عُمْـدَة الفِقْـه

 

موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي

 

مقدمة

كتاب الطهارة

باب أحكام المياه

باب الآنية

باب قضاء الحاجة

باب الوضوء

باب مسح الخفين

باب نواقض الوضوء

باب الغسل من الجنابة

باب التيمم

باب الحيض

باب النفاس

كتاب الصلاة

باب الأذان والإقامة

باب شروط الصلاة

باب أداب المشى إلى الصلاة

باب أركان الصلاة وواجباتها

باب سجدتى السهو

باب صلاة التطوع

باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها

باب الإمامة

باب صلاة المريض

باب صلاة المسافر

باب صلاة الخوف

باب صلاة الجمعة

باب صلاة العيدين

كتاب الجنائز

كتاب الزكاة

باب زكاة السائمة

باب زكاة الخارج من الأرض

باب زكاة الأثمان

باب حكم الدين

باب زكاة العروض

باب زكاة الفطر

باب إخراج الزكاة

باب من يجوز دفع الزكاة إليه

باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه

كتاب الصيام

باب أحكام المفطرين في رمضان

باب ما يفسد الصوم

باب صيام التطوع

باب الاعتكاف

كتاب الحج والعمرة

باب المواقيت

باب الإحرام

باب محظورات الإحرام

باب الفدية

باب دخول مكة

باب صفة الحج

باب ما يفعله بعد الحل

باب أركان الحج والعمرة

باب الهدي والأضحية

باب العقيقة

كتاب البيوع

فصل

باب الربا

باب بيع الأصول والثمار

فصل: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها

باب الخيار

باب السلم

باب القرض وغيره

باب أحكام الدين

باب الحوالة والضمان

باب الرهن

باب الصلح

باب الوكالة

باب الشركة

باب المساقاة والمزارعة

باب إحياء الموات

باب الجعالة

باب اللقطة

فصل في اللقيط

باب السبق

كتاب الإجارة

باب الغصب

باب الشفعة

كتاب الوقف

باب الهبة

باب عطية المريض

كتاب الوصايا

فصل إذا بطلت الوصية

باب الموصى إليه

فصل: ولوليهم أن يأذن للمميز من الصبيان بالتصرف ليختبر رشده

فصل: وإذا أذن السيد لعبده في التجارة صح بيعه

كتاب الفرائض

فصل: والجد كالأب في أحواله

فصل: وللأم أربعة أحوال

فصل: وللجدة - إذا لم تكن أم - السدس

فصل: وللبنت النصف وللبنتين فصاعداً الثلثان

فصل: والأخوات من الأبوين كالبنات في فرضهن

فصل: والإخوة والأخوات من الأم

باب الحجب

باب العصبات

باب ذوي الأرحام

باب أصول المسائل

باب الرد

باب تصحيح المسائل

باب المناسخات

باب موانع الميراث

باب مسائل شتى

باب الولاء

باب الميراث بالولاء

كتاب العتق

باب العتق

فصل: وإذا قال لعبده أنت حر

باب التدبير

باب المكاتب

باب أحكام أمهات الأولاد

كتاب النكاح

باب ولاية النكاح

فصل: وللأب تزويج أولاده الصغار ذكورهم وإناثهم

فصل: وللسيد تزويج إمائه

باب المحرمات في النكاح

فصل: ويحرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمها وخالتها

كتاب الرضاع

فصل: لو تزوج رجل كبيرة ولم يدخل بها وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة

باب نكاح الكفار

فصل: وإن أسلم الحر

باب الشروط في النكاح

العيوب التي يفسخ بها النكاح

فصل: وإن عتقت المرأة

كتاب الصداق

فصل: فإن تزوجها بغير صداق صح

فصل: كل فرقة جاءت من المرأة قبل الدخول

باب معاشرة النساء

فصل: ولها عليه المبيت

باب القسم والنشوز

فصل: ويستحب التستر عند الجماع

فصل: وإن خافت المرأة من زوجها نشوزاً

باب الخلع

كتاب الطلاق

باب صريح الطلاق وكنايته

باب تعليق الطلاق بالشروط

باب ما يختلف به عدد الطلاق وغيره

باب الرجعة

باب العدة

باب الإحداد

باب نفقة المعتدات

باب استبراء الإماء

كتاب الظهار

كتاب اللعان

فصل: ومن ولدت امرأته أو أمته التي أقر بوطئها ولداً يمكن كونه منه لحقه نسبه

فصل: وإذا وطىء رجلان امرأة في طهر واحد

باب الحضانة

باب نفقة الأقارب والمماليك

باب الوليمة

كتاب الأطعمة

فصل: والحيوان قسمان

باب الذكاة

فصل: ويشترط في الذبح والنحر خاصة شرطان

كتاب الصيد

باب المضطر

باب النذر

كتاب الأيمان

باب جامع الأيمان

باب كفارة اليمين

كتاب الجنايات

باب شروط وجوب القصاص واستيفائه

فصل: ويشترط لجواز استيفائه شروط ثلاثة

فصل: ويسقط بعد وجوبه بأمور ثلاثة

باب الاشتراك في القتل

باب القود في الجروح

فصل: إذا قطع بعض لسانه أو مارنه أو شفته أو حشفته أو أذنه أخذ مثله

كتاب الديات

باب العاقلة وما تحمله

فصل: وجناية العبد في رقبته

باب ديات الجراح

باب الشجاج وغيرها

باب كفارة القتل

باب القسامة

كتاب الحدود

فصل: ويضرب في الجلد بسوط لا جديد ولا خلق

فصل: وإن اجتمعت حدود لله تعالى فيها قتل قتل وسقط سائرهم

فصل: ومن أتى حداً خارج الحرم

باب حد الزنى

باب حد القذف

باب حد المسكر

باب حد السرقة

باب حد المحاربين

فصل: ومن عرض له من يريد نفسه

باب قتال أهل البغي

باب حكم المرتد

كتاب الجهاد

باب الأنفال

فصل: ويرضخ لمن لا سهم له من النساء والصبيان والعبيد والكفار

باب الغنائم وقسمتها

فصل: وما تركه الكفار فزعاً وهربوا

باب الأمان

فصل: وتجوز مهادنة الكفار إذا رأى الإمام المصلحة فيها

باب الجزية

كتاب القضاء

باب صفة الحكم

باب في تعارض الدعاوى

باب حكم كتاب القاضي

باب القسمة

كتاب الشهادات

باب من ترد شهادته

باب الشهادة على الشهادة والرجوع عنها

فصل: ومتى غير العدل شهادته

باب اليمين في الدعاوى

باب الإقرار

فصل: ولا يقبل إقرار غير المكلف بشئ

 

 

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله أهل الحمد ومستحقه، حمداً يفضل على كل حمد كفضل الله على خلقه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة قائم لله بحقه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله غير مرتاب في صدقه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ما جاء سحاب بَودْقه، وما رعد بعد برقه.
أما بعد، فهذا كتاب في الفقه اختصرته حسب الإمكان، واقتصرت فيه على قول واحد ليكون عمدة لقارئة، فلا يلتبس الصواب عليه بإختلاف الوجوه والروايات.
سألني بعض اخواني تلخيصه ليقرب على المتعلمين، ويسهل حفظه على الطالبين، فأجبته إلى ذلك معتمداً على الله سبحانه وتعالى في إخلاص القصد لوجهه الكريم، والمعونة على الوصول إلى رضوانه العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وأودعته أحاديث صحيحه تبركاً بها، واعتماداً عليها، وجعلتها من الصحاح لأستغني عن نسبتها إليها.


 

كتاب الطهارة

باب أحكام المياه

خلق الماء طهوراً، يطهر من الأحداث والنجاسات، ولا تحصل الطهارة بمائع غيره، فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جارياً لم ينجسه شئ، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه، وما سوى ذلك ينجس بمخالطة النجاسة، والقلتان ما قارب مائة وثمانية أرطال بالدمشقي، وإن طبخ في الماء ما ليس بطهور، وكذلك ما خالطه فغلب على اسمه، أو استعمل في رفع حدث سلب طهوريته، وإذا شك في طهارة الماء أو غيره ونجاسته بني على اليقين، وإن خفي موضع النجاسة من الثوب أو غيره غسل ما يتيقن به غسلها، وإن اشتبه ماء طاهر بنجس ولم يجد غيرهما تيمم وتركهما، وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل واحد منهما، وان اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس وزاد صلاة.
وتغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهن بالتراب، ويجزئ في سائر النجاسات ثلاث منقية، وإن كانت النجاسة على الأرض فصبة واحدة تذهب بعينها لقوله صلى الله عليه وسلم: صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء. ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح. وكذلك المذي، ويعفى عن يسيره ويسير الدم وما تولد منه من القيح والصديد ونحوه، وحد اليسير هو ما لا يفحش في النفس، ومني الآدمي، وبول ما يؤكل لحمه طاهر.

باب الآنية

لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها، لما روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة. وحكم المضبب بهما حكمهما إلا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة، ويجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة واتخاذها، واستعمال أواني أهل الكتاب وثيابهم ما لم تعلم نجاستها.
وصوف الميتة وشعرها طاهر. وكل جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ فهو نجس.
وكذلك عظامها، وكل ميتة نجسة إلا الآدمي. وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر: والطهور ماؤه الحل ميتته.
وما لا نفس له سائله إذا لم يكن متولداً من النجاسات.

باب قضاء الحاجة

يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم، وإذا خرج قال: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني. ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج، ولا يدخله بشئ فيه ذكر الله تعالى إلا من حاجة.
ويعتمد في جلوسه على رجله اليسرى، وإن كان في الفضاء أبعد واستتر، ويرتاد لبوله موضعاً رخواً، ولا يبول في ثقب ولا شق، ولا طريق ولا ظل نافع، ولا تحت شجرة مثمرة، ولا يستقبل شمساً ولا قمراً، ولا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها. ويجوز ذلك في البنيان، وإذا انقطع البول مسح من أصل ذكره إلى رأسه ثم ينتره ثلاثاً، ولا يمس ذكره بيمينه، ولا يستجمر بها ثم يستجمر وتراً، ثم يستنجي بالماء، فإن اقتصر على الاستجمار أجزأه.
وإنما يجزئ الاستجمار إذا لم يتعد الخارج موضع الحاجة، ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات منقية، ويجوز الاستجمار بكل طاهر ويكون منقياً، إلا الروث والعظام، وما له حرمة.

باب الوضوء

لا يصح الوضوء ولا غيره من العبادات إلا أن ينويه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. ثم يقول: بسم الله. ويغسل كفيه ثلاثاً، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثاً يجمع بينها بغرفة واحدة أو ثلاث، ثم يغسل وجهه ثلاثاً من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، ويخلل لحيته إن كانت كثيفة، وإن كانت تصف البشرة لزمه غسلها، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ويدخلهما في الغسل، ثم يمسح رأسه مع الأذنين، يبدأ بيديه من مقدمه ثم يمرهما إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ويدخلهما في الغسل، ويخلل أصابعهما، ثم يرفع نظره إلى السماء فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله(64). والواجب من ذلك النية، والغسل مرة مرة ما خلا الكفين. ومسح الرأس كله.
وترتيب الوضوء على ما ذكرنا، ولا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله.
والمسنون التسمية، وغسل الكفين، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائماً، وتخليل اللحية، والأصابع ومسح الأذنين. وغسل الميامن قبل المياسر، والغسل ثلاثاً ثلاثاً، وتكره الزيادة عليها، والإسراف في الماء.
ويسن السواك عند تغير الفم، وعند القيام من النوم، وعند الصلاة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. ويستحب في سائر الأوقات إلا للصائم بعد الزوال.

باب مسح الخفين

يجوز المسح على الخفين، وما أشبههما من.
الجوارب الصفيقة التي تثبت في القدمين، والجراميق التي تجاوز الكعبين في الطهارة الصغرى يوماً وليلة للمقيم، وثلاثاً للمسافر، من الحدث إلى مثله. لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوماً وليلة. ومتى مسح ثم انقضت المدة - أو خلع قبلها - بطلت طهارته. ومن مسح مسافراً ثم أقام - أو مقيماً ثم سافر - أتم مسح مقيم. ويجوز المسح على العمامة إذا كانت ذات ذؤابة.
ساترة لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه. ومن شرط المسح على جميع ذلك أن يلبسه على طهارة كاملة. ويجوز المسح على الجبيرة إذا لم يتعد بشدها موضع الحاجة إلى أن يحلها، والرجل والمرأة في ذلك سواء، إلا أن المرأة لا تمسح على العمامة.

باب نواقض الوضوء

وهي سبعة: الخارج من السبيلين.
والخارج النجس من سائر البدن إذا فحش، وزوال العقل إلا النوم اليسير جالساً أو قائماً. ولمس الذكر بيده.
وأن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة. والردة عن الإسلام. وأكل لحم الجزور، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: أنتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال: نعم توضئوا منها. قيل: أفنتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ.
ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة، فهو على ما تيقن منهما.

باب الغسل من الجنابة

والموجب له خروج المني وهو الماء الدافق، والتقاء الختانين، والواجب فيه النية، وتعميم بدنه بالغسل مع المضمضة والاستنشاق. وتسن التسمية، ويدلك بدنه بيده، ويفعل كما روت ميمونة قالت: سترت النبي صلى الله عليه وسلم فاغتسل من الجنابة، فبدأ فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه وما أصابه ثم ضرب بيده على الحائط والأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفاض الماء على بدنه، ثم تنحى فغسل رجليه. ولا يجب نقض الشعر في غسل الجنابة إذا روي أصوله، وإذا نوى بغسله الطهارتين أجزأ عنهما، وكذلك لو تيمم للحدثين والنجاسة على بدنه أجزأ عن جميعها، وإن نوى بعضها فليس له إلا ما نوى بهما وجهه وكفيه.

باب التيمم

وصفته أن يضرب بيديه على الصعيد الطيب ضربة واحدة فيمسح بهما وجهه وكفيه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: إنما كان يكفيك هكذا. وضرب بيديه الأرض فمسح وإن تيمم بأكثر من ضربة أو مسح أكثر جاز. وله شروط أربعة:
أحدها: العجز عن استعمال الماء، إما لهدمه، أو لخوف الضرر من استعماله لمرض أو برد شديد، أو لخوف العطش على نفسه أو رفيقه أو بهيمته، أو خوف على نفسه أو ماله في طلبه، أو تعذر إلا بثمن كثير، فإن أمكنه استعماله في بعض بدنه، أو وجد ماء لا يكفيه لطهارته استعمله وتيمم للباقي.
والثاني: دخول الوقت، فلا يتيمم لفريضة قبل وقتها، ولا لنافلة في وقت النهي عنها.
الثالث: النية.
فإن تيمم لنافلة لم يصل بها فرضاً، وإن تيمم لفريضة فله فعلها وفعل ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يخرج وقتها.
الرابع: التراب فلا يتيمم إلا بتراب طاهر له غبار، ويبطل التيمم ما يبطل طهارة الماء، وخروج الوقت، والقدرة على استعمال الماء، وإن كان في الصلاة.

باب الحيض

ويمنع عشرة أشياء: فعل الصلاة، ووجوبها، وفعل الصيام، والطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد، والوطء في الفرج، وسنة الطلاق، والاعتداد بالأشهر، ويوجب الغسل، والبلوغ، والاعتداد به، فإذا انقطع الدم أبيح فعل الصوم، والطلاق، ولم يبح سائرها حتى تغتسل. ويجوز الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصنعوا كل شئ غير النكاح.
وأقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، ولا حد لأكثره، وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين، وأكثره ستون.
والمبتدأة إذا رأت الدم لوقت تحيض في مثله جلست، فإن انقطع لأقل من يوم وليلة فليس بحيض، وإن جاوز ذلك ولم يعبر أكثر الحيض فهو حيض، فإذا تكرر ثلاثة أشهر بمعنى واحد صار عادة، وإن عبر أكثر الحيض فالزائد استحاضة، وعليها أن تغتسل عند آخر الحيض. وتغسل فرجها وتعصبه، ثم تتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي، وكذا حكم من به سلس البول وما في معناه. فإذا استمر بها الدم في الشهر الآخر فإن كانت معتادة فحيضها أيام عادتها، وإن لم تكن معتادة وكان لها تمييز - وهو أن يكون بعض دمها أسود ثخيناً وبعضه أحمر رقيقاً - فحيضها زمن الأسود الثخين. وإن كانت مبتدأة أو ناسية لعادتها ولا تمييز لها فحيضها من كل شهر ستة أيام أو سبعة لأنه غالب عادات النساء، والحامل لا تحيض.
إلا أن ترى الدم قبل ولادتها بيوم أو يومين أو ثلاثة فيكون دم نفاس.

باب النفاس

وهو الدم الخارج بسبب الولادة، وحكمه حكم الحيض فيما يحل ويحرم ويجب ويسقط به. وأكثره أربعون يوماً ولا حد لأقله، ومتى رأت الطهر اغتسلت وهي طاهرة، وإن عاد في مدة الأربعين فهو نفاس أيضاً.


 

كتاب الصلاة

روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. فالصلوات الخمس واجبة على كل مسلم عاقل بالغ إلا الحائض والنفساء. فمن جحد وجوبها لجهله عرف ذلك، وإن جحدها عناداً كفر، ولا يحل تأخيرها عن وقت وجوبها.
إلا لناو جمعها أو مشتغل بشرطها، فإن تركها تهاوناً بها استتيب ثلاثاً، فإن تاب وإلا قتل.

باب الأذان والإقامة

وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء. والأذان خمس عشرة كلمة لا ترجيع فيه، والإقامة إحدى عشرة كلمة.
وينبغي أن يكون المؤذن أميناً، صيتاً، عالماً بالأوقات. ويستحب أن يؤذن قائماً، متطهراً، على موضع عال، مستقبل القبلة. فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً ولا يزيل قدميه، ويجعل إصبعيه في أذنيه، ويترسل في الأذان ويحدر الإقامة، ويقول في أذان الصبح بعد الحيعلة: الصلاة خير من النوم. مرتين، ولا يؤذن قبل الأوقات إلا لها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول.

باب شروط الصلاة

وهي ستة:
أحدها: الطهارة من الحدث، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن أحدث حتى يتوضأ.
الشرط الثاني: الوقت، ووقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شئ مثله. ووقت العصر - وهي الوسطى - من أخر وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس، ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس. ووقت المغرب إلى أن يغيب الشفق الأحمر، ووقت العشاء من ذلك إلى نصف الليل، ثم يبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني، ووقت الفجر من ذلك إلى طلوع الشمس، ومن كبر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها، والصلاة في أول الوقت أفضل، إلا في العشاء الأخرة وفي شدة الحر الظهر.
الشرط الثالث: ستر العورة بما لا يصف البشرة وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها.
وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة، ومن صلى في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة لم تصح صلاته، ولبس الذهب والحرير مباح للنساء دون الرجال إلا عند الحاجة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير: هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم. ومن صلى من الرجال في ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزأه ذلك، فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها، فإن لم يكف جميعها ستر الفرجين، فإن لم يكفهما جميعاً ستر أحدهما، فإن عدم الستر بكل حال صلى جالساً يومئ بالركوع والسجود، وإن صلى قائماً جاز، ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً أو مكاناً نجساً صلى فيهما ولا إعادة عليه.
الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته، إلا النجاسة المعفو عنها كيسير الدم ونحوه، وإن صلى وعليه نجاسة لم يكن علم بها أو علم بها ثم نسيها فصلاته صحيحة، وإن علم بها في الصلاة أزالها وبنى على صلاته، والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها إلا المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل وقارعة الطريق.
الشرط الخامس: استقبال القبلة، إلا في النافلة على الراحلة للمسافر فإنه يصلي حيث كان وجهه.
والعاجز عن الاستقبال لخوف أو غيره فيصلي كيفما أمكنه، ومن عداهما لا تصح صلاته إلا مستقبل الكعبة، فإن كان قريباً منها لزمته الصلاة إلى عينها، وإن كان بعيداً فإلى جهتها، وإن خفيت القبلة في الحضر سأل واستدل بمحاريب المسلمين، فإن أخطأ فعليه الإعادة، وإن خفيت في السفر اجتهد وصلى ولا إعادة عليه، وإن اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما صاحبه، ويتبع الأعمى والعامي أوثقهما في نفسه.
الشرط السادس: النية للصلاة بعينها، ويجوز تقديمها على التكبير بالزمن اليسير إذا لم يفسخها.

باب أداب المشى إلى الصلاة

يستحب المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، ويقارب بين خطاه، ولا يشبك أصابعه ويقول: بسم الله: الذي خلقني فهو يهدين الآيات إلى قوله: إلا من أتى الله بقلب سليم ويقول: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة خرجت إتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. فإذا سمع الإقامة لم يسع إليها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وأنتم عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وإذا أتى المسجد قدم رجله اليمنى في الدخول وقال: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال ذلك، إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك.
وإذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر يجهر بها الإمام وبسائر التكبير ليسمع من خلفه ويخفيه غيره. ويرفع يديه عند ابتداء التكبير إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه، ويجعلهما تحت سرته، ويجعل بصره إلى موضع سجوده، ثم يقول:سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.
ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
ثم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. ولا يجهر بشئ من ذلك: لقول أنس: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم يقرأ الفاتحة، ولا صلاة إلا المأموم فإن قراءة الإمام له قراءة. ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وفيما لا يجهر فيه، ثم يقرأ بسورة تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره. وفي سائر الصلوات من أوسطه، ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح والأوليين من المغرب والعشاء، ويسر فيما عدا ذلك، ثم يكبر ويركع ويرفع يديه كرفعه الأول، ثم يضع يديه على ركبتيه ويفرج أصابعه ويمد ظهره ويجعل رأسه حياله، ثم يقول: سبحان ربي العظيم. ثلاثاً.
ثم يرفع رأسه قائلاً سمع الله لمن حمده ويرفع يديه كرفعه الأول، فإذا اعتدل قائماً قال: ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شئ بعد. ويقتصر المأموم على قول: ربنا ولك الحمد. ثم يخر ساجداً مكبراً ولا يرفع يديه، ويكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم كفاه ثم جبهته وأنفه، ويجافي عضديه عن جنبه وبطنه عن فخذيه، ويجعل يديه حذو منكبيه، ويكون على أطراف قدميه، ثم يقول: سبحان ربي الأعلى. ثلاثاً، ثم يرفع رأسه مكبراً ويجلس مفترشاً فيفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى ويثني أصابعها نحو القبلة ويقول: ربي اغفر لي ثلاثاً ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى ثم يرفع رأسه مكبراً، وينهض قائماً فيصلي الثانية كالأولى. فإذا فرغ منهما جلس للتشهد مفترشاً، ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ويده اليمنى على فخذه اليمنى، يقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة في تشهده مراراً، ويقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فهذا أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد، ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. ويستحب أن يتعوذ من عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله. وعن يساره كذلك.
وإن كانت الصلاة أكثر من ركعتين نهض بعد التشهد الأول كنهوضه من السجود، ثم يصلي ركعتين لا يقرأ فيهما بعد الفاتحة شيئاً، فإذا جلس للتشهد الأخير تورك: فنصب رجله اليمنى، وفرش اليسرى، وأخرجهما عن يمينه، ولا يتورك في صلاة فيها تشهدان في الأخير منهما فإذا سلم استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام.

باب أركان الصلاة وواجباتها

أركانها: اثنا عشر: القيام مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة والركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس عنه، والطمأنينة في هذه الأركان، والتشهد الأخير، والجلوس له، والتسليمة الأولى، وترتيبها على ما ذكرناه. فهذه الأركان لا تتم الصلاة إلا بها.
وواجباتها: سبعة: التكبير غير تكبيرة الإحرام، والتسبيح في الركوع والسجود مرة مرة، والتسميع والتحميد في الرفع من الركوع، وقول: ربي اغفر لي. بين السجدتين، والتشهد الأول، والجلوس له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير. فهذه إن تركها عمداً بطلت صلاته، وإن تركها سهواً سجد لها.
وما عدا هذا فسنن لا تبطل الصلاة بعمدها. ولا يجب السجود لسهوها.

باب سجدتى السهو

والسهو على ثلاثة أضرب:
أحدها: زيادة فعل من جنس الصلاة كركعة أو ركن، فتبطل الصلاة بعمده ويسجد لسهوه، وإن ذكر وهو في الركعة الزائدة جلس في الحال، وإن سلم عن نقص في صلاته أتى بما بقي عليه منها ثم سجد. ولوفعل ما ليس من جنس الصلاة لاستوى عمده وسهوه، فإن كان كثيراً أبطلها، وإن كان يسيراً - كفعل النبي صلى الله عليه وسلم في حمله أمامة وفتحه الباب لعائشة - فلا بأس.
الضرب الثاني: النقص كنسيان واجب، فإن قام عن التشهد الأول فذكر قبل أن يستتم قائماً رجع فأتى به.
وإن استتم قائماً لم يرجع. وإن نسي ركناً فذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى رجع فأتى به وبما بعده، وإن ذكره بعد ذلك بطلت الركعة التي تركه منها، وإن نسي أربع سجدات من أربع ركعات فذكر في التشهد سجد في الحال فصحت له ركعة، ثم يأتي بثلاث ركعات.
الضرب الثالث: الشك، فمن شك في ترك ركن فهو كتركه له، ومن شك في عدد الركعات بنى على اليقين.
إلا الإمام خاصة فإنه يبني على غالب ظنه، ولكل سهو سجدتان قبل السلام، إلا من سلم عن نقص في صلاته، والإمام إذا بنى على غالب ظنه، والناسي للسجود قبل السلام، فإنه يسجد سجدتين بعد سلامه ثم يتشهد ويسلم.
وليس على المأموم سجود سهو، إلا أن يسهو إمامه فيسجد معه. ومن سها إمامه أو نابه أمر في صلاته فالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء.

باب صلاة التطوع

وهي على خمسة أضرب:
أحدها: السنن الرواتب، وهي التي قال ابن عمر رضي الله عنه: عشر ركعات حفظتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل الفجر. وحدثتني حفصة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طلع الفجر وأذن المؤذن صلى ركعتين وهما آكدها، ويستحب تخفيفهما وفعلهما في البيت أفضل وكذلك ركعتا المغرب.
الضرب الثاني: الوتر، ووقته ما بين صلاة العشاء والفجر. وأقله ركعة وأكثره إحدى عشرة، وأدنى الكمال ثلاث بتسليمتين. ويقنت في الثالثة بعد الركوع.
الضرب الثالث: التطوع المطلق، وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار، والنصف الأخير أفضل من الأول.
وصلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم.
الضرب الرابع: ما تسن له الجماعة وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: التراويح وهي عشرون ركعة بعد العشاء في رمضان.
والثاني: صلاة الكسوف، فإذا كسفت الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة.
إن أحبوا جماعة وإن أحبوا أفراداً فيكبر ويقرأ الفاتحة وسورة طويلة ثم يركع ركوعاً طويلاً، ثم يرفع فيقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون التي قبلها، ثم يركع فيطيل دون الذي قبله، ثم يرفع ثم يسجد سجدتين طويلتين، ثم يقوم فيفعل مثل ذلك فتكون أربع ركعات وأربع سجدات.
الثالث: صلاة الاستسقاء، وإذا أجدبت الأرض واحتبس القطر خرج الناس مع الإمام متخشعين متبذلين متذللين متضرعين، فيصلي بهم ركعتين كصلاة العيد، ثم يخطب بهم خطبة واحدة.
ويكثر فيها من الاستغفار وتلاوة الآيات التي فيها الأمر به، ويحول الناس أرديتهم، وإن خرج معهم أهل الذمة لم يمنعوا، ويؤمروا أن ينفردوا عن المسلمين.
الضرب الخامس: سجود التلاوة وهي أربع عشرة سجدة، في الحج منها اثنتان، ويسن السجود للتالي والمستمع دون السامع.
ويكبر إذا سجد وإذا رفع رأسه، ثم يسلم

باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها

وهي خمس: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد طلوعها حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، وبعد العصر حتى تتضيف الشمس للغروب. وإذا تضيفت حتى تغرب، فهذه الساعات التي لا يصلي فيها تطوعاً إلا في إعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد، وركعتي الطواف بعده، والصلاة على الجنازة، وقضاء السنن الرواتب في وقتين منها وهما بعد الفجر وبعد العصر.
ويجوز قضاء المفروضات.

 باب الإمامة

روى أبو مسعود البدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء قأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً، ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته، ولا في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه. وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما. وكانت قراءتهما متقاربة، ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة، إلا لمن لم يعلم بحدث نفسه ولم يعلمه المأموم حتى سلم فإنه يعيد وحده. ولا تصح خلف تارك ركن، إلا إمام الحي إذا صلى جالساً لمرض يرجى برؤه فإنهم يصلون وراءه جلوساً، إلا أن يبتدئها قائماً ثم يعتل فيجلس فإنهم يأتمون وراءه قياماً، ولا تصح إمامة المرأة بالرجال. ومن به سلس البول، والأمي الذي لا يحسن الفاتحة أو يخل بحرف منها إلا بمثلهم.
ويجوز ائتمام المتوضئ بالمتيمم، والمفترض بالمتنفل، وإذا كان المأموم واحداً وقف عن يمين الإمام، فإن وقف عن يساره أو قدامه أو وحده لم تصح.
إلا أن تكون امرأة فتقف وحدها خلفه وإن كانوا جماعة وقفوا خلفه، فإن وقفوا عن يمينه أوعن جانبيه صح، فإن وقفوا قدامه أو عن يساره لم تصح، وإن صلت امرأة بنساء قامت معهن في الصف وسطهن، وكذلك إمام الرجال العراة يقوم وسطهم، وإن اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء قدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء ومن كبر قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة وإلا فلا.

باب صلاة المريض

والمريض إذا كان القيام يزيد في مرضه صلى جالساً، فإن لم يطق فعلى جنبه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك. فإن شق عليه فعلى ظهره، فإن عجز عن الركوع والسجود أومأ إيماء. وعليه قضاء ما فاته من الصلوات في إغمائه.
وإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر وبين العشاءين في وقت إحداهما فإن جمع في وقت الأولى اشترط نية الجمع عند فعلها، ويعتبر استمرار العذر حتى يشرع في الثانية منهما، ولا يفرق بينهما إلا بقدر الوضوء وإن أخر اعتبر استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية، وأن ينوي الجمع في وقت الأولى قبل أن يضيق عن فعلها، ويجوز الجمع للمسافر الذي له القصر، ويجوز في المطر بين العشاءين.

باب صلاة المسافر

وإذا كانت مسافة سفره ستة عشر فرسخاً وهي مسيرة يومين قاصدين وكان مباحاً فله قصر الرباعية خاصة، إلا أن يأتم بمقيم.
أو لم ينو القصر أو نسي صلاة حضر فيذكرها في السفر أو صلاة سفر فيذكرها في الحضر فعليه الإتمام، وللمسافر أن يتم، والقصر أفضل، ومن نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم، وإن لم يجمع على ذلك قصر أبداً.

باب صلاة الخوف

وتجوز صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمختار منها أن يجعلهم الإمام طائفتين: طائفة تحرس والأخرى تصلي معه ركعة، فإذا قام إلى الثانية نوت مفارقته وأتمت صلاتها وذهبت تحرس، وجاءت الأخرى فصلت معه الركعة الثانية، فإذا جلس للتشهد قامت فأتت بركعة أخرى، وينتظر حتى تتشهد ثم يسلم بها. وإن اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً إلى القبلة وإلى غيرها، يومئون بالركوع والسجود. وكذلك كل خائف على نفسه يصلي على حسب حاله، ويفعل كل ما يحتاج إلى فعله من هرب أو غيره.

باب صلاة الجمعة

كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة إن كان مستوطناً ببناء، وبينه وبين الجامع فرسخ فما دون ذلك، إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف وإن حضروها أجزأتهم ولم تنعقد بهم، إلا لمعذور إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به، ومن شرط صحتها فعلها في وقتها في قرية، وأن يحضرها من المستوطنين بها أربعون من أهل وجوبها، وأن تتقدمها خطبتان، في كل خطبة حمد الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وقراءة آية والموعظة ويستحب أن يخطب على منبر، فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم، ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ثم يقوم الإمام فيخطب بهم ثم يجلس، ثم يخطب الخطبة الثانية، ثم تقام الصلاة فينزل فيصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، فمن أدرك معه منها ركعة أتمها جمعة، وإلا أتمها ظهراً، وكذلك إن نقص العدد أو خرج الوقت وقد صلوا ركعة أتموها جمعة وإلا أتموها ظهراً، ولا يجوز أن يصلي في المصر أكثر من جمعة إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها.
ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب ويبكر إليها، فإن جاء والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما، ولا يجوز الكلام والإمام يخطب، إلا الإمام أو من كلمه الإمام.

باب صلاة العيدين

وهي فرض على الكفاية إذا قام بها أربعون من أهل المصر سقطت عن سائرهم. ووقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال، والسنة فعلها في المصلى، وتعجيل الأضحى وتأخير الفطر، والفطر في الفطر خاصة قبل الصلاة. ويسن أن يغتسل ويتنظف ويتطيب، فإذا حلت الصلاة تقدم الإمام فصلى بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة، يكبر في الأولى سبعاً بتكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة القيام.
ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ويحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين، ثم يقرأ الفاتحة وسورة يجهر فيهما بالقراءة، فإذا سلم خطب بهم خطبتين، فإن كان فطراً حثهم على الصدقة وبين لهم حكمها، وإن كان أضحى بين لهم حكم الأضحية. والتكبيرات الزوائد والخطبتان سنة.
ولا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها في موضعها. ومن أدرك الإمام قبل سلامه أتمها على صفتها، ومن فاتته فلا قضاء عليه، فإن أحب صلاها تطوعاً: إن شاء ركعتين، وإن شاء أربعاً، وإن شاء صلاها على صفتها. ويستحب التكبير في ليلتي العيدين، ويكبر في الأضحى عقيب الفرائض في الجماعة من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق.
وصفة التكبير شفعاً: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.


 

كتاب الجنائز

وإذا تيقن موته غمضت عيناه، وشد لحياه، وجعل على بطنه مرآة أو غيرها. فإذا أخذ في غسله سترت عورته ثم يعصر بطنه عصراً رفيقاً، ثم يلف على يده خرقة فينجيه بها ثم يوضئه ثم يغسل رأسه ولحيته بماء وسدر ثم شقه الأيمن ثم الأيسر ثم يغسله. كذلك مرة ثانية وثالثة يمر في كل مرة يده فإن خرج منه شئ غسله وسده بقطن، فإن لم يستمسك فبطين حر، ويعيد وضوءه، وإن لم ينق بثلاث زاد إلى خمس أو إلى سبع ثم ينشفه بثوب ويجعل الطيب في مغابنه ومواضع سجوده، وإن طيبه كله كان حسناً، ويجمر أكفانه، وإن كان شاربه أو أظفاره طويلة أخذ منه، ولا يسرح شعره. والمرأة يضفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل من ورائها، ثم يكفن في ثلاث أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة يدرج فيها إدراجاً. وإن كفن في قميص وإزار ولفافة فلا بأس، والمرأة تكفن في خمسة أثواب، في درع ومقنعة وإزار ولفافتين وأحق الناس بغسله والصلاة عليه ودفنه وصيه في ذلك ثم الأب ثم الجد ثم الأقرب فالأقرب من العصبات، وأولى الناس بغسل المرأة الأم ثم الجدة ثم الأقرب فالأقرب من نسائها، إلا أن الأمير يقدم في الصلاة على الأب ومن بعده والصلاة عليه يكبر ويقرأ الفاتحة ثم. يكبر الثانية ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكبر ويقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شئ قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته فتوفه عليهما، اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وجواراً خيراً من جواره، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار، وافسح له في قبره ونور له فيه. ثم يكبر ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه.
ويرفع يديه مع كل تكبيرة، والواجب من ذلك التكبيرات، والقراءة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأدنى دعاء الحي للميت، والسلام. ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر إلى شهر، وإن كان الميت غائباً عن