له، ومن نظر إلى وجه الصبرة أو إلى ظاهر الثوب مطوياً أو إلى وجه الجارية أو إلى وجه الدابة وكفلها، فلا خيار له. وإن رأى صحن الدار فلا خيار له وإن لم يشاهد بيوتها،

وبيع الأعمى وشراؤه جائزٌ، وله الخيار إذا اشترى، ويسقط خياره بأن يجس المبيع إذا كان يعرف بالجس، أو يشمه إذا كان يعرف بالشم، أو يذوقه إذا كان يعرف بالذوق، ولا يسقط خياره في العقار حتى يوصف له، ومن باع ملك غيره بغير أمره فالمالك بالخيار: إن شاء أجاز البيع، وإن شاء فسخ، وله الإجازة إذا كان المعقود عليه باقياً والمتعاقدان بحالهما، ومن رأى أحد ثوبين فاشتراهما ثم رأى الآخر جاز له أن يردهما،

ومن مات وله خيار الرؤية بطل خياره، ومن رأى شيئا ثم اشتراه بعد مدةٍ، فإن كان على الصفة التي رآه فلا خيار له، وإن وجده متغيراً فله الخيار.

 

 باب خيار العيب.

- إذا اطلع المشتري على عيبٍ في المبيع فهو بالخيار: إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء رده، وليس له أن يمسكه ويأخذ النقصان، وكل ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجار فهو عيبٌ، والإباق والبول في الفراش والسرقة عيبٌ في الصغير ما لم يبلغ، فإذا بلغ فليس ذلك بعيبٍ، حتى يعاوده بعد البلوغ.

والبخر والدفر عيبٌ في الجارية، وليس بعيبٍ في الغلام، إلا أن يكون من داءٍ، والزنا وولد الزنا عيبٌ في الجارية دون الغلام. وإذا حدث عند المشتري عيبٌ ثم اطلع على عيبٍ كان عند البائع فله أن يرجع بنقصان العيب، ولا يرد المبيع إلا أن يرضى البائع أن يأخذه بعيبه، وإن قطع المشتري الثوب فوجد به عيباً رجع بالعيب، وإن خاطه أو صبغه أولت السويق بسمنٍ ثم اطلع على عيبٍ رجع بنقصانه، وليس للبائع أن يأخذه، ومن اشترى عبداً فأعتقه أو مات ثم اطلع على عيبٍ رجع بنقصانه فإن قتل المشتري العبد أو كان طعاماً فأكله لم يرجع عليه بشيءٍ في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يرجع.

ومن باع عبداً فباعه المشتري ثم رد عليه بعيبٍ، فإن قبله بقضاء القاضي فله أن يرده على بائعه، وإن قبله بغير قضاء القاضي فليس له أن يرده.

ومن اشترى عبداً وشرط البراءة من كل عيبٍ فليس له أن يرده بعيبٍ وإن لم يسم العيوب ولم يعدها.

 

 باب البيع الفاسد.

- إذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرماً فالبيع فاسدٌ، كالبيع بالميتة أو بالدم أو بالخمر أو بالخنزير، وكذلك إذا كان غير مملوكٍ كالحر؛ وبيع أم الولد والمدبر والمكاتب فاسدٌ.

ولا يجوز بيع السمك في الماء، ولا بيع الطير في الهواء؛ ولا يجوز بيع الحمل ولا النتاج، ولا بيع اللبن في الضرع والصوف على ظهر الغنم، وذراعٍ من ثوبٍ، وجذعٍ في سقفٍ، وضربة الغائص، وبيع المزابنة وهو بيع الثمر على رءوس النخل بخرصه تمراً، ولا يجوز البيع بإلقاء الحجر والملامسة، ولا يجوز بيع ثوبٍ من ثوبين.

ومن باع عبداً على أن يعتقه المشتري، أو يدبره أو يكاتبه، أو باع أمةً على أن يستولدها فالبيع فاسدٌ، وكذلك لو باع عبداً على أن يستخدمه البائع شهراً، أو داراً على أن يسكنها، أو على أن يقرضه المشتري درهماً، أو على أن يهدي له هديةً، ومن باع عينا على أن لا يسلمها إلى رأس الشهر فالبيع فاسدٌ، ومن باع جاريةً إلا حملها فسد البيع، ومن اشترى ثوباً على أن يقطعه البائع ويخيطه قميصاً أو قباءً، أو نعلاً على أن يحذوها أو يشركها فالبيع فاسدٌ.

والبيع إلى النيروز والمهرجان وصوم النصارى وفطر اليهود إذا لم يعرف المتبايعان ذلك فاسدٌ، ولا يجوز البيع إلى الحصاد والدياس والقطاف وقدوم الحاج، فإن تراضيا بإسقاط الأجل قبل أن يأخذ الناس في الحصاد والدياس وقبل قدوم الحاج جاز البيع.

وإذا قبض المشتري المبيع في البيع الفاسد بأمر البائع وفي العقد عوضان كل واحدٍ منهما مالٌ ملك المبيع ولزمته قيمته.

ولكل واحدٍ من المتعاقدين فسخه، فإن باعه المشتري نفذ بيعه.

ومن جمع بين حرٍ وعبدٍ أو شاةٍ ذكيةٍ أو ميتةٍ بطل البيع فيهما، ومن جمع بين عبدٍ ومدبرٍ أو عبده وعبد غيره صح العقد في العبد بحصته من الثمن.

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش، وعن السوم على سوم غيره؛ وعن تلقي الجلب، وعن بيع الحاضر للبادي، وعن البيع عند أذان الجمعة، وكل ذلك يكره ولا يفسد به العقد.

ومن ملك مملوكين صغيرين أحدهما ذو رحمٍ محرمٍ من الآخر لم يفرق بينهما، وكذلك إن كان أحدهما كبيراً والآخر صغيراً، فإن فرق بينهما كره له ذلك وجاز البيع، وإن كانا كبيرين فلا بأس بالتفريق بينهما.

 

 باب الإقالة.

- الإقالة جائزةٌ في البيع.

بمثل الثمن الأول، فإن شرط أقل منه أو أكثر فالشرط باطلٌ، ويرد مثل الثمن الأول.

وهي فسخٌ في حق المتعاقدين بيعٌ جديدٌ في حق غيرهما في قول أبي حنيفة.

وهلاك الثمن لا يمنع صحة الإقالة، وهلاك المبيع يمنع منها فإن هلك بعض المبيع جازت الإقالة في باقيه.

 

 باب المرابحة والتولية.

- المرابحة: نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربحٍ. والتولية: نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول من غير زيادة ربحٍ.

ولا تصح المرابحة ولا التولية حتى يكون العوض مما له مثلٌ.

ويجوز أن يضيف إلى رأس المال أجرة القصار والصباغ والطراز والفتل وأجرة حمل الطعام، ولكن يقول: قام علي بكذا، ولا يقول: اشتريته بكذا.

فإن اطلع المشتري على خيانةٍ في المرابحة فهو بالخيار عند أبي حنيفة: إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء رده، وإن اطلع على خيانةٍ في التولية أسقطها المشتري من الثمن.

وقال أبو يوسف: يحط فيهما وقال محمدٍ: لا يحط فيهما.

ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحول لم يجز له بيعه حتى يقبضه، ويجوز بيع العقار قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمدٌ: لا يجوز،

ومن اشترى مكيلاً مكايلةً، أو موزوناً موازنةً، فاكتاله أو اتزنه ثم باعه مكايلةً أو موازنةً؛ لم يجز للمشتري منه أن يبيعه ولا يأكله حتى يعيد الكيل والوزن.

والتصرف في الثمن قبل القبض جائزٌ.

ويجوز للمشتري أن يزيد البائع في الثمن،

ويجوز للبائع أن يزيد في المبيع، ويجوز أن يحط من الثمن ويتعلق الاستحقاق بجميع ذلك.

ومن باع بثمنٍ حالٍ ثم أجله أجلاً معلوماً صار مؤجلاً،

وكل دينٍ حالٍ إذا أجله صاحبه صار مؤجلاً إلى القرض؛ فإن تأجيله لا يصح.

 

 باب الربا.

- الربا محرمٌ في كل مكيلٍ أو موزونٍ، إذا بيع بجنسه متفاصلا ، فالعلة فيه الكيل مع الجنس أو الوزن مع الجنس  فإذا بيع المكيل أو الموزون بجنسه مثلاً بمثلٍ جاز البيع، وإن تفاضلا لم يجز، ولا يجوز بيع الجيد بالردئ مما فيه الربا إلا مثلا بمثلٍ، فإذا عدم الوصفان الجنس والمعنى المضموم إليه حل التفاضل والنساء، وإذا وجدا حرم التفاضل والنساء، وإذا وجدا أحدهما وعدم الآخر حل التفاضل وحرم النساء، وكل شيءٍ نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريم التفاضل فيه كيلاً فهو مكيلٌ أبداً وإن ترك الناس الكيل فيه، مثل الحنطة والشعير والتمر والملح، وكل ما نص على تحريم التفاضل فيه وزناً فهو موزونٌ أبداً، مثل الذهب والفضة، وما لم ينص عليه فهو محمول على عادات الناس.

وعقد الصرف ما وقع على جنس الأثمان يعتبر فيه قبض عوضيه في المجلس، وما سواه مما فيه الربا يعتبر فيه التعيين، ولا يعتبر فيه التقابض، ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق ولا بالسويق.

ويجوز بيع اللحم بالحيوان عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمدٌ: لا يجوز، إلا أن يكون اللحم الذي في الحيوان أقل مما هو المعقود عليه، ويجوز بيع الرطب بالتمر مثلاً بمثلٍ والعنب بالزبيب،

ولا يجوز بيع الزيتون بالزيت والسمسم بالشيرج حتى يكون الزيت والشيرج أكثر مما في الزيتون والسمسم، فيكون الدهن بمثله والزيادة بالثجير، ويجوز بيع اللحمان المختلفة بعضها ببعضٍ متفاضلاً، وكذلك ألباني البقر والغنم، وخل الدقل بخل العنب، ويجوز بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلاً.

ولا رباً بين المولى وعبده، ولا بين المسلم والحربي في دار الحرب.

 

 باب السلم.

- السلم جائزٌ  في المكيلات والموزونات والمعدودات التي لا تتفاوت كالجوز والبيض، وفي المذروعات، ولا يجوز السلم في الحيوان، ولا في أطرافه، ولا في الجلود عدداً، ولا في الحطب حزماً، ولا في الرطبة جرزاً.

ولا يجوز السلم حتى يكون المسلم فيه موجوداً من حين العقد إلى حين المحل، ولا يصح السلم إلا مؤجلا، ولا يجوز إلا بأجلٍ معلومٍ، ولا يجوز السلم بمكيال رجلٍ بعينه، ولا بذراع رجلٍ بعينه، ولا في طعام قريةٍ بعينها، ولا في ثمرة نخلةٍ بعينها.

ولا يصح السلم عند أبي حنيفة إلا بسبع شرائط تذكر في العقد: جنسٍ معلومٍ، ونوعٍ معلومٍ، وصفةٍ معلومةٍ، ومقدارٍ معلومٍ، وأجلٍ معلومٍ، ومعرفة مقدار رأس المال إذا كان مما يتعلق العقد على قدره، كالمكيل والموزون والمعدود، وتسمية المكان الذي يوافيه فيه إذا كان له حملٌ ومؤنةٌ.

وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يحتاج إلى تسمية رأس المال إذا كان معيناً ولا إلى مكان التسليم، ويسلمه في موضع العقد.

ولا يصح السلم حتى يقبض رأس المال قبل أن يفارقه.

ولا يجوز التصرف في رأس المال ولا في المسلم فيه قبل قبضه، ولا تجوز الشركة ولا التولية في المسلم فيه قبل قبضه.

ويجوز السلم في الثياب إذا سمى طولاً وعرضاً ورقعةً، ولا يجوز السلم في الجواهر ولا في الخرز، ولا بأس في السلم في اللبن والآجر إذا سمى ملبناً معلوماً.

وكل ما أمكن ضبط صفته ومعرفة مقداره جاز السلم فيه، وما لا يمكن ضبط صفته، ولا يعرف مقداره لا يجوز السلم فيه.

ويجوز بيع الكلب والفهد والسباع، ولا يجوز بيع الخمر والخنزير، ولا يجوز بيع دود القز إلا أن يكون مع القز، ولا النحل إلا مع الكوارات.

وأهل الذمة في البياعات كالمسلمين إلا في الخمر والخنزير خاصةً، فإن عقدهم على الخمر كعقد المسلم على العصير، وعقدهم على الخنزير كعقد المسلم على الشاة.

 

 باب الصرف.

- الصرف هو البيع إذا كان كل واحدٍ من العوضين من جنس الأثمان، فإن باع فضة بفضةٍ أو ذهباً بذهبٍ لم يجز إلا مثلاً بمثلٍ وإن اختلفا في الجودة والصياغة، ولابد من قبض العوضين قبل الافتراق ، وإذا باع الذهب بالفضة جاز التفاضل ووجب التقابض، وإن افترقا في الصرف قبل قبض العوضين أو أحدهما بطل العقد.

ولا يجوز التصرف في ثمن الصرف قبل قبضه.

ويجوز بيع الذهب بالفضة مجازفةً.

ومن باع سيفاً محلى بمائة درهمٍ وحليته خمسون درهماً فدفع من ثمنه خمسين جاز البيع، وكان المقبوض حصة الفضة وإن لم يبين ذلك، وكذلك إن قال: خذ هذه الخمسين من ثمنهما، فإن لم يتقابضا حتى افترقا بطل العقد في الحلية والسيف إن كان لا يتخلص إلا بضررٍ، وإن كان يتخلص بغير ضررٍ جاز البيع في السيف وبطل في الحلية، ومن باع إناء فضةٍ ثم افترقا وقد قبض بعض ثمنه بطل العقد فيما لم يقبض، وصح فيما قبض وكان الإناء مشتركاً بينهما، وإن استحق بعض الإناء كان المشتري بالخيار: إن شاء أخذ الباقي بحصته من الثمن، وإن شاء رده، ومن باع قطعة نقرةٍ فاستحق بعضها أخذ ما بقي بحصته، ولا خيار له، ومن باع درهمين وديناراً بدينارين ودرهم جاز البيع وجعل كل واحدٍ من الجنسين بالجنس الآخر، ومن باع أحد عشر درهماً بعشرة دراهم ودينارٍ جاز البيع وكانت العشرة بمثلها، والدينار بدرهمٍ، ويجوز بيع درهمين صحيحين ودرهمٍ غلةً بدرهمٍ صحيحٍ ودرهمين غلةً، وإذا كان الغالب على الدراهم الفضة فهي فضةٌ، وإن كان الغالب على الدنانير الذهب فهي ذهبٌ، ويعتبر فيهما من تحريم التفاضل ما يعتبر في الجياد، وإن كان الغالب عليهما الغش فليسا في حكم الدراهم والدنانير، فإذا بيعت بجنسها متفاضلاً جاز، وإذا اشترى بها سلعةً ثم كسدت وترك الناس المعاملة بها بطل البيع عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: عليه قيمتها يوم البيع،

وقال محمدٌ: عليه قيمتها آخر ما تعامل الناس بها.

ويجوز البيع بالفلوس النافقة وإن لم تتعين، وإن كانت كاسدةً لم يجز البيع بها حتى يعينها، وإذا باع بالفلوس النافقة ثم كسدت بطل البيع عند أبي حنيفة.

ومن اشترى شيئاً بنصف درهمٍ فلوساً جاز البيع وعليه ما يباع بنصف درهمٍ من الفلوس، ومن أعطى الصيرفي درهماً وقال: أعطني نصفه فلوساً وبنصفه نصفاً إلا حبةً فسد البيع في الجميع عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: جاز البيع في الفلوس، وبطل فيما بقي،

ولو قال (أعطني نصف درهم فلوساً ونصفاً إلا حبةً) جاز البيع وكانت الفلوس والنصف إلا حبةً بدرهمٍ.

 

 كتاب الرهن.

- الرهن ينعقد بالإيجاب والقبول، ويتم بالقبض، فإذا قبض المرتهن الرهن محوزاً مفرغاً مميزاً تم العقد فيه، وما لم يقبضه فالراهن بالخيار: إن شاء سلمه، وإن شاء رجع عن الرهن، فإذا سلمه إليه وقبضه دخل في ضمانه، ولا يصح الرهن إلا بدين مضمونٍ، وهو مضمونٌ بالأقل من قيمته ومن الدين، فإذا هلك في يد المرتهن وقيمته والدين سواءٌ صار المرتهن مستوفياً لدينه حكماً، وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الدين فالفضل أمانة في يده، وإن كانت أقل سقط من الدين بقدرها ورجع المرتهن بالفضل،

ولا يجوز رهن المشاع، ولا رهن ثمرةٍ على رؤوس النخل دون النخل، ولا زرعٍ في الأرض دون الأرض، ولا يجوز رهن الأرض والنخل دونهما، ولا يصح الرهن بالأمانات كالودائع والمضاربات ومال الشركة، ويصح الرهن برأس مال السلم وثمن الصرف والمسلم فيه، فإن هلك في مجلس العقد تم الصرف والسلم وصار المرتهن مستوفياً لدينه.

وإذا اتفقا على وضع الرهن على يد عدلٍ جاز، وليس للمرتهن ولا للراهن أهذه من يده، فإن هلك في يده هلك من ضمان المرتهن.

ويجوز رهن الدراهم والدنانير والمكيل والموزون، فإن رهنت بجنسها وهلكت هلكت بمثلها من الدين، وإن اختلفا في الجودة والصناعة.

ومن كان له دينٌ على غيره فأخذ منه مثل دينه فأنفقه ثم علم أنه كان زيوفاً فلا شيء له عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يرد مثل الزبوف ويرجع بالجياد، ومن رهن عبدين بألف درهمٍ فقضى حصة أحدهما لم يكن له أن يقبضه حتى يؤدي باقي الدين.

وإذا وكل الراهن المرتهن أو العدل أو غيرهما ببيع الرهن عند حلول الدين فالوكالة جائزةٌ، فإن شرطت في عقد الرهن فليس للراهن عزله عنها، فإن عزله لم ينعزل، وإن مات الراهن لم ينعزل.

وللمرتهن أن يطالب الراهن بدينه ويحبسه به،

وإن كان الرهن في يده فليس عليه أن يمكنه من بيعه حتى يقضيه الدين من ثمنه، فإن قضاه الدين قيل له: سلم الرهن إليه، وإذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن فالبيع موقوفٌ، فإن أجازه المرتهن جاز، وإن قضاه الراهن دينه جاز البيع، وإن أعتق الراهن عبد الرهن نفذ عتقه، فإن كان الدين حالاً طولب بأداء الدين، وإن كان مؤجلاً أخذ منه قيمة العبد فجعلت رهناً مكانه حتى يحل الدين، وإن كان الراهن معسراً استسعى العبد في قيمته فقضى بها دينه، وكذلك إذا استهلك الراهن الرهن، وإن استهلكه أجنبيٌ فالمرتهن هو الخصم في تضمينه، ويأخذ القيمة فتكون رهناً في يده،

وجناية الراهن على الرهن مضمونةٌ، وجناية المرتهن عليه تسقط من دينه بقدرها، وجناية الرهن على الراهن وعلى المرتهن وعلى مالهما هدرٌ.

وأجرة البيت الذي يحفظ فيه الرهن على المرتهن، وأجرة الراعي ونفقة الرهن على الراهن، ونماؤه للراهن، فيكون رهناً مع الأصل، فإن هلك هلك بغير شيء وإن هلك الأصل وبقي النماء افتكه الراهن بحصته، ويقسم الدين على قيمة الرهن يوم القبض وقيمة النماء يوم الفكاك، فما أصاب الأصل سقط من الدين، وما أصاب النماء افتكه الراهن به.

وتجوز الزيادة في الرهن، ولا تجوز في الدين عند أبي حنيفة ومحمدٍ، ولا يصير الرهن رهناً بهما، وقال أبو يوسف: تجوز الزيادة في الدين أيضاً، وإذا رهن عيناً واحدةً عند رجلين بدينٍ لكل واحد منهما جاز وجميعها رهنٌ عند كل واحدٍ منهما؛ والمضمون على كل واحدٍ منهما حصة دينه منها، فإن قضى أحدهما دينه كانت كلها رهناً في يد اخر حتى يستوفي دينه؛ ومن باع عبداً على أن يرهنه المشتري بالثمن شيئاً بعينه، فإن امتنع المشتري من تسليم الرهن لم يجبر عليه، وكان البائع بالخيار: إن شاء رضي بترك الرهن، وإن شاء فسخ البيع، إلا أن يدفع المشتري الثمن حالاً أو يدفع قيمة الرهن رهناً مكانه، وللمرتهن أن يحفظ الرهن بنفسه وزوجته وولده وخادمه الذي في عياله، وإن حفظه بغير من في عياله أو أودعه ضمن، وإذا تعدى المرتهن في الرهن ضمنه ضمان الغصب بجميع قيمته، وإذا أعار المرتهن الرهن للراهن فقبضه خرج من ضمان المرتهن، فإن هلك في يد الراهن هلك بغير شيء، وللمرتهن أن يسترجعه إلى يده، فإذا أخذه عاد الضمان، وإذا مات الراهن باع وصيه الرهن وقضى الدين، فإن لم يكن له وصيٌ نصب القاضي له وصياً وأمره ببيعه،

 

 

 كتاب الحجر.

- الأسباب الموجبة للحجر ثلاثةٌ: الصغر، والرق، والجنون، ولا يجوز تصرف الصغير إلا بإذن وليه، ولا تصرف العبد إلا بإذن سيده، ولا يجوز تصرف المجنون المغلوب على عقله بحال،

ومن باع من هؤلاء شيئاً أو اشتراه وهو يعقل البيع ويقصده فالولي بالخيار: إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحةٌ، وإن شاء فسخه.

وهذه المعاني الثلاثة توجب الحجر في الأقوال دون الأفعال؛ فالصبي والمجنون لا تصح عقودهما، ولا إقرارهما، ولا يقع طلاقهما ولا عتاقهما، وإن أتلفا شيئاً لزمهما ضمانه. وأما العبد فأقواله نافذةٌ في حق نفسه غير نافذةٍ في حق مولاه.

فإن أقر بمالٍ لزمه بعد الحرية، ولم يلزمه في الحال، وإن أقر بحدٍ أو قصاصٍ لزمه في الحال، وينفذ طلاقه.

وقال أبو حنيفة: لا يحجر على السفيه إذا كان بالغاً عاقلاً حراً، وتصرفه في ماله جائزٌ، وإن كان مبذراً مفسداً يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة، إلا أنه قال: إذا بلغ الغلام غير رشيد لم يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنةً.

فإن تصرف فيه قبل ذلك نفذ تصرفه، فإذا بلغ خمساً وعشرين سنةً سلم إليه ماله وإن لم يؤنس منه الرشد. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يحجر على السفيه ويمنع من التصرف في ماله، فإن باع لم ينفذ بيعه، فإن كان فيه مصلحةٌ أجازه الحاكم، وإن أعتق عبداً نفذ عتقه وكان على العبد أن يسعى في قيمته، وإن تزوج امرأةً جاز نكاحه، فإن سمى لها مهراً جاز منه مقدار مهر مثلها وبطل الفضل.

وقالا فيمن بلغ غير رشيدٍ: لا يدفع إليه ماله أبداً حتى يؤنس منه الرشد، ولا يجوز تصرفه فيه، وتخرج الزكاة من مال السفيه، وينفق منه على أولاده وزوجته ومن تجب نفقته عليه من ذوي أرحامه، فإن أراد حجة الإسلام لم يمنع منها ولكن لا يسلم القاضي النفقة إليه، ويسلمها إلى ثقةٍ من الحاج ينفقها عليه في طريق الحج، فإن مرض وأوصى بوصايا في القرب وأبواب الخير جاز ذلك في ثلث ماله.

وبلوغ الغلام بالاحتلام والإحبال والإنزال إذا وطئ، فإن لم يوجد ذلك فحتى يتم له ثماني عشرة سنةً عند أبي حنيفة، وبلوغ الجارية بالحيض والاحتلام والحبل، فإن لم يوجد ذلك فحتى يتم لها سبعة عشرة سنةً، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا تم للغلام والجارية خمس عشرة سنةً فقد بلغا،

وإذا راهق الغلام والجارية وأشكل أمرهما في البلوغ وقالا "قد بلغنا" فالقول قولهما، وأحكامهما أحكام البالغين.

وقال أبو حنيفة: لا أحجر في الدين. وإذا وجبت الديون على رجل وطلب غرماؤه حبسه والحجر عليه لم أحجر عليه، وإن كان له مالٌ لم يتصرف فيه الحاكم، ولكن يحبسه أبداً حتى يبيعه في دينه، فإن كان له دراهم ودينه دراهم قضاها القاضي بغير أمره، وإن كان دينه دراهم وله دنانير باعها القاضي في دينه، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا طلب غرماء المفلس الحجر عليه حجر القاضي عليه ومنعه من البيع والتصرف والإقرار حتى لا يضر بالغرماء، وباع ماله إن امتنع من بيعه، وقسمه بين غرمائه بالحصص، فإن أقر في حال الحجر بإقرارٍ لزمه ذلك بعد قضاء الديون، وينفق على المفلس من ماله، وعلى زوجته وأولاده الصغار وذوي أرحامه، وإن لم يعرف للمفلس مالٌ وطلب غرماؤه حبسه وهو يقول لا مال لي حبسه الحاكم في كل دينٍ التزمه بدلاً عن مال حصل في يده كثمن مبيعٍ وبدل القرض، وفي كل دينٍ التزمه بعقدٍ كالمهر و الكفالة، ولم يحبسه فيما سوى ذلك كعوض المصوب وأرش الجنايات إلا أن تقوم البينة أن له مالاً، وإذا حبسه القاضي شهرين أو ثلاثة سأل القاضي عن حاله: فإن لم ينكشف له مالٌ خلى سبيله، وكذلك إذا أقام البينة أنه لا مال له، ولا يحول بينه وبين غرمائه بعد خروجه من الحبس، ويلازمونه ولا يمنعونه من التصرف والسفر ويأخذون منه فضل كسبه فيقسم بينهم بالحصص، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا فلسه الحاكم حال بينه وبين غرمائه إلا أن يقيموا البينة أنه قد حصل له مالٌ.

ولا يحجر على الفاسق إذا كان مصلحاً لماله، والفسق الأصلي والطارئ سواءٌ، ومن أفلس وعنده متاعٌ لرجلٍ بعينه ابتاعه منه فصاحب المتاع أسوة الغرماء فيه.

 

 

 كتاب الإقرار.

- إذا أقر الحر البالغ العاقل بحقٍ لزمه إقراره، مجهولاً كان ما أقر به أو معلوماً، ويقال له: بين المجهول، فإن قال "لفلانٍ علي شيءٌ" لزمه أن يبين ماله قيمةٌ، والقول فيه قوله مع يمينه إن ادعى المقر له أكثر من ذلك وإن قال "له علي مالٌ" فالمرجع في بيانه إليه، ويقبل قوله في القليل والكثير، فإن قال "له علي مالٌ عظيمٌ" لم يصدق في أقل من مائتي درهمٍ، وإن قال "دراهم كثيرةٌ" لم يصدق في أقل من عشرة دراهم، وإن قال "دراهم" فهي ثلاثةٌ إلى أن يبين أكثر منها، وإن قال "له علي كذا كذا درهماً" لم يصدق في أقل من أحد عشر درهماً، وإن قال "كذا وكذا درهماً" لم يصدق في أقل من أحدٍ وعشرين درهماً، وإن قال "له علي أو قبلي" فقد أقر بدين، وإن قال "عندي" أو "معي" فهو إقرارٌ بأمانةٍ في يده، وإن قال له رجلٌ لي عليك ألفٌ فقال أنزنها أو انتقدها أو أجلني بها أو قد قضيتكها فهو إقرارٌ، ومن أقر بدينٍ مؤجلٍ فصدقه المقر له في الدين وكذبه في التأجيل لزمه  الدين حالاً، ويستحلف المقر له في الأجل، ومن أقر واستثنى متصلاً بإقراره صح الاستثناء، ولزمه الباقي، سواءٌ استثنى الأقل أو الأكثر،

فإن استثنى الجميع لزمه الإقرار وبطل الاستثناء، وإن قال "له علي مائة درهم إلا ديناراً" أو "إلا قفيز حنطةٍ" لزمه مائة درهم إلا قيمة الدينار أو القفيز، وإن قال "له علي مائةٌ ودرهم" فالمائةٌ كلها دراهم، وإن قال "له علي مائةٌ وثوبٌ" لزمه ثوبٌ واحدٌ، والمرجع في تفسير المائة إليه ومن أقر بحق وقال "إن شاء الله" متصلاً بإقراره لم يلزمه الإقرار، ومن أقر وشرط الخيار لزمه الإقرار وبطل الخيار، ومن أقر بدار واستثنى بناءها لنفسه فللمقر له الدار والبناء، وإن قال "بناء هذه الدار لي والعرصة لفلان" فهو كما قال، ومن أقر بتمرٍ في قوصرة لزمه التمر والقوصرة، ومن أقر بدابة في إصطبلٍ لزمه الدابة خاصةً، وإن قال "غصبت ثوباً في منديل" لزماه جميعاً، وإن قال "له علي ثوبٌ في ثوبٍ" لزماه وإن قال "له علي ثوبٌ في عشرة أثوابٍ" لم يلزمه عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا ثوبٌ واحدٌ.

وقال محمدٌ: يلزمه أحد عشر ثوباً، ومن أقر بغصب ثوبٍ وجاء بثوبٍ معيب فالقول قوله فيه مع يمينه، وكذلك لو أقر بدراهم وقال: هي زيوفٌ، وإن قال "له علي خمسةٌ في خمسةٍ" يريد الضرب والحساب لزمه خمسةٌ واحدةٌ، وإن قال: أردت خمسةً مع خمسةٍ؛ لزمه عشرةٌ، وإن قال "له علي درهمٍ إلى عشرةٍ" لزمه تسعةٌ عند أبي حنيفة فيلزمه الابتداء وما بعده وتسقط الغاية، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يلزمه العشرة كلها وإذا قال "له علي ألف درهمٍ من ثمن عبدٍ اشتريته منه ولم أقبضه" فإن ذكر عبداً بعينه قيل للمقر له: إن شئت فسلم العبد وخذ الألف، وإلا فلا شيء لك، وإن قال "له علي ألفٌ من ثمن عبدٍ" ولم يعينه لزمه الألف في قول أبي حنيفة [ولو قال "له علي ألفٌ من ثمن هذا العبد" لم يلزمه حتى يسلم العبد، فإن سلم العبد لزمه الألف، وإن لم يسلمه لم تلزمه] ولو قال "له علي ألفٌ من ثمن خمرٍ أو خنزيرٍ" لزمه الألف ولم يقبل تفسيره، ولو قال "له علي ألفٌ من ثمن متاعٍ وهي زيوفٌ" وقال المقر له "جيادٌ" لزمه الجياد في قول أبي حنيفة، ومن أقر لغيره بخاتمٍ فله الحلقة والفص، وإن أقر له بسيفٍ فله النصل والجفن والحمائل، وإن أقر بحجلةٍ فله العيدان والكسوة، وإن قال "لحمل فلانة علي ألفٌ" فإن قال أوصى به له فلانٌ أو مات أبوه فورثه فالإقرار صحيحٌ، وإن أبهم الإقرار لم يصح عند أبي يوسف، وإذا أقر بحمل جاريةٍ أو حمل شاةٍ لرجلٍ صح الإقرار ولزمه، وإذا أقر الرجل في مرض موته بديونٍ وعليه ديونٌ في صحته وديونٌ لزمته في مرضه بأسبابٍ معلومةٍ فدين الصحة والدين المعروف بالأسباب مقدمٌ على غيره، فإذا قضيت وفضل شيءٌ كان فيما أقر به في حال المرض، وإن لم يكن عليه ديونٌ في صحته جاز إقراره وكان المقر له أولى من الورثة، وإقرار المريض لوارثه باطلٌ إلا أن يصدقه فيه بقية الورثة، ومن أقر لأجنبيٍ في مرضه ثم قال هو ابني ثبت نسبه وبطل إقراره له، ولو أقر لأجنبيةٍ ثم تزوجها لم يبطل إقراره لها، ومن طلق زوجته في مرضه ثلاثاً ثم أقر لها بدين ومات فلها الأقل من الدين ومن ميراثها منه،

ومن أقر لغلامٍ يولد مثله لمثله وليس له نسبٌ معروفٌ أنه ابنه وصدقه الغلام ثبت نسبه منه وإن كان مريضاً، ويشارك الورثة في الميراث؛ ويجوز إقرار الرجل بالوالدين والولد والزوجة والمولى، ويقبل إقرار المرأة بالوالدين والزوج والمولى، ولا يقبل بالولد إلا أن يصدقها الزوج أو تشهد بولادتها قابلةٌ،

ومن أقر بنسبٍ من غير الوالدين والولد والزوج والزوجة والمولى - مثل الأخ والعم - لم يقبل إقراره في النسب، فإن كان له وارثٌ معروفٌ قريبٌ أو بعيدٌ فهو أولى بالميراث من المقر له، وإن لم يكن له وارثٌ استحق المقر له ميراثه، ومن مات أبوه فأقر بأخٍ له لم يثبت نسب أخيه ويشاركه في الميراث.

 

 

 كتاب الإجارة.

- الإجارة عقدٌ على المنافع بعوض، ولا تصح حتى تكون المنافع معلومة والأجرة معلومة، وما جاز أن يكون ثمناً في البيع جاز أن يكون أجرة في الإجارة، والمنافع تارةً تصير معلومةً بالمدة كاستئجار الدورلا للسكنى والأرضين للزراعة؛ فيصح العقد على مدةٍ معلومةٍ أي مدةٍ كانت، وتارةً تصير معلومة بالعمل والتسمية كمن استأجر رجلاً على صبغ ثوبٍ أو خياطته، أو استأجر دابةً ليحمل عليها مقداراً معلوماً أو يركبها مسافة سماها، وتارةً تصير معلومةً بالتعيين والإشارة كمن استأجر رجلاً لينقل له هذا الطعام إلى موضعٍ معلومٍ، ويجوز استئجار الدور والحوانيت للسكنى، وإن لم يبين ما يعمل فيها، وله أن يعمل كل شيءٍ إلا الحداد والقصار والطحان، ويجوز استئجار الأراضي للزراعة ولا يصح العقد حتى يسمي ما يزرع فيها أو يقول: على أن يزرع فيها ما شاء، ويجوز أن يستأجر الساحة ليبني فيها أو يغرس فيها نخلاً أو شجراً، فإذا. انقضت مدة الإجارة لزمه أن يقلع البناء والغرس ويسلمها فارغةً، إلا أن يختار صاحب الأرض أن يغرم له قيمة ذلك مقلوعاً فيملكه أو يرضى بتركه على حاله فيكون البناء لهذا والأرض لهذا، ويجوز استئجار الدواب للركوب والحمل، فإن أطلق الركوب جاز له أن يركبها من شاء، وكذلك إن استأجر ثوباً للبس وأطلق، فإن قال: على أن يركبها فلانٌ، أو يلبس الثوب فلانٌ، فأركبها غيره أو ألبسه غيره؛ كان ضامناً إن عطبت الدابة أو تلف الثوب؛ وكذلك كل ما يختلف باختلاف المستعمل، وأما العقار وما لا يختلف باختلاف المستعمل فلا يعتبر تقييده، فإذا شرط سكنى واحدٍ فله أن يسكن غيره، وإن سمى نوعاً أو قدراً يحمله على الدابة مثل أن يقول "خمسة أقفزة حنطةٍ" فله أن يحمل ما هو مثل الحنطة في الضرر أو أقل كالشعير والسمسم، وليس له أن يحمل ما هو أضر من الحنطة كالملح والحديد، وإن استأجرها ليحمل عليها قطناً سماه فليس له أن يحمل مثل وزنه حديداً، وإن استأجرها ليركبها فأردف معه رجلا فعطبت ضمن نصف قيمتها، ولا يعتبر بالثقل،

وإن استأجرها ليحمل عليها مقداراً من الحنطة فحمل أكثر منه فعطبت ضمن ما زاد الثقل، وإذا كبح الدابة بلجامها أو ضربها فعطبت ضمن عند أبي حنيفة.

والأجراء على ضربين: أجيرٌ مشتركٌ، وأجيرٌ خاصٌ، فالمشترك: من لا يستحق الأجرة حتى يعمل كالصباغ والقصار، والمتاع أمانةٌ في يده: إن هلك لم يضمن شيئاً عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يضمنه، وما تلف بعمله كتخريق الثوب من دقه وزلق الحمال وانقطاع الحبل الذي يشد به المكاري الحمل وغرق السفينة من مدها مضمونٌ إلا أنه لا يضمن به بني آدم ممن غرق في السفينة أو سقط من الدابة لم يضمنه، وإذا فصد الفصاد أو بزغ البزاغ ولم يتجاوز الموضع المعتاد فلا ضمان عليه فيما عطب من ذلك. والأجير الخاص: الذي يستحق الأجرة بتسليم نفسه في المدة، وإن لم يعمل، كمن استؤجر شهراً للخدمة أو لرعي الغنم.

ولا ضمان على الأجير الخاص فيما تلف في يده ولا ما تلف من عمله.

والإجارة تفسدها الشروط كما تفسد البيع، ومن استأجر عبداً للخدمة فليس له أن يسافر به إلا أن يشترط ذلك، ومن استأجر جملاً ليحمل عليه محملاً وراكبين إلى مكة جاز، وله المحمل المعتاد، وإن شاهد الجمال المحمل فهو أجود، وإن استأجر بعيراً ليحمل عليه مقداراً من الزاد فأكل منه في الطريق جاز له أن يرد عوض ما أكل، والأجرة لا تجب بالعقد، وتستحق بأحد معانٍ ثلاثةٍ: إما بشرط التعجيل. أو بالتعجيل من غير شرطٍ، أو باستيفاء المعقود عليه، ومن استأجر داراً فللمؤجر أن يطالبه بأجرة كل يومٍ إلا أن يبين وقت الاستحقاق بالعقد، ومن استأجر بعيراً إلى مكة فللجمال أن يطالبه بأجرة كل مرحلةٍ، وليس للقصار والخياط أن يطالب بالأجرة حتى يفرغ من العمل إلا أن يشترط التعجيل، ومن استأجر خبازاً ليخبز له في بيته قفيز دقيق بدرهمٍ لم يستحق الأجرة حتى يخرج الخبز من التنور، ومن استأجر طباخاً ليطبخ له طعاماً للويمة فالغرف عليه، ومن استأجر رجلاً ليضرب له لبناً استحق الأجرة إذا أقامه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يستحقها حتى يشرجه، وإذا قال للخياط: إن خطت هذا الثوب فارسياً فبدرهمٍ، وإن خطته رومياً فبدرهمين، جاز، وأي العملين عمل استحق الأجرة،

وإن قال: إن خطته اليوم فبدرهمٍ، وإن خطته غداً فبنصف درهمٍ، فإن خاطه اليوم فله درهمٌ، وإن خاطه غداً فله أجر مثله عند أبي حنيفة ولا يتجاوز به نصف درهمٍ، وإن قال: إن سكنت في هذا الدكان عطاراً فبدرهمٍ في الشهر، وإن سكنته حداداً فبدرهمين، جاز، وأي الأمرين فعل استحق المسمى فيه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: الإجارة فاسدةٌ، ومن استأجر داراً كل شهرٍ بدرهمٍ فالعقد صحيحٌ في شهرٍ واحدٍ فاسدٌ في بقية الشهور. إلا أن يسمي جملةً شهورٍ معلومةٍ، فإن سكن ساعةً من الشهر الثاني صح العقد فيه [ولزمه ذلك الشهر] ولم يكن للمؤجر أن يخرجه منها إلى أن ينقضي، وكذلك كل شهرٍ يسكن في أوله، وإذا استأجر داراً سنةً بعشرة دراهم جاز، وإن لم يسم قسط كل شهرٍ من الأجرة، ويجوز أخذ أجرة الحمام والحجام، ولا يجوز أخذ أجرة عسب التيس، ولا يجوز الاستئجار على الأذان والإقامة والحج والغناء والنوح، ولا تجوز إجارة المشاع عند أبي حنيفة إلا من الشريك. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إجارة المشاع جائزةٌ.

ويجوز استئجار الظئر بأجرةٍ معلومةٍ، ويجوز بطعامها وكسوتها، وليس للمستأجر أن يمنع زوجها من وطئها، فإن حبلت كان لهم أن يفسخوا الإجارة إذا خافوا على الصبي من لبنها، وعليها أن تصلح طعام الصبي، وإن أرضعته في المدة بلبن شاةٍ فلا أجر لها، وكل صنعٍ لعمله أثرٌ في العين كالقصار والصباغ فله أن يحبس العين بعد الفراغ من عمله حتى يستوفي الأجرة،

ومن ليس لعمله أثرٌ فليس له أن يحبس العين بالأجرة كالحمال والملاح، وإذا شرط على الصانع أن يعمل بنفسه فليس له أن يستعمل غيره، فإن أطلق له العمل فله أن يستأجر من يعمله، وإذا اختلف الخياط وصاحب الثوب فقال صاحب الثوب: أمرتك أن تعمله قباء، وقال الخياط: قميصاً، أو قال صاحب الثوب للصباغ: أمرتك أن تصبغه أحمر فصبغته أصفر فالقول قول صاحب الثوب مع يمينه، فإن حلف فالخياط ضامنٌ، وإذا قال صاحب الثوب: عملته لي بغير أجرةٍ~، وقال الصانع: بأجرةٍ، فالقول قول صاحب الثوب مع يمينه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: إن كان حريفاً له فله الأجرة، وإن لم يكن حريفً له فلا أجرة له، وقال محمدٌ: إن كان الصانع عروفاً بهذه الصنعة أن يعمل بالأجرة فالقول قوله إنه عمله بأجرةٍ، والواجب في الإجارة الفاسدة أجر المثل لا يتجاوز به المسمى.

وإذا قبض المستأجر الدار فعليه الأجرة وإن لم يسكنها، فإن غصبها غاصبٌ من يده سطت الأجرة، وإن وجد بها عيباً يضر بالسكنى فله الفسخ، وإذا خربت الدار أو انقطع شرب الضيعة أو انقطع الماء عن الرحى انفسخت الإجارة،

وإذا مات أحد المتعاقدين وقد عقد الإجارة لنفسه انفسخت الإجارة، وإن عقدها لغيره لم تنفسخ، ويصح شرط الخيار في الإجارة، وتنفسخ الإجارة بالأعذار، كمن استأجر دكاناً في السوق ليتجر فيه فذهب ماله وكمن أجر داراً أو دكاناً ثم أفلس ولزمته ديونٌ لا يقدر على قضائها إلا من ثمن ما آجر فسخ القاضي العقد وباعها في الدين،

وكمن استأجر دابةً ليسافر عليها ثم بدا له من السفر فهو عذرٌ، وإن بدا للمكاري من السفر فليس ذلك بعذر.

 

 

 كتاب الشفعة.

- الشفعة واجبةٌ للخيط في نفس المبيع، ثم للخليط في حق المبيع، كالشرب والطريق، ثم للجار، وليس للشريك في الطريق والشرب والجار شفعةٌ مع الخليط، فإن سلم فالشفعة للشريك في الطريق، فإن سلم أخذها الجار. والشفعة تجب بعقد البيع وتستقر بالإشهاد، وتملك بالأخذ إذا سلمها المشتري أو حكم بها حاكمٌ، وإذا علم الشفيع بالبيع أشهد في مجلسه ذلك على المطالبة ثم ينهض منه فيشهد على البائع إن كان المبيع في يده أو على المبتاع أو عند العقار، فإذا فعل ذلك استقرت شفعته ولم تسقط بالتأخير عند أبي حنيفة، وقال محمدٌ: إن تركها شهراً بعد الإشهاد بطلت شفعته.

والشفعة واجبةٌ في العقار، وإن كان مما لا يقسم، ولا شفعة في العروض والسفن والمسلم والذمي في الشفعة سواءٌ، وإذا ملك العقار بعوضٍ هو مالٌ وجبت فيه الشفعة، ولا شفعة في الدار التي يتزوج الرجل عليها أو يخالع المرأة بها أو يستأجر بها داراً أو يصالح بها عن دم عمدٍ أو يعتق عليها عبدا أو يصالح عنها بإنكارٍ أو سكوت، فإن صالح عنها بإقرار وجبت فيها الشفعة وإذا تقدم الشفيع إلى القاضي فأدعى الشراء وطلب الشفعة سأل القاضي المدعى عليه، فإن اعترف بملكه الذي يشفع به، وإلا كلفه إقامة البينة، فإن عجز عن البينة استحلف المشتري بالله ما نعلم أنه مالكٌ للذي ذكره مما يشفع به، فإن نكل أو قامت للشفيع بينةٌ سأله القاضي: هل ابتاع أم لا؟ فإن أنكر الابتياع قيل للشفيع: أقم البينة، فإن عجز عنها استحلف المشتري بالله ما ابتاع أو بالله ما يستحق علي في هذه الدار شفعةً من الوجه الذي ذكره، وتجوز المنازعة في الشفعة، وإن لم يحضر الشفيع الثمن إلى مجلس القاضي، فإذا قضى القاضي له بالشفعة لزمه إحضار الثمن، وللشفيع أن يرد الدار بخيار العيب والرؤية، فإن أحضر الشفيع البائع والمبيع في يده فله أن يخاصمه في الشفعة، ولا يسمع القاضي البينة حتى يحضر المشتري، فيفسخ البيع بمشهدٍ منه، ويقضي بالشفعة على البائع، ويجعل العهدة عليه، وإذا ترك الشفيع الإشهاد حين علم وهو يقدر على ذلك بطلت شفعته، وكذلك إن أشهد في المجلس ولم يشهد على أحد المتبايعين ولا عند العقار، وإن صالح من شفعته على عوض أخذه بطلت شفعته، وبرد العوض، وإذا مات الشفيع بطلت شفعته، وإن مات المشتري لم تسقط، وإن باع الشفيع ما يشفع به قبل أن يقضى له بالشفعة بطلت شفعته، ووكيل البائع إذا باع وكان هو الشفيع فلا شفعة له، وكذلك إن ضمن الدرك عن البائع الشفيع، ووكيل المشتري إذا ابتاع فله الشفعة، ومن باع بشرط الخيار فلا شفعة للشفيع، فإن أسقط الخيار وجبت الشفعة، ومن اشترى بشرط الخيار وجبت الشفعة، ومن ابتاع داراً شراءً فاسداً فلا شفعة فيها، فإن سقط الفسخ وجبت الشفعة، وإذا اشترى ذميٌ داراً بخمرٍ أو خنزيرٍ وشفيعها ذميٌ أخذها بمثل الخمر وقيمة الخنزير، وإن كان شفيعها مسلماً أخذها بقيمة الخمر والخنزير، ولا شفعة في الهبة إلا أن تكون بعوضٍ مشروطٍ.

وإذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن فالقول قول المشتري، فإن أقاما البينة فالبينة بينة الشفيع عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وإذا ادعى المشتري ثمناً أكثر وادعى البائع أقل منه ولم يقبض الثمن أخذها الشفيع بما قال البائع، وكان ذلك حطاً عن المشتري. وإن كان قبض الثمن أخذها بما قال المشتري، ولم يلتفت إلى قول البائع، وإذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن سقط ذلك عن الشفيع، وإن حط جميع الثمن لم يسقط عن الشفيع،

وإذا زاد المشتري البائع في الثمن لم تلزم الزيادة الشفيع، وإذا اجتمع الشفعاء فالشفعة بينهم على عدد رؤوسهم، ولا يعتبر اختلاف الأملاك، ومن اشترى داراً بعوضٍ أخذها الشفيع بقيمته، وإن اشتراها بمكيلٍ أو موزونٍ أخذها بمثله، وإذا باع عقاراً بعقارٍ أخذ الشفيع كل واحدٍ منهما بقيمة الآخر وإذا بلغ الشفيع أنها بيعت بألفٍ فسلم ثم علم أنها بيعت بأقل أو بحنطةٍ أو شعيرٍ قيمتها ألفٌ أو أكثر فتسليمه باطلٌ وله الشفعة، وإن بان أنها بيعت بدنانير قيمتها ألفٌ فلا شفعة له، وإذا قيل له إن المشتري فلانٌ فسلم الشفعة ثم علم أنه غيره فله الشفعة، ومن اشترى داراً لغيره فهو الخصم في الشفعة، إلا أن يسلمها إلى الموكل، وإذا باع داراً إلا مقدار ذراع في طول الحد الذي بلى الشفيع فلا شفعة له، وإن ابتاع منها سهماً بثمنٍ ثم ابتاع بقيتها فالشفعة للجار في السهم الأول دون الثاني، وإذا ابتاعها بثمنٍ ثم دفع إليه ثوباً عنه فالشفعة بالثمن دون الثوب، ولا تكره الحيلة في إسقاط الشفعة عند أبي يوسف، وتكره عند محمدٍ، وإذا بنى المشتري أو غرس ثم قضى للشفيع بالشفعة فهو بالخيار: إن شاء أخذها بالثمن وقيمة البناء والغرس مقلوعاً، وإن شاء كلف المشتري قلعه، وإذا أخذها الشفيع فبنى أو غرس ثم استحقت رجع بالثمن ولا يرجع بقيمة البناء والغرس، وإذا انهدمت الدار أو احترق بناؤها أو جف شجر البستان بغير فعل أحدٍ، فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذها بجميع الثمن، وإن شاء ترك، وإن نقض المشتري البناء قيل للشفيع: إن شئت فخذ العرصة بحصتها، وإن شئت فدع، وليس له أن يأخذ النقض، ومن ابتاع أرضاً وعلى نخلها ثمرٌ أخذها الشفيع بثمرها فإن أخذه المشتري سقط عن الشفيع حصته، وإذا قضى للشفيع بالدار وإن لم يكن رآها فله خيار الرؤية، وإن وجد بها عيباً فله أن يردها به وإن كان المشتري شرط البراءة منه، وإذا ابتاع بثمنٍ مؤجلٍ فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذها بثمنٍ حال، وإن شاء صبر حتى ينقضي الأجل ثم يأخذها، وإذا قسم الشركاء العقار فلا شفعة لجارهم بالقسمة، وإذا اشترى داراً فسلم الشفيع الشفعة ثم ردها المشتري بخيار رؤيةٍ أو شرطٍ أو عيبٍ بقضاء قاضٍ فلا شفعة للشفيع وإن ردها بغير قضاء أو تقايلا فللشفيع الشفعة.

 

 كتاب الشركة.

- الشركة على ضربين: شركة أملاكٍ، وشركة عقودٍ.

فشركة الأملاك: العين يرثها رجلان أو يشتريانها فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الآخر إلا بإذنه، وكل واحدٍ منهما في نصيب صاحبه كالأجنبي.

والضرب الثاني: شركة العقود، وهي على أربعة أوجهٍ: مفاوضةٍ، وعنان، وشركة الصنائع، وشركة الوجوه.

فأما شركة المفاوضة فهي: أن يشترك الرجلان فيستويان في مالهما وتصرفها ودينهما، فتجوز بين الحرين المسلمين العاقلين البالغين، ولا تجوز بين الحر والمملوك، ولا بين الصبي والبالغ، ولا بين المسلم والكافر، وتنعقد على الوكالة والكفالة، وما يشتريه كل واحدٍ منهما يكون على الشركة إلا طعام أهله وكسوتهم، وما يلزم كل واحدٍ منهما من الديون بدلاً عما يصح فيه الاشتراك فالآخر ضامنٌ له، فإن ورث أحدهما مالاً تصح فيه الشركة أو وهب له ووصل إلى يده بطلت المفاوضة وصارت الشركة عناناً.

ولا تنعقد الشركة إلا بالدراهم والدنانير والفلوس النافقة، ولا تجوز بما سوى ذلك إلا أن يتعامل الناس بها كالتبر والنقرة فتصح الشركة بهما،

وإذا أرادا الشركة بالعروض باع كل واحدٍ منهما نصف ماله بنصف مال الآخر ثم عقدا الشركة.

وأما شركة العنان فتنعقد على الوكالة دون الكفالة؛ ويصح التفاضل في المال، ويصح أن يتساويا في المال ويتفاضلا في الربح، ويجوز أن يعقدها كل واحدٍ منهما ببعض ماله دون بعضٍ.

ولا تصح إلا بما بينا أن المفاوضة تصح به، ويجوز أن يشتركا ومن جهة أحدهما دراهم ومن جهة الآخر دنانير، وما اشتراه كل واحدٍ منهما للشركة طولب بثمنه دون الآخر ثم يرجع على شريكه بحصته منه، وإذا هلك مال الشركة أو أحد المالين قبل أن يشتريا شيئاً بطلت الشركة، وإن اشترى أحدهما بماله وهلك مال الآخر قبل الشراء فالمشري بينهما على ما شرطا.

ويرجع على شريكه بحصته من ثمنه، وتجوز الشركة وإن لم يخلطا المالين، ولا تصح الشركة إذا شرطا لأحدهما دراهم مسماةً من الربح.

ولكل واحدٍ من المتفاوضين وشريكي العنان أن يبضع المال ويدفعه مضاربةً، ويوكل من يتصرف فيه، ويده في المال يد أمانةٍ.

وأما شركة الصنائع فالخياطان والصباغان يشتركان على أن يتقبلا الأعمال ويكون الكسب بينهما، فيجوز ذلك، وما يتقبله كل واحدٍ منهما من العمل يلزمه ويلزم شريكه، فإن عمل أحدهما دون الآخر فالكسب بينهما نصفان.

وأما شركة الوجوه فالرجلان يشتركان ولا مال لهما على أن يشتريا بوجوههما ويبيعا، فتصح الشركة على هذا، وكل واحدٍ منهما وكيل الآخر فيما يشتريه، فإن شرطا أن يكون المشتري بينهما نصفين فالربح كذلك، ولا يجوز أن يتفاضلا فيه،

وإن شرطا أن يكون المشتري بينهما أثلاثاً فالربح كذلك.

ولا تجوز الشركة في الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد، وما اصطاده كل واحدٍ منهما أو احتطبه فهو له دون صاحبه، وإذا اشتركا ولأحدهما بغلٌ وللآخر روايةٌ يستقي عليها الماء والكسب بينهما لم تصح الشركة، والكسب كله للذي استقى، وعليه أجر مثل الرواية إن كان صاحب البغل، وإن كان صاحب الرواية فعليه أجر مثل البغل،

وكل شركةٍ فاسدةٍ فالربح فيها على قدر المال، ويبطل شرط التفاضل وإذا مات أحد الشريكين أو ارتد ولحق بدار الحرب بطلت الشركة، وليس لواحدٍ من الشريكين أن يؤدي زكاة مال الآخر إلا بإذنه.

فإن أذن كل واحدٍ منهما لصاحبه أن يؤدي زكاته فأدى كل واحدٍ منهما فالثاني ضامنٌ، علم بأداء الأول أو لم يعلم لم يضمن.

 

 كتاب المضاربة.

- المضاربة: عقدٌ على الشركة بمالٍ من أحد الشريكين وعمل من الآخر، ولا تصح المضاربة إلا بالمال الذي بينا أن الشركة تصح به، ومن شرطها أن يكون الربح بينهما مشاعاً لا يستحق أحدهما منه دراهم مسماةً، ولابد أن يكون المال مسلماً إلى المضارب، ولا يد لرب المال فيه، فإذا صحت المضاربة مطلقةً جاز للمضارب أن يشتري ويبيع ويسافر ويبضع ويوكل، وليس له أن يدفع المال مضاربةً إلا أن يأذن له رب المال في ذلك، وإن خص له رب المال التصرف في بلد بعينه أو في سلعة بعينها لم يجز له أن يتجاوز ذلك.

وكذلك إن وقت للمضاربة مدةً بعينها جاز وبطل العد بمضيها، وليس للمضارب أن يشتري أبا رب المال ولا ابنه ولا من يعتق عليه، فإن اشتراهم كان مشترياً لنفسه دون المضاربة، وإن كان في المال ربحٌ فليس له أن يشتري من يعتق عليه، فإن اشتراهم ضمن مال المضاربة، وإن لم يكن في المال ربحٌ جاز أن يشتريهم، فإن زادت قيمتهم عتق نصيبه منهم، ولم يضمن لرب المال شيئاً، ويسعى المعتق لرب المال في قيمة نصيبه منه، وإذا دفع المضارب المال مضاربةً ولم يأذن له رب المال في ذلك لم يضمن بالدفع ولا يتصرف المضارب الثاني حتى يربح، فإذا ربح ضمن المضارب الأول المال، وإذا دفع إليه المال مضاربةً بالنصف وأذن له أن يدفعها مضاربةً فدفعها بالثلث؛ فإن كان رب المال قال له على أن ما رزق الله بيننا نصفان فلرب المال نصف الربح، وللمضارب الثاني ثلث الربح، وللأول السدس، وإن قال على أن ما رزقك الله بيننا نصفان فللمضارب الثاني الثلث، وما بقي بين رب المال والمضارب الأول نصفان فإن قال له على أن ما رزق الله فلي نصفه فدفع المال إلى آخر مضاربةً بالنصف فللمضارب الثاني نصف الربح ولرب المال النصف، ولا شيء للمضارب الأول، فإن شرط للمضارب الثاني ثلثي الربح فلرب المال نصف الربح وللمضارب الثاني نصف الربح، ويضمن الأول للمضارب الثاني سدس الربح من ماله.

وإذا مات رب المال أو المضارب بطلت المضاربة، وإن ارتد رب المال عن الإسلام ولحق بدار الحرب بطلت المضاربة، وإذا عزل رب المال المضارب ولم يعلم بعزله حتى اشترى وباع فتصرفه جائزٌ،

وإن علم بعزله والمال عروضٌ فله أن يبيعها ولا يمنعه العزل من ذلك، ثم لا يجوز أن يشتري بثمنها شيئاً آخر، وإن عزله ورأس المال دراهم أو دنانير قد نضت فليس له أن يتصرف فيه.

وإذا افترقا وفي المال ديون وقد ربح المضارب فيه أجبره الحاكم على اقتضاء الديون، وإن لم يكن له ربح لم يلزمه الاقتضاء، ويقال له: وكل رب المال في الاقتضاء،

وما هلك من مال المضاربة فهو من الربح دون رأس المال، فإن زاد الهالك على الربح فلا ضمان على المضارب فيه، وإن كانا قد اقتسما الربح والمضاربة بحالها ثم هلك المال أو بعضه ترادا الربح حتى يستوفي رب المال رأس المال، فإن فضل شيءٌ كان بينهما، وإن عجز عن رأس المال لم يضمن المضارب، وإن كانا قد اقتسما الربح وفسخا المضاربة ثم عقداها فهلك المال لم يترادا الربح الأول.

ويجوز للمضارب أن يبيع بالنقد والنسيئة، ولا يزوج عبداً ولا أمةً من مال المضاربة والله أعلم.

 

 

 كتاب الوكالة.

- كل عقدٍ جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل به غيره، ويجوز التوكيل بالخصومة في سائر الحقوق، وبإثباتها، ويجوز التوكيل بالاستيفاء إلا في الحدود والقصاص فإن الوكالة لا تصح باستيفائهما مع غيبة الموكل عن المجلس، وقال أبو حنيفة: لا يجوز التوكيل بالخصومة إلا برضا الخصم، إلا أن يكون الموكل مريضاً أو غائباً مسيرة ثلاثة أيامٍ فصاعداً. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجوز التوكيل بغير رضا الخصم.

ومن شرط الوكالة: أن يكون الموكل ممن يملك التصرف وتلزمه الأحكام والوكيل ممن يعقل العقد ويقصده.

وإذا وكل الحر البالغ أو المأذون مثلهما جاز، وإن وكلا صبياً محجوراً يعقل البيع والشراء أو عبداً محجوراً جاز، ولا تتعلق بهما الحقوق وتتعلق بموكليهما.

والعقود التي يعقدها الوكلاء على ضربين؛

فكل عقدٍ يضيفه الوكيل إلى نفسه - مثل البيع والإجارة - فحقوق ذلك العقد تتعلق بالوكيل دون الموكل، فيسلم المبيع، ويقبض الثمن، ويطالب بالثمن، إذا اشترى، ويقبض المبيع، ويخاصم بالعيب، وكل عقدٍ يضيفه إلى موكله - كالنكاح والخلع والصلح من دم العمد - فإن حقوقه تتعلق بالموكل دون الوكيل، فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر، ولا يلزم وكيل المرأة تسليمها، وإذا طالب الموكل المشتري بالثمن فله أن يمنعه إياه، فإن دفعه إليه جاز ولم يكن للوكيل أن يطالبه به ثانياً.

ومن وكل رجلاً بشراء شيء فلابد من تسمية جنسه وصفته أو جنسه ومبلغ ثمنه، إلا أن يوكله وكالةً عامةً فيقول: ابتع لي ما رأيت، وإذا اشترى الوكيل وقبض المبيع ثم اطلع على عيبٍ فله أن يرده بالعيب ما دام المبيع في يده، وإن سلمه إلى الموكل لم يرده إلا بإذنه.

 

ويجوز التوكيل بعقد الصرف والسلم، فإن فارق الوكيل صاحبه قبل القبض بطل العقد، ولا تعتبر مفارقة الموكل، وإذا دفع الوكيل بالشراء الثمن من ماله وقبض المبيع فله أن يرجع به على الموكل، فإن هلك المبيع في يده قبل حبسه هلك من مال الموكل ولم يسقط الثمن، وله أن يحبسه حتى يستوفي الثمن، فإن حبسه فهلك كان مضموناً ضمان الرهن عند أبي يوسف وضمان المبيع عند محمدٍ، وإذا وكل رجلين فليس لأحدهما أن يتصرف فيما وكلا فيه دون الآخر، إلا أن يوكلهما بالخصومة أو بطلاق زوجته بغير عوضٍ أو برد وديعةٍ عنده أو بقضاء دينٍ عليه.

وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل به، إلا أن يأذن له الموكل أو يقول له: اعمل برأيك فإن وكل بغير إذن موكله فعقد وكيله بحضرته جاز، وإن عقد بغير حضرته فأجازه الوكيل الأول جاز، وللموكل أن يعزل الوكيل عن الوكالة، فإن لم يبلغه العزل فهو على وكالته وتصرفه جائزٌ حتى يعلم.

وتبطل الوكالة بموت الموكل، وجنونه جنوناً مطبقاً، ولحاقه بدار الحرب مرتداً، وإذا وكل المكاتب ثم عجز أو المأذون فحجر عليه أو الشريكان فافترقا، فهذه الوجوه تبطل الوكالة علم الوكيل أو لم يعلم.

وإذا مات الوكيل أو جن جنوناً مطبقاً بطلت وكالته، وإن لحق بدار الحرب مرتداً لم يجز له التصرف إلا أن يعود مسلماً، ومن وكل آخر بشيء ثم تصرف فيما وكل به بطلت الوكالة، والوكيل بالبيع والشراء لا يجوز أن يعقد عند أبي حنيفة مع أبيه وجده وولده وولد ولده وزوجته وعبده ومكاتبه. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجوز بيعه منهم بمثل القيمة إلا في عبده ومكاتبه. والوكيل بالبيع يجوز بيعه بالقليل والكثير عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجوز بيعه بنقصانٍ لا يتغابن الناس في مثله. والوكيل بالشراء يجوز عقده بمثل القيمة وزيادةٍ يتغابن الناس في مثلها، ولا يجوز بما لا يتغابن الناس في مثله، والذي لا يتغابن الناس فيه، ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، وإذا ضمن الوكيل بالبيع الثمن عن المبتاع فضمانه باطلٌ، وإذا وكل ببيع عبده فباع نصفه جاز عند أبي حنيفة، وإن وكله بشراء عبدٍ فاشترى نصفه فالشراء موقوفٌ، فإن اشترى باقيه لزم الموكل، وإذا وكله بشراء عشرة أرطال لحمٍ بدرهمٍ فاشترى عشرين رطلاً بدرهمٍ من لحمٍ يباع مثله عشرةٌ بدرهمٍ لزم الموكل منه عشرة أرطالٍ بنصف درهمٍ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يلزمه العشرون، وإذا وكله بشراء شيء بعينه فليس له أن يشتريه لنفسه، وإن وكله بشراء عبدٍ بغير عينه فاشترى عبداً فهو للوكيل، إلا أن يقول: نويت الشراء للموكل، أو يشتريه بمال الموكل؛ والوكيل بالخصومة وكيلٌ بالقبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمدٍ، والوكيل يقبض الدين وكيلٌ بالخصومة فيه عند أبي حنيفة.

وإذا أقر الوكيل بالخصومة على موكله عند القاضي جاز إقراره، ولا يجوز إقراره عليه عند غير القاضي عند أبي حنيفة ومحمدٍ إلا أنه يخرج من الخصومة.

وقال أبو يوسف: يجوز إقراره عليه عند غير القاضي، ومن ادعى أنه وكيل الغائب في قبض دينه فصدقه الغريم أمر بتسليم الدين إليه، فإن حضر الغائب فصدقه وإلا دفع إليه الغريم الدين ثانياً ورجع به على الوكيل إن كان باقياً في يده،

وإن قال "إني وكيلٌ بقبض الوديعة" فصدقه المودع لم يؤمر بالتسليم إليه.

 

 كتاب الكفالة.

- الكفالة ضربان: كفالةٌ بالنفس، وكفالةٌ بالمال.

فالكفالة بالنفس جائزةٌ، والمضمون بها إحضار المكفول به، وتنعقد إذا قال "تكفلت بنفس فلانٍ، أو برقبته، أو بروحه، أو بجسده، أو برأسه، أو بنصفه، أو بثلثه"،

وكذلك إن قال "ضمنته، أو هو علي، أو إلي، أو أنا زعيمٌ به، أو قبيلٌ"، فإن شرط في الكفالة تسليم المكفول به في وقتٍ بعينه لزمه إحضاره إذا طالبه به في ذلك الوقت، فإن أحضره وإلا حبسه الحاكم حتى يحضره، وإذا أحضر وسلمه في مكانٍ يقدر المكفول له على محاكمته برئ الكفيل من الكفالة، وإذا تكفل به على أن يسلمه في مجلس القاضي فسلمه في السوق برئ، وإن سلمه في بريةٍ لم يبرأ،

وإن مات المكفول به برئ الكفيل بالنفس من الكفالة، فإن تكفل بنفسه على أنه إن لم يواف به في وقت كذا فهو ضامنٌ لما عليه وهو ألفٌ ولم يحضره في ذلك الوقت لزمه ضمان المال ولم يبرأ من الكفالة بالنفس.

ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص عند أبي حنيفة، وقالا: يجوز.

وأما الكفالة بالمال فجائزةٌ معلوماً كان المال المكفول به أو مجهولاً إذا كان ديناً صحيحاً، مثل أن يقول: تكفلت عنه بألفٍ، أو بما لك عليه، أو بما يدركك في هذا البيع، والمكفول له بالخيار: إن شاء طالب الذي عليه الأصل، وإن شاء طالب كفيله.

ويجوز تعليق الكفالة بالشرط مثل أن يقول: ما بايعت فلاناً فعلي، أو ما ذاب لك عليه فعلي، أو ما غصبك فعلي،

وإذا قال: تكفلت بما لك عليه، فقامت البينة بألفٍ عليه ضمنه الكفيل، فإن لم تقم البينة فالقول قول الكفيل مع يمينه في مقدار ما يعترف به، فإن اعترف المكفول عنه بأكثر من ذلك لم يصدق على كفيله. وتجوز الكفالة بأمر المكفول عنه وبغير أمره، فإن كفل بأمره رجع بما يؤدى عليه، وإن كفل بغير أمره لم يرجع بما يؤديه وليس للكفيل أن يطالب المكفول عنه بالمال قبل أن يؤدي عنه، فإن لوزم بالمال كان له أن يلازم المكفول عنه حتى يخلصه، وإذا أبرأ الطالب المكفول عنه أو استوفى منه برئ الكفيل، وإن أبرأ الكفيل لم يبرأ المكفول عنه، ولا يجوز تعليق البراءة من الكفالة بشرطٍ، وكل حقٍ لا يمكن استيفاؤه من الكفيل لا تصح الكفالة به كالحدود والقصاص، وإذا تكفل عن المشتري بالثمن جاز، وإن تكفل عن البائع بالمبيع لم يصح، ومن استأجر دابةً للحمل فإن كانت بعينها لم تصح الكفالة بالحمل، وإن كانت بغير عينها جازت الكفالة، ولا تصح الكفالة إلا بقبول المكفول له في مجلس العقد، إلا في مسألةٍ واحدةٍ، وهي أن يقول المريض لوارثه: تكفل عني بما علي من الدين فتكفل به مع غيبة الغرماء، وإذا كان الدين على اثنين و كل واحدٍ منهما كفيلٌ ضامنٌ عن اخر فما أدى أحدهما لم يرجع به على شريكه حتى يزيد ما يؤديه على النصف فيرجع بالزيادة، وإذا تكفل اثنان عن رجل بألفٍ على أن كل واحدٍ منهما كفيلٌ عن صاحبه فما أداه أحدهما يرجع بنصفه على شريكه، قليلاً كان أو كثيراً، ولا تجوز الكفالة بمال الكتابة، حرٌ تكفل به أو عبدٌ،

وإذا مات الرجل وعليه ديونٌ ولم يترك شيئاً فتكفل رجلٌ عنه للغرماء لم تصح الكفالة عند أبي حنيفة، وقالا: تصح.

 

 

 كتاب الحوالة.

- الحوالة جائزةٌ بالديون، وتصح برضا المحيل والمحتال له والمحال عليه وإذا تمت الحوالة برئ المحيل من الدين،

ولم يرجع المحتال على المحيل إلا أن يتوى حقه، والتوى عند أبي حنيفة حد أمرين: إما أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بينة عليه، أو يموت مفلساً. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: هذان ووجهٌ ثالثٌ، وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته،

وإذا طالب المحال عليه المحيل بمثل مال الحوالة فقال المحيل "أحلت بدين لي عليك" لم يقبل قوله، وكان عليه مثل الدين، وإن طالب المحيل المحتال بما أحاله به فقال: إنما أحلتك لتقبضه لي، وقال المحتال: بل أحلتني بدين لي عليك، فالقول قول المحيل.

ويكره السفاتج، وهو: قرضٌ استفاد به المقرض أمن خطر الطريق.

 

 

 كتاب الصلح.

- الصلح على ثلاثة أضربٍ: صلحٌ مع إقرارٍ، وصلحٌ مع سكوتٍ وهو أن لا يقر المدعى عليه ولا ينكره، وصلحٌ مع إنكار، وكل ذلك جائزٌ.

فإن وقع الصلح عن إقرارٍ اعتبر فيه ما يعتبر في البياعات إن وقع عن مال بمالٍ، وإن وقع عن مالٍ بمنافع فيعتبر بالإجارات.

والصلح عن السكوت والإنكار في حق المدعى عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة، وفي حق المدعى بمعنى المعاوضة، وإذا صالح عن دار لم تجب فيها شفعةٌ، وإذا صالح على دارٍ وجبت فيها الشفعة، وإذا كان الصلح عن إقرارٍ فاستحق بعض المصالح عنه رجع المدعى عليه بحصة ذلك من العوض، وإن وقع الصلح عن سكوتٍ أو إنكارٍ فاستحق المتنازع فيه رجع المدعى بالخصومة ورد العوض، وإن استحق بعض ذلك رد حصته ورجع بالخصومة فيه، وإن ادعى حقاً في دارٍ لم يبينه فصولح من ذلك على شيء ثم استحق بعض الدار لم يرد شيئاً من العوض، لأن دعواه يجوز أن تكون فيما بقي.

والصلح جائز في معنى الأموال والمنافع وجناية العمد والخطأ ولا يجوز من دعوى حدٍ.

وإذا ادعى رجلٌ على امرأةٍ نكاحاً وهي تجحد فصالحته على مال بذلته حتى يترك الدعوى جاز وكان معنى الخلع، وإن ادعت امرأةٌ نكاحاً على رجلٍ فصالحها على مالٍ بذله لها لم يجز، وإن ادعى على رجلٍ أنه عبده فصالحه على مالٍ أعطاه جاز، وكان في حق المدعى في معنى العتق على مالٍ وكل شيء وقع عليه الصلح وهو مستحقٌ بعقد المداينة لم يحمل على المعاوضة وإنما يحمل على أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه، كمن له على رجلٍ ألف درهمٍ جيادٌ فصالحه على خمسمائة زيوفٍ جاز وصار كأنه أبرأه عن بعض حقه وأخذ باقيه، ولو صالحه على ألفٍ مؤجلٍ جاز وصار كأنه أجل نفس الحق، ولو صالحه على دنانير إلى شهرٍ لم يجز، ولو كان له ألفٌ مؤجلة فصالحه على خمسمائةٍ حالةٍ لم يجز، ولو كان له ألفٌ سودٌ فصالحه على خمسمائةٍ بيضٍ لم يجز.

ومن وكل رجلا بالصلح عنه فصالحه لم يلزم الوكيل ما صالح عليه إلا أن يضمنه والمال لازمٌ للموكل.

فإن صالح عنه على شيء بغير أمره فهو على أربعة أوجهٍ: إن صالح بمال وضمنه تم الصلح، وكذلك لو قال "صالحتك على ألفي هذه" تم الصلح ولزمه تسليمها، وكذلك لو قال "صالحتك على ألفٍ" وسلمها، وإن قال "صالحتك على ألفٍ" ولم يسلمها فالعقد موقوفٌ: فإن أجازه المدعى عليه جاز ولزمه الألف، وإن لم يجزه بطل.

وإذا كان الدين بين شريكين فصالح أحدهما من نصيبه على ثوبٍ فشريكه بالخيار: إن شاء اتبع الذي عليه الدين بنصفه، وإن شاء أخذ نصف الثوب، إلا أن يضمن له شريكه ربع الدين، ولو استوفى نصف نصيبه من الدين كان لشريكه أن يشركه فيما قبض، ثم يرجعان على الغريم بالباقي، ولو اشترى أحدهما بنصيبه من الدين سلعةً كان لشريكه أن يضمنه ربع الدين،

وإذا كان السلم بين شريكين فصالح أحدهما من نصيبه على رأس المال لم يجز عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف: يجوز الصلح.

وإذا كانت التركة بين ورثةٍ فأخرجوا أحدهم منها بمالٍ أعطوه إياه والتركة عقارٌ أو عروضٌ جاز، قليلاً كان ما أعطوه أو كثيراً، وإن كانت التركة فضة فأعطوه ذهباً. أو كانت ذهباً فأعطوه فضةً، فهو كذلك،

وإن كانت التركة ذهباً وفضةً وغير ذلك فصالحوه على فضةٍ أو ذهبٍ فلابد أن يكون ما أعطوه أكثر من نصيبه من ذلك الجنس حتى يكون نصيبه بمثله والزيادة بحقه من بقية الميراث، وإن كان في التركة دينٌ على الناس فأدخلوه في الصلح على أن يخرجوا المصالح عنه ويكون الدين لهم فالصلح باطلٌ، فإن شرطوا أن يبرئ الغرماء منه ولا يرجع عليهم بنصيب المصالح فالصلح جائزٌ.

 

 

 كتاب الهبة.

- الهبة تصح بالإيجاب والقبول، وتتم بالقبض، فإذا قبض الموهوب له في المجلس بغير أمر الواهب جاز، وإن قبض بعد الافتراق لم تصح، إلا أن يأذن له الواهب في القبض.

وتنعقد الهبة بقوله: وهبت، ونحلت، وأعطيت، وأطعمتك هذا الطعام وجعلت هذا الثوب لك، وأعمرتك هذا الشيء، وحملتك على هذه الدابة، إذا نوى بالحملان الهبة.

ولا تجوز الهبة فيما يقسم إلا محوزةً مقسومةً.

وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزةٌ.

ومن وهب شقصاً مشاعاً فالهبة فاسدةٌ، فإن قسمه وسلمه جاز.

ولو وهب دقيقاً في حنطةٍ أو دهناً في سمسمٍ فالهبة فاسدةٌ، فإن طحن وسلم لم يجز.

وإذا كانت العين في يد الموهوب له ملكها بالهبة، وإن لم يجدد فيها قبضاً، وإذا وهب الأب لابنه الصغير هبةً ملكها الابن بالعقد، فإن وهب له أجنبيٌ هبةً تمت بقبض الأب، وإذا وهب لليتيم هبةٌ فقبضها له وليه جاز، فإن كان في حجر أمه فقبضها له جائزةٌ، وكذلك إن كان في حجر أجنبيٍ يربيه فقبضه له جائزٌ.

وإن قبض الصبي الهبة بنفسه له جاز.

وإن وهب اثنان من واحدٍ داراً جاز، وإن وهب واحدٌ من اثنين داراً لم يصح عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يصح.

وإذا وهب هبةً لأجنبيٍ فله الرجوع فيها، إلا أن يعوضه عنها، أو تزيد زيادةً متصلةٌ، أو يموت أحد المتعاقدين، أو تخرج الهبة من ملك الموهوب له، وإن وهب هبة لذي رحمٍ محرمٍ منه فلا رجوع فيها، وكذلك ما وهب أحد الزوجين للآخر.

وإذا قال الموهوب له للواهب: خذ هذا عوضاً عن هبتك، أو بدلاً عنها، أو في مقابلتها، فقبضه الواهب سقط الرجوع، وإن عوضه أجنبيٌ عن الموهوب له متبرعاً فقبض الواهب العوض سقط الرجوع.

وإذا استحق نصف الهبة رجع بنصف العوض، وإن استحق نصف العوض لم يرجع في الهبة.

إلا أن يرد ما بقي من العوض ثم يرجع.

ولا يصح الرجوع إلا بتراضيهما، أو بحكم الحاكم.

وإذا تلفت العين الموهوبة فاستحقها مستحقٌ فضمن الموهوب له لم يرجع على الواهب بشيء.

وإذا وهب بشرط العوض اعتبر التقابض في العوضين، وإذا تقابضا صح العقد وصار في حكم البيع: يرد بالعيب، وخيار الرؤية، وتجب فيه الشفعة.

والعمرى جائزةٌ للمعتمر في حال حياته، ولورثته من بعده.

والرقبى باطلةٌ عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف: جائزةٌ.

ومن وهب جاريةً إلا حملها صحت الهبة، وبطل الاستثناء.

والصدقة كالهبة: لا تصح إلا بالقبض، ولا تجوز في مشاعٍ يحتمل القسمة، وإذا تصدق على فقيرين بشيءٍ جاز، ولا يجوز الرجوع في الصدقة بعد القبض.

ومن نذر أن يتصدق بماله لزمه أن يتصدق بجنس ما تجب فيه الزكاة، ومن نذر أن يتصدق بملكه لزمه أن يتصدق بالجميع، ويقال له: أمسك منه مقدار ما تنفقه على نفسك وعيالك إلى أن تكسب مالاً، فإذا اكتسبت مالاً تصدق بمثل ما أمسكت لنفسك.

 

 

 كتاب الوقف.

- لا يزول ملك الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة إلا أن يحكم به الحاكم أو يعلقه بموته فيقول: إذا مت فقد وقفت داري على كذا. وقال أبو يوسف: يزول الملك بمجرد القول. وقال محمدٌ: لا يزول الملك حتى يجعل للوقف ولياً ويسلمه إليه.

وإذا الوقف - على اختلافهم - خرج عن ملك الواقف، ولم يدخل في ملك الموقوف عليه.

ووقف المشاع جائزٌ عند أبي يوسف. وقال محمدٌ: لا يجوز.

ولا يتم الوقف عند أبي حنيفة ومحمدٍ حتى يجعل آخره لجهةٍ لا تنقطع أبداً. وقال أبو يوسف: إذا سمى فيه جهةً تنقطع جاز، وصار بعدها للفقراء، وإن لم يسمهم.

ويصح وقف العقار، ولا يجوز وقف ما ينقل ويحول. وقال أبو يوسف: إذا وقف ضيعةً ببقرها أو أكرتها وهم عبيده جاز.

وقال محمدٌ: يجوز حبس الكراع والسلاح، وإذا صح الوقف لم يجز بيعه، ولا تمليكه، إلا أن يكون مشاعاً عند أبي يوسف فيطلب الشريك القسمة فتصح مقاسمته.

والواجب: أن يبدأ من ريع الوقف بعمارته، شرط الواقف ذلك أو لم يشرط.

وإن وقف دارا على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى، فإن امتنع من ذلك أو كان فقيراً أجرها الحاكم وعمرها بأجرتها، فإذا عمرت ردها إلى من له السكنى.

وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج إليه، وإن استغنى عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته فيصرفه فيها، ولا يجوز أن يقسمه بين مستحقي الوقف.

وإذا جعل الواقف غلة الوقف لنفسه أو جعل الولاية إليه جاز عند أبي يوسف.

وإذا بنى مسجداً لم يزل ملكه عنه حتى يفرزه عن ملكه بطريقه ويأذن للناس بالصلاة فيه، فإذا صلى فيه واحدٌ زال ملكه عنه عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف: يزول ملكه عنه بقوله "جعلته مسجداً" ومن بنى سقايةً للمسلمين أو خاناً يسكنه بنو السبيل أو رباطاً أو جعل أرضه مقبرةً لم يزل ملكه عن ذلك عند أبي حنيفة حتى يحكم به حاكمٌ.

وقال أبو يوسف: يزول ملكه بالقول. وقال محمدٌ: إذا استقى الناس من السقاية وسكنوا الخان والرباط ودفنوا في المقبرة زال الملك.

 

 

 كتاب الغصب.

- ومن غصب شيئاً مما له مثلٌ فهلك في يده فعليه ضمان مثله، وإن كان مما لا مثل له فعليه قيمته يوم الغصب، وعلى الغاصب رد العين المغصوبة؛ فإن ادعى هلاكها حبسه الحاكم حتى يعلم أنها لو كانت باقية لأظهرها، ثم قضى عليه ببدلها.

والغصب فيما ينقل ويحول، وإذا غصب عقاراً فهلك في يده لم يضمنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمدٌ: يضمنه،

ومن نقص منه بفعله كهدمه وسكناه ضمنه في قولهم جميعاً.

وإذا هلك المغصوب في يد الغاصب بفعله أو بغير فعله فعليه ضمانه، وإن نص في يده فعليه ضمان النقصان.

ومن ذبح شاة غيره فمالكها بالخيار: إن شاء ضمنه وسلمها إليه، وإن شاء ضمنه نقصانها، ومن خرق ثوب غيره خرقاً يسيراً ضمن نقصانه، وإن خرقه خرقاً كثيراً يبطل عامة منفعته فلمالكه أن يضمنه جميع قيمته،

وإذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها وأعظم منافعها زال ملك المغصوب منه عنها، وملكها الغاصب، وضمنها، ولم يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها، وهذا كمن غصب شاةً فذبحها وشواها أو طبخها، أو غصب حنطةً فطحنها، أو حديداً فاتخذه سيفاً، أو صفراً فعمله آنيةً،

وإن غصب فضةً أو ذهباً فضربها دنانير أو دراهم أو آنيةً لم يزل ملك مالكها عنها ولزم الغاصب قيمتها.

ومن غصب أرضاً فغرس فيها أو بنى، قيل له: اقلع الغرس والبناء وردها فارغةً، فإن كانت الأرض تنقص بقلع ذلك فللمالك أن يضمن له قيمة البناء والغرس مقلوعاً فيكون له.

ومن غصب ثوباً فصبغه أحمر أو سويقاً فلته بسمنٍ فصاحبه بالخيار: إن شاء ضمنه قيمة ثوبه أبيض ومثل السويق وسلمهما للغاصب، وإن شاء أخذهما وضمن ما زاد الصبغ والسمن فيهما.

ومن غصب عيناً فغيبها فضمنه المالك قيمتها ملكها الغاصب.

والقول في القيمة قول الغاصب مع يمينه، إلا أن يقيم المالك البينة بأكثر من ذلك، فإن ظهرت العين وقيمتها أكثر مما ضمن وقد ضمنها بقول المالك أو ببينةٍ أقامها أو بنكول الغاصب عن اليمين فلا خيار للمالك، وإن كان ضمنها بقول الغاصب مع يمينه فالمالك بالخيار: إن شاء أمضى الضمان، وإن شاء أخذ العين ورد العوض.

وولد المغصوبة ونماؤها وثمرة البستان المغصوب أمانةٌ في يد الغاصب، فإن هلك فلا ضمان عليه، إلا أن يتعدى فيها؛ أو يطلبها مالكها فيمنعها إياه، وما نقصت الجارية بالولادة في ضمان الغاصب، فإن كان في قيمة الولد وفاءٌ به جبر النقصان بالولد، وسقط ضمانه عن الغاصب، ولا يضمن الغاصب منافع ما غصبه إلا أن ينقص باستعماله فيغرم النقصان.

وإذا استهلك المسلم خمر الذمي أو خنزيره ضمن قيمتهما، وإن استهلكهما المسلم على المسلم لم يضمن.

 

 

 كتاب الوديعة.

- الوديعة أمانةٌ في يد المودع، إذا هلكت لم يضمنها، وللمودع أن يحفظها بنفسه وبمن في عياله، فإن حفظها بغيرهم أو أودعها ضمن إلا أن يقع في داره حريقٌ فيسلمها إلى جاره، أو يكون في سفينةٍ يخاف الغرق فيلقيها إلى سفينةٍ أخرى، وإن خلطها المودع بماله حتى لا تتميز ضمنها، فإن طلبها صاحبها فحبسها عنه وهو يقدر على تسليمها ضمنها، وإن اختلطت بماله من غير فعله فهو شريكٌ لصاحبها، وإن أنفق المودع بعضها ثم رد مثله فخلطه بالباقي ضمن الجميع، وإذا تعدى المودع في الوديعة - بأن كانت دابةً فركبها أو ثوباً فلبسه، أو عبداً فاستخدمه، أو أودعها عند غيره - ثم أزال التعدي وردها إلى يده زال الضمان، فإن طلبها صاحبها فحجدها إياه فهلكت ضمنها، فإن عاد إلى الاعتراف لم يبرأ من الضمان.

وللمودع أن يسافر بالوديعة وإن كان لها حملٌ ومؤنةٌ،

وإن أودع رجلان عند رجل وديعةً ثم حضر أحدهما فطلب نصيبه منها لم يدفع إليه شيئاً حتى يحضر الآخر، عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يدفع إليه نصيبه.

وإن أودع رجلٌ عند رجلين شيئاً مما يقسم لم يجز أن يدفعه أحدهما إلى الآخر ولكنهما يقتسمانه فيحفظ كل واحدٍ منهما نصفه، وإن كان مما لا يقسم جاز أن يحفظه أحدهما بإذن الآخر.

وإذا قال صاحب الوديعة للمودع "لا تسلمها إلى زوجتك" فسلمها إليها لم يضمن. وإن قال له "احفظها في هذا البيت" فحفظها في بيتٍ آخر من الدار لم يضمن، وإن حفظها في دارٍ أخرى ضمن.

 

 

 كتاب العارية.

- العارية جائزةٌ وهي: تمليك المنافع بغير عوضٍ، وتصح بقوله: أعرتك، وأطعمتك هذه الأرض ومنحتك هذا الثوب، وحملتك على هذه الدابة، إذا لم يرد به الهبة، وأخدمتك هذا العبد، وداري لك سكنى، وداري لك عمرى سكنى، وللمعير أن يرجع في العارية متى شاء.

والعارية أمانةٌ: إن هلكت من غير تعد لم يضمن شيئاً.

وليس للمستعير أن يؤاجر ملا استعاره ولا أن يرهنه، وله أن يعيره إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل،

وعارية الدراهم والدنانير والمكيل والموزون قرض.

وإذا استعار أرضاً ليبني فيها أو يغرس نخلاً جاز، وللمعير أن يرجع فيها ويكلفه قلع البناء والغرس، فإن لم يكن وقت العارية فلا ضمان عليه، وإن كان وقت العارية فرجع قبل الوقت ضمن المعير ما نقص البناء والغرس بالقلع،

وأجرة رد العارية على المستعير، وأجرة رد العين المستأجرة على المؤجر، وأجرة رد العين المغصوبة على الغاصب.

وإذا استعار دابةً فردها إلى إصطبل مالكها لم يضمن، وإن استعار عيناً فردها إلى دار مالكها ولم يسلمها إليه ضمن، وإن رد الوديعة إلى دار المالك ولم يسلمها إليه ضمن والله أعلم.

 

 

 كتاب اللقيط.

- اللقيط: حر مسلمٌ، ونفقته من بيت المال.

فإن التقطه رجلٌ لم يكن لغيره أن يأخذه من يده، فإن ادعى مدعٍ أنه ابنه فالقول قوله، وإن ادعاه اثنان ووصف أحدهما علامة في جسده فهو أولى به.

وإن وجد في مصرٍ من أمصار المسلمين أو في قريةٍ من قراهم فادعى ذميٌ أنه ابنه ثبت نسبه منه وكان مسلماً، وإن وجد في قريةٍ من قرى أهل الذمة أو في بيعةٍ أو كنيسةٍ كان ذمياً.

ومن ادعى أن اللقيط عبده لم يقبل منه، فإن ادعى عبدٌ أنه ابنه ثبت نسبه منه، وكان حراً.

وإن وجد مع اللقيط مالٌ مشدودٌ عليه فهو له.

ولا يجوز تزويج الملتقط ولا تصرفه في مال اللقيط، ويجوز أن يقبض له الهبة ويسلمه في صناعةٍ ويؤاجره.

 

 

 باب اللقطة.

- اللقطة: أمانةٌ، إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها ويردها على صاحبها، فإن كانت أقل من عشرة دراهم عرفها أياماً، وإن كانت عشرةً فصاعداً عرفها حولاً، فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها، فإن جاء صاحبها فهو بالخيار: إن شاء أمضى الصدقة، وإن شاء ضمن الملتقط،

ويجوز الالتقاط في الشاة والبقرة والبعير.

فإن أنفق الملتقط عليها بغير إذن الحاكم فهو متبرعٌ، وإن أنفق بأمره كان ذلك ديناً على مالكها.

وإذا رفع ذلك إلى الحاكم نظر فيه، فإن كان للبهيمة منفعةٌ آجرها وأنفق عليها من أجرتها، وإن لم يكن لها منفعةٌ وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها باعها وأمره بحفظ ثمنها، وإن كان الأصلح الإنفاق عليها أذن له في ذلك وجعل النفقة ديناً على مالكها.

فإذا حضر مالكها فللملتقط أن يمنعه منها حتى يأخذ النفقة.

ولقطة الحل والحرم سواءً،

وإذا حضر الرجل فادعى أن اللقطة له لم تدفع إليه حتى يقيم البينة، فإن أعطى علامتها حل للملتقط أن يدفعها إليه، ولا يجبر على ذلك في القضاء.

ولا يتصدق باللقطة على غني، وإن كان الملتقط غنياً لم يجز له أن ينتفع بها، وإن كان فقيراً فلا بأس أن ينتفع بها، ويجوز أن يتصدق بها إذا كان غنياً على أبيه وابنه وزوجته إذا كانوا فقراء؛ والله أعلم.

 

 

 كتاب الخنثى.

- إذا كان للمولود فرجٌ وذكرٌ فهو خنثى، فإن كان يبول من الذكر فهو غلامٌ، وإن كان يبول من الفرج فهو أنثى، وإن كان يبول منهما والبول يسبق من أحدهما نسب إلى الأسبق، فإن كانا في السبق سواءً فلا عبرة بالكثرة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: ينسب إلى أكثرهما.

وإذا بلغ الخنثى وخرجت له لحيةٌ أو وصل إلى النساء فهو رجلٌ، وإن ظهر له ثديٌ كثدي المرأة أو نزل له لبنٌ في ثديه أو حاض أو حبل أو أمكن الوصول إليه من الفرج فهو امرأةٌ، فإن لم تظهر إحدى هذه العلامات فهو خنثى مشكلٌ، وإذا وقف خلف الإمام قام بين صف الرجال والنساء وتبتاع له أمةٌ تختنه إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له مالٌ ابتاع له الإمام من بيت المال، فإذا ختنته باعها ورد ثمنها إلى بيت المال، وإذا مات أبوه وخلف ابناً وخنثى فالمال بينهما عند أبي حنيفة على ثلاثة أسهمٍ: للابن سهمان، وللخنثى سهمٌ، وهو أنثى عنده في الميراث إلا أن يثبت غير ذلك فيتبع.

وقال أبو يوسف ومحمدٌ: للخنثى نصف ميراث الذكر ونصف ميراث الأنثى، وهو قول الشعبي، واختلفا في قياس قوله، قال أبو يوسف: المال بينهما على سبعة أسهمٍ: للابن أربعةٌ، وللخنثى ثلاثةٌ، وقال محمدٌ: المال بينهما على اثني عشر سهماً: للابن سبعةٌ، وللخنثى خمسةٌ.

 

 كتاب المفقود.

- إذا غاب الرجل، ولم يعرف له موضعٌ، ولا يعلم أحيٌ هو أم ميتٌ، نصب القاضي من يحفظ ماله ويقوم عليه ويستوفي حقوقه، وينفق على زوجته وأولاده من ماله، ولا يفرق بينه وبين امرأته، فإذا تم له مائةٌ وعشرون سنةً من يوم ولد حكمنا بموته واعتدت امرأته، وقسم ماله بين ورثته الموجودين في ذلك الوقت، ومن مات منهم قبل ذلك لم يرث منه، ولا يرث المفقود من أحدٍ مات في حال فقده.

 

 

 كتاب الإباق.

- إذا أبق مملوكٌ فرده رجلٌ على مولاه من مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً فله عليه الجعل أربعون درهماً، وإن رده لأقل من ذلك فبحسابه، وإن كانت قيمته أقل من أربعين درهماً قضى له بقيمته إلا درهماً، وإن أبق من الذي رده فلا شيء عليه، وينبغي أن يشهد إذا أخذه أنه يأخذه ليرده، فإن كان العبد الآبق رهناً فالجعل على المرتهن.

 

 

 كتاب إحياء الموات.

- الموات: ما لا ينتفع به من الأرض لانقطاع الماء عنه أو لغلبة الماء عليه، أو ما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة، فما كان منها عادياً لا مالك له، أو كان مملوكاً في الإسلام لا يعرف له مالكٌ بعينه وهو بعيد من القربة بحيث إذا وقف إنسانٌ في أقصى العامر فصاح لم يسمع الصوت فيه؛ فهو مواتٌ: من أحياه بإذن الإمام ملكه، وإن أحياه بغير إذنه لم يملكه عند أبي حنيفة.

وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يملكه.

ويملك الذمي بالإحياء كما يملك المسلم.

ومن حجر أرضاً ولم يعمرها ثلاث سنين أخذها الإمام ودفعها إلى غيره،

ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر ويترك مرعىً لأهل القرية ومطرحاً لحصائدهم.

ومن حفر بئراً في بريةٍ فله حريمها، فإن كانت البئر للعطن فحريمها أربعون ذراعاً، وإن كانت للناضح فستون ذراعاً، وإن كانت عيناً فحريمها ثلاثائة ذراعٍ، ومن أراد أن يحفر في حريمها منع منه.

وما ترك الفرات أو الدجلة وعدل عنه، فإن كان يجوز عوده إليه لم يجز إحياؤه؛ وإن كان لا يجوز أن يعود إليه فهو كالموات، إذا لم يكن حريماً لعامرٍ يملكه من أحياه بإذن الإمام عند الإمام.

ومن كان له نهرٌ في أرض غيره فليس له حريمه عند أبي حنيفة إلا أن يقيم بينةً على ذلك. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: له مسناةٌ  يمشي عليها ويلقي عليها طينه.

 

 

 كتاب المأذون.

- إذا أذن المولى لعبده في التجارة إذناً عاماً جاز تصرفه في سائر التجارات: يشتري، ويبيع، ويرهن، ويسترهن.

وإن أذن له في نوعٍ منها دون غيره فهو مأذونٌ في جميعها.

وإن أذن له في شيءٍ بعينه فليس بمأذونٍ.

وإقرار المأذون بالديون والغصوب جائزٌ، وليس له أن يتزوج، ولا أن يزوج مماليكه، ولا يكاتب، ولا يعتق على مالٍ، ولا يهب بعوضٍ ولا بغير عوضٍ، إلا أن يهدي اليسير من الطعام أو يضيف من يطعمه.

وديونه متعلقةٌ برقبته: يباع للغرماء، إلا أن يفديه المولي، ويقسم ثمنه بينهم بالحصص، فإن فضل من ديونه شيءٌ طولب به بعد الحرية.

وإن حجر عليه لم يصر محجوراً عليه حتى يظهر الحجر بين أهل سوقه. فإن مات المولى أو جن أو لحق بدار الحرب مرتداً صار المأذون محجوراً عليه، وإن أبق العبد صار محجوراً عليه.

وإذا حجر عليه فإقراره جائزٌ فيما في يده من المال عند أبي حنيفة، وإن لزمته ديونٌ تحيط بماله ورقبته لم يملك المولى ما في يده، فإن أعتق عبيده لم يعتقوا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يملك ما في يده، وإذا باع من المولى شيئاً بمثل قيمته جاز، فإن باعه بنقصانٍ لم يجز، فإن باعه المولى شيئاً بمثل القيمة جاز البيع، فإن سلمه إليه قبل قبض الثمن بطل الثمن، وإن أمسكه في يده حتى يستوفي الثمن جاز، وإن أعتق المولى المأذون وعليه ديونٌ فعتقه جائزٌ، والمولى ضامنٌ لقيمته للغرماء، وما بقي من الديون يطالب به المعتق، وإذا ولدت المأذونة من مولاها فذلك حجرٌ عليها.

وإن أذن ولي الصبي للصبي في التجارة فهو في الشراء والبيع كالعبد المأذون، إذا كان يعقل البيع والشراء.

 

 

 كتاب المزارعة.

- قال أبو حنيفة رحمه الله: المزارعة بالثلث والربع باطلةٌ، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: جائزةٌ،

وهي عندهما على أربعة أوجهٍ: إذا كانت الأرض والبذر لواحدٍ والعمل والبقر لواحدٍ جازت المزارعة، وإن كانت الأرض لواحدٍ والعمل والبقر والبذر لآخر جازت، وإن كانت الأرض والبقر والبذر لواحدٍ والعمل لآخر جازت وإن كانت الأرض والبقر لواحدٍ والبذر والعمل لآخر فهي باطلةٌ ولا تصح المزارعة إلا على مدةٍ معلومةٍ،

ومن شرائطها: أن يكون الخارج مشاعاً بينهما، فإن شرطا لأحدهما قفزاناً مسماةً فهي باطلةٌ، وكذلك إن شرطا ما على الماذيانات والسواقي،

وإذا صحت المزارعة فالخارج بينهما على الشرط، فإن لم تخرج الأرض شيئاً فلا شيء للعامل.

وإذا فسدت المزارعة فالخارج لصاحب البذر، فإن كان البذر من قبل رب الأرض فللعامل أجر مثله، لا يزاد على مقدار ما شرط له من الخارج، وإن كان البذر من قبل العامل فلصاحب الأرض أجر مثلها.

وإذا عقدت المزارعة فامتنع صاخب البذر من العمل لم يجبر عليه، وإن امتنع الذي ليس من قبله البذر أجبره الحاكم على العمل.

وإذا مات أحد المتعاقدين بطلت المزارعة، وإذا انقضت مدة المزارعة والزرع لم يدرك كان على المزارع أجر مثل نصيبه من الأرض إلى أن يستحصد، والنفقة على الزرع عليهما على مقدار حقوقهما، وأجرة الحصاد والرفاع والدياس والتذرية عليهما بالحصص، فإن شرطاه في المزارعة على العامل فسدت.

 

 

 باب المساقاة.

- قال أبو حنيفة: المساقاة بجزء من الثمرة باطلةٌ. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: جائزةٌ إذا ذكرا مدةً معلومةً.

وسميا جزءاً من الثمرة مشاعاً. وتجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم والرطاب وأصول الباذنجان، فإن دفع نخلاً فيه ثمرةٌ مساقاةً والثمرة تزيد بالعمل جاز، وإن كانت قد انتهت لم يجز، وإذا فسدت المساقاة فللعامل أجر مثله، وتبطل المساقاة بالموت، وتفسخ بالأعذار كما تفسخ الإجارة.

 

 

 كتاب النكاح

-النكاح ينعقد بالإيجاب والقبول، بلفظين يعبر بهما عن الماضي، أو يعبر بأحدهما عن الماضي وبالآخر عن المستقبل، مثل أن يقول زوجني فيقول زوجتك.

ولا ينقعد نكاح المسلمين إلا بحضور شاهدين حرين بالغين عاقلين مسلمين أو رجلٍ وامرأتين، عدولاً كانوا أو غير عدولٍ، أو محدودين في قذفٍ، فإن تزوج مسلمٌ ذمية بشهادة ذميين جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمدٌ: لا يجوز.

ولا يحل للرجل أن يتزوج بأمه، ولا بجداته من قبل الرجال والنساء، ولا ببنته، ولا ببنت ولده وإن سفلت، ولا بأخته، ولا ببنات أخته، ولا ببنات أخيه، ولا بعمته، ولا بخالته، ولا بأم امرأته دخل بابنتها أو لم يدخل، ولا ببنت امرأته التي دخل بها سواءٌ كانت في حجره أو في حجر غيره، ولا بامرأة أبيه وأجداده، ولا بامرأة ابنه وبني أولاده، ولا بأمه من الرضاعة، ولا بأخته من الرضاعة، ولا يجمع بين أختين بنكاحٍ ولا بملك يمين وطئا، ولا يجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها ولا ابنة أخيها ولا ابنة أختها، ولا يجمع بين امرأتين لو كانت كل واحدةٍ منهما رجلاً لم يجز له أن يتزوج بالأخرى، ولا بأس أن يجمع بين امرأةٍ وابنة زوج كان لها من قبل.

ومن زنى بامرأةٍ حرمت عليه أمها وابنتها.

وإذا طلق الرجل امرأته طلاقاً بائناً لم يجز له أن يتزوج بأختها حتى تنقضي عدتها،

ولا يجوز أن يتزوج المولى أمته ولا المرأة عبدها.

ويجوز تزوج الكتابيات، ولا يجوز تزوج المجوسيات ولا الوثنيات، ويجوز تزوج الصابئيات إذا كانوا يؤمنون بنبيٍ ويقرون بكتابٍ، وإن كانوا يعبدون الكواكب ولا كتاب لهم لم تجز مناكحتهم.

ويجوز للمحرم والمحرمة أن يتزوجا في حال الإحرام.

وينعقد نكاح المرأة الحرة البالغة العاقلة برضاها وإن لم يعقد عليها وليٌ عند أبي حنيفة، بكراً كانت أو ثيباً. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا ينعقد إلا بوليٍ.

ولا يجوز للولي إجبار البكر البالغة على النكاح، وإذا استأذنها فسكتت أو ضحكت فذلك إذنٌ منها، وإن أبت لم يزوجها، وإذا استأذن الثيب فلا بد من رضاها بالقول، وإذا زالت بكارتها بوثبةٍ أو حيضةٍ أو جراحةٍ فهي في حكم الأبكار وإن زالت بزناً فهي كذلك عند أبي حنيفة، وإذا قال الزوج: بلغك النكاح فسكت، وقالت: بل رددت، فالقول قولها ولا يمين عليها، ولا يستحلف في النكاح عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يستحلف فيه.

وينعقد النكاح بلفظ النكاح والتزويج والتمليك والهبة والصدقة، ولا ينعقد بلفظ الإجارة والإباحة.

ويجوز نكاح الصغير والصغيرة إذا زوجهما الولي، بكراً كانت الصغيرة أو ثيباً، والولي هو العصبة، فإن زوجهما الأب أو الجد فلا خيار لهما بعد بلوغهما، وإن زوجهما غير الأب والجد فلكل واحدٍ منهما الخيار إذا بلغ: إن شاء أقام على النكاح، وإن شاء فسخ.

ولا ولاية لعبدٍ، ولا صغيرٍ، ولا مجنونٍ، ولا كافرٍ على مسلمةٍ.

وقال أبو حنيفة: يجوز لغير العصبات من الأقارب التزويج.

ومن لا ولي لهما إذا زوجها مولاها الذي أعتقها جاز، وإذا غاب الولي الأقرب غيبةً منقطعةً جاز لمن هو أبعد منه أن يزوج، والغيبة المنقطعة: أن يكون في بلدٍ لا تصل إليه القوافل في السنة إلا مرةً واحدةً.

والكفاءة في النكاح معتبرةٌ، فإذا تزوجت المرأة غير كفء فللأولياء أن يفرقوا بينهما.

والكفاءة تعتبر في النسب والدين والمال، وهو: أن يكون مالكاً للمهر والنفقة، وتعتبر في الصنائع، وإذا تزوجت المرأة ونقصت من مهرها فللأولياء الاعتراض عليها عند أبي حنيفة حتى يتم لها مهر مثلها أو يفارقها.

وإذا زوج الأب ابنته الصغيرة ونقص من مهرها أو ابنه الصغير وزاد في مهر امرأته جاز ذلك عليهما، ولا يجوز ذلك لغير الأب والجد.

ويصح النكاح إذا سمى فيه مهراً، ويصح وإن لم يسم فيه مهراً.

وأقل المهر عشرة دراهم، فإن سمى أقل من عشرةٍ فلها العشرة، ومن سمى مهراً عشرةً فما زاد فعليه المسمى إن دخل بها أو مات عنها، وإن طلقها قبل الدخول والخلوة فلها نصف المسمى، وإن تزوجها ولم يسم لها مهراً أو تزوجها على أن لا مهر لها فلها مهر مثلها إن دخل بها أو مات عنها، وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة وهي ثلاثة أثوابٍ من كسوة مثلها،

وإن تزوج المسلم على خمرٍ أو خنزيرٍ فالنكاح جائز ولها مهر مثلها.

وإن تزوجها ولم يسم لها مهراً ثم تراضيا على تسمية مهرٍ فهو لها إن دخل بها أو مات عنها، وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة.

وإن زادها في المهر بعد العقد لزمته الزيادة، وتسقط بالطلاق قبل الدخول، وإن حطت عنه من مهرها صح الحط،

وإذا خلا الزوج بامرأته وليس هناك مانعٌ من الوطء ثم طلقها فلها كمال المهر، وإن كان أحدهما مريضاً أو صائماً في رمضان أو محرماً بفرضٍ أو نفلٍ بحجٍ أو عمرةٍ أو كانت حائضاً فليست بخلوةٍ صحيحةٍ، وإذا خلا المجبوب بامرأته ثم طلقها فلها كمال المهر عند أبي حنيفة.

وتستحب المتعة لكل مطلقةٍ إلا لمطلقةٍ واحدةٍ، وهي: التي طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهراً،

وإذا زوج الرجل ابنته على أن يزوجه الرجل أخته أو ابنته ليكون أحد العقدين عوضاً عن الآخر فالعقدان جائزان، ولكل واحدةٍ منهما مهر مثلها.

وإن تزوج حرٌ امرأةً على خدمته سنة أو على تعليم القرآن فلها مهر مثلها، وإن تزوج عبدٌ حرةً بإذن مولاه على خدمتها سنةً جاز،

وإذا اجتمع في المجنونة أبوها وابنها فالولي في نكاحها ابنها عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمدٌ: أبوها.

ولا يجوز نكاح العبد والأمة إلا بإذن مولاهما، وإذا تزوج العبد بإذن مولاه فالمهر دينٌ في رقبته يباع فيه، وإذا زوج المولى أمته فليس عليه أن يبوئها بيت الزوج، ولكنها تخدم المولى، ويقال للزوج: متى ظفرت بها وطئتها.

وإذا تزوج امرأةً على ألف على أن لا يخرجها من البلد، أو على أن لا يتزوج عليها، فإن وفى بالشرط فلها المسمى، وإن تزوج عليها أو أخرجها من البلد فلها مهر مثلها.

وإذا تزوجها على حيوانٍ غير موصوفٍ صحت التسمية، ولها الوسط منه، والزوج مخيرٌ: إن شاء أعطاها ذلك، وإن شاء أعطاها قيمته.

ولو تزوجها على ثوبٍ غير موصوفٍ فلها مهر مثلها.

ونكاح المتعة والنكاح المؤقت باطلٌ،

وتزويج العبد والأمة بغير إذن مولاهما موقوفٌ: فإن أجازه المولى جاز، وإن رده بطل، وكذلك لو زوج رجلٌ امرأةً بغير رضاها أو رجلاً بغير رضاه.

ويجوز لابن العم أن يزوج بنت عمه من نفسه، وإذا أذنت المرأة لرجلٍ أن يزوجها من نفسه فعقد بحضرة شاهدين جاز.

وإذا ضمن الولي المهر صح ضمانه، وللمرأة الخيار في مطالبة زوجها أو وليها.

وإذا فرق القاضي بين الزوجين في النكاح الفاسد قبل الدخول فلا مهر لها، وكذلك بعد الخلوة، وإن دخل بها فلها مهر مثلها لا يزاد على المسمى، وعليها العدة، ويثبت نسب ولدها.

ومهر مثلها يعتبر بأخواتها وعماتها وبنات عمها، ولا يعتبر بأمها وخالتها إذا لم يكونا من قبيلتها، ويعتبر في مهر المثل: أن تتساوى المرأتان في السن، والجمال، والعفة، والمال، والعقل، والدين، والبلد، والعصر.

ويجوز تزويج الأمة مسلمةً كانت أو كتابيةً، ولا يجوز أن يتزوج أمةً على حرة، ويجوز تزويج الحرة عليها.

وللحر أن يتزوج أربعاً من الحرائر والإماء، وليس له أن يتزوج أكثر من ذلك، ولا يتزوج العبد أكثر من اثنتين، فإن طلق الحر إحدى الأربع طلاقاً بائناً لم يجز له أن يتزوج رابعةً حتى تنقضي عدتها.

وإذا زوج الأمة مولاها ثم أعتقت فلها الخيار، حراً كان زوجها أو عبداً، وكذلك المكاتبة.

وإن تزوجت أمةٌ بغير إذن مولاها ثم أعتقت صح النكاح ولا خيار لها ومن تزوج امرأتين في عقدٍ واحدٍ إحداهما لا يحل له نكاحها صح نكاح التي يحل له نكاحها وبطل نكاح الأخرى.

وإن كان بالزوجة عيبٌ فلا خيار لزوجها، وإذا كان بالزوج جنونٌ أو جذامٌ أو برصٌ فلا خيار للمرأة عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمدٌ: لها الخيار، فإن كان عنيناً أجله الحاكم حولاً، فإن وصل إليها وإلا فرق بينهما إن طلبت المرأة ذلك والفرقة تطليقةٌ بائنةٌ، ولها كمال المهر إن كان قد خلا بها، وإن كان مجبوباً فرق القاضي بينهما في الحال ولم يؤجله، والخصي يؤجل كما يؤجل العنين،

وإذا أسلمت المرأة وزوجها كافرٌ عرض عليه القاضي الإسلام، فإن أسلم فهي امرأته، وإن أبى عن الإسلام فرق بينهما، وكان ذلك طلاقاً بائناً عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: هي فرقةٌ بغير طلاقٍ.

فإن أسلم الزوج وتحته مجوسيةٌ عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت فهي امرأته، وإن أبت فرق القاضي بينهما، ولم تكن هذه الفرقة طلاقاً، فإن كان قد دخل بها فلها المهر، وإن لم يكن دخل بها فلا مهر لها،

وإذا أسلمت المرأة في دار الحرب لم تقع الفرقة عليها حتى تحيض ثلاث حيضٍ، فإذا حاضت بانت من زوجها.

وإذا أسلم زوج الكتابية فهما على نكاحهما.

وإذا خرج أحد الزوجين إلينا من دار الحرب مسلماً وقعت البينونة بينهما، وإن شبى أحدهما وقعت البينونة بينهما، وإن سبيا معاً لم تقع البينونة، وإذا خرجت المرأة إلينا مهاجرةً جاز لها أن تتزوج، ولا عدة عليها عند أبي حنيفة، فإن كانت حاملاً لم تتزوج حتى تضع حملها،

وإذا ارتد أحد الزوجين عن الإسلام وقعت الفرقة بينهما بغير طلاقٍ، فإن كان الزوج هو المرتد وقد دخل بها فلها كمال المهر، وإن كان لم يدخل بها فلها نصف المهر، وإن كانت المرأة هي المرتدة قبل الدخول فلا مهر لها، وإن كانت الردة بعد الدخول فلها المهر، وإن ارتدا معاً وأسلما فهما على نكاحهما،

ولا يجوز أن يتزوج المرتد مسلمةً ولا كافرةً ولا مرتدةً، وكذلك المرتدة لا يتزوجها مسلمٌ ولا كافرٌ ولا مرتدٌ،

وإذا كان أحد الزوجين مسلماً فالولد على دينه، وكذلك إن أسلم أحدهما وله ولدٌ صغيرٌ صار ولده مسلماً بإسلامه، وإن كان أحد الأبوين كتابيا والآخر مجوسياً فالولد كتابيٌ.

وإذا تزوج الكافر بغير شهودٍ أو في عدة الكافر وذلك في دينهم جائزٌ ثم أسلما أقرا عليه، وإذا تزوج المجوسي أمه أو ابنته ثم أسلما فرق بينهما،

وإذا كانت للرجل امرأتان حرتان فعليه أن يعدل بينهما في القسم، بكرين كانت أو ثيبتين أو إحداهما بكراً والأخرى ثيباً، وإن كانت إحداهما حرةً والأخرى أمةً فللحرة الثلثان من القسم وللأمة الثلث، ولا حق لهن في القسم حالة السفر، ويسافر الزوج بمن شاء منهن، والأولى أن يقرع بينهن فيسافر بمن خرجت قرعتها، وإن رضيت إحدى الزوجات بترك قسمها.

لصاحبتها جاز ولها أن ترجع في ذلك.

 

 

 كتاب الرضاع.

- قليل الرضاع وكثيره سواء، إذا حصل في مدة الرضاع تعلق به التحريم، ومدة الرضاع عند أبي حنيفة ثلاثون شهراً، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: سنتان، فإذا مضت مدة الرضاع لم يتعلق بالرضاع تحريمٌ.

ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، إلا أم أخته من الرضاع؛ فإنه يجوز أن يتزوجها. ولا يجوز أن يتزوج أم أخته من النسب، وأخت ابنه من الرضاع يجوز أن يتزوجها ولا يجوز أن يتزوج أخت ابنه من النسب، وامرأة ابنه من الرضاع لا يجوز أن يتزوجها، كما لا يجوز أن يتزوج امرأة ابنه من النسب، وامرأة أبيه من الرضاع لا يجوز أن يتزوجها، كما لا يجوز أن يتزوج امرأة أبيه من النسب ولبن الفحل يتعلق به التحريم، وهو: أن ترضع المرأة ضبية فتحرم هذه الصبية على زوجها وعلى آبائه وأبنائه، ويصير الزوج الذي نزل منه اللبن أباً للمرضعة.

ويجوز أن يتزوج الرجل بأخت أخيه من الرضاع، كما يجوز أن يتزوج بأخت أخيه من النسب، وذلك مثل الأخ من الأب إذا كان له أختٌ من أمه جاز لأخيه من أبيه أن يتزوجها.

وكل صبيتين اجتمعتا على ثدي واحدٍ لم يجز لأحدهما أن يتزوج بالآخر، ولا يجوز أن تتزوج المرضعة أحداً من ولد التي أرضعتها ولا ولد ولدها، ولا يتزوج الصبي المرضع أخت زوج المرضعة لأنها عمته من الرضاع.

وإذا اختلط اللبن بالماء واللبن هو الغالب تعلق به التحريم، وإن غلب الماء لم يتعلق به التحريم، وإذا اختلط بالطعام لم يتعلق به التحريم، وإن كان اللبن غالباً عند أبي حنيفة، وإذا اختلط بالدواء وهو الغالب تعلق به التحريم.

وإذا حلب اللبن من المرأة بعد موتها فأوجر به الصبي تعلق به التحريم، وإذا اختلط اللبن بلبن شاةٍ واللبن هو الغالب تعلق به التحريم، وإن غلب لبن الشاة لم يتعلق به التحريم، وإذا اختلط لبن امرأتين تعلق التحريم بأكثرهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمدٌ: يتعلق بهما.

وإذا نزل للبكر لبنٌ فأرضعت به صبيا تعلق به التحريم، وإذا نزل للرجل لبنٌ فأرضع به صبياً لم يتعلق به التحريم.

وإذا شرب صبيان من لبن شاةٍ فلا رضاع بينهما،

وإذا تزوج الرجل صغيرةً وكبيرةً فأرضعت الكبيرة الصغيرة حرمتا على الزوج، فإن كان لم يدخل بالكبيرة فلا مهر لها، وللصغيرة نصف المهر، ويرجع به الزوج على الكبيرة إن كانت تعمدت به الفساد، وإن لم تتعمد فلا شيء عليها.

ولا تقبل في الرضاع شهادة النساء منفرداتٍ، وإنما يثبت بشهادة رجلين أو رجلٍ وامرأتين.

 

 

 كتاب الطلاق.

- الطلاق على ثلاثة أوجه: أحسن الطلاق، وطلاق السنة، وطلاق البدعة؛ فأحسن الطلاق: أن يطلق الرجل امرأته تطليقةً واحدةً في طهرٍ لم يجامعها فيه ويتركها حتى تنقضي عدتها. وطلاق السنة: أن يطلق المدخول بها ثلاثاً في ثلاثة أطهار، وطلاق البدعة: أن يطلقها ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ، أو ثلاثاً في طهرٍ واحدٍ.

فإذا فعل ذلك وقع الطلاق، وبانت منه، وكان عاصياً. والسنة في الطلاق وجهين: سنةٌ في الوقت، وسنة في العدد، فالسنة في العدد يستوي فيها للمدخول بها وغير المدخول بها، والسنة في الوقت تثبت في المدخول بها خاصةً، وهو: أن يطلقها في طهرٍ لم يجامعها فيه، وغير المدخول بها يطلقها في حال الطهر والحيض، وإذا كانت المرأة لا تحيض من صغرٍ أو كبرٍ فأراد أن يطلقها للسنة طلقها واحدةً، فإذا مضى شهرٌ طلقها أخرى، فإذا مضى شهرٌ آخر طلقها أخرى،

ويجوز أن يطلقها ولا يفصل بين وطئها وطلاقها بزمانٍ. وطلاق الحامل يجوز عقيب الجماع، ويطلقها للسنة ثلاثاً يفصل بين كل تطليقتين بشهرٍ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمدٌ: لا يطلقها للسنة إلا واحدةً، وإذا طلق الرجل امرأته في حال الحيض وقع الطلاق، ويستحب له أن يراجعها، وإن شاء أمسكها،

فإذا طهرت وحاضت وطهرت فهو مخيرٌ: إن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها.

ويقع الطلاق كل زوج إذا كان عاقلاً بالغاً، ولا يقع طلاق الصبي والمجنون والنائم، وإذا تزوج العبد ثم طلق وقع طلاقه، ولا يقع طلاق مولاه على امرأته.

والطلاق على ضربين: صريحٍ، وكنايةٍ، فالصريح قوله: أنت طالقٌ، ومطلقةٌ، وطلقتك، فهذا يقع به الطلاق الرجعي ولا يقع به إلا واحدةٌ وإن نوى أكثر من ذلك، ولا يفتقر إلى النية.

وقوله: أنت الطلاق، أو أنت طالقٌ الطلاق، أو أنت طالقٌ طلاقاً، فإن لم تكن له نيةٌ فهي واحدةٌ رجعيةٌ، وإن نوى به ثلاثاً كان ثلاثاً.

والضرب الثاني: الكنايات، ولا يقع بها الطلاق إلا بنيةٍ أو دلالةٍ حالٍ. وهي على ضربين منها ثلاثة ألفاظٍ يقع بها الطلاق الرجعي ولا يقع بها إلا واحدةٌ، وهي قوله: اعتدى، واستبرئي رحمك، وأنت واحدةٌ، وبقية الكنايات إذا نوى بها الطلاق كانت واحدةً بائنةً، وإن نوى بها ثلاثاً كانت ثلاثاً، وإن نوى اثنتين كانت واحدةً، وهذا مثل قوله: أنت بائنٌ، وبتةٌ، وبتلةٌ، وحرامٌ، وحبلك على غاربك، والحقي بأهلك، وخليةٌ، وبريةٌ، ووهبتك لأهلك، وسرحتك، وفارقتك، وأنت حرةٌ، وتقنعي، وتخمري، واستتري، واعزبي، واغربي، وابتغي الأزواج، فإن لم يكن له نية لم يقع بهذه الألفاظ طلاقٌ، إلا أن يكونا في مذاكرة الطلاق، فيقع بها الطلاق في القضاء، ولا يقع فيما بينه وبين الله تعالى إلا أن ينويه، وإن لم يكونا في مذاكرة الطلاق وكانا في غضبٍ أو خصومةٍ وقع الطلاق بكل لفظٍ لا يقصد به السب والشتيمة، ولم يقع بما يقصد به السب والشتيمة إلا أن ينويه،

وإذا وصف الطلاق بضرب من الزيادة والشدة كان بائناً، مثل أن يقول: أنت طالقٌ بائنٌ، أو طالقٌ أشد الطلاق، أو أفحش الطلاق، أو طلاق الشيطان والبدعة، وكالجبل، وملء البيت.

وإذا أضاف الطلاق إلى جملتها أو إلى ما يعبر به عن الجملة وقع الطلاق مثل أن يقول: أنت طالق، أو رقبتك طالقٌ، أو عنقك طالقٌ، أو روحك طالقٌ، أو بدنك، أو جسدك، أو فرجك، أو وجهك.

وكذلك إن طلق جزءاً شائعاً منها، مثل أن يقول: نصفك، أو ثلثك وإن قال: يدك - أو رجلك - طالقٌ؛ لم يقع الطلاق.

وإن طلقها نصف تطليقةٍ أو ثلث تطليقةٍ كانت طلقةً واحدةً.

وطلاق المكره والسكران واقعٌ،

ويقع طلاق الأخرس بالإشارة.

وإذا أضاف الطلاق إلى النكاح وقع عقيب النكاح، مثل أن يقول: إن تزوجتك فأنت طالقٌ، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالقٌ، وإن أضافه إلى شرطٍ وقع عقيب الشرط، مثل أن يقول لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالقٌ.

ولا يصح إضافة الطلاق إلا أن يكون الحالف مالكاً أو يضيفه إلى ملكٍ وإن قال لأجنبيةٍ " إن دخلت الدار فأنت طالقٌ" ثم تزوجها فدخلت الدار لم تطلق.

وألفاظ الشرط: إن، وإذا، وكل، وكلما، ومتى، ومتى ما، ففي كل هذه الشروط إذا وجد الشرط انحلت اليمين، إلا في كلما، فإن الطلاق يتكرر بتكرار الشرط حتى يقع ثلاث تطليقاتٍ، فإن تزوجها بعد ذلك وتكرر الشرط لم يقع شيءٌ، وزوال الملك بعد اليمين لا يبطلها. فإن وجد في ملكه انحلت اليمين ووقع الطلاق. وإن وجد في غير ملكه انحلت اليمين ولم يقع شيء، وإذا اختلفا في وجود الشرط فالقول قول الزوج فيه، إلا أن تقيم البينة فإن كان الشرط لا يعلم إلا من جهتها فالقول قولها في حق نفسها مثل أن يقول: إن حضت فأنت طالقٌ، فقالت: قد حضت، طلقت.

وإذا قال: إذا حضت فأنت طالقٌ وفلانة، فقالت: قد حضت، طلقت هي ولم تطلق فلانة، وإذا قال لها: إذا حضت فأنت طالقٌ، فرأت الدم لم يقع الطلاق حتى يستمر ثلاثة أيام، فإذا تمت ثلاثة أيامٍ حكمنا بوقوع الطلاق من حين حاضت، وإذا قال لها: إذا حضت حيضةً فأنت طالقٌ، لم تطلق حتى تطهر من حيضها.

وطلاق الأمة تطليقتان، حرا كان زوجها أو عبداً، وطلاق الحرة ثلاثٌ، حراً كان زوجها أو عبداً.

وإذا طلق الرجل امرأته قبل الدخول بها ثلاثاً وقعن عليها، فإن فرق الطلاق بانت بالأولى ولم تقع الثانية، وإذا قال لها أنت طالقٌ واحدةً وواحدةً وقعت عليها واحدةٌ. وإن قال لها أنت طالقٌ واحدةً قبل واحدةٍ وقعت واحدةٌ، وإن قال لها واحدةً قبلها واحدةٌ وقعت ثنتان. وإن قال واحدةً بعدها واحدةٌ وقعت واحدةٌ، وإن قال لها واحدةً بعد واحدةٍ أو مع واحدةٍ أو معها واحدةٌ وقعت ثنتان، وإذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالقٌ واحدةً وواحدةً، فدخلت الدار وقعت عليها واحدةٌ عند أبي حنيفة. وإذا قال لها أنت طالقٌ بمكة فهي طالقٌ في كل البلاد. وكذلك إذا قال أنت طالقٌ في الدار، وإن قال لها أنت طالقٌ إذا دخلت مكة لم تطلق حتى تدخل مكة، وإن قال لها أنت طالقٌ غداً وقع الطلاق عليها بطلوع الفجر.

وإذا قال لامرأته " اختاري نفسك" ينوي بذلك الطلاق، أو قال لها " طلقي نفسك" فلها أن تطلق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك، فإن قامت منه أو أخذت في عملٍ آخر خرج الأمر من يدها، وإن اختارت نفسها في قوله "اختاري" كانت واحدةً بائنةً ولا يكون ثلاثاً وإن نوى الزوج ذلك، ولابد من ذكر النفس في كلامه أو في كلامها، وإن طلقت نفسها في قوله " طلقي نفسك" فهي واحدةٌ رجعيةٌ، وإن طلقت نفسها ثلاثاً وقد أراد الزوج ذلك وقعن عليها، وإن قال لها "طلقي نفسك متى شئت" فلها أن تطلق نفسها في المجلس وبعده وإذا قال لرجلٍ "طلق امرأتي" فله أن يطلقها في المجلس وبعده، وإن قال "طلقها إن شئت" فله أن يطلقها في المجلس خاصةً، وإن قال لها "إن كنت تحبيني أو تبغضيني فأنت طالقٌ" فقالت: أنا أحبك أو أبغضك وقع الطلاق وإن كان في قلبها خلاف ما أظهرت،

وإذا طلق الرجل امرأته في مرض موته طلاقاً بائناً فمات وهي في العدة ورثت منه، وإن مات بعد انقضاء عدتها فلا ميراث لها.

وإذا قال الزوج لامرأته " أنت طالقٌ إن شاء الله" متصلا لم يقع الطلاق عليها.

وإن قال لها " أنت طالقٌ ثلاثاً إلا واحدةً" طلقت اثنتين، وإن قال " ثلاثاً إلا اثنتين" طلقت واحدةً.

وإذا ملك الزوج امرأته أو شقصاً منها أو ملكت المرأة زوجها أو شقصاً منه وقعت الفرقة بينهما.

 

 

 باب الرجعة

- إذا طلق الرجل امرأته تطليقةً رجعيةً أو تطليقتين فله أن يراجعها في عدتها، رضيت بذلك أو لم ترض.

والرجعة أن يقول: راجعتك، أو راجعت امرأتي، أو يطأها، أو يقبلها، أو يلمسها بشهوةٍ، أو أن ينظر إلى فرجها بشهوةٍ.

ويستحب أن يشهد على الرجعة شاهدين، فإن لم يشهد صحت الرجعة وإذا انقضت المدة فقال: "قد كنت راجعتها في العدة" فصدقته فهي رجعةٌ، وإن كذبته فالقول قولها ولا يمين عليها عند أبي حنيفة وإذا قال الزوج "قد راجعتك" فقالت مجيبة له "قد انقضت عدتي" لم تصح الرجعة عند أبي حنيفة، وإذا قال زوج الأمه بعد انقضاء عدتها. "قد كنت راجعتها في العدة" فصدقه المولى وكذبته الامة فالقول قولها.

وإذا انقطع الدم من الحيضة الثالثة لعشرة أيامٍ انقطعت الرجعة وإن لم تغتسل، وإن انقطع لأقل من عشرة أيامٍ لم تنقطع الرجعة حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاةٍ، أو تيمم وتصلي عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمدٌ: إذا تيممت انقطعت الرجعة، وإن لم تصل، وإن اغتسلت ونسيت شيئاً من بدنها لم يصبه الماء، فإن كان عضواً فما فوقه لم تنقطع الرجعة، وإن كان أقل من عضوٍ انقطعت.

والمطلقة الرجعية تتشوف وتتزين ويستحب لزوجها أن لا يدخل عليها حتى يستأذنها أو يسمعها خفق نعليه.

والطلاق الرجعي لا يحرم الوطء، وإذا كان الطلاق بائناً دون الثلاث فله أن يتزوجها في عدتها وبعد انقضاء عدتها، وإن كان الطلاق ثلاثاً في الحرة أو اثنتين في الأمة لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً ويدخل بها ثم يطلقها أو يموت عنها. والصبي المراهق في التحليل كالبالغ، ووطء المولى لا يحللّها، وإذا تزوجها بشرط التحليل فالنكاح مكروهٌ، فإن وطئها حلت للاور، وإذا طلق الحرة تطليقةً أو تطليقتين وانقضت عدتها وتزوجت بزوج آخر ثم عادت إلى الأول عادت بثلاث تطليقاتٍ، ويهدم الزوج الثاني ما دون الثلاث من الطلاق كما يهدم الثلاث. وقال محمدٌ: لا يهدم ما دون الثلاث.

وإذا طلقها ثلاثاً فقالت "قد انقضت عدتي وتزوجت ودخل بي وطلقني وانقضت عدتي" والمدة تحتمل ذلك جاز للزوج أن يصدقها إذا كان في غالب ظنه أنها صادقةٌ.

 

 

 كتاب الإيلاء

- إذا قال الرجل لامرأته "والله لا أقربك، أو لا أقربك أربعة أشهرٍ" فهو مولٍ، فإن وطئها في الأربعة الأشهر حنث في يمينه، ولزمته الكفارة، وسقط الإيلاء، وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت منه بتطليقةٍ، فإن كان حلف على أربعة أشهرٍ فقد سقطت اليمين، وإن كان حلف على الأبد فاليمين باقية، فإن عاد فتزوجها عاد الإيلاء، فإن وطئها لزمته الكفارة، وإلا وقعت بمضي أربعة أشهرٍ تطليقةٌ أخرى، فإن تزوجها عاد الإيلاء ووقع بمضي أربعة أشهرٍ تطليقةٌ أخرى، فإن تزوجها بعد زوجٍ آخر لم يقع بذلك الإيلاء طلاقٌ، واليمين باقيةٌ، فإن وطئها كفر عن يمينه.

وإذا حلف على أقل من أربعة أشهرٍ لم يكن مولياً، وإن حلف بحجٍ أو صومٍ أو صدقةٍ أو عتقٍ أو طلاقٍ فهو مولٍ.

وإن آلى من المطلقة الرجعية كان مولياً، وإن آلى من البائنة لم يكن مولياً ومندة إيلاء الأمة شهران.

وإن كان المولى مريضاً لا يقدر على الجماع أو كانت المرأة مريضة أو كان بينهما مسافةٌ لا يقدر أن يصل إليها في مدة الإيلاء ففيئه أن يقول بلسانه: فئت إليها، فإن قال ذلك سقط الإيلاء، وإن صح في المدة بطل ذلك الفيء وصار فيئه بالجماع.

وإذا قال لامرأته "أنت علي حرامٌ" سئل عن نيته، فإن قال أردت الكذب فهو كما قال، وإن قال أردت الطلاق فهي تطليقةٌ بائنةٌ، إلا أن ينوي الثلاث، وإن قال أردت الظهار فهو ظهارٌ، وإن قال أردت التحريم أو لم أرد به شيئاً فهو يمينٌ يصير بها مولياً.

 

 

 باب الخلع.

- إذا تشاق الزوجان وخافا أن لا يقيما حدود الله فلا بأس أن تفتدي نفسها منه بمالٍ يخلعها به، فإذا فعل ذلك وقع بالخلع بالخلع تطليقةٌ بائنةٌ، ولزمها المال وإن كان النشوز من قبله كره له أن يأخذ منها عوضاً.

وإن كان النشوز من قبلها كره له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، فإذا فعل ذلك جاز في القضاء، وإن طلقها على مالٍ فقبلت وقع الطلاق، ولزمها المال، وكان الطلاق بائناً، وإذا بطل العوض في الخلع مثل أن تخالع المرأة المسلمة على خمرٍ أو خنزيرٍ فلا شيء للزوج، والفرقة بائنة، وإن بطل العوض في الطلاق كان رجعياً، وما جاز أن يكون مهراً جاز أن يكون بدلاً في الخلع.

فإن قالت له "خالعني على ما في يدي" فخالعها ولم يكن في يدها شيءٌ فلا شيء له عليها، وإن قالت: خالعني على ما في يدي من مالٍ ولم يكن في يدها شيءٌ ردت عليه مهرها، وإن قالت خالعني على ما في يدي من دراهم فخالعها ولم يكن في يدها شيءٌ فعليها ثلاثة دراهم، وإن قالت طلقني ثلاثاً بألفٍ فطلقها واحدةً فعليها ثلاث الألف، وإن قالت طلقني ثلاثاً على ألفٍ فطلقها واحدةً فلا شيء عليها عند أبي حنيفة، ولو قال الزوج طلقي نفسك ثلاثاً بألفٍ أو على ألفٍ فطلقت نفسها بواحدةً لم يقع عليها شيءٌ والمبارأة كالخلع.

والخلع والمبارأة يسقطان كل حقٍ لكل واحدٍ من الزوجين على الآخر مما يتعلق بالنكاح عند أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف رحمه الله المبارأة تسقط والخلع لا تسقط ، وقال محمد رحمه الله لا تسقطان إلا ما سمياه.

 

 

 كتاب الظهار.

- إذا قال الزوج لامرأته "أنت علي كظهر أمي" فقد حرمت عليه لا يحل له وطؤها ولا لمسها ولا تقبيلها حتى يكفر عن ظهاره، فإن وطئها قبل أن يكفر استغفر الله تعالى، ولا شيء عليه غير الكفارة الأولى، ولا يعاودها حتى يكفر، والعود الذي تجب به الكفارة أن يعزم على وطئها.

وإذا قال (أنت علي كبطن أمي، أو كفخذها، أو كفرجها) فهو مظاهرٌ وكذلك إن شبهها بمن لا يحل له النظر إليها على التأبيد من محارمه مثل أخته أو عمته أو أمه من الرضاعة، وكذلك إن قال: رأسك علي كظهر أمي، أو فرجك، أو وجهك، أو رقبتك، أو نصفك، أو ثلثك، وإن قال (أنت علي مثل أمي) رجع إلى نيته، فإن قال أردت الكرامة فهو كما قال، وإن قال أردت الظهار فهو ظهارٌ، وإن قال أردت الطلاق فهو طلاقٌ بائنٌ، وإن لم يكن له نيةٌ فليس بشيءٍ.

ولا يكون الظهار إلا من زوجته، فإن ظاهر من أمته لم يكن مظاهر ومن قال لنسائه "أنتن علي كظهر أمي" كان مظاهراً من جماعتهن، وعليه لكل واحدةٍ منهن كفارةٌ.

وكفارة الظهار: عتق رقبةٍ؛ فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً؛ كل ذلك قبل المسيس؛ ويجزئ في ذلك عتق الرقبة الكافرة، والمسلمة، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير، ولا تجزئ العمياء، ولا المقطوعة اليدين أو الرجلين، ويجوز الأصم، والمقطوع إحدى اليدين وإحدى الرجلين من خلافٍ، ولا يجوز مقطوع إبهامي اليدين، ولا المجنون الذي لا يعقل، ولا يجوز عتق المدبر، وأم الولد والمكاتب الذي أدى بعض المال، فإن أعتق مكاتباً لم يؤد شيئاً جاز، فإن اشترى أباه أو ابنه ينوي بالشراء الكفارة جاز عنها، وإن أعتق نصف عبدٍ مشركٍ عن الكفارة وضمن قيمة باقيه فأعتقه لم يجز عند أبي حنيفة، وإن أعتق نصف عبده عن كفارته ثم أعتق باقيه عنها جاز؛ وإن أعتق نصف عبده عن كفارته ثم جامع التي ظاهر منها ثم أعتق باقيه لم يجز عند أبي حنيفة،

وإذا لم يجد المظاهر ما يعتق فكفارته صوم شهرين متتابعين ليس فيهما شهر رمضان ولا يوم الفطر ولا يوم النحر ولا أيام التشريق، فإن جامع التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلاً عامداً أو نهاراً ناسياً استأنف الصوم عند أبي حنيفة و محمدٍ، وإن أفطر يوماً منهما بعذرٍ أو بغير عذر استأنف،

وإن ظاهر العبد لم يجزه في الكفارة إلا الصوم، فإن أعتق المولى عنه أو أطعم لم يجزه،

وإذا لم يستطع المظاهر الصيام أطعم ستين مسكيناً كل مسكينٍ نصف صاع من بر أو صاعاً من تمرٍ أو شعيرٍ أو قيمة ذلك، فإن غداهم وعشاهم جاز، قليلاً ما أكلوا أو كثيراً، فإن أعطى مسكيناً واحداً ستين يوماً أجزأه، وإن أعطاه في يومٍ واحدٍ لم يجزه إلا عن يومه، وإن قرب التي ظاهر منها في خلال الإطعام لم يستأنف.

ومن وجب عليه كفارتا ظهارٍ فأعتق رقبتين لا ينوي عن أحداهما بعينها جاز عنهما، وكذلك إن صام أربعة أشهرٍ أو أطعم مائةً وعشرين مسكيناً جاز، وإن أعتق رقبةً واحدةُ أو صام شهرين كان له أن يجعل ذلك عن أيتهما شاء.

 

 

 باب اللعان

- إذا قذف الرجل امرأته بالزنا وهما من أهل الشهادة، والمرأة ممن يحد قاذفها، أو نفى نسب ولدها وطالبته بموجب القذف فعليه اللعان، فإن امتنع منه حبسه الحاكم حتى يلاعن أو يكذب نفسه فيحد، وإن لاعن وجب عليها اللعان؛ فإن امتنعت حبسها الحاكم حتى تلاعن أو تصدقه.

وإذا كان الزوج عبداً أو كافراً أو محدوداً في قذفٍ فقذف امرأته فعليه الحد،

وإن كان من أهل الشهادة وهي أمةٌ أو كافرة أو محدودةٌ في قذفٍ أو كانت ممن لا يحد قاذفها فلا حد عليه في قذفها ولا لعان.

وصفة اللعان: أن يبتدئ القاضي بالزوج فيشهد أربع مرات يقول في كل مرةٍ: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، ثم يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا ويشير إليها في جميع ذلك، ثم تشهد المرأة أربع مراتٍ تقول في كل مرةٍ أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: إن غضب الله عليها. إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا.

فإذا التعنا فرق القاضي بينهما، وكانت الفرقة تطليقةً بائنةً عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف: تحريمٌ مؤبدٌ، وإن كان القذف بولدٍ نفى القاضي نسبه وألحقه بأمه،

فإن عاد الزوج فأكذب نفسه حده القاضي وحل له أن يتزوجها، وكذلك إن قذف غيرها فحد أو زنت فحدت.

وإذا قذف امرأته وهي صغيرةٌ أو مجنونة فلا لعان بينهما، وقذف الأخرس لا يتعلق به اللعان، وإذا قال الزوج "ليس حملك مني" فلا لعان بينهما، وإن قال: "زنيت وهذا الحمل من الزنا" تلاعنا ولم ينف القاضي الحمل.

وإذا نفى الرجل ولد امرأته عقيب الولادة، أو في الحال التي تقبل التهنئة أو تبتاع له آلة الولادة صح نفيه ولاعن به، وإن نفاه بعد ذلك لاعن وثبت النسب. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يصح نفيه في مدة النفاس، وإذا ولدت ولدين في بطنٍ واحدٍ فنفى الأول واعترف بالثاني ثبت نسبهما وحد الزوج، وإن اعترف بالأول ونفى الثاني ثبت نسبهما ولاعن.

 

 

 باب العدة

- إذا طلق الرجل امرأته طلاقاً بائناً أو رجعياً أو وقعت الفرقة بينهما بغير طلاقٍ وهي حرةٌ ممن تحيض فعدتها ثلاثة أقراءٍ، والأقراء: الحيض، وإن كانت لا تحيض من صغرٍ أو كبرٍ فعدتها ثلاثة أشهرٍ، وإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، وإن كانت أمةً فعدتها حيضتان، وإن كانت لا تحيض فعدتها شهرٌ ونصفٌ،

وإذا مات الرجل عن امرأته الحرة فعدتها أربعة أشهرٍ وعشرٌ، وإن كانت أمةً فعدتها شهران وخمسة أيامٍ، وإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، وإذا ورثت المطلقة في المرض فعدتها أبعد الأجلين.

فإن أعتقت الأمة في عدتها من طلاقٍ رجعيٍ انتقلت عدتها إلى عدة الحرائر، وإن أعتقت وهي مبتوتةٌ أو متوفى عنها زوجها لم تنتقل عدتها، وإن كانت آيسةً فاعتدت بالشهور ثم رأت الدم انتقض ما مضى من عدتها وكان عليها أن تستأنف العدة بالحيض،

والمنكوحة نكاحاً فاسداً والموطوءة بشبهةٍ عدتها الحيض في الفرقة والموت.

وإذا مات مولى أم الولد عنها أو أعتقها فعدتها ثلاث حيضٍ.

وإذا مات الصغير عن امرأته وبها حبلٌ فعدتها أن تضع حملها، وإن حدث الحبل بعد الموت فعدتها أربعة أشهرٍ وعشرٌ.

وإذا طلق الرجل امرأته في حال الحيض لم تعتد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق، وإذ وطئت المعتدة بشبهةٍ فعليها عدةٌ أخرى، وتداخلت العدتان، فيكون ما تراه من الحيض محتسباً به منهما جميعاً،

وإذا انقضت العدة الأولى ولم تكمل الثانية فإن عليها تمام العدة الثانية.

وابتداء العدة في الطلاق عقيب الطلاق، وفي الوفاة عقيب الوفاة، فإن لم تعلم بالطلاق أو الوفاة حتى مضت مدة العدة فقد انقضت عدتها والعدة في النكاح الفاسد عقيب التفريق بينهما، أو عزم الواطئ على ترك وطئها،

وعلى المبتوتة، والمتوفى عنها زوجها - إذا كانت بالغةً مسلمةً - الإحداد، وهو: ترك الطيب والزينة والدهن والكحل إلا من عذر، ولا تختضب بالحناء، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً بعصفرٍ ولا بزعفرانٍ، ولا إحداد على كافرةٍ، ولا صغيرةٍ، وعلى الأمة الإحداد، وليس في عدة النكاح الفاسد ولا في عدة أم الولد إحدادٌ.

ولا ينبغي أن تخطب المعتدة، ولا بأس بالتعريض في الخطبة.

ولا يجوز للمطلقة الرجعية والمبتوتة الخروج من بيتها ليلاً ولا نهاراً، والمتوفى عنها زوجها تخرج نهاراً وبعض الليل، ولا تبيت في غير منزلها، وعلى المعتدة أن تعتد في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة، فإن كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها وأخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت،

ولا يجوز أن يسافر الزوج بالمطلقة الرجعية.

وإذا طلق الرجل امرأته طلاقاً بائناً ثم تزوجها في عدتها وطلقها قبل أن يدخل بها فعليه مهرٌ، كاملٌ وعليها عدةٌ مستقبلةٌ. وقال محمدٌ: لها نصف المهر وعليها إتمام العدة الأولى،

ويثبت نسب ولد المطلقة الرجعية إذا جاءت به لسنتين أو أكثر مالم تقر بانقضاء عدتها، فإذا جاءت به لأقل من سنتين بانت منه، وإن جاءت به لأكثر من سنتين ثبت نسبه وكانت رجعةً.

والمبتوتة يثبت نسب ولدها إذا جاءت به لأقل من سنتين، فإن جاءت به لتمام سنتين من يوم الفرقة لم يثبت نسبه إلا أن يدعيه.

ويثبت نسب ولد المتوفى عنها زوجها ما بين الوفاة وبين سنتين.

وإذا اعترفت المعتدة بانقضاء عدتها ثم جاءت بولدٍ لأقل من ستة أشهرٍ ثبت نسبه، وإن جاءت به لستة أشهرٍ لم يثبت نسبه.

وإذا ولدت المعتدة ولداً لم يثبت نسبه عند أبي حنيفة إلا أن يشهد بولادتها رجلان أو رجلٌ وامرأتان، إلا أن يكون هناك حبلٌ ظاهرٌ أو اعترافٌ من قبل الزوج، فيثبت النسب من غير شهادةٍ.

وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يثبت في الجميع بشهادة امرأةٍ واحدةٍ.

وإذا تزوج امرأةً فجاءت بولدٍ لأقل من ستة أشهرٍ منذ يوم تزوجها لم يثبت نسبه، وإن جاءت به لستة أشهرٍ فصاعداً ثبت نسبه إن اعترف به الزوج أو سكت، وإن جحد الولادة ثبت بشهادة امرأةٍ واحدةٍ تشهد بالولادة.

وأكثر مدة الحمل سنتان، وأقله ستة أشهرٍ.

وإذا طلق الذمي الذمية فلا عدة عليها.

وإذا تزوجت الحامل من الزنا جاز النكاح، ولا يطؤها حتى تضع حملها، والله أعلم.

 

 

 كتاب النفقات

- النفقة واجبةٌ للزوجة على زوجها، مسلمةً كانت أو كافرةً، إذا سلمت نفسها في منزله فعليه نفقتها وكسوتها وسكناها.

يعتبر ذلك بحالهما جميعاً، موسراً كان الزوج أو معسراً.

فإن امتنعت من تسليم نفسها حتى يعطيها مهرها فلها النفقة.

وإن نشزت فلا نفقة لها حتى تعود إلى منزله.

وإن كانت صغيرةً لا يستمتع بها فلا نفقة عليها، وإن سلمت نفسها إليه.

وإن كان الزوج صغيراً لا يقدر على الوطء والمرأة كبيرةً فلها النفقة من ماله.

وإذا طلق الرجل امرأته فلها النفقة والسكنى في عدتها، رجعياً كان أو بائناً.

ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها، وكل فرقةٍ جاءت من قبل المرأة بمعصيةٍ فلا نفقة لها.

وإن طلقها ثم ارتدت سقطت نفقتها، وإن أمكنت ابن زوجها من نفسها: إن كان بعد الطلاق فلها النفقة، وإن كان قبل الطلاق فلا نفقة لها، وإن حبست المرأة في دينٍ أو غصبها رجلٌ كرهاً فذهب بها أو حجت مع محرمٍ فلا نفقة لها.

وإن مرضت في منزل الزوج فلها النفقة.

وتفرض على الزوج نفقة خادمها إذا كان موسراً، ولا تفرض لأكثر من خادمٍ واحدٍ.

وعليه أن يسكنها في دارٍ منفردةٍ ليس فيها أحدٌ من أهله، إلا أن تختار ذلك، وإن كان له ولدٌ من غيرها فليس له أن يسكنه معها.

وللزوج أن يمنع والديها وولدها من غيره وأهلها من الدخول عليها، ولا يمنعهم من النظر إليها وكلامها أي وقتٍ اختاروا.

ومن أعسر بنفقة امرأته لم يفرق بينهما، ويقال لها: استديني عليه.

وإذا غاب الرجل وله مالٌ في يد رجلٍ وهو يعترف به وبالزوجية فرض القاضي في ذلك المال نفقة زوجة الغائب وأولاده الصغار ووالديه، ويأخذ منها كفيلاً بها، ولا يقضى بنفقةٍ في مال الغائب إلا لهؤلاء.

وإذا قضى القاضي لها بنفقة الإعسار ثم أيسر فخاصمته تمم لها نفقة الموسر.

وإذا مضت مدةٌ لم ينفق الزوج عليها وطالبته بذلك فلا شيء لها، إلا أن يكون القاضي فرض لها النفقة، أو صالحت الزوج على مقدارها، فيقضي لها بنفقة ما مضى.

وإذا مات الزوج بعد ما قضي عليه بالنفقة ومضت شهورٌ سقطت النفقة. وإن أسلفها نفقةً سنةٍ ثم مات لم يسترجع منها شيءٌ، وقال محمدٌ: يحتسب لها نفقة ما مضى وما بقي للزوج.

وإذا تزوج العبد حرةً فنفقتها دينٌ عليه يباع فيها.

وإذا تزوج الرجل أمةً فبوأها مولاه معه منزلاً فعليه النفقة، وإن لم يبوئها فلا نفقة لها.

ونفقة الأولاد الصغار على الأب، لا يشاركه فيها أحدٌ، كما لا يشاركه في نفقة الزوجة أحدٌ.

فإن كان الصغير رضيعاً فليس على أمه أن ترضعه. ويستأجر له الأب من ترضعه عندها، فإن استأجرها وهي زوجته أو معتدته لترضع ولدها لم يجز، وإن انقضت عدتها فاستأجرها على إرضاعه جاز، فإن قال الأب لا أستأجرها وجاء بغيرها فرضيت الأم بمثل أجر الأجنبية كانت الأم أحق به، وإن التمست زيادةً لم يجبر الزوج عليها.

ونفقة الصغير واجبةٌ على أبيه وإن خالفه في دينه، كما تجب نفقة الزوجة على الزوج وإن خالفته في دينه.

 

 

 باب الحضانة

- وإذا وقعت الفرقة بين الزوجين فالأم أحق بالولد، فإن لم تكن الأم فأم الأم أولى من أم الأب، فإن لم تكن فأم الأب أولى من الأخوات، فإن لم تكن جدةٌ فالأخوات أولى من العمات والخالات وتقدم الأخت من الأم والأب، ثم الأخت من الأم، ثم الأخت من الأب، ثم الخالات أولى من العمات، وينزلن كذلك، ثم العمات ينزلن كذلك، وكل من تزوجت من هؤلاء سقط حقها إلا الجدة إذا كان زوجها الجد، وإن لم تكن للصبي امرأةٌ من أهله واختصم فيه الرجال فأولاهم به أقربهم تعصيباً.

والأم والجدة أحق بالغلام حتى يأكل وحده ويلبس وحده ويستنجي وحده، وبالجارية حتى تحيض، ومن سوى الأم والجدة أحق بالجارية حتى تبلغ حداً تشتهى.

والأمة إذا أعتقها مولاها وأم الولد إذا أعتقت في الولد كالحرة، وليس للأمة وأم الولد قبل العتق حقٌ في الولد، والذمية أحق بولدها المسلم مالم يعقل الأديان ويخاف أن يألف الكفر.

وإذا أرادت المطلقة أن تخرج بولدها من المصر فليس لها ذلك إلا أن تخرجه إلى وطنها وقد كان الزوج قد تزوجها فيه.

وعلى الرجل أن ينفق على أبويه وأجداده وجداته إذا كانوا فقراء وإن خالفوه في دينه،

ولا تجب النفقة مع اختلاف الدين إلا للزوجة والأبوين والأجداد والجدات والولد وولد الولد، ولا يشارك الولد في نفقة أبويه أحدٌ.

والنفقة لكل ذي رحمٍ محرمٍ إذا كان صغيراً فقيراً، أو كانت امرأةً بالغةً فقيرةً، أو كان ذكراً زمناً أو أعمى فقيراً، ويجب ذلك على مقدار الميراث.

وتجب نفقة الابنة البالغة والابن الزمن على أبويه أثلاثاً: على الأب الثلثان، وعلى الأم الثلث.

ولا تجب نفقتهم مع اختلاف الدين، ولا تجب على الفقير.

وإذا كان للابن الغائب مالٌ قضي عيه بنفقة أبويه، وإن باع أبوه متاعه في نفقته جاز عند أبي حنيفة، وإن باع العقار لم يجز.

وإن كان للابن الغائب مالٌ في يد أبويه فأنفقا منه لم يضمنا.

وإن كان له مالٌ في يد أجنبي فأنفق عليهما بغير إذن القاضي ضمن.

وإذا قضى القاضي للولد والوالدين وذوي الأرحام بالنفقة فمضت مدةٌ سقطت، إلا أن يأذن القاضي في الاستدانة عليه.

وعلى المولى أن ينفق على عبده وأمته، فإن امتنع وكان لهما كسبٌ اكتسبا وأنفقات على أنفسهما، وإن لم يكن لهما كسبٌ أجبر المولى على بيعهما.

 

 

 كتاب العتق

- العتق يقع من الحر البالغ العاقل في ملكه، فإذا قال لعبده أو أمته (أنت حرٌ، أو معتقٌ، أو عتيقٌ، أو محررٌ، أو قد حررتك، أو أعتقتك) فقد عتق، نوى المولى العتق أو لم ينو،

وكذلك إذا قال "رأسك حرٌ، أو وجهك، أو رقبتك، أو بدنك" أو قال لأمته "فرجك حرٌ" ولو قال "لا ملك لي عليك" ونوى به الحرية عتق، وإن لم ينو لم يعتق، وكذلك كنايات العتق، وإن قال "لا سلطان لي عليك" ونوى به العتق لم يعتق، وإن قال: "هذا ابني" وثبت على ذلك.

أو قال "هذا مولاي"، أو "يا مولاي" عتق، وإن قال "يا ابني" أو "يا أخي" لم يعتق، وإن قال لغلام لا يولد مثله لمثله "هذا ابني" عتق عليه عند أبي حنيفة، وإذا قال لأمته "أنت طالقٌ" ينوي به الحرية لم تعتق، وإن قال لعبده "أنت مثل الحر" لم يعتق، وإن قال "ما أنت إلا حرٌ" عتق.

وإذا ملك الرجل ذا رحمٍ محرمٍ منه عتق عليه.

وإذا أعتق المولى بعض عبده عتق ذلك البعض، وسعى في بقية قيمته لمولاه، عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يعتق كله.

وإذا كان العبد بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه عتق، فإن كان المعتق موسراً فشريكه بالخيار: إن شاء أعتق، وإن شاء ضمن شريكه قيمة نصيبه، وإن شاء استسعى العبد،

وإن كان معسراً فالشريك بالخيار: إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى العبد، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: ليس له إلا الضمان مع اليسار، والسعاية مع الإعسار، وإذا اشترى رجلان ابن أحدهما عتق نصيب الأب، ولا ضمان عليه، وكذلك إذا ورثاه فالشريك بالخيار: إن شاء أعتق نصيبه، وإن شاء استسعى، وإذا شهد، كل واحدٍ من الشريكين على الآخر بالحرية عتق كله، وسعى العبد لكل واحدٍ منهما في نصيبه، موسرين كانا أو معسرين عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إن كانا موسرين فلا سعاية عليه، وإن كانا معسرين سعى لهما، وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً سعى للموسر ولم يسع للمعسر، ومن أعتق عبده لوجه اللهتعالى أو للشيطان أو للصنم عتق.

وعتق المكره والسكران واقعٌ، وإذا أضاف العتق إلى ملكٍ أو شرطٍ كما يصح في الطلاق، وإذا خرج عبدٌ من دار الحرب إلينا مسلماً عتق، وإذا أعتق جاريةً حاملاً عتق حملها، وإن أعتق الحمل خاصةً عتق ولم تعتق الأم.

وإذا أعتق عبد على مالٍ فقبل العبد عتق ولزمه المال، ولو قال "إن أديت إلي ألفاً فأنت حرٌ" صح وصار مأذوناً، فإن أحضر المال أجبر الحاكم المولى على قبضه وعتق العبد.

وولد الأمة من مولاها حرٌ، وولدها من زوجها مملوكٌ لسيدها. وولد الحرة من العبد حرٌ.

 

 باب التدبير

- إذا قال المولى لمملوكه "إذا مت فأنت حرٌ، أو أنت حرٌ عن دبرٍ مني، أو أنت مدبرٌ، أو قد دبرتك" فقد صار مدبراً: لا يجوز بيعه، ولا هبته، وللمولى أن يستخدمه ويؤاجره، وإن كانت أمةً وطئها، وله أن يزوجها، فإذا مات المولى عتق المدبر من ثلث ماله إن خرج من الثلث، وإن لم يكن له مالٌ غيره سعى في ثلثي قيمته، وإن كان على المولى دينٌ سعى في جميع قيمته لغرمائه، وولد المدبرة مدبرٌ، فإن علق التدبير بموته على صفةٍ - مثل أن يقول: إن مت من مرضي هذا، أو سفري هذا، أو من مرض كذاً - فليس بمدبرٍ، ويجوز بيعه، فإن مات المولى على الصفة التي ذكرها عتق كما يعتق المدبر.

 

 باب الاستيلاد

- إذا ولدت الأمة من مولاها فقد صارت أم ولدٍ له، لا يجوز بيعها، ولا تمليكها، وله وطؤها واستخدامها وإجارتها وتزويجها، ولا يثبت نسب ولدها إلا أن يعترف به المولى، فإن جاءت بعد ذلك بولدٍ ثبت نسبه بغيؤر إقرار، وإن نفاه انتفى بقوله، وإن زوجها فجاءت بولدٍ فهو في حكم أمه، وإذا مات المولي عتقت من جميع المال، ولا تلزمها السعاية للغرماء إن كان على المولى دينٌ، وإذا وطئ الرجل أمة غيره بنكاحٍ فولدت منه ثم ملكها صارت أم ولدٍ له، وإذا وطئ الأب جارية ابنه فجاءت بولدٍ فادعاه ثبت نسبه وصارت أم ولدٍ له.

وعليه قيمتها، وليس عليه عقرها ولا قيمة ولدها، وإن وطئ أب الأب مع بقاء الأب لم يثبت النسب، فإن كان الأب ميتاً يثبت النسب من الجد كما يثبت من الأب، وإذا كانت الجارية بين شريكين فجاءت بولدٍ فادعاه أحدهما ثبت نسبه منه، وصارت أم ولدٍ، وعليه نصف عقرها ونصف قيمتها، وليس عليه شيءٌ من قيمة ولدها، وإذا ادعياه معاً ثبت نسبه منهما، وكانت الأم أم ولدٍ لهما، وعلى كل واحدٍ منهما نصف العقر قصاصاً بماله على الآخر، ويرث الابن من كل واحدٍ منهما ميراث ابن كاملٍ، وهما يرثان منه ميراث أبٍ واحدٍ،

وإذا وطئ المولى جارية مكاتبه فجاءت بولدٍ فادعاه: فإن صدقه المكاتب ثبت نسب الولد منه، وكان عليه عقرها وقيمة ولدها، ولا تصير أم ولدٍ له، وإن كذبه في النسب لم يثبت.

 

 

 كتاب المكاتب

- وإذا كاتب المولى عبده أو أمته على مالٍ شرطع عليه وقبل العبد ذلك صار مكاتباً، ويجوز أن يشترط المال حالاً ومؤجلاً ومنجماً وتجوز كتابة العبد الصغير إذا كان يعقل البيع و الشراء.

وإذا صحت الكتابة خرج المكاتب من يد المولى.

ولم يخرج من ملكه، فيجوز له البيع والشراء والسفر، ولا يجوز له التزوج إلا بإذن المولى، ولا يهب ولا يتصدق إلا بالشيء اليسير، ولا يتكفل، فإن له ولدٌ من أمةٍ له دخل في كتابته، وكا حكمه كحكمه، وكسبه له، وإن زوج المولى عبده من أمته ثم كاتبها فولدت منه ولداً دخل في كتابتها وكان كسبه لها، وإن وطئ المولى مكاتبته لزمه العقر، وإن جنى عليها أو على ولدها لزمته الجناية، وإن أتلف مالاً لها غرمه وإذا اشترى المكاتب أباه أو ابنه دخل في كتابته، وإن اشترى أم ولده دخل ولدها في الكتابة ولم يجز بيعها، وإن اشترى ذا رحمٍ محرمٍ منه لا ولاد له لم يدخل في كتابته عند أبي حنيفة،

وإذا عجز المكاتب عن نجمٍ نظر الحاكم في حاله، فإن كان له دينٌ يقتضيه، أو مالٌ يقدم إليه، لم يعجل بتعجيزه، وانتظر عليه اليومين والثلاثة، وإن لم يكن له وجهٌ وطلب المولى تعجيزه عجزه وفسخ الكتابة، وقال أبو يوسف: لا يعجزه حتى يتوالى عليه نجمان؛ وإذا عجز المكاتب عاد إلى أحكام الرق، وكان ما في يده من الأكساب لمولاه، وإن مات المكاتب وله مالٌ لم تنفسخ الكتابة وقضيت كتابته من أكيابه وحكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته، وإن لم يترك وفاءً وترك ولداً مولوداً في الكتابة سعى في كتابة أبيه على نجومه، وإذا أدى حكمنا بعتق أبيه قبل موته وعتق الولد، وإن ترك ولداً مشترى في الكتابة قيل له: إما أن تؤدي الكتابة حالاً، وإلا رددت في الرق.

وإذا كاتب المسلم عبده على خمرٍ أو خنزيرٍ أو على قيمة نفسه فالكتابة فاسدةٌ، فإن أدى الخمر عتق ولزمه أن يسعى في قيمته ولا ينقص من المسمى ويزاد عليه، وإن كاتبه على حيوانٍ غير موصوفٍ فالكتابة جائزةٌ، وإذا كاتب عبديه كتابةً واحدةً بألف درهمٍ: إن أديا عتقا، وإن عجزا ردا إلى الرق، وإن كاتبهما على أن كل واحدٍ منهما ضامنٌ عن الآخر جازت الكتابة، وأيهما أدى عتقا ويرجع على شريكه بنصف ما أدي؛

وإذا أعتق المولى مكاتبه عتق بعتقه، وسقط عنه مال الكتابة، وإذا مات مولى المكاتب لم تنفسخ الكتابة، وقيل له: أد المال إلي ورثة المولى على نجومه، فإن أعتقه أحد الورثة لم ينفذ عتقه، وإن أعتقوه جميعاً عتق، وسقط عنه مال الكتابة،

وإذا كاتب المولى أم ولده جاز، وإن مات المولى سقط عنها مال الكتابة، وإن ولدت مكاتبته منه بالخيار: إن شاءت مضت على الكتابة، وإن شاءت عجزت نفسها وصارت أم ولدٍ له، وإذا كاتب مدبرته جاز، فإن مات المولى ولا مال له كانت بالخيار بين أن تسعى في ثلثي قيمتها أو جميع مال الكتابة، وإن دبر مكاتبته صح التدبير ولها الخيار: إن شاءت مضت على الكتابة، وإن شاءت عجزت نفسها وصارت مدبرةً، وإن مضت على كتابتها فمات المولى ولا مال له فهي بالخيار: إن شاءت سعت في ثلثي مال الكتابة أو ثلثي قيمتها عند أبي حنيفة، وإذا أعتق المكاتب عبده على مالٍ لم يجز، وإن وهب على عوضٍ لم يصح، وإن كاتب عبده جاز، فإن أدى الثاني قبل أن يعتق الأول فولاوه للمولى، وإن أدى بعد عتق المكاتب الأول فولاوه له.

 

 

 كتاب الولاء

- إذا أعتق الرجل مملوكه فولاه له، وكذلك المرأة تعتق، فإن شرط أنه سائبةٌ فالشرط باطلٌ والولاء لمن أعتق. وإذا أدى المكاتب عتق وولاؤه للمولى. وكذلك إن عتق بعد موت المولى فولاؤه لورثة المولى، فإن مات المولى عتق مدبره وأمهات أولاده وولاؤهم له، ومن ملك ذا رحمٍ محرمٍ منه عتق عليه وولاؤه له، وإذا تزوج عبد رجل أمةً لآخر فأعتق مولى الأمة الأمة وهي حاملٌ من العبد عتقت وعتق حملها، وولاء الحمل لمولى الأم لا ينتقل عنه أبداً، فإن ولدت بعد عتفها لأكثر من ستة أشهرٍ ولداً فولاؤه لمولي الأم فإن أعتق العبد جر ولاء ابنه، وانتقل عن مولى الأم إلى مولى الأب.

ومن تزوج من العجم. بمعتقةٍ من العرب فولدت له أولاداً فولاء أولاده لمواليها عند أبي حنيفة. وولاء العتاقة تعصيبٌ، فإن كان للمعتق عصبةٌ من النسب فهو أولى منه، وإن لم يكن له عصبةً من النسب فميراثه للمعتق، فإن مات المولى ثم مات المعتق فميراثه لبني المولى دون بناته.

وليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن، أو كاتبن، أو كاتب من كاتبن، وإذا ترك المولى ابناً وأولاد ابنٍ آخر فميراث المعتق للابن دون بني الابن، والولاء للكبر.

وإذا أسلم رجلٌ على يد رجلٍ ووالاه على أن يرثه ويعقل عنه؛ أو أسلم على يد غيره ووالاه، فالولاء صحيحٌ، وعقله على مولاه،

فإن مات ولا وارث له فميراثه للمولى، وإن كان له وارث فهو أولى منه، وللمولى أن ينتقل عنه بولائه إلى غيره مالم يعقل عنه، فإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحول بولائه إلى غيره، وليس لمولى العتاقة أن يوالي أحداً.

 

 

 كتاب الجنايات

- القتل على خمسة أوجهٍ: عمدٍ، وشبه عمد، وخطأٍ، وما أجري مجرى الخطأ، والقتل بسببٍ.

فالعمد: ما تعمد ضربه بسلاح، أو ما أجري مجرى السلاح في تفريق الأجزاء، كالمحدد من الخشب والحجر والنار، وموجب ذلك المأثم والقود، إلا أن يعفو الأولياء، ولا كفارة فيه.

وشبه العمد عند أبي حنيفة: أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاحٍ، ولا ما أجري مجرى السلاح، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا ضربه بحجرٍ عظيمٍ، أو خشبةٍ عظيمةٍ، فهو عمدٌ،

وشبه العمد: أن يتعمد ضربه بمالا لا يقتل غالباً، وموجب ذلك على القولين المأثم والكفارة، ولا قود، وفيه ديةٌ مغلظةٌ على العاقلة.

والخطأ على وجهين: خطأ في القصد، وهو: أن يرمي شخصاً يظنه صيداً فإذا هو آدميٌ، وخطأ في القتل، وهو: أن يرمي غرضاً فيصيب آدمياً، وموجب ذلك: الكفارة، والدية على العاقلة، ولا مأثم فيه،

وما أجري مجرى الخطأ مثل النائم ينقلب على رجلٍ فيقتله، فحكمه حكم الخطأ،

وأما القتل بسببٍ: كحافر البئر، وواضع الحجر في غير ملكه، وموجبه إذا تلف فيه آدميٌ: الدية على العاقلة، ولا كفارة فيه.

والقصاص واجبٌ بقتل كل محقون الدم على التأبيد إذا قتل عمداً، ويقتل الحر بالحر، والحر بالعبد، والمسلم بالمستأمن؛ ويقتل الرجل بالمرأة، والكبير بالصغير، والصحيح بالأعمى والزمن، ولا يقتل الرجل بابنه، ولا بعبده، ولا مدبره، ولا مكاتبه، ولا بعبد ولده، ومن ورث قصاصاً على أبيه سقط، ولا يستوفى القصاص إلا بالسيف،

وإذا قتل المكاتب عمداً وليس له وارثٌ إلا المولي وترك وفاءً فله القصاص؛ فإن ترك وفاءً ووارثه غير المولي فلا قصاص لهم، وإن اجتمعوا مع المولي،

وإذا قتل عبد الرهن لم يجب القصاص حتى يجتمع الراهن والمرتهن.

ومن جرح رجلاً عمداً فلم يزل صاحب فراشٍ حتى مات فعليه القصاص، ومن قطع يد غيره عمداً من المفصل قطعت يده، وكذلك الرجل، ومارن الأنف، والأذن، ومن ضرب عين رجلٍ فقلعها فلا قصاص عليه، وإن كانت قائمةً فذهب ضوءها فعليه القصاص: تحمى له المرآة، ويجعل على وجهه قطنٌ. رطبٌ، وتقابل عينه بالمرآة حتى يذهب ضوءها، وفي السن القصاص، وفي كل شجةٍ يمكن فيها المماثلة القصاص، ولا قصاص في عظمٍ إلا في السن، وليس فيما دون النفس شبه عمدٍ، إنما هو عمدٌ أو خطأٌ، ولا قصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس، ولا بين الحر والعبد، ولا بين العبدين.

ويجب القصاص في الأطراف بين المسلم والكافر، ومن قطع يد رجلٍ من نصف الساعد، أو جرحه جائفةً فبرأ منها فلا قصاص عليه، وإذا كانت يد المقطوع صحيحةً ويد القاطع شلاء أو ناقصة الأصابع فالمقطوع بالخيار: إن شاء قطع اليد المعيبة، ولا شيء له غيرها، وإن شاء أخذ الأرش كاملاً، ومن شج رجلا فاستوعبت الشجة ما بين قرنيه، وهي لا تستوعب ما بين قرني الشاج، فالمشجوج بالخيار: إن شاء اقتص بمقدار شجته، يبتدئ من أي الجانبين شاء، وإن شاء أخذ الأرش، ولا قصاص في اللسان، ولا في الذكر، إلا أن تقطع الحشفة، وإذا اصطلح القاتل وأولياء المقتول على مالٍ سقط القصاص، ووجب المال، قليلاً كان أو كثيراً،

فإن عفا أحد الشركاء أو صالح من نصيبه على عوضٍ، سقط حق الباقين من القصاص، وكان لهم نصيبهم من الدية، وإذا قتل جماعةٌ واحداً عمداً اقتص من جميعهم، وإذا قتل واحدٌ جماعةً فحضر أولياء المقتولين قتل بجماعتهم، ولا شيء لهم غير ذلك، فإن حضر واحدٌ قتل له وسقط حق الباقين، ومن وجب عليه القصاص فمات سقط القصاص،

وإذا قطع رجلان يد رجلٍ فلا قصاص على واحدٍ منهما، وعليها نصف الدية، وإن قطع واحدٌ يميني رجلين فحضرا، فلها أن يقطعا يده، ويأخذا منه نصف الدية، ويقتسمانه نصفين، وإن حضر واحدٌ منهما فقطع يده فللآخر عليه نصف الدية، وإذا أقر العبد بقتل العمد لزمه القود، ومن رمي رجلاً عمداً فنفذ السهم منه إلى آخر فماتا، فعليه القصاص للأول، والدية للثاني على عاقلته.

 

 

 كتاب الديات.

- إذا قتل رجل رجلاً شبه عمدٍ فعلى عاقلته ديةٌ مغلظةٌ، وعليه كفارةٌ، ودية شبه العمد عند أبي حنيفة وأبي يوسف مائةٌ من الإبل أرباعاً: خمسٌ وعشرون بنت مخاضٍ، وخمسٌ وعشرون بنت لبونٍ، وخمسٌ وعشرون حقةٌ، وخمسٌ وعشرون جذعةً، ولا يثبت التغليظ إلا في الإبل خاصة، فإن قضي بالدية من غير الإبل لم تتغلظ،

وقتل الخطأ تجب به الدية على العاقلة، والكفارة على القاتل، والدية في الخطأ مائةٌ من الإبل أخماساً: عشرون بنت مخاضٍ، وعشرون ابن مخاضٍ، وعشرون بنت لبونٍ، وعشرون حقةً، وعشرون جذعةً، ومن العين ألف دينارٍ، ومن الورق عشرة آلاف درهمٍ، ولا تثبت الدية إلا من هذه الأنواع الثلاثة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: من البقر مائتا بقرةٍ، ومن الغنم ألفا شاةٍ، ومن الحلل مائتا حلة، كل حلةٍ ثوبانٍ،

ودية المسلم والذمي سواءٌ، وفي النفس الدية، وفي المارن الدية، وفي اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي العقل إذا ضرب رأسه فذهب عقله الدية،

وفي اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية، وفي شعر الرأس الدية، وفي الحاجبين الدية، وفي العينين الدية، وفغي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية، وفي الأذنين الدية، وفي الشفتين الدية،وفي الأنثيين الدية، وفي ثديي المرأة الدية، وفي كل واحدٍ من هذه الأشياء نصف الدية، وفي أشفار العينين الدية، وفي أحدها ربع الدية، وفي كل إصبعٍ من أصبع اليدين والرجلين عشر الدية، والأصابع كلها سواءٌ، وكل إصبعٍ فيها ثلاثة مفاصل، ففي أحدها ثلث دية الإصبع، وما فيها مفصلان ففهي أحدهما نصف دية الإصبع، وفي كل سنٍ خمسٌ من الإبل، والأسنان والأضراس كلها سواءٌ، ومن ضرب عضواً فأذهب منفعته ففيه ديةٌ كاملةٌ، كما لو قطعه، كاليد إذا شلت، والعين إذا ذهب ضوءها.

والشجاج عشرةٌ: الحارصة، والدامعة، والدامية، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، والموضحة، والهاشمة، والمنقلة، والآمة، ففي الموضحة القصاص إن كانت عمداً.

ولا قصاص في بقية الشجاج، وما دون الموضحة ففيه حكومة عدلٍ، وفي الموضحة إن كانت خطأ نصف عشر الدية، وفي الهاشمة عشر الدية، وفي المنقلة عشر ونصف عشر الدية، وفي الآمة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، فإن نفذت فهي جائفتان ففيها ثلثا الدية. وفي أصابع اليد نصف الدية.

وإن قطعها مع الكف ففيها نصف الدية، وإن قطعها مع نصف الساعد، ففي الكف نصف الدية، وفي الزيادة حكومة عدلٍ، وفي الإصبع الزائدة حكومة عدلٍ، وفي عين الصبي وذكره ولسانه إذا لم تعلم صحته حكومة عدلٍ، ومن شج رجلاً موضحةً فذهب عقله أو شعر رأسه دخل أرش الموضحة في الدية، وإن ذهب سمعه أو بصره أو كلامه فعليه أرش الموضحة مع الدية، ومن قطع إصبع رجلٍ فشلت أخرى إلى جنبها ففيهما الأرش ولا قصاص فيه عند أبي حنيفة، ومن قلع سن رجلٍ فنبتت مكانها أخرى سقط الأرش، ومن شج رجلاً فالتحمت لم يبق لها أثرٌ ونبت الشعر سقط الأرش عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: عليه أرش الألم، وقال محمدٌ: عليه أجرة الطبيب، ومن جرح رجلا جراحةً لم يقتص منه حتى يبرأ،

ومن قطع يد رجلٍ خطأ، ثم قتله قبل البرء، فعليه الدية وسقط أرش اليد.

وكل عمدٍ سقط فيه القصاص بشبهةٍ فالدية في مال القاتل، وكل أرش وجب بالصلح فهو في مال القاتل.

وإذا قتل الأب ابنه عمداً فالدية في ماله ثلاث سنين.

وكل جناية اعترف بها الجاني فهي في ماله، ولا يصدق على عاقلته

وعمد الصبي والمجنون خطأ، وفيه الدية على العاقلة.

ومن حفر بئراً في طريق المسلمين، أو وضع حجراً، فتلف بذلك إنسانٌ فديته على عاقلته، وإن تلف فيه بهيمةٌ فضمانها في ماله، وإن أشرع في الطريق روشناً أو ميزاباً فسقط على إنسانٍ فعطب فالدية على عاقلته، ولا كفارة على حافر البئر وواضع الحجر، ومن حفر بئراً في ملكه فعطب به إنسانٌ لم يضمن، والراكب ضامنٌ لما وطئت الدابة، وما أصابت بيدها أو كدمت، ولا يضمن ما نفخت برجلها أو ذنبها، فإن راثت أو بالت في الطريق فعطب به إنسانٌ لم يضمن، والسائق ضامن لما أصابت بيدها أو برجلها، والقائد ضامنٌ لما أصابت بيدها دون رجلها، ومن قاد قطاراً فهو ضامن لما وطئ، فإن كان معه سائقٌ فالضمان عليهما؛

وإذا جنى العبد جنايةً خطأً قيل لمولاه: إما أن تدفعه بها أو تفديه، فإن دفعه ملكه ولي الجناية، وإن فداه فداه بأرشها، فإن عاد فجنى كان حكم الجناية الثانية حكم الأولى، فإن جنى جنايتين قيل للمولى: إما أن تدفعه إلي ولي الجنايتين يقتسمان على قدر حقيهما، وإما أن تفديه بأرش كل واحدةٍ منهما،

وإن أعتقه المولى، وهو لا يعلم بالجناية، ضمن الأقل من قيمتها ومن أرشها، وإن باعه المولى أو أعتقه بعد العلم بالجناية وجب عليه الأرش، وإذا جنى المدبر أو أم الولد جنايةً خطأ ضمن المولى الأقل من قيمته ومن أرشها، فإن جنى أخرى وقد دفع المولى القيمة إلى ولي الأولى بقضاء فلا شيء عليه ويتبع ولي الجناية الثانية ولي الجناية الأولى فيشاركه فيما أخذ، وإن كان المولى دفع القيمة بغير قضاء فالولي بالخيار: إن شاء اتبع المولى، وإن شاء اتبع ولي الجناية الأولى.

وإذا مال الحائط إلى طريق المسلمين فطولب صاحبه بنقضه وأشهد عليه فلم ينقض في مدةٍ يقدر على نقضه حتى سقط ضمن ما تلف به من نفسٍ أو مال.

ويستوي أن يطالبه بنقضه مسلمٌ أو ذميٌ، وإن مال إلى دار رجلٍ؛ فالمطالبة إلى مالك الدار خاصةً، وإذا اصطدم فارسان فماتا، فعلى عاقلة كل واحدٍ منهما دية الآخر، وإذا قتل رجلٌ عبداً خطأ فعليه قيمته لا يزاد على عشرة آلاف درهمٍ، فإن كانت قيمته عشرة آلافٍ أو أكثر، قضى عليه بعشرة آلافٍ إلا عشرةً، وفي الأمة إذا زادت قيمتها على الدية خمسة آلافٍ إلى عشرةٍ، وفي يد العبد نصف القيمة، لا يزاد على خمسة آلافٍ إلا خمسة.

وكل ما يقدر من دية الحر فهو مقدرٌ من قيمة العبد.

و إذا ضرب بطن امرأةٍ فألقت جنيناً ميتاً فعليه غرةٌ، وهي نصف عشر الدية، فإن ألقته حياً ثم مات فعليه ديةٌ كاملةٌ، وإن ألقته ميتاً ثم ماتت الأم فعليه ديةٌ وغرةٌ، وإن ماتت الأم ثم ألقته ميتاً فعليه ديةٌ في الأم، ولا شئ في الجنين، وما يجب في الجنين موروثٌ عنه، وفي جنين الأمة إذا كان ذكراً نصف عشر قيمته لو كان حياً، وعشر قيمته إن كان أنثى، ولا كفارة في الجنين.

والكفارة في شبه العمد والخطأ: عتق رقبةٍ مؤمنةٍ، فإن لم يوجد فصيام شهرين متتابعين، ولا يجزئ فيها الإطعام.

 

 

 باب القسامة

- وإذا وجد القتيل في محلةٍ ولا يعلم من قتله استحلف خمسون رجلاً منهم يتخيرهم الولي: بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً؛ فإذا حلفوا قضي على أهل المحلة بالدية، ولا يستحلف الولي، ولا يقضى له بالجناية.

وإن لم يكمل أهل المحلة كررت الأيمان عليم حتى يتم خمسون، ولا يدخل في القسامة صبيٌ ولا مجنونٌ ولا امرأةٌ ولا عبدٌ، وإن وجد ميتٌ لا أثر به فلا قسامة ولا دية، وكذلك إن كان الدم يسيل من أنفه أو من دبره أو من فمه، فإن كان يخرج من عينيه أو من أذنه فهو قتيلٌ.ك

وإذا وجد القتيل على دابةٍ يسوقها رجلٌ فالدية على عاقلته دون أهل المحلة، وإن وجد القتيل في دار إنسانٍ فالقسامة عليه والدية على عاقلته، ولا يدخل السكان في القسامة مع الملاك عند أبي حنيفة، وهي على أهل الخطة دون المشترين، ولو بقي منهم واحدٌ،

وإن وجد القتيل في سفينةٍ فالقسامة على من فيها من الركاب والملاحين، وإن وجد القتيل في مسجد محلةٍ فالقسامة على أهلها، وإن وجد في الجامع أو الشارع الأعظم فلا قسامة فيه، والدية على بيت المال، وإن وجد في بريةٍ ليس بقربها عمارةٌ فهو هدرٌ وإن وجد بين قريتين كان على أقربهما،

وإن وجد في وسط الفرات يمر به الماء فهو هدر، فإن كان محتبساً بالشاطئ فهو على أقرب القرى من ذلك المكان، وإن ادعى الولي على واحدٍ من أهل المحلة بعينه لم تسقط القسامة عنهم، وإن ادعي على واحدٍ من غيرهم سقطت عنهم القسامة، وإذا قال المستحلف "قتله فلانٌ" استحلف بالله ما قتلت ولا عرفت له قاتلاً غير فلان.

وإذا شهد اثنان من أهل المحلة على رجلٍ من غيرهم أنه قتله لم تقبل شهادتهما.

 

 باب المعاقل

- الدية في شبه العمد والخطأ، وكل ديةٍ وجبت بنفس القتل على العاقلة، والعاقلة: أهل الديوان إن كان القاتل من أهل الديوان، يؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين.

فإن خرجت العطايا في أكثر من ثلاث سنين أو أقل أخذت منها، ومن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته قبيلته، تقسط عليهم في ثلاث سنين، لا يزاد الواحد على أربعة دراهم في كل سنةٍ وينقص منها، فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل من غيرهم؛ ويدخل القاتل مع العاقلة، فيكون فيما يؤدي مثل أحدهم، وعاقلة المعتق قبيلة مولاه، ومولى الموالاة يعقل عنه مولاه وقبيلته،

ولا تتحمل العاقلة أقل من نصف عشر الدية، وتتحمل نصف العشر فصاعداً، وما نقص من ذلك فهو في مال الجاني، ولا تعقل العاقلة جناية العبد، ولا تعقل الجناية التي اعترف بها الجاني إلا أن يصدقوه، ولا تعقل ما لزم بالصلح.

وإذا جنى الحر على العبد جنايةً خطأً كانت على عاقلته.

 

 

كتاب الحدود.

الزنا يثبت بالبينة والإقرار.

فالبينة: أن تشهد أربعةٌ من الشهود على رجلٍ أو امرأةٍ بالزنا، فيسألهم الإمام عن الزنا ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنى؟ وبمن زنى؟ ومتى زنى؟ فإذا بينوا ذلك وقالوا: رأيناه وطئها في فرجها كالميل في المكحلة، وسأل القاضي عنهم، فعدلوا في السر والعلانية، حكم بشهادتهم.

والإقرار: أن يقر البالغ العاقل على نفسه بالزنا، أربع مراتٍ، في أربعة مجالس من مجالس المقر، كلما أقر رده القاضي، فإذا أتم إقراره أربع مراتٍ سأله الإمام عن الزنا: ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنى؟ وبمن زنى؟ فإذا بين ذلك لزمه الحد.

فإن كان الزاني محصناً رجمه بالحجارة حتى يموت، يخرجه إلى أرض فضاء، يبتدئ الشهود برجمه، ثم الإمام، ثم الناس، فإن امتنع الشهود من الابتداء سقط الحد.

وإن كان مقراً ابتداء الإمام ثم الناس، ويغسل ويكفن ويصلى عليه وإن لم يكن محصناً وكان حراً فحده مائة جلدةٍ، يأمر الإمام بضربه بسوطٍ لا ثمرةً له ضرباً متوسطاً تنزع عنه ثيابه ويفرق الضرب على أعضائه إلا رأسه ووجهه وفرجه.

وإن كان عبداً جلده خمسين كذلك.

فإن رجع المقر عن إقراره قبل إقامة الحد عليه، أو في وسطه، قبل رجوعه وخلى سبيله.

ويستحب للإمام أن يلقن المقر الرجوع، ويقول له: لعلك لمست أو قبلت.

والرجل والمرأة في ذلك سواءٌ، غير أن المرأة لا تنزع عنها ثيابها إلا الفرو والحشو.

وإن حفر لها في الرجم جاز.

ولا يقيم المولى الحد على عبده إلا بإذن الإمام.

وإذا رجع أحد الشهود بعد الحكم وقبل الرجم ضربوا الحد وسقط الرجم، فإن رجع بعد الرجم حد الراجع وحده وضمن ربع الدية، وإن نقص عدد الشهود عن أربعة حدوا.

وشرط إحصان الرجم: أن يكون حراً، بالغاً، عاقلاً، مسلماً، قد تزوج امرأة نكاحاً صحيحاً، ودخل بها وهما على صفة الإحصان.

ولا يجمع في المحصن بين الجلد والرجم، ولا يجمع في البكر بين الجلد والنفي، إلا أن يرى الإمام ذلك مصلحةً فيغربه على قدر ما يراه.

وإذا زنى المريض وحده الرجم رجم، وإن كان حده الجلد لم يجلد حتى يبرأ، وإذا زنت الحامل لم تحد حتى تضع حملها، فإن كان حدها الجلد فحتى تتعالى من نفاسها، وإذا كان حدها الرجم رجمت.

وإذا شهد الشهود بحدٍ متقادمٍ لم يقطعهم عن إقامته بعدهم عن الإمام لم تقبل شهادتهم، إلا في حد القذف خاصةً.

ومن وطئ أجنبيةً فيما دون الفرج عرر.

ولا حد على من وطئ جارية ولده وولد ولده، وإن قال "علمت أنها علي حرامٌ"، وإذا وطئ جارية أبيه أو أمه أو زوجته، أو وطئ العبد جارية مولاه، وقال "علمت أنها علي حرامٌ" حد، وإن قال "ظننت أنها تحل لي" لم يحد.

ومن وطئ جارية أخيه، أو عمه، وقال "ظننت أنها حلالٌ" حد،

ومن زفت إليه غير امرأته وقالت النساء "إنها زوجتك" فوطئها، فلا حد عليه، وعليه المهر.

ومن وجد امرأةً على فراشه فوطئها فعليه الحد، ومن تزوج امرأةً لا يحل له نكاحها فوطئها لم يجب عليه الحد، ومن أتى امرأةً في الموضع المكروه أو عمل عمل قوم لوطٍ فلا حد عليه عند أبي حنيفة ويعزر، وقال أبو يوسف ومحمد: هو كالزنا، ومن وطئ بهيمةً فلا حد عليه، ومن زنى في دار الحرب أو دار البغي ثم خرج إلينا لم نقم عليه الحد.

 

 

 

 باب حد الشرب

ومن شرب الخمر فأخذ وريحها موجودٌ فشهد الشهود بذلك عليه أو أقر فعليه الحد، وإن أقر بعد ذهاب رائحتها لم يحد، ومن سكر من النبيذ حد، ولا حد على من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها، ولا يحد السكران حتى يعلم أنه سكر من النبيذ وشربه طوعاً ولا يحد حتى يزول عنه السكر.

وحد الخمر والسكر، في الحر ثمانون سوطاً، يفرق على بدنه كما ذكرنا في الزنا، وإن كان عبداً فحده أربعون سوطاً.

ومن أقر بشرب الخمر أو السكر ثم رجع لم يحد.

ويثبت الشرب بشهادة شاهدين، وبإقراره مرةً واحدةً، ولا تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال.

 

 

 باب حد القذف

- إذا قذف رجلٌ رجلا محصناً أو امرأةً محصنةً بصريح الزنا، وطالب المقذوف بالحد حده الحاكم ثمانين سوطاً إن كان حراً يفرق على أعضائه، ولا يجرد عن ثيابه، غير أنه ينزع عنه الفرو والحشو، وإن كان عبداً جلده أربعين.

والإحصان: أن يكون المقذوف حراً، عاقلاً، بالغاً، مسلماً، عفيفاً عن فعل الزنا.

ومن نفى نسب غيره فقال (لست لأبيك)، أو (يا ابن الزانية) وأمه ميتةٌ محصنةٌ وطالب الابن بالحد حد القاذف، ولا يطالب بحد القذف للميت إلا من يقع القدح في نسبه بقذفه، وإن كان المقذوف محصناً جاز لابنه الكافر والعبد أن يطالب بالحد.

وليس للعبد أن يطالب مولاه بقذف أمه الحرة.

وإن أقر بالقذف ثم رجع لم يقبل رجوعه.

ومن قال لعربيٍ "يا نبطي" لم يحد، ومن قال لرجلٍ "يا ابن ماء السماء" فليس بقاذفٍ، وإذا نسبه إلى عمه أو خاله أو زوج أمه فليس بقاذف.

ومن وطئ وطئاً حراماً في غير ملكه لم يحد قاذفه، والملاعنة بولدٍ لا يحد قاذفها.

ومن قذف عبداً أو أمةً أو كافراً بالزنا، أو قذف مسلماً بغير الزنا، فقال: يا فاسق، أو يا كافر، أو يا خبيث، عزر، وإن قال يا حمار أو يا خنزير لم يعزر.

والتعزير: أكثره تسعةٌ وثلاثون سوطاً، وأقله ثلاث جلدات،

وقال أبو يوسف: يبلغ بالتعزير خمسةً وسبعين سوطاً، فإن رأى الإمام أن يضم إلى الضرب في التعزير الحبس فعل.

وأشد الضرب التعزير، ثم حد الزنا، ثم حد الشرب، ثم حد القذف.

ومن حده الإمام أو عزره فمات فدمه هدرٌ، وإذا حد المسلم في القذف سقطت شهادته، وإن تاب، وإن حد الكافر في القذف ثم أسلم قبلت شهادته، والله أعلم.

 

 

 كتاب السرقة

- إذا سرق العاقل البالغ عشرة دراهم، أو ما قيمته عشرة دراهم، مضروبةً أو غير مضروبةٍ، من حرزٍ لا شبهة فيه، وجب عليه القطع، والعبد والحر في القطع سواءٌ.

ويجب القطع بإقراره مرةً واحدةً، أو بشهادة شاهدين.

وإذا اشترك جماعةٌ في سرقةٍ فأصاب كل واحدٍ منهم عشرة دراهم قطع، وإن أصابه أقل من ذلك لم يقطع،

ولا يقطع فيما يوجد تافهاً مباحاً في دار الإسلام، كالخشب، والقصب؛ والحشيش، والسمك، والصيد، وكذلك فيما يسرع إليه الفساد، كالفواكه الرطبة، واللبن، واللحم، والبطيخ، والفاكهة على الشجر، والزرع الذي لم يحصد، ولا قطع في الأشربة المطربة، ولا في الطنبور، ولا في سرقة المصحف وإن كان عليه حلية ولا في الصليب الذهب، ولا في الشطرنج ولا النرد، ولا قطع على سارق الصبي الحر وإن كان عليه حليٌ، ولا قطع في سرقة العبد الكبير، ويقطع في سرقة العبد الصغير، ولا قطع في الدفاتر كلها إلا في دفاتر الحساب، ولا قطع في سرقة كلبٍ، ولا فهدٍ، ولا دفٍ، ولا طبلٍ، ولا مزمارٍ، ويقطع في الساج والقنا والآبنوس والصندل، وإذا اتخذ من الخشب أوانٍ أو أبوابٌ قطع فيها،

ولا قطع على خائنٍ ولا خائنةٍ، ولا نباشٍ، ولا منتهبٍ، ولا مختلسٍ.

ولا يقطع السارق في بيت المال، ولا من مالٍ للسارق فيه شركةٌ، ومن سرق من أبويه أو ولده أو ذي رحمٍ محرمٍ منه لم يقطع، وكذلك إ سرق أحد الزوجين من الآخر، أو العبد من سيده، أو من امرأة سيده، أو زوج سيدته، والمولى من مكاتبه، والسارق من المغنم.

والحرز على ضربين حرز لمعنىً فيه، كالبيوت والدور، وحرزٍ بالحافظ فمن سرق شيئاً من حرزٍ أو غير حرزٍ وصاحبه عنده يحفظه وجب عليه القطع، ولا قطع على من سرق من حمامٍ أو من بيتٍ أذن للناس في دخوله ومن سرق من المسجد متاعاً وصاحبه عنده قطع، ولا قطع على الضيف إذا سرق ممن أضافه، وإذا نقب اللص البيت، فدخل، فأخذ المال وناوله آخر خارج البيت فلا قطع عليهما، وإن ألقاه في الطريق ثم خرج فأخذه قطع، وكذا إن حمله على حمارٍ فساقه فأخرجه، وإذا دخل الحرز جماعةٌ فتولى بعضهم الأخذ قطعوا جميعاً.

ومن نقب البيت فأدخل يده فيه فأخذ شيئاً لم يقطع، وإذا أدخل يده في صندوق الصيرفي، أو في كم غيره، فأخذ المال، قطع.

وتقطع يمين السارق من الزند وتحسم، فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً لم يقطع وخلد في السجن حتى يتوب؛

وإذا كان السارق أشل اليد اليسرى، أو أقطع، أو مقطوع الرجل اليمنى، لم يقطع.

ولا يقطع السارق إلا أن يحضر المسروق منه فيطالب بالسرقة، فإن وهبها من السارق، أو باعها إياه، أو نقصت قيمتها من النصاب، لم يقطع.

ومن سرق عيناً فقطع فيها وردها ثم عاد فسرقها وهي بحالها، لم يقطع، فإن تغيرت عن حالها، مثل أن كان غزلا فسرقه فقطع فيه فرده ثم نسج فعاد فسرقه - قطع، وإذا قطع السارق والعين قائمةٌ في يده ردها، وإن كانت هالكةً لم يضمن، وإذا ادعى السارق أن العين المسروقة ملكه سقط القطع عنه وإن لم يقم بينةً.

وإذا خرج جماعةٌ ممتنعين، أو واحدٌ يقدر على الامتناع، فقصدوا قطع الطريق فأخذوا قبل أن يأخذوا مالاً ولا قتلوا نفساً حبسهم الإمام حتى يحدثوا توبةً، وإن أخذوا مال مسلمٍ أو ذميٍ والمأخوذ إذا قسم على جماعتهم أصاب كل واحدٍ منهم عشرة دراهم فصاعداً أو ما قيمته ذلك قطع الإمام أيديهم وأرجلهم من خلافٍ، وإن قتلوا ولم يأخذوا مالاً قتلهم الإمام حداً، فإن عفا الأولياء عنهم لم يلتفت إلى عفوهم، وإن قتلوا وأخذوا المال.

فالإمام بالخيار: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ وقتلهم وصلبهم، وإن شاء قتلهم، وإن شاء صلبهم: يصلب حياً، ويبعج بطنه بالرمح إلى أن يموت، ولا يصلب أكثر من ثلاثة أيامٍ، فإن كان فيهم صبيٌ أو مجنونٌ، أو ذو رحمٍ من المقطوع عليه سقط الحد عن الباقين.

وصار القتل إلى الأولياء: إن شاؤا قتلوا، وإن شاؤا عفوا، وإن باشر الفعل واحدٌ منهم أجري الحد على جماعتهم.

 

 

 كتاب الأشربة

- الأشربة المحرمة أربعةٌ: الخمر، وهي: عصير العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، والعصير إذا طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه، ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد، ونبيذ التمر والزبيب إذا طبخ كل واحدٍ منهما أدنى طبخٍ حلالٌ، وإن اشتد، إذا شرب منه ما يغلب في ظنه أنه لا يسكره من غير لهوٍ ولا طربٍ،

ولا بأس بالخليطين ونبيذ العسل والتين والحنطة والشعير والذرة حلالٌ وإن لم يطبخ.

وعصير العنب إذا طبخ حتى ذهب منه ثلثاه وبقي ثلثه حلالٌ وإن اشتد، ولا بأس بالانتباذ في الدباء والحنتم والمزفت والنقير، وإذا تخللت الخمر حلت، سواءٌ صارت خلاً بنفسها أو بشيء طرح فيها، ولا يكره تخليلها.

 

 

 كتاب الصيد والذبائح

- يجوز الاصطياد بالكلب المعلم، والفهد، والبازي، وسائر الجوارح المعلمة.

وتعليم الكلب: أن يترك الأكل ثلاث مرات.

وتعليم البازي: أن يرجع إذا دعوته.

فإذا أرسل كلبه المعلم، أو بازيه، أو صقره، وذكر اسم الله تعالى عليه عند إرسال، فأخذ الصيد وجرحه فمات حل أكله، وإن أكل منه الكلب لم يؤكل، وإن أكل منه البازي أكل، وإذا أدرك المرسل الصيد حياً وجب عليه أن يذكيه، فإن ترك تذكيته حتى مات لم يؤكل وإن خنقه الكلب ولم يجرحه لم يؤكل، وإن شاركه كلبٌ غير معلم أو كلب مجوسيٍ أو كلبٌ لم يذكر اسم الله تعالى عليه لم يؤكل.

وإذا رمى الرجل سهماً إلى صيدٍ فسمى عند الرمي أكل ما أصاب إذا جرحه السهم فمات، وإن أدركه حياً ذكاه، وإن ترك تذكيته حتى مات لم يؤكل، وإن وقع السهم فتحامل حتى غاب عنه ولم يزل في طلبه حتى أصابه ميتاً أكل، وإن قعد عن طلبه ثم أصابه ميتاً لم يؤكل، وإذا رمى صيداً فوقع في الماء فمات لم يؤكل، وكذلك إن وقع على سطحٍ أو جبلٍ ثم تردى منه إلى الأرض لم يؤكل، وإن وقع على الأرض ابتداءً أكل.

وما أصاب المعراض بعرضه لم يؤكل، وإن جرحه أكل، ولا يؤكل ما أصابته البندقة إذا مات منها.

وإذا رمى إلى صيدٍ فقطع عضواً منه أكل، ولا يؤكل العضو، وإن قطعه أثرثاً والأكثر مما يلي العجز أكل، وإن كان الأكثر مما يلي الرأس أكل الأكثر، ولا يؤكل الأقل، ولا يؤكل صيد المجوسي والمرتد والوثني.

ومن رمى صيداً فأصابه ولم يثخنه ولم يخرجه من حيز الامتناع فرماه آخر فقتله فهو للثاني، ويؤكل، وإن كان الأول أثخنه فرماه الثاني فقتله لم يؤكل، والثاني ضامنٌ لقيمته للأول غير ما نقصته جراحته.

ويجوز اصطياد ما يؤكل لحمه من الحيوان وما لا يؤكل.

وذبيحة المسلم والكتابي حلالٌ، ولا تؤكل ذبيحة المجوسي والمرتد والوثني والمحرم، وإن ترك الذابح التسمية عمداً فالذبيحة ميتةٌ لا تؤكل، وإن تركها ناسياً أكلت.

والذبح في الحلق واللبة، والعروق التي تقطع في الذكاة أربعةٌ: الحلقوم، والمرئ، والودجان، فإذا قطعها حل الأكل، وإن قطع أكثرها فكذلك عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لابد من قطع الحلقوم والمرئ وأحد الودجين.

ويجوز الذبح بالليطة والمروة، وبكل شيء أنهر الدم إلا السن القائم والظفر القائم.

ويستحب أن يحد الذابح شفرته، ومن بلغ بالسكين النخاع، أو قطع الرأس كره له ذلك، وتؤكل ذبيحته، وإن ذبح الشاة من قفاها، فإن بقيت حيةً حتى قطع العروق جاز ويكره.

وإن ماتت قبل قطع العروق لم تؤكل.

وما استأنس من الصيد فذكاته الذبح، وما توحش من النعم فذكاته العقر والجرح.

والمستحب في الإبل النحر، فإن ذبحها جاز ويكره.

والمستحب في البقر والغنم الذبح، فإن نحرهما جاز ويكره.

ومن نحر ناقةً أو ذبح بقرةً أو شاةً، فوجد في بطنها جنيناً ميتاً لم يؤكل أشعر أو لم يشعر.

ولا يجوز أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير، ولا بأس بغراب الزرع، ولا يؤكل الأبقع الذي يأكل الجيف، ويكره أكل الضبع والضب والحشرات كلها.

ولا يجوز أكل لحم الحمر الأهلية والبغال، ويكره لحم الفرس عند أبي حنيفة، ولا بأس بأكل الأرنب.

وإذا ذبح ما لا يؤكل لحمه طهر لحمه وجلده.

إلا الآدمي والخنزير، فإن الذكاة لا تعمل فيهما.

ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك، ويكره أكل الطافي منه ولا بأس بأكل الجريث والمار ما هي.

ويجوز أكل الجراد، ولا ذكاة له.

 

 

 كتاب الأضحية.

- الأضحية واجبةٌ على كل حرٍ مسلمٍ مقيمٍ موسرٍ، في يوم الأضحى عن نفسه وولده الصغار، يذبح عن كل واحدٍ منهم شاةً أو يذبح بدنةً أو بقرةً عن سبعةٍ.

وليس على الفقير والمسافر أضحيةٌ، ووقت الأضحية يدخل بطلوع الفجر من يوم النحر؛ إلا أنه لا يجوز لأهل الأمصار الذبح حتى يصلي الإمام صلاة العيد، فأما أهل السواد فيذبحون بعد الفجر،

وهي جائزةٌ في ثلاثة أيامٍ: يوم النحر، ويومان بعده.

ولا يضحى بالعمياء والعوراء والعرجاء، التي لا تمشي إلى المنسك، ولا العجفاء.

ولا تجزئ مقطوعة الأذن والذنب، ولا التي ذهب أكثر أذنها، فإن بقي الأكثر من الأذن والذنب جاز.

ويجوز أن يضحى بالجماء والخصى والجرباء والثولاء.

والأضحية من الإبل والبقر والغنم، يجزئ من ذلك كله الثنى فصاعداً إلا الضأن فإن الجذع منه يجزئ.

ويأكل من لحم الأضحية، ويطعم الأغنياء والفقراء، ويدخر.

ويستحب أن لا ينقص الصدقة من الثلث، ويتصدق بجلدها أو يعمل منه آلة تستعمل في البيت.

والأفضل أن يذبح أضحيته بيده إن كان يحسن الذبح، ويكره أن يذبحها الكتابي.

وإذا غلط رجلان فذبح كل واحدٍ منهما أضحية الآخر أجزأ عنهما ولا ضمان عليهما.

 

 

 كتاب الأيمان.

- الأيمان على ثلاثة أضربٍ: يمينٌ غموسٌ، ويمينٌ منعقدةٌ، ويمينٌ لغوٌ.

فاليمين الغموس هي: الحلف على أمرٍ ماضٍ، يتعمد الكذب فيه؛ فهذه اليمين يأثم بها صاحبها، ولا كفارة فيها إلا الاستغفار.

واليمين المنعقدة: هي الحلف على الأمر المستقبل أن يفعله، أو لا يفعله، فإذا حنث في ذلك لزمته الكفارة.

واليمين اللغو: أن يحلف على أمرٍ ماضٍ، وهو يظن أنه كما قال، والأمر بخلافه، فهذه نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها.

والقاصد في اليمين والمكره والناسي سواءٌ.

ومن فعل المحلوف عليه مكرهاً أو ناسياً سواءٌ.

واليمين بالله تعالى، أو باسم من أسمائه، كالرحمن والرحيم، أو بصفةٍ من صفاته، كعزة الله وجلاله وكبريائه، إلا قوله "وعلم الله" فإنه لا يكون يميناً، وإن حلف بصفةٍ من صفات الفعل، كغضب الله وسخطه لم يكن حالفاً.

ومن حلف بغير الله لم يكن حالفاً، كالنبي، والقرآن، والكعبة.

والحلف بحروف القسم، وحروف القسم: الواو كقوله: والله، والباء كقوله: بالله، والتاء كقوله: تالله، وقد تضمر الحروف فيكون حالفاً، كقوله "الله لا أفعل كذا" وقال أبو حنيفة: إذ قال "وحق الله" فليس بحالفٍ.

وإذا قال "أقسم" أو "أقسم بالله" أو "أحلف" أو "أحلف بالله" أو "أشهد" أو "أشهد بالله" فهو حالفٌ، وكذلك قوله "وعهد الله، وميثاقه، وعلي نذرٌ، أو نذرٌ للّه، وإن فعلت كذا فأنا يهوديٌ أو نصرانيٌ أو كافرٌ" فهو يمينٌ.

وإن قال "علي غضب الله، أو سخطه، أو أنا زانٍ، أو شارب خمرٍ، أو آكل رباً" فليس بحالف.

وكفارة اليمين: عتق رقبةٍ، يجزئ فيها ما يجزئ في الظهار، وإن شاء كسا عشرة مساكين كل واحدٍ ثوباً فما زاد، وأدناه ما تجزئ فيه الصلاة، وإن شاء أطعم عشرة مساكين، كالإطعام في كفارة الظهار، فإن لم يقدر على أحد الأشياء الثلاثة صام ثلاثة أيامٍ متتابعاتٍ؛ فإن قدم الكفارة على الحنث لم يجزه.

ومن حلف على معصية، مثل أن لا يصلي، أو لا يكلم أباه، أو ليقتلن فلاناً، فينبغي أن يحنث ويكفر عن يمينه.

وإذا حلف الكافر ثم حنث في حال الكفر، أو بعد إسلامه، فلا حنث عليه.

ومن حرم على نفسه شيئاً مما يملكه لم يصر محرماً لعينه، وعليه إن استباحه كفارة يمينٍ، فإن قال "كل حلالٍ علي حرام" فهو على الطعام والشراب، إلا أن ينوي غير ذلك.

ومن نذر نذراً مطلقاً فعليه الوفاء به، وإن علق نذره بشرط فوجد الشرط فعليه الوفاء بنفس الذنر. وروى أن أبا حنيفة رجع عن ذلك وقال: إذا قال "إن فعلت كذا فعلي حجةٌ، أو صوم سنةٍ، أو صدقة ما أملكه"، أجزأه من ذلك كفارة يمينٍ، وهو قول محمدٍ.

ومن حلف لا يدخل بيتاً فدخل الكعبة، أو المسجد، أو البيعة، أو الكنيسة لم يحنث.

ومن حلف لا يتكلم فقرأ في الصلاة لم يحنث.

ومن حلف لا يلبس ثوباً وهو لابسه فنزعه في الحال لم يحنث، وكذا إذا حلف لا يركب هذه الدابة وهو راكبها فنزل في الحال وإن لبث ساعةً حنث، وإن حلف لا يدخل هذه الدار وهو فيها لم يحنث بالقعود، حتى يخرج ثم يدخل.

ومن حلف لا يدخل داراً فدخل دارا خراباً لم يحنث.

ومن حلف لا يدخل هذه الدار فدخلها بعد ما انهدمت وصارت صحراءً حنث، ولو حلف لا يدخل هذا البيت فدخله بعد ما انهدم لم يحنث.

ومن حلف لا يكلم زوجة فلانٍ فطلقها فلانٌ ثم كلمها حنث، ولو حلف لا يكلم عبد فلانٍ، أو لا يدخل دار فلانٍ، فباع عبده وداره ثم كلم العبد ودخل الدار لم يحنث؛ وإن حلف لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباعه ثم كلمه حنث، وكذلك إن حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعد ما صار شيخاً حنث، أو لا يأكل لحم هذا الحمل فصار كبشاً فأكله حنث، وإن حلف لا يأكل من هذه النخلة فهو على ثمرها، وإن حلف لا يأكل من هذا البسر فصار رطباً فأكله لم يحنث، وإن حلف لا يأكل بسراً فأكل رطباً لم يحنث.

ومن حلف لا يأكل رطباً فأكل بسراً مذنباً حنث عند أبي حنيفة.

ومن حلف لا يأكل لحماً فأكل السمك لم يحنث.

ومن حلف لا يشرب من دجلة فشرب منها بإناءٍ لم يحنث حتى يكرع منها كرعاً في قول أبي حنيفة، ومن حلف لا يشرب من ماء دجلة فشرب منها بإناءٍ حنث.

ومن حلف لا يأكل من هذه الحنطة فأكل من خبزها لم يحنث، ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق فأكل من خبزه حنث، ولو استفه كما هو لم يحنث، ولو حلف لا يكلم فلاناً فكلمه وهو بحيث يسمع إلا أنه نائمٌ حنث، وإن حلف لا يكلمه إلا بإذنه فأذن له ولم يعلم بالإذن حتى كلمه حنث.

وإذا استحلف الوالي رجلاً ليعلمه بكل داعرٍ دخل البلد، فهذا على حال ولايته خاصةً.

ومن حلف لا يركب دابة فلانٍ فركب دابة عبده لم يحنث.

ومن حلف لا يدخل هذه الدار فوقف على سطحها، أو دخل دهليزها حنث، وإن وقف في طاق الباب بحيث إذا أغلق الباب كان خارجاً لم يحنث.

ومن حلف لا يأكل الشواء، فهو على اللحم دون الباذنجان والجزر.

ومن حلف لا يأكل الطبيخ فهو على ما يطبخ من اللحم.

ومن حلف لا يأكل الرءوس، فيمينه على ما يكبس في التنابير، ويباع في المصر.

ومن حلف لا يأكل الخبز فيمينه على ما يعتاد أهل البلد أكله خبزاً، فإن أكل خبز القطائف أو خبز الأرز بالعراق لم يحنث.

ومن حلف لا يبيع أو لا يشتري أو لا يؤاجر فوكل بذلك لم يحنث.

ومن حلف لا يتزوج، أو لا يطلق، أو لا يعتق، فوكل بذلك حنث.

ومن حلف لا يجلس على الأرض فجلس على بساطٍ أو حصيرٍ، لم يحنث.

ومن حلف لا يجلس على سريرٍ، فجلس على سريرٍ فوقه بساطٌ حنث، وإن جعل فوقه سريراً آخر فجلس عليه لم يحنث.

وإن حلف لا ينام على فراشٍ فنام عليه وفوقه قرامٌ حنث وإن جعل فوقه فراشاً آخر لم يحنث.

ومن حلف بيمينٍ، وقال "إن شاء الله" متصلاً بيمينه، فلا حنث عليه، وإن حلف ليأتينه إن استطاع فهذا على استطاعة الصحة دون القدرة.

وإن حلف لا يكلم فلاناً حيناً أو زماناً، أو الحين أو الزمان فهو على ستة أشهر، وكذلك الدهر عند أبي يوسف ومحمدٍ.

ولو حلف لا يكلمه أياماً فهو على ثلاثة أيامٍ، ولو حلف لا يكلمه الأيام فهو على عشرة أيامٍ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: على أيام الإسبوع، ولو حلف لا يكلمه الشهور فهو على عشرة أشهرٍ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: على اثني عشر شهراً،

وإذا حلف لا يفعل كذا تركه أبداً، وإن حلف ليفعلن كذا ففعله مرةً واحدةً بر في يمينه.

ومن حلف لا تخرج امرأته إلا بإذنه، فأذن لها مرةً فخرجت ثم خرجت مرةً أخرى بغير إذنه حنث، ولابد من إذن في كل خروجٍ، وإن قال "إلا أن آذن لك" فأذن لها مرةً ثم خرجت بعدها بغير إذنه لم يحنث.

وإذا حلف لا يتغدى فالغداء الأكل من طلوع الفجر إلى الظهر، والعشاء من صلاة الظهر إلى نصف الليل، والسحور من نصف الليل إلى طلوع الفجر.

وإن حلف ليقضين دينه إلى قريبٍ فهو ما دون الشهر، وإن قال "إلى بعيد" فهو أكثر من الشهر.

ومن حلف لا يسكن هذه الدار فخرج منها بنفسه وترك فيها أهله ومتاعه حنث.

ومن حلف ليصعدن السماء أو ليقلبن هذا الحجر ذهباً انعقدت يمينه وحنث عقيبها.

ومن حلف ليقضين فلاناً دينه اليوم فقضاه ثم وجد فلانٌ بعضه زيوفاً أو نبهرجةً، أو مستحقة - لم يحنث، وإن وجدها رصاصاً أو ستوقة حنث.

ومن حلف لا يقبض دينه درهماً دون درهمٍ فقبض بعضه، لم يحنث حتى يقبض جميعه متفرقاً، وإن قبض دينه في وزنتين لم يتشاغل بينهما إلا بعمل الوزن لم يحنث، وليس ذلك بتفريقٍ.

ومن حلف ليأتين البصرة فلم يأتها حتى مات، حنث في آخر جزء من أجزاء حياته.

 

 

 كتاب الدعوى.

- المدعي: من لا يجبر على الخصومة إذا تركها.

والمدعى عليه: من يجبر على الخصومة.

ولا تقبل الدعوى حتى يذكر شيئاً معلوماً في جنسه وقدره، فإن كان عيناً في يد المدعى عليه كلف إحضارها ليشير إليها بالدعوى، وإن لم تكن حاضرةً ذكر قيمتها.

وإن ادعى عقاراً حدده، وذكر أنه في يد المدعى عليه، وأنه يطالبه به وإن كان حقاً في الذمة ذكر أنه يطالبه به،

فإذا صحت الدعوى سأل القاضي المدعى عليه عنها، فإن اعترف قضى عليه بها.

وإن أنكر سأل المدعي البينة، فإن أحضرها قضى بها، وإن عجز عن ذلك وطلب يمين خصمه استحلف عليها.

فإن قال "لي بينةٌ حاضرةٌ" وطلب اليمين لم يستحلف عند أبي حنيفة.

ولا ترد اليمين على المدعي، ولا تقبل بينة صاحب اليد في الملك المطلق،

وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين قضي عليه بالنكول، ولزمه ما ادعى عليه.

وينبغي للقاضي أن يقول له: "إني أعرض اليمين عليك ثلاثاً، فإن حلفت وإلا قضيت عليك بما ادعاه" فإذا كرر العرض ثلاث مرات قضى عليه بالنكول،

وإن كانت الدعوى نكاحاً لم يستحلف المنكر عند أبي حنيفة.

ولا يستحلف في النكاح، والرجعة، والفيء في الإيلاء، والرق، والاستيلاد، والنسب، والولاء، والحدود.

وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يستحلف في ذلك كله، إلا في الحدود والقصاص.

وإذا ادعى اثنان عيناً في يد آخر كل واحدٍ منهما يزعم أنها له وأقاما البينة، قضى بها بينهما، وإن ادعى كل واحدٍ منهما نكاح امرأةٍ وأقاما البينة لم يقض بواحدةٍ من البينتين، ويرجع إلى تصديق المرأة لأحدهما.

وإن ادعى اثنان كل واحدٍ منهما أنه اشترى منه هذا العبد وأقاما البينة فكل واحدٍ منهما بالخيار: إن شاء أخذ نصف العبد بنصف الثمن، وإن شاء ترك، فإن قضى القاضي بينهما به فقال أحدهما "لا أختار" لم يكن للآخر أن يأخذ جميعه، وإن ذكر كل واحدٍ منهما تاريخاً فهو للأول منهما، وإن لم يذكرا ومع أحدهما قبضٌ فهو أولى به.

وإن ادعى أحدهما شراءً والآخر هبةً وقبضاً وأقاما البينة ولا تاريخ معهما فالشراء أولى.

وإن ادعى أحدهما الشراء وادعت امرأةٌ أنه تزوجها عليه فهما سواءٌ.

وإن ادعى أحدهما رهناً وقبضاً والآخر هبةً وقبضاً فالرهن أولى، وإن أقام الخارجان البينة على الملك والتاريخ فصاحب التاريخ الأبعد أولى، وإن ادعيا الشراء من واحدٍ وأقاما البينة على التاريخين فالأول أولى، وإن أقام كل واحدٍ منهما بينةً على الشراء من آخر وذكرا تاريخاً فهما سواء، وإن أقام الخارج البينة على ملكٍ مؤرخٍ وأقام صاحب اليد البينة على ملكٍ أقدم تاريخاً كان أولى، وإن أقام الخارج وصاحب اليد كل واحدٍ منهما بينةً بالنتاج فصاحب اليد أولى.

وكذلك النسج في الثياب التي لا تنسج إلا مرةً واحدةً، وكل سببٍ في الملك لا يتكرر فهو كذلك، وإن أقام الخارج البينة على الملك وصاحب اليد بينةً على الشراء منه كان أولى، وإن أقام كل واحدٍ منهما البينة على الشراء من الآخر ولا تاريخ معهما تهاترت البينتان.

وإن قام أحد المدعيين شاهدين والآخر أربعةً فهما سواء.

ومن ادعى قصاصاً على غيره فجحد استحلف، فإن نكل عن اليمين فيما دون النفس لزمه القصاص، وإن نكل في النفس حبس حتى يقرأ أو يحلف، وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه الأرش فيهما.

وإذا قال المدعي "لي بينةٌ حاضرةٌ" قيل لخصمه "أعطه كفيلا بنفسك ثلاثة أيامٍ".

فإن فعل وإلا أمر بملازمته، إلا أن يكون غريباً على الطريق فيلازمه مقدار مجلس القاضي.

وإن قال المدعى عليه "هذا الشيء أودعنيه فلانٌ الغائب، أو رهنه عندي، أو غصبته منه" وأقام بينةً على ذلك فلا خصومة بينه وبين المدعي،

وإن قال "ابتعته من الغائب" فهو خصمٌ.

وإن قال المدعي "سرق مني" وأقام البينة، وقال صاحب اليد "أودعنيه فلانٌ" وأقام البينة لم تندفع الخصومة، وإن قال المدعي "ابتعته من فلانٍ" وقال صاحب اليد "أودعنيه فلانٌ ذلك" سقطت الخصومة بغير بينة.

واليمين بالله تعالى دون غيره، ويؤكد بذكر أوصافه، ولا يستحلف بالطلاق، ولا بالعتاق، ويستحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، والمجوسي بالله الذي خلق النار،

ولا يحلفون في بيوت عباداتهم.

ولا يجب تغليظ اليمين على المسلم بزمانٍ ولا بمكانٍ.

ومن ادعى أنه ابتاع من هذا عبده بألفٍ فجحد يستحلف بالله ما بينكما بيعٌ قائم فيه، ولا يستحلف بالله ما بعت، ويستحلف في الغصب بالله ما يستحق عليك رده، ولا يحلف بالله ما غصبت، وفي النكاح بالله ما بينكما نكاحٌ قائمٌ في الحال، وفي دعوى الطلاق بالله ما هي بائنٌ منك الساعة بما ذكرت، ولا يستحلف بالله ما طلقتها.

وإذا كانت دارٌ في يد رجلٍ ادعاها اثنان أحدهما جميعها والآخر نصفها وأقاما البينة فلصاحب الجميع ثلاثة أرباعها ولصاحب النصف ربعها عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: هي بينهما أثلاثاً، ولو كانت في أيديهما سلمت لصاحب الجميع: نصفها على وجه القضاء، ونصفها لا على وجه القضاء.

وإذا تنازعا في دابةٍ وأقام كل واحدٍ منهما بينةً أنها نتجت عنده وذكرا تاريخاً وسن الدابة يوافق التاريخين فهو أولى، وإن أشكل ذلك كانت بينهما.

وإذا تنازعا دابةً أحدهما راكبها والآخر متعلقٌ بلجامها فالراكب أولى، وكذلك إذا تنازعا بعيراً وعليه حملٌ لأحدهما فصاحب الحمل أولى، وكذلك إذا تنازعا قميصاً أحدهما لابسه والآخر متعلقٌ بكمه فاللابس أولى.

وإذا اختلف المتبايعان في البيع فادعى أحدهما ثمناً وادعى البائع أكثر منه أو اعترف البائع بقدرٍ. من المبيع وادعى المشتري أكثر منه وأقام أحدهما البينة قضى له بها وإن أقام كل واحدٍ منهما البينة كانت البينة المثبتة للزيادة أولى، وإن لم تكن لكل واحدٍ منهما بينةٌ قيل للمشتري: إما أن ترضى بالثمن الذي ادعاه البائع وإلا فسخنا البيع، وقيل للبائع: إما أن تسلم ما ادعاه المشتري من المبيع وإلا فسخنا البيع، فإن لم يتراضيا استحلف الحاكم كل واحدٍ منهما على دعوى الآخر: يبتدئ بيمين المشتري، فإذا حلفا فسخ القاضي البيع بينهما، وإن نكل أحدهما عن اليمين لزمه دعوى الآخر.

وإن اختلفا في الأجل أو في شرط الخيار أو في استيفاء بعض الثمن فلا تحالف بينهما، والقول قول من ينكر الخيار والأجل مع يمينه.

وإن هلك المبيع ثم اختلفا لم يتحالفا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وجعل القول قول المشتري. وقال محمدٌ: يتحالفان، ويفسخ البيع على قيمة الهالك.

وإن هلك أحد العبدين ثم اختلفا في الثمن لم يتحالفا عند أبي حنيفة إلا أن يرضى البائع أن يترك حصة الهالك، وقال أبو يوسف: يتحالفان ويفسخ البيع في الحي وقيمة الهالك. وهو قول محمدٍ.

وإذا اختلف الزوجان في المهر فادعى الزوج أنه تزوجها بألف وقالت "تزوجتني بألفين" فأيهما أقام البينة قبلت بينته، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المرأة، وإن لم تكن لهما بينةٌ تحالفا عند أبي حنيفة ولم يفسخ النكاح، ولكن يحكم مهر المثل، فإن كان مثل ما اعترف به الزوج أو أقل قضى بما قال الزوج، وإن كان مثل ما ادعته المرأة أو أكثر قضى بما ادعته المرأة، وإن كان مهر المثل أكثر مما اعترف به الزوج وأقل مما ادعته المرأة قضى لها بمهر المثل.

وإذا اختلفا في الإجارة قبل استيفاء المعقود عليه تحالفا وترادا، وإن اختلفا بعد الاستيفاء لم يتحالفا وكان القول قول المستأجر.

وإن اختلفا بعد استيفاء بعض المعقود عليه تحالفا وفسخ العقد فيما بقي وكان القول في الماضي قول المستأجر.

وإذا اختلف المولى والمكاتب في مال الكتابة لم يتحالفا عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يتحالفان وتفسخ الكتابة.

وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت فما يصلح للرجال فهو للرجل، وما يصلح للنساء فهو للمرأة، وما يصلح لهما فهو للرجل.

وإذا مات أحدهما واختلف ورثته مع الآخر، فما يصلح للرجال والنساء فهو للباقي منهما، وقال أبو يوسف: يدفع إلى المرأة ما يجهز به مثلها والباقي للزوج.

وإذا باع الرجل الجارية فجاءت بولدٍ فادعاه البائع، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهرٍ من يوم البيع فهو ابن البائع وأمه أم ولدٍ له. فيفسخ البيع فيه ويرد الثمن، وإن ادعاه المشتري مع دعوى البائع أو بعده فدعوى البائع أولى، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهرٍ لم تقبل دعوى البائع فيه، إلا أن يصدقه المشتري.

وإن مات الولد فادعاه البائع وقد جاءت به لأقل من ستة أشهرٍ لم يثبت الاستيلاد في الأم، وإن ماتت الأم فادعى البائع الابن، وقد جاءت به لأقل من ستة أشهرٍ يثبت النسب منه في الولد، وأخذه البائع، ويرد الثمن كله في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يرد حصة الولد، ولا يرد حصة الأم.

ومن ادعى نسب أحد التوأمين ثبت نسبهما منه؛ والله أعلم.

 

 

 كتاب الشهادات.

- الشهادة: فرضٌ يلزم الشهود أداؤها، ولا يسعهم كتمانها إذا طالبهم المدعي.

والشهادة في الحدود يخير فيها الشاهد بين الستر والإظهار، والستر أفضل،

إلا أنه يجب أن يشهد بالمال في السرقة فيقول "أخذ" ولا يقول "سرق".

والشهادة على مراتب: منها الشهادة في الزنا، يعتبر فيها أربعة من الرجال، ولا تقبل فيها شهادة النساء، ومنها الشهادة ببقية الحدود والقصاص، تقبل فيها شهادة رجلين، ولا تقبل فيها شهادة النساء.

وما سوى ذلك من الحقوق يقبل فيها شهادة رجلين أو رجلٍ وامرأتين، سواءٌ كان الحق مالا أو غير مالٍ مثل النكاح والطلاق والوكالة والوصية.

وتقبل في الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في موضعٍ لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأةٍ واحدةٍ.

ولابد في ذلك كله من العدالة ولفظ الشهادة، فإن لم يذكر الشاهد لفظ الشهادة وقال أعلم أو أتيقن لم تقبل شهادته.

وقال أبو حنيفة: يقتصر الحاكم على ظاهر عدالة المسلم، إلا في الحدود والقصاص، فإنه يسأل عن الشهود، وإن طعن الخصم فيهم سأل عنهم، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لابد أن يسأل عنهم في السر والعلانية وما يتحمله الشاهد على ضربين:

أحدهما: ما يثبت حكمه بنفسه، مثل البيع والإقرار والغصب والقتل، وحكم الحاكم، فإذا سمع ذلك الشاهد أو رآه وسعه أن يشهد به، وإن لم يشهد عليه، ويقول: أشهد أنه باع، ولا يقول: أشهدني.

ومنه ما لا يثبت حكمه بنفسه، مثل الشهادة على الشهادة، فإن سمع شاهداً يشهد بشيء لم يجز أن يشهد على شهادته إلا أن يشهده، وكذلك لو سمعه يشهد الشاهد على شهادته لم يسع السامع أن يشهد.

ولا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد إلا أن يذكر الشهادة.

ولا تقبل شهادة الأعمى، ولا المملوك، ولا المحدود في قذف وإن تاب، ولا شهادة الوالد لولده وولد ولده، ولا شهادة الولد لأبويه وأجداده.

ولا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر.

ولا شهادة المولى لعبده ولا لمكاتبه، ولا شهادة الشريك لشريكه فيما هو من شركتهما.

وتقبل شهادة الرجل لأخيه وعمه.

ولا تقبل شهادة مخنث، ولا نائحة، ولا مغنيةٍ، ولا مدمن الشرب على اللهو، ولا من يلعب بالطيور ولا من يغني للناس، ولا من يأتي باباً من الكبائر التي يتعلق بها الحد، ولا من يدخل الحمام بغير إزار؛ أو يأكل الربا، ولا المقامر بالنرد والشطرنج، ولا من يفعل الأفعال المستخفة كالبول على الطريق، والأكل على الطريق.

ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف، وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعضٍ وإن اختلفت مللّهم، ولا تقبل شهادة الحربي على الذمي.

وإن كانت الحسنات أغلب من السيئات والرجل ممن يحتنب الكبائر قبلت شهادته وإن ألم بمعصيةٍ.

وتقبل شهادة الأقلف، والخصي، وولد الزنا، وشهادة الخنثى جائزةٌ.

وإذا وافقت الشهادة الدعوى قبلت، وإن خالفتها لم تقبل،

ويعتبر اتفاق الشاهدين في اللفظ والمعنى عند أبي حنيفة، فإن شهد أحدهما بألفٍ والآخر بألفين لم تقبل الشهادة، وإن شهد أحدهما بألفٍ والآخر بألف وخمسمائةٍ والمدعي يدعي ألفاً وخمسمائةٍ قبلت شهادتهما بألفٍ. وإذا شهد أحدهما بألفٍ وقال: قضاه منها خمسمائة" قبلت شهادته بألفٍ، ولم يسمع قوله إنه قضاه إلا أن يشهد معه آخر، وينبغي للشاهد إذا علم ذلك أن لا يشهد بألفٍ حتى يقر المدعي أنه قبض خمسمائةٍ.

وإذا شهد شاهدان أن زيداً قتل يوم النحر بمكة وشهد آخران أنه قتل يوم النحر بالكوفة واجتمعوا عند الحاكم لم يقبل الشهادتين، فإن سبقت إحداهما فقضي بها ثم حضرت الأخرى لم تقبل، ولا يسمع القاضي الشهادة على جرحٍ ولا يحكم بذلك.

ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيءٍ لم يعاينه، إلا النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضي، فإنه يسعه أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها من يثق به.

والشهادة على الشهادة جائزةٌ في كل حقٍ لا يسقط بالشبهة، ولا تقبل في الحدود والقصاص.

وتجوز شهادة شاهدين على شهادة شاهدين، ولا تقبل شهادة واحدٍ على شهادة واحدٍ.

وصفة الإشهاد أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع: اشهد على شهادتي أني أشهد أن فلان ابن فلان أقر عندي بكذا وأشهدني على نفسه، وإن لم يقل أشهدني على نفسه جاز، ويقول شاهد الفرع عند الأداء: أشهد أن فلان ابن فلانٍ أشهدني على شهادته أنه يشهد أن فلاناً أقر عنده بكذا وقال لي: اشهد على شهادتي بذلك.

ولا تقبل شهادة شهود الفرع إلا أن يموت شهود الأصل أو يغيبوا مسيرة ثلاثة أيامٍ فصاعداً أو يمرضوا مرضاً لا يستطيعون معه حضور مجلس الحاكم، وإن عدل شهود الأصل شهود الفرع جاز، وإن سكتوا عن تعديلهم جاز، وينظر القاضي في حالهم، وإن أنكر شهود الأصل الشهادة لم تقبل شهادة شهود الفرع.

وقال أبو حنيفة في شاهد الزور: أشهره في السوق. ولا أعزره، وقال أبو يوسف ومحمد: نوجعه ضرباً ونحبسه.

 

 

باب الرجوع عن الشهادة.

- إذا رجع الشهود عن شهادتهم قبل الحكم بها سقطت، وإن حكم بشهادتهم ثم رجعوا لم يفسخ الحكم، ووجب عليهم ضمان ما أتلفوه بشهادتهم، ولا يصح الرجوع إلا بحضرة الحاكم.

وإذا شهد شاهدان بمالٍ فحكم الحاكم به ثم رجعا ضمنا المال المشهود عليه، وإن رجع أحدهما ضمن النصف، وإن شهد بالمال ثلاثةٌ فرجع أحدهم فلا ضمان عليه، فإن رجع آخر ضمن الراجعان نصف المال. وإن شهد رجلٌ وامرأتان فرجعت امرأةٌ ضمنت ربع الحق وإن رجعتا ضمنتا نصف الحق، وإن شهد رجلٌ وعشر نسوةٍ ثم رجع ثمان منهن فلا ضمانٌ عليهن، وإن رجعت أخرى كان على النسوة ربع الحق، فإن رجع الرجل والنساء فعلى الرجل سدس الحق، وعلى النسوة خمسة أسداس الحق عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: على الرجل النصف وعلى النسوة النصف.

وإن شهد شاهدان على امرأةٍ بالنكاح بمقدار مهر مثلها ثم رجعا فلا ضمان عليهما، وكذلك إن شهدا على رجلٍ بتزوج امرأةٍ بمقدار مهر مثلها وإن شهدا بأكثر من مهر المثل ثم رجعا ضمناً الزيادة. وإن شهدا ببيعٍ بمثل القيمة أو أكثر ثم رجعا لم يضمنا، وإن كان بأقل من القيمة ضمنا النقصان وإن شهدا على رجلٍ أنه طلق امرأته قبل الدخول ثم رجعا ضمنا نصف المهر فإن كان بعد الدخول لم يضمنا.

وإن شهدا أنه أعتق عبده ثم رجعا ضمنا قيمته.

وإن شهدا بقصاصٍ ثم رجعا بعد القتل ضمنا الدية، ولا يقتص منهما وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا. وإن رجع شهود الأصل وقالوا "لم نشهد شهود الفرع على شهادتنا" فلا ضمان عليهم، وإن قالوا "أشهدناهم وغلطنا" ضمنوا،

وإن قال شهود الفرع "كذب شهود الأصل" أو "غلطوا في شهادتهم" لم يلتفت إلى ذلك.

وإذا شهد أربعةٌ بالزنا وشاهدان بالإحصان فرجع شهود الإحصان لم يضمنوا، وإذا رجع المزكون عن التزكية ضمنوا.

وإذا شهد شاهدان باليمين وشاهدان بوجود الشرط ثم رجعوا فالضمان على شهود اليمين خاصة.

 

 

 كتاب أدب القاضي.

- لا تصح ولاية القاضي حتى يجتمع في المولي شرائط الشهادة ويكون من أهل الاجتهاد، ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق أنه يؤدي فرضه، ويكره الدخول فيه لمن يخاتف العجز عنه، ولا يأمن على نفسه الحيف فيه. ولا ينبغي أن يطلب الولاية ولا يسألها.

ومن قلد القضاء يسلم إليه ديوان القاضي الذي قبله، وينظر في حال المحبوسين، فمن اعترف بحقٍ إلزمه إياه، ومن أنكر لم يقبل قول المعزول عليه إلا ببينةٍ، وإن لم تقم بينةٌ لم يعجل بتخليته حتى ينادي عليه ويستظهر في أمره.

وينظر في الودائع وارتفاع الوقوف، فيعمل على ما تقوم به البينة أو يعترف به من هو في يده. ولا يقبل قول المعزول إلا أن يعترف الذي هو في يده أن المعزول سلمها إليه فيقبل قوله فيها.

ويجلس الحاكم جلوساً ظاهراً في المسجد.

ولا يقبل هديةً إلا من ذي رحمٍ محرمٍ، أو ممن جرت عادته قبل القضاء بمهاداته.

ولا يحضر دعوةً إلا أن تكون عامةً، ويشهد الجنازة، ويعود المريض.

ولا يضيف أحد الخصمين دون خصمه، وإذا حضرا سوى بينهما في الجلوس والإقبال،

و لا يسار أحدهما، ولا يشير إليه، ولا يلقنه حجةً.

فإذا ثبت الحق عنده، وطلب صاحب الحق حبس غريمه، لم يعجل بحبسه، وأمره بدفع ما عليه، فإن امتنع حبسه في كل دين لزمه بدلا عن مالٍ حصل في يده، كثمن المبيع وبدل القرض، أو التزمه بعقدٍ، كالمهر والكفالة، ولا يحبسه فيما سوى ذلك إذا قال: إني فقير، إلا أن يثبت غريمه أن له مالاً، ويحبسه شهرين أو ثلاثةً ثم يسأل عنه، فإن لم يظهر له مالٌ خلى سبيله، ولا يحول بينه وبين غرمائه.

ويحبس الرجل في نفقة زوجته، ولا يحبس والدٌ في دين ولده إلا إذا امتنع من الإنفاق عليه.

ويجوز قضاء المرأة في كل شيء، إلا في الحدود والقصاص.

ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحقوق إذا شهد به عنده، فإن شهدوا على خصم حكم بالشهادة، وكتب بحكمه، وإن شهدوا بغير حضرة خصمٍ لم يحكم، وكتب بالشهادة ليحكم بها المكتوب إليه.

ولا يقبل الكتاب إلا بشهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين، ويجب أن يقرأ الكتاب عليهم ليعرفوا ما فيه، ثم يختمه بحضرتهم ويسلمه إليهم، فإذا وصل إلى القاضي لم يقبله إلا بحضرة الخصم، فإذا سلمه الشهود إليه نظر إلى ختمه، فإن شهدوا أنه كتاب فلانٍ القاضي سلمه إلينا في مجلس حكمه وقرأه علينا وختمه، فضه القاضي، قرأه على الخصم، وألزمه ما فيه.

ولا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص، وليس للقاضي أن يستخلف على القضاء إلا أن يفوض ذلك إليه،

وإذا رفع إلى القاضي حكم حاكمٍ أمضاه إلا أن يخالف الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو يكون قولاً لا دليل عليه.

ولا يقضي القاضي على غائبٍ إلا أن يحضر من يقوم مقامه.

وإذا حكم رجلان رجلاً ليحكم بينهما ورضيا بحكمه جاز إذا كان بصفة الحاكم.

ولا يجوز تحكيم الكافر، والعبد، والذمي، والمحدود في القذف، والفاسق، والصبي.

ولكل واحدٍ من المحكمين أن يرجع ما لم يحكم عليهما، فإذا حكم لزمهما، وإذا رفع حكمه إلى القاضي فوافق مذهبه أمضاه، وإن خالفه أبطله.

ولا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص،

وإن حكما في دمٍ خطأٍ فقضى الحاكم على العاقلة بالدية لم ينفذ حكمه، ويجوز أن يسمع البينة، ويقضي بالنكول.

وحكم الحاكم لأبويه وولده وزوجته باطلٌ.

 

 

 كتاب القسمة.

- ينبغي للإمام أن ينصب قاسماً يرزقه من بيت المال ليقسم بين الناس بغير أجرةٍ. فإن لم يفعل نصب قاسماً يقسم بالأجرة، ويجب أن يكون عدلاً، مأموناً، عالماً بالقسمة، ولا يجبر القاضي الناس على قاسمٍ واحدٍ، ولا يترك القسام يشتركون.

وأجر القسمة على عدد الرءوس عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: على قدر الأنصباء.

وإذا حضر الشركاء وفي أيديهم دارٌ أو ضيعةٌ ادعوا أنهم ورثوها عن فلانٍ لم يقسمها عند أبي حنيفة حتى يقيموا البينة على موته وعدد ورثته، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يقسمها باعترافهم، ويذكر في كتاب القسمة أنه قسمها بقولهم وإذا كان المشترك ما سوى العقار وادعوا أنه ميراثٌ قسمه في قولهم جميعاً، وإن ادعوا في العقار أنهم اشتروه قسمه بينهم، وإن ادعوا الملك ولم يذكروا كيف انتقل قسمه بينهم.

وإذا كان كل واحدٍ من الشركاء ينتفع بنصيبه قسم بطلب أحدهم، وإن كان أحدهم ينتفع والآخر يستضر لقلة نصيبه، فإن طلب صاحب الكثير قسم، وإن طلب صاحب القليل لم يقسم، وإن كان كل واحدٍ يستضر لم يقسمها إلا بتراضيهما.

ويقسم العروض إذا كانت من صنفٍ واحدٍ، ولا يقسم الجنسان بعضهما في بعض، وقال أبو حنيفة: لا يقسم الرقيق ولا الجوهر لتفاوته وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يقسم الرقيق.

ولا يقسم حمامٌ ولا بئر ولا رحىً إلا أن يترضى الشركاء.

وإذا حضر وارثان وأقاما البينة على الوفاة وعدد الورثة والدار في أيديهم ومعهم وارثٌ غائبٌ قسمها القاضي بطلب الحاضرين، وينصب للغائب وكيلاً يقبض نصيبه، وإن كانوا مشترين لم يقسم مع غيبة أحدهم، وإن كان العقار في يد الوارث الغائب لم يقسم، وإن حضر وارثٌ واحدٌ لم يقسم.

وإذا كانت دورٌ مشتركةٌ في مصرٍ واحدٍ قسمت كل دارٍ على حدتها في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إن الأصلح لهم قسمة بعضها في بعضٍ قسمها.

وإن كانت دارٌ وضيعةٌ، أو دارٌ وحانوت، قسم كل واحدٍ على حدته.

وينبغي للقاسم: أن يصور ما يقسمه، ويعدله، ويذرعه، ويقوم البناء، ويفرز كل نصبٍ عن الباقي بطريقه وشربه حتى لا يكون لنصيبٍ بعضهم بنصيب الآخر تعلقٌ، ثم يلقب نصيباً بالأول، والذي يليه بالثاني والثالث، وعلى هذا، ثم يخرج القرعة فمن خرج اسمه أولاً فله السهم الأول، ومن خرج ثانياً فله السهم الثاني.

ولا يدخل في القسمة الدراهم والدنانير إلا بتراضيهم.

وإن قسم بينهم ولأحدهم مسيلٌ في ملك لآخر، أو ريقٌ لم يشترط في القسمة: فإن أمكن صرف الطريق والمسيل عنه فليس له أن يستطرق ويسيل في نصيب الآخر، وإن لم يمكن فسخت القسمة.

وإن كان سفلٌ لا علو له، وعلوٌ لا سفل له، وسفلٌ له علوٌ، قوم كل واحدٍ على حدته، وقسم بالقيمة، ولا معتبر بغير ذلك،

وإذا اختلف المتقاسمون فشهد القاسمان، قبلت شهادتهما.

فإن ادعي أحدهما الغلط، وزعم أن مما أصابه شيئاً في يد صاحبه، وقد أشهد على نفسه بالاستيفاء، لم يصدق على ذلك إلا ببينةٍ.

وإن قال "استوفيت حقي" ثم قال "أخذت بعضه" فالقول قول خصمه مع يمينه.

وإن قال "أصابني إلى موضع كذا فلم تسلمه إلي "ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء، وكذبه شريكه تحالفا، وفسخت القسمة؛

وإن استحق بعض نصيب أحدهما بعينه لم تفسخ القسمة عند أبي حنيفة ورجع بحصة ذلك من نصيب شريكه، وقال أبو يوسف: تفسخ القسمة.

 

 

 كتاب الإكراه.

- الإكراه يثبت حكمه إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما توعد به، سلطاناً كان أو لصاً.

وإذا أكره الرجل على بيع ماله، أو على شراء سلعةٍ، أو على أن يقر لرجلٍ بألفٍ، أو يؤاجر داره - وأكره على ذلك بالقتل أو بالضرب الشديد، أو بالحبس المديد - فباع أو اشترى، فهو بالخيار: إن شاء أمضى البيع، وإن شاء فسخه.

وإن كان قبض الثمن طوعاً فقد أجاز البيع.

وإن كان قبضه مكرهاً فليس بإجازة، وعليه رده إن كان قائماً في يده، وإن هلك المبيع في يد المشتري وهو غير مكره ضمن قيمته.

وللمكره أن يضمن المكره إن شاء.

ومن أكره على أن يأكل الميتة أو يشرب الخمر - وأكره على ذلك بحبس، أو ضرب، أو قيدٍ - لم يحل له، إلا أن يكره بما يخاف منه على نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه، ولا يسعه أن يصبر على ما توعد به، فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل فهو آثمٌ.

وإن أكره على الكفر بالله عز وجل، أو سب النبي عليه الصلاة والسلام: بقيدٍ، أو حبسٍ، أو ضربٍ، لم يكن ذلك إكراهاً حتى يكره بأمرٍ يخاف منه على نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يظهر ما أمروه به، ويورى، فإذا أظهر ذلك وقلبه مطمئنٌ بالإيمان فلا إثم عليه، وإن صبر حتى قتل ولم يظهر الكفر كان مأجوراً.

وإن أكره على إتلاف مال مسلمٍ بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه وسعه أن يفعل ذلك، ولصاحب المال أن يضمن المكره.

وإن أكره بقتلٍ على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه، ويصبر حتى يقتل، فإن قتله كان آثماً، والقصاص على الذي أكرهه إن كان القتل عمداً.

وإن أكرهه على طلاق امرأته، أو عتق عبده ففعل، وقع ما أكره عليه، ويرجع على الذي أكرهه بقيمة العبد،

وبنصف مهر المرأة إن كان الطلاق قبل الدخول.

وإن أكرهه على الزنا وجب عليه الحد عند أبي حنيفة، إلا أن يكرهه السلطان، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يلزمه الحد.

وإذا أكرهه على الردة لم تبن امرأته منه.

 

 

 كتاب السير.

- الجهاد فرضٌ على الكفاية، إذا قام به فريقٌ من الناس سقط عن الباقين، وإن لم يقم به أحدٌ أثم جميع الناس بتركه.

وقتال الكفار واجبٌ وإن لم يبدءونا، ولا يجب الجهاد على صبي، ولا على عبدٍ، ولا امرأة، ولا أعمى، ولا مقعدٍ، ولا أقطع.

وإن هجم العدو على بلدٍ وجب على جميع المسلمين الدفع: تخرج المرأة بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن المولى.

وإذا دخل المسلمون دار حربٍ فحاصروا مدينةً أو حصناً دعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوهم كفوا عن قتالهم،

وإن امتنعوا دعوهم إلى أداء الجزية، فإن بذلوها فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.

ولا يجوز أن بقاتل من لم تبلغه دعوة الإسلام، إلا بعد أن يدعوهم، ويستحب أن يدعو من بلغته الدعوة، ولا يجب ذلك، وإن أبوا استعانوا بالله تعالى عليهم وحاربوهم ونصبوا عليهم المجانيق، وحرقوهم، وأرسلوا عليهم الماء، وقطعوا أشجارهم وأفسدوا زروعهم، ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلمٌ أسيرٌ أو تاجرٌ.

وإن تترسوا بصبيان المسلمين أو بالأسارى لم يكفوا عن رميهم ويقصدون بالرمي الكفار.

ولا بأس بإخراج النساء والمصاحف مع المسلمين إذا كان عسكراً عظيماً يؤمن عليه، ويكره إخراج ذلك في سريةٍ لا يؤمن عليها.

ولا تقاتل المرأة إلا بإذن زوجها، ولا العبد إلا بإذن سيده، إلا أن يهجم العدو.

وينبغي للمسلمين أن لا يغدروا، ولا يغلوا، ولا يمثلوا، ولا يقتلوا امرأةً أو شيخاً فانياً ولا صبياً ولا أعمى ولا مقعداً، إلا أن يكون هؤلاء ممن له رأىٌ في الحرب. أو تكون المرأة ملكةً، ولا يقتلوا مجنوناً.

وإذا رأى الإمام أن يصالح أهل الحرب أو فريقاً منهم وكان في ذلك مصلحةٌ للمسلمين فلا بأس به، وإن صالحهم مدةٌ ثم رأى أن نقض الصلح أنفع نبذ إليهم وقاتلهم، وإن بدءوا بخيانة قاتلهم ولم ينبذ إليهم إذا كان ذلك باتفاقهم.

وإذا خرج عبيدهم إلى عسكر المسلمين فهم أحرارٌ.

ولا بأس بأن يعلف العسكر في دار الحرب، ويأكلوا ما وجدوه من الطعام.

ويستعملون الحطب، ويدهنون بالهدن، ويقاتلون بما يجدونه من السلاح بغير قسمة ذلك.

ولا يجوز أن يبيعوا من ذلك شيئاً ولا يتمولوه.

ومن أسلم منهم أحرز بإسلامه نفسه وأولاده الصغار وكل مالٍ هو في يده أو وديعةٍ في يد مسلمٍ أو ذميٍ، فإن ظهرنا على الدار فعقاره فئ وزوجته فئٌ وحملها فئٌ، وأولاده الكبار فئٌ.

ولا ينبغي أن يباع السلاح من أهل الحرب، ولا يجهز إليهم، ولا يفادون بالأسارى عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يفادى بهم أسارى المسلمين، ولا يجوز المن عليهم.

وإذا فتح الإمام بلداً عنوةً فهو بالخيار: إن شاء قسمه بين الغانمين، وإن شاء أقر أهله عليه ووضع عليهم الخراج، وهو في الأسارى بالخيار: إن شاء قتلهم، وإن شاء استرقهم، وإن شاء تركهم أحراراً ذمةً للمسلمين.

ولا يجوز أن يردهم إلى دار الحرب.

وإذا أراد العود ومعهم مواش فلم يقدروا على نقلها إلى دار الإسلام ذبحوها وحرقوها ولا يعقرونها ولا يتركونها.

ولا يقسم غنيمةً في دار الحرب حتى يخرجها إلى دار الإسلام، والردء والمقاتل في العسكر سواء.

وإذا لحقهم المدد في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار الإسلام شاركوهم فيها، ولا حق لأهل سوق العسكر في الغنيمة إلا أن يقاتلوا.

وإذا أمن رجلٌ حرٌ أو امرأةٌ حرةٌ كافراً أو جماعةً أو أهل حصنٍ أو مدينةٍ صح أمانهم، ولم يجز لأحدٍ من المسلمين قتلهم إلا أن يكون في ذلك مفسدة فينبذ إليهم الإمام.

ولا يجوز أمان ذمي، ولا أسيرٍ، ولا تاجرٍ يدخل عليهم.

ولا يجوز أمان العبد عند أبي حنيفة إلا أن يأذن له مولاه في القتال، وقال أبو يوسف ومحمد: يصح أمانه.

وإذا غلب الترك على الروم فسبوهم وأخذوا أموالهم ملكوها، فإن غلبنا على الترك حل لنا ما نجده من ذلك، وإذا غلبوا على أموالنا فأحرزوها بدارهم ملكوها، فإن ظهر عليها المسلمون فوجدوها قبل القسمة فهي لهم بغير شيء، وإن وجدوها بعد القسمة أخذوها بالقيمة إن أحبوا، وإن دخل دار الحرب تاجرٌ فاشترى ذلك و أخرجه إلى دار الإسلام فمالكه بالخيار: إن شاء أخذه بالثمن الذي اشتراه به التاجر، وإن شاء ترك.

ولا يملك علينا أهل الحرب بالغلبة مدبرينا ومكاتبينا وأمهات أولادنا وأحرارنا، ونملك عليهم جميع ذلك، وإذا أبق عبدٌ لمسلم فدخل إليهم فأخذوه لم يملكوه عند أبي حنيفة. وإن ند بعيرٌ إليهم فأخذوه ملكوه وإذا لم يكن للإمام حمولة يحمل عليها الغنائم قسمها بين الغانمين قسمة إيداعٍ ليحملوها إلى دار الإسلام ثم يرتجعها فيقسمها.

ولا يجوز بيع الغنائم قبل القسمة،

ومن مات من الغانمين في دار الحرب فلا حق له في الغنيمة، ومن مات منهم بعد إخراجها إلى دار الإسلام فنصيبه لورثته.

ولا بأس أن ينفل الإمام في حال القتال، ويحرض بالنفل على القتال فيقول: من قتل قتيلاً فله سلبه، أو يقول لسريةٍ: قد جعلت لكم الربع بعد الخمس، ولا ينفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخمس، وإذا لم يجعل السلب للقاتل فهو من جملة الغنيمة،

والقاتل وغيره فيه سواء. والسلب: ما على المقتول من ثيابه وسلاحه ومركبه.

وإذا خرج المسلمون من دار الحرب لم يجز أن يعلفوا من الغنيمة ولا يأكلوا منها.

ومن فضل معه علفٌ أو طعامٌ رده إلى الغنيمة.

ويقسم الإمام الغنيمة: فيخرج خمسها، ويقسم أربعة أخماسها بين الغانمين: للفارس سهمان، وللراجل سهمٌ عند أبي حنيفة، وقالا: للفارس ثلاثة أسهمٍ، ولا يسهم إلا لفرسٍ واحدٍ، والبراذين والعتاق سواءٌ، ولا يسهم لراحلةٍ ولا بغلٍ.

ومن دخل دار الحرب فارساً فنفق فرسه استحق سهم فارسٍ، ومن دخل راجلاً فاشترى فرساً استحق سهم لراجلٍ.

ولا يسهم لمملوكٍ ولا امرأة ولا ذميٍ ولا صبيٍ، ولكن يرضخ لهم على حسب ما يراه الإمام.

وأما الخمس فيقسم على ثلاثة أسهمٍ: سهمٍ لليتامى، وسهمٍ للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، ويدخل فقراء ذوي القربى فيهم، ويقدمون، ولا يدفع إلى أغنيائهم شيء.

وأما ذكر الله تعالى في الخمس فإنما هو لافتتاح الكلام تبركاً باسمه وسهم النبي صلى الله عليه وسلم سقط بموته كما سقط الصفي، وسهم ذوي القربى كانوا يستحقونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالنصرة، وبعده بالفقر.

وإذا دخل الواحد أو الاثنان إلى دار الحرب مغيرين بغير إذن الإمام فأخذوا شيئاً لم يخمس.

وإن دخل جماعةٌ لها منعةٌ وأخذوا شيئاً خمس، وإن لم يأذن لهم الإمام وإذا دخل المسلم دار الحرب تاجراً فلا يحل له أن يتعرض لشيٍ من أموالهم ولا من دمائهم، وإن غدر بهم وأخذ شيئاً وخرج به ملكه ملكاً محظوراً، ويؤمر أن يتصدق به.

وإذا دخل الحربي إلينا مستأمناً لم يمكن أن يقيم في دارنا سنةً، ويقول له الإمام: إن أقمت تمام السنة وضعت عليك الجزية، فإن أقام أخذ منه الجزية، وصار ذمياً. ولم يترك أن يرجع إلى دار الحرب، وإن عاد إلى دار الحرب وترك وديعةً عند مسلمٍ أو ذميٍ أو ديناً في ذمتهم فقد صار دمه مباحاً بالعود وما في دار الإسلام من ماله على خطرٍ، فإن أسو أو قتل سقطت ديونه وصارت الوديعة فيئاً.

وما أوجف عليه المسلمون من أموال أهل الحرب بغير قتالٍ يصرف في مصالح المسلمين كما يصرف الخراج.

وأرض العرب كلها عشرٍ، وهي: ما بين العذيب إلى أقصى حجرٍ باليمن بمهرة إلى حد الشام، والسواد أرض خراجٍ، وهو: ما بين العذيب إلى عقبة حلوان، ومن العلث إلى عبادان.

وأرض السواد مملوكةٌ لأهلها: يجوز بيعهم لها، وتصرفهم فيها.

وكل أرضٍ أسلم أهلها عليها أو فتحت عنوةً وقسمت بين الغانمين فهي أرض عشرٍ.

وكل أرضٍ فتحت عنوةً وأقر أهلها عليها فهي أرض خراجٍ.

ومن أحيا أرضاً مواتاً فهي عند أبي يوسف معتبرة بحيزها: فإن كانت من حيز أرض الخراج فهي خراجيةٌ، وإن كانت من حيز أرض العشر فهي عشريةً، والبصرة عنده عشريةٌ بإجماع الصحابة رضي الله عنهم، وقال محمدٌ: إن أحيا ببئرٍ حفرها أو عينٍ استخرجها أو ماء دجلة أو الفرات أو الأنهار العظام التي لا يملكها أحدٌ فهي عشريةٌ، وإن أحياها بماء الأنهار التي احتفرها الأعاجم مثل نهر الملك ونهر بزدجرد فهي خراجيةٌ، والخراج الذي وضعه عمر رضي الله عنه على أهل السواد من كل جريبٍ يبلغه الماء قفيزٌ هاشميٌ وهو الصاع ودرهم، ومن جريب الرطبة خمسة دراهم، ومن جريب الكرم المتصل والنخل المتصل عشرة دراهم، وما سوى ذلك من الأصناف يوضع عليها بحسب الطاقة، فإن لم تطق ما وضع عليها نقصهم الإمام،

وإن غلب الماء على أرض الخراج أو انقطع عنها أو اصطلم الزرع آفةٌ فلا خراج عليهم، وإن عطلها صاحبها فعليه الخراج.

ومن أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله.

ويجوز أن شتري المسلم أرض الخراج من الذمي، ويؤخذ منه الخراج، ولا عشر في الخارج من أرض الخراج.

والجزية على ضربين:جزيةٌ توضع بالتراضي والصلح، فتقدر بحسب ما يقع عليه الاتفاق، وجزيةٌ يبتدئ الإمام وضعها إذا غلب على الكفار وأقرهم على أملاكهم، فيضع على الغني الظاهر الغنى في كل سنةٍ ثمانيةً وأربعين درهماً يأخذ منه في كل شهرٍ أربعة دراهم.

وعلى المتوسط الحال أربعةً وعشرين درهماً في كل شهرٍ درهمين، وعلى الفقير المعتمل اثني عشر درهماً في كل شهرٍ درهماً.

وتوضع الجزية على أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من العجم، ولا توضع على عبدة الأوثان من العرب ولا على المرتدين،

ولا جزية على امرأةٍ، ولا صبيٍ، ولا زمنٍ، ولا أعمى، ولا فقيرٍ غير معتملٍ، ولا الرهبان الذين لا يخالطون الناس.

ومن أسلم وعليه جزيةٌ سقطت عنه، وإن اجتمع حولان تداخلت الجزية.

ولا يجوز إحداث بيعةٍ ولا كنيسةٍ في دار الإسلام، وإذا انهدمت الكنائس والبيع القديمة أعادوها.

ويؤخذ أهل الذمة بالتميز عن المسلمين في زيهم ومراكبهم وسروجهم وقلانسهم، ولا يركبون الخيل، ولا يحملون السلاح.

ومن امتنع من أداء الجزية، أو قتل مسلماً، أو سب النبي عليه الصلاة والسلام. أو زنى بمسلمةٍ لم ينقض عهده، ولا ينتقض العهد إلا بأن يلحق بدار الحرب، أو يغلبوا على موضعٍ فيحاربونا.

وإذا ارتد المسلم عن الإسلام عرض عليه الإسلام، فإن كانت له شبهةٌ كشفت له، ويحبس ثلاثة أيامٍ، فإن أسلم. وإلا قتل، فإن قتله قاتلٌ قبل عرض الإسلام عليه كره له ذلك، ولا شيء على القاتل، فأما المرأة إذا ارتدت فلا تقتل، ولكن تحبس حتى تسلم.

ويزول ملك المرتد عن أمواله بردته زوالاً مراعىً. فإن أسلم عادت على حالها، وإن مات أو قتل على ردته انتقل ما كان اكتسبه في حال الإسلام إلى ورثته المسلمين، وكان ما اكتسبه في حال ردته فيئاً، فإن لحق بدار الحرب مرتداً وحكم الحاكم بلحاقه عتق مدبروه وأمهات أولاده وحلت الديون التي عليه، ونقل ما اكتسبه في حال الإسلام إلى ورثته المسلمين،

وتقضى الديون التي لزمته في حال الإسلام مما اكتسبه في حال الإسلام، وما لزمه من الديون في حال ردته مما اكتسبه في حال ردته، وما باعه أو اشتراه أو تصرف فيه من أمواله في حال ردته موقوف: فإن أسلم صحت عقوده، وإن مات أو قتل أو لحق بدار الحرب بطلت وإن عاد المرتد بعد الحكم بلحاقه إلى دار الإسلام مسلماً، فما وجده في يد ورثته من ماله بعينه أخذه.

والمرتدة إذا تصرفت في مالها في حال ردتها جاز تصرفها.

ونصارى بني تغلب يؤخذ من أموالهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين من الزكاة، ويؤخذ من نسائهم، ولا يؤخذ من صبيانهم.

وما جباه الإمام من الخراج ومن أموال بني تغلب وما أهداه أهل الحرب إلى الإمام والجزية تصرف في مصالح المسلمين: فتسد منها الثغور، وتبنى القناطر والجسور، ويعطى قضاة المسلمين وعمالهم وعلماؤهم منه ما يكفيهم، ويدفع منه أرزاق المقاتلة وذراريهم.

 

 

باب البغاة.

- وإذا تغلب قومٌ من المسلمين على بلدٍ وخرجوا عن طاعة الإمام دعاهم إلى العود إلى الجماعة، وكشف عن شبهتهم، ولا يبدؤهم بالقتال حتى يبدءوه، فإن بدءوا قاتلهم حتى يفرق جمعهم.

فإن كانت لهم فئةٌ أجهز على جريحهم واتبع موليهم، وإن لم يكن لهم فئةٌ لم يجهز على جريحهم ولم يتبع موليهم، ولا تسبى لهم ذريةٌ، ولا يغنم لهم مالٌ.

ولا بأس أن يقاتلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه، ويحبس الإمام أموالهم، ولا يردها عليهم، ولا يقسمها حتى يتوبوا فيردها.

وما جباه أهل البغي من البلاد التي غلبوا عليها من الخراج والعشر لم يأخذه الإمام ثانياً، فإن كانوا صرفوه في حقه أجزأ من أخذ منه، وإن لم يكونوا صرفوه في حقه أفتى أهله فيما بيهم وبين الله تعالى أن يعيدوا ذلك.

 

 

 كتاب الحظر والإباحة.

- لا يحل للرجال لبس الحرير، ويحل للنساء، ولا بأس بتوسده عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يكره توسده.

ولا بأس بلبس الديباج في الحرب عندهما، ويكره عند أبي حنيفة.

ولا بأس بلبس الملحم إذا كان سداه إبرسيما ولحمته قطناً أو خزاً.

ولا يجوز للرجال التحلي بالذهب والفضة، إلا الخاتم والمنطقة، وحلية السيف من الفضة، ويجوز للنساء التحلي بالذهب والفضة. ويكره أن يلبس الصبي الذهب والحرير.

ولا يجوز الأكل، والشرب، والادهان، والتطيب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء.

ولا بأس باستعمال آنية الزجاج والبلور والعقيق.

ويجوز الشرب في الإناء المفضض عند أبي حنيفة، والركوب على السرج المفضض، والجلوس على السرير المفضض.

ويكره التعشير في المصحف، والنقط.

ولا بأس بتحلية المصحف، ونقش المسجد، وزخرفته بماء الذهب،

ويكره استخدام الخصيان.

ولا بأس بخصاء البهائم، وإنزاء الحمير على الخيل.

ويجوز أن يقبل في الهدية والإذن قول الصبي والعبد، ويقبل في المعاملات قول الفاسق، ولا يقبل في أخبار الديانات إلا العدل.

ولا يجوز أن ينظر الرجل من الأجنبية إلا إلى وجهها وكفيها، وإن كان لا يأمن الشهوة لا ينظر إلى وجهها إلا لحاجةٍ.

ويجوز للقاضي إذا أراد أن يحكم عليها، ولشاهد إذا أراد الشهادة عليها، النظر إلى وجهها، وإن خاف أن يشتهي.

ويجوز للطبيب أن ينظر إلى موضع المرض منها.

وينظر الرجل من الرجل إلى جميع بدنه، إلا ما بين سرته إلى ركبته.

ويجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما ينظر الرجل إليه منه، وتنظر المرأة من المرأة إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من الرجل، وينظر الرجل من أمته التي تحل له وزوجته إلى فرجها.

وينظر الرجل من ذوات محارمه إلى الوجه، والرأس، والصدر، والساقين، والعضدين، ولا ينظر إلى ظهرها وبطنها.

ولا بأس أن يمس ما جاز أن ينظر إليه.

وينظر الرجل من مملوكة غيره إلى ما يجوز أن ينظر إليه من ذوات محارمه، ولا بأس بأن يمس ذلك إذا أراد الشراء، وإن خاف أن يشتهي.

والخصي في النظر إلى الأجنبية كالفحل.

ولا يجوز للمملوك أن ينظرمن سيدته إلا إلى ما يجوز للأجنبي أن ينظر إليه منها.

ويعزل عن أمته بغير إذنها، ولا يعزل عن زوجته إلا بإذنها.

ويكره الاحتكار في أقوات الآدميين والبهائم، إذا كان ذلك في بلدٍ يضر الاحتكار بأهله، ومن احتكر غلة ضيعته، أو ما جلبه من بلد آخر، فليس بمحتكرٍ.

ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس.

ويكره بيع السلاح في أيام الفتنة، ولا بأس ببيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمراً.

 

 

 كتاب الوصايا.

- الوصية غير واجبةٍ، وهي مستحبةٌ، ولا تجوز الوصية لوارثٍ إلا أن يجيزها الورثة. ولا تجوز الوصية بما زاد على الثلث، ولا للقاتل، ويجوز أن يوصي المسلم للكافر، والكافر للمسلم.

وقبول الوصية بعد الموت، فإن قبلها الموصى له في حال الحياة أو ردها فذلك باطلٌ.

ويستحب أن يوصي الإنسان بدون الثلث.

وإذا أوصي إلى رجلٍ فقبل الوصي في وجه الموصي فردها في غير وجهه فليس بردٍ وإن ردها في وجهه فهو بردٌ.

والموصى به يملك بالقبول إلا في مسألةٍ، وهي: أن يموت الموصي، ثم يموت الموصى له قبل القبول، فيدخل الموصى به في ملك ورثته.

ومن أوصى إلى عبدٍ أو كافرٍ أو فاسقٍ أخرجهم القاضي من الوصية ونصب غيرهم.

ومن أوصى إلى عبد نفسه وفي الورثة كبارٌ لم تصح الوصية.

ومن أوصى إلى من يعجز عن القيام بالوصية ضم إليه القاضي غيره.

ومن أوصى إلى اثنين لم يجز لأحدهما أن يتصرف عند أبي حنيفة ومحمدٍ دون صاحبه، إلا في شراء كفن الميت وتجهيزه، وطعام الصغار وكسوتهم، ورد وديعةٍ بعينها، وقضاء دين، وتنفيذ وصيةٍ بعينها، وعتق عبدٍ بعينه، والخصومة في حقوق الميت.

ومن أوصى لرجلٍ بثلث ماله ولآخر بثلث ماله فلم تجز الورثة فالثلث بينهما نصفان، وإن أوصى لأحدهما بالثلث وللآخر بالسدس فالثلث بينهما أثلاثاً، وإن أوصى لأحدهما بجميع ماله وللآخر بثلث ماله فلم تجز الورثة فالثلث بينهما على أربعة أسهمٍ عند أبي يوسف ومحمدٍ، وقال أبو حنيفة: الثلث بينهما نصفان،

ولا يضرب أبو حنيفة للموصى له بما زاد على الثلث إلا في المحاباة، والسعاية والدراهم المرسلة.

ومن أوصى وعليه دينٌ يحيط بماله لم تجز الوصية، إلا أن تبرئ الغرماء من الدين.

ومن أوصى بنصيب ابنه فالوصية باطلةٌ، وإن أوصى بمثل نصيب ابنه جاز، فإن كان له ابنان فللموصي له الثلث.

ومن أعتق عبداً في مرضه، أو باع وحابى، أو وهب، فذلك كله جائز يعتبر من الثلث ويضرب به مع أصحاب الوصايا، فإن حابى ثم أعتق فالمحاباة أولى عند أبي حنيفة. وإن أعتق ثم حابى فهما سواءٌ، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: العتق أولى في المسألتين.

ومن أوصى بسهمٍ من ماله فله أخس سهام الورثة، إلا أن ينقص من السدس فيتمم له السدس،

وإن أوصى بجزء من ماله قيل للورثة: أعطوه ما شئتم.

ومن أوصى بوصايا من حقوق الله تعالى قدمت الفرائض منها قدمها الموصى أو أخرها، مثل الحج، والزكاة، والكفارات، وما ليس بواجبٍ قدم منه ما قدمه الموصي.

ومن أوصى بحجة الإسلام أحجوا عنه رجلاً من بلده. يحج عنه راكباً، فإن لم تبلغ الوصية النفقة أحجوا عنه من حيث تبلغ.

ومن خرج من بلده حاجاً فمات في الطريق وأوصى أن يحج عنه حج عنه من بلده عند أبي حنيفة.

ولا تصح وصية الصبي، والمكاتب وإن ترك وفاءً.

ويجوز للموصي الرجوع عن الوصية، فإذا صرح بالرجوع، أو فعل ما يدل على الرجوع كان رجوعاً، ومن جحد الوصية لم يكن رجوعاً.

ومن أوصى لجيرانه فهم الملاصقون عند أبي حنيفة.

ومن أوصى لأصهاره فالوصية لكل ذي رحمٍ محرمٍ من امرأته.

ومن أوصى لأختانه فالختن زوج كل ذات رحمٍ محرمٍ منه.

ومن أوصى لأقربائه فالوصية للأقرب فالأقرب من كل ذي رحمٍ محرمٍ منه، ولا يدخل فيهم الوالدان والولد، وتكون للاثنين فصاعداً، وإذا أوصى بذلك وله عمان وخالان، فالوصية لعميه عند أبي حنيفة، وإن كان له عمٌ وخالان، فللعم النصف، وللخالين النصف.

وقال أبو يوسف ومحمدٌ: الوصية لكل من ينسب إلى أقصى أبٍ له في الإسلام.

ومن أوصى لرجلٍ بثلث دراهمه أو ثلث غنمه، فهلك ثلثا ذلك وبقي ثلثه وهو يخرج من ثلث ما بقي من ماله فله جميع ما بقي، وإن أوصى بثلث ثيابه فهلك ثلثاها وبقي ثلثها وهو يخرج من ثلث ما بقي من ماله لم يستحق إلا ثلث ما بقي من الثياب.

ومن أوصى لرجلٍ بألف درهمٍ وله مالٌ عينٌ ودينٌ، فإن خرجت الألف من ثلث العين دفعت إلى الموصى له، وإن لم تخرج دفع إليه ثلث العين، وكلما خرج شيءٌ من الدين أخذ ثلثه حتى يستوفي الألف.

وتجوز الوصية للحمل، وبالحمل، إذا وضع لأقل من ستة أشهرٍ من يوم الوصية.

ومن أوصى لرجلٍ بجاريةٍ إلا حملها صحت الوصية والاستثناء.

ومن أوصى لرجلٍ بجاريةٍ فولدت بعد موت الموصي قبل أن يقبل الموصى له ولدا ثم قبل وهما يخرجان من الثلث فهما للموصى له، وإن لم يخرجا من الثلث ضرب بالثلث وأخذ ما يخصه منهما جميعاً في قول أبي يوسف ومحمدٍ، وقال أبو حنيفة: يأخذ ذلك من الأم، فإن فضل شيءٌ أخذه من الولد.

وتجوز الوصية بخدمة عبده وسكنى داره، سنين معلومةً، وتجوز بذلك أبداً،

فإن خرجت رقبة العبد من الثلث سلم إليه للخدمة، وإن كان لا مال له غيره خدم الورثة يومين والموصى له يوماً، فإن مات الموصى له عاد إلى الورثة، وإن مات الموصى له في حياة الموصى بطلت الوصية.

وإذا أوصى لولد فلانٍ فالوصية بينهم: الذكر والأنثى فيه سواءٌ.

ومن أوصى لورثة فلانٍ فالوصية بينهم: للذكر مثل حظ الأنثيين.

ومن أوصى لزيدٍ وعمرو بثلث ماله، فإذا عمروٌ ميتٌ، فالثلث كله لزيدٍ وإن قال: "ثلث مالي بين زيد وعمروٍ" وزيدٌ ميتٌ كان لعمروٍ نصف الثلث.

ومن أوصى بثلث ماله ولا ماله له ثم اكتسب مالا استحق الموصى له ثلث ما يملكه عند الموت، والله أعلم.

 

 

 كتاب الفرائض.

- المجمع على توريثهم من الذكور. عشرةٌ: الابن، وابن الابن وإن سفل، والأب، والجد أب الأب وإن علا، والأخ، وابن الأخ؛ والعم، وابن العم، والزوج، ومولى النعمة.

ومن الإناث سبعٌ: البنت، وبنت الابن، والأم، والجدة، والأخت، والزوجة، ومولاة النعمة.

ولا يرث أربعةٌ: المملوك، والقاتل من المقتول، والمرتد، وأهل الملتين.

والفروض المحددة في كتاب الله تعالى ستةٌ: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.

فالنصف فرض خمسةٍ: فرض البنت، وبنت الابن إذا لم تكن بنت الصلب، والأخت. من الأب والأم، والأخت من الأب إذا لم تكن أختٌ لأبٍ وأمٍ، والزوج إذا لم يكن للميت ولدٌ ولا ولد ابنٍ.

والربع فرض الزوج مع الولد أو ولد الابن، والزوجات إذا لم يكن للميت ولدٌ ولا ولد ابن.

والثمن فرض الزوجات مع الولد وولد الابن.

والثلثان لكا اثنين فصاعداً ممن فرضه النصف إلا الزوج.

والثلث للأم إذا لم يكن للميت ولدٌ، ولا ولد ابن، ولا اثنان من الإخوة والأخوات فصاعداً، ويفرض لها في مسألتين - وهما: زوجٌ وأبوان، وامرأةٌ وأبوان - ثلث ما يبقى بعد فرض الزوج أو الزوجة، وهو لكل اثنين فصاعداً من ولد الأم: ذكورهم وإناثهم فيه سواءٌ.

والسدس فرض سبعةٍ: لكل واحدٍ من الأبوين مع الولد أو ولد الابن، وللأم مع الإخوة والأخوات من أي جهةٍ كانوا، وللجدات، وللجد، مع الولد أو ولد الابن، ولبنات الابن مع البنت، وللأخوات لأبٍ مع الأخت لأبٍ وأمٍ، وللواحد من ولد الأم.

وتسقط الجدات بالأم، والجد والإخوة والأخوات بالأب.

ويسقط ولد الأم بأربعةٍ: بالولد، وولد الابن، والأب، والجد.

وإذا استكمل البنات الثلثين سقطت بنات الابن؛ إلا أن يكون بإزائهن أو أسفل منهن ابن ابن فيعصبهن.

وإذا استكمل الأخوات لأبٍ وأم الثلثين سقطت الأخوات لأب. إلا أن يكون معهن أخٌ لهن فيعصبهن.

 

 

باب أقرب العصبات.

- وأقرب العصبات البنون، ثم بنوهم، ثم الأب، ثم الجد، ثم بنو الأب، وهم الأخوة، ثم بنو الجد، وهم الأعمام، ثم بنو أب الجد.

وإذا استوى بنو أبٍ في الدرجة فأولاهم من كان لأبٍ وأمٍ والابن وابن الابن والإخوة يقاسمون أخواتهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، ومن عداهم من العصبات ينفرد بالميراث ذكورهم دون إناثهم.

وإذا لم يكن عصبةٌ من النسب فالعصبة هو المولى المعتق، ثم أقرب عصبة المولى.

 

 

باب الحجب.

- وتحجب الأم من الثلث إلى السدس بالولد، أو بأخوين.

والفاضل عن فرض البنات لبني الابن وأخواتهم، للذكر مثل حظ الأنثيين.

والفاضل عن فرض الأختين من الأب والأم للإخوة والأخوات من الأب للذكر مثل حظ الأنثيين.

وإذا ترك بنتاً وبنات ابنٍ وبني ابنٍ، فللبنت النصف، والباقي لبني الابن وأخواتهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك الفاضل عن فرض الأخت من الأب والأم لبني الأب وبنات الأب للذكر مثل حظ الأنثيين.

ومن ترك ابني عمٍ أحدهما أخٌ لأمٍ فللأخ للأم السدس، والباقي بينهما.

والمشركة: أن تترك المرأة زوجاً وأماً - أو جدةً - وأختين من أمٍ وأخا لأبٍ وأمٍ، فللزوج النصف، وللأم السدس، ولولد الأم الثلث، ولا شيء للإخوة من الأب والأم.

 

 

باب الرد.

- والفاضل عن فرض ذوي السهام إذا لم يكن عصبةٌ مردودٌ عليهم بمقدار سهامهم، إلا على الزوجين.

ولا يرث القاتل من المقتول، والكفر كله ملةٌ واحدةٌ يتوارث به أهله.

ولا يرث المسلم من الكافر، ولا الكافر من المسلم، ومال المرتد لورثته من المسلمين، وما اكتسبه في حال ردته فيٌ.

وإذا غرق جماعةٌ أو سقط عليهم حائطٌ فلم يعلم من مات منهم أولاً فمال كل واحدٍ منهم للأحياء من ورثته.

وإذا اجتمع في المجوسي قرابتان لو تفرقت في شخصين ورث أحدهما مع الآخر ورث بهما، ولا يرث المجوسي بالأنكحة الفاسدة التي يستحلونها في دينهم.

وعصبة ولد الزنا وولد الملاعنة مولى أمهما.

ومن مات وترك حملاً وقف ماله حتى تضع امرأته حملها في قول أبي حنيفة.

والجد أولى بالميراث من الإخوة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يقاسمهم، إلا أن تنقصه المقاسمة من الثلث.

وإذا اجتمعت الجدات فالسدس لأقربهن،

ويحجب الجد أمه.

ولا ترث أم أبي الأم بسهمٍ، وكل جدةٍ تحجب أمها.

 

 

باب ذوي الأرحام.

- وإذا لم يكن للميت عصبةٌ ولا ذو سهمٍ ورثه ذوو أرحامه، وهم عشرةٌ: ولد البنت، وولد الأخت، وابنة الأخ، وابنة العم، والخال، والخالة، وأب الأم، والعم من الأم، والعمة، وولد الأخ من الأم، ومن أدلى بهم،

وأولاهم ولد الميت، ثم ولد الأبوين، أو أحدهما، وهم بنات الإخوة وولد الأخوات، ثم ولد أبوي أبويه أو أحدهما، وهم الأخوال والخالات والعمات.

وإذا استوى ولد أبٍ في درجةٍ فأولاهم من أدلى بوارثٍ، وأقربهم أولى من أبعدهم، وأب الأم أولى من ولد الأخ والأخت.

والمعتق أحق بالفاضل عن سهم ذوي السهام إذا لم تكن عصبةٌ سواه، ومولى الموالاة يرث.

وإذا ترك المعتق أبا مولاه وابن مولاه فماله للابن، وقال أبو يوسف: للأب السدس والباقي للابن، فإن ترك جد مولاه وأخ مولاه فالمال للجد في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: هو بينهما.

ولا يباع الولاء، ولا يوهب.

 

 

باب حساب الفرائض.

- إذا كان في المسألة نصفٌ ونصفٌ، أو نصفٌ وما بقي، فأصلها من اثنين، وإن كان ثلثٌ وما بقي، أو ثلثان وما بقي فأصلها من ثلاثة، وإن كان ربعٌ وما بقي أو ربعٌ ونصفٌ فأصلها من أربعة، وإن كان ثمنٌ وما بقي، أو ثمنٌ ونصفٌ وما بقي فأصلها من ثمانية، وإذا كان سدسٌ وما بقي أو نصفٌ وثلثٌ أو سدس فأصلها من ستة، وتعول إلى سبعة وثمانية وتسعة وعشرة.

وإن كان مع الربع ثلثٌ أو سدسٌ فأصلها من اثني عشر، وتعول إلى ثلاثة عشر وخمسة عشر وسبعة عشر.

وإذا كان مع الثمن ثلثان أو سدسٌ فأصلها من أربعة وعشرين، وتعول إلى سبعة وعشرين.

فإذا انقسمت المسألة على الورثة فقد صحت، وإن لم تنقسم سهام فريقٍ عليهم فاضرب عددهم في أصل المسألة وعولها إن كانت عائلة، فما خرج فمنه تصح المسألة، كامرأة وأخوين: للمرأة الربع سهمٌ، وللأخوين ما بقي، وهي ثلاثة أسهمٍ لا تنقسم عليهما فاضرب اثنين في أصل المسألة فتكون ثمانية، ومنها تصح.

وإن وافق سهامهم عددهم، فاضرب وفق عددهم في أصل المسألة، كامرأةٍ وستة أخوةٍ، للمرأة الربع سهمٌ، وللأخوة ثلاثةٌ، فاضرب وفق عددهم في أصل المسألة يكون ثمانيةً، ومنها تصح.

وإن لم تنقسم سهام فريقين أو أكثر، فاضرب أحد الفريقين في الآخر ثم ما اجتمع في الفريق الثالث، ثم ما اجتمع في أصل المسألة، فإن تساوت الأعداد أجزأ أحدهما عن الآخر، كامرأتين وأخوين، فاضرب اثنين في أصل المسألة.

فإن كان أحد العددين جزءاً من الآخر أغنى الأكثر عن الأقل كأربع نسوةٍ وأخوين، إذا ضربت الأربعة أجزأك عن الأخوين.

وإن وافق أحد العددين الآخر ضربت وفق أحدهما في جميع الآخر، ثم ما اجتمع في أصل المسألة، كأربع نسوةٍ وأختٍ وستة أعمامٍ فالستة توافق الأربعة بالنصف، فاضرب نصف أحدهما في جميع الآخر، ثم ما اجتمع في أصل المسألة، تكون ثمانيةً وأربعين، ومنها تصح.

فإذا صحت المسألة فاضرب سهام كل وارثٍ في التركة ثم أقسم ما اجتمع على ما صحت منه الفريضة يخرج حق ذلك الوارث.

وإذا لم تقسم التركة حتى مات أحد الورثة، فإن كان ما يصيبه من الميت الأول ينقسم على ورثته فقد صحت المسألتان مما صحت الأولى، وإن لم ينقسم صححت فريضة الميت الثاني بالطريقة التي ذكرناها، ثم ضربت إحدى المسألتين في الأخرى إن لم يكن بين سهام الميت الثاني وما صحت منه فريضته موافقةٌ فإن كان بينهما موافقةٌ فاضرب المسألة الثانية في الأولى، فما اجتمع صحت منه المسألتان.

وكل من له شيءٌ من المسألة الأولى مضروبٌ في وفق المسألة الثانية، ومن كان له شيءٌ من المسألة الثانية مضروبٌ في وفق تركة الميت الثاني.

وإذا صحت مسألة المناسخة، وأردت معرفة ما يصيب كل واحدٍ من حبات الدرهم قسمت ما صحت منه المسألة على ثمانية وأربعين، فما خرج أخذت له من سهام كل وارثٍ حبةً... والله أعلم بالصواب.

 

انتهى الكتاب بحمد الله وعونه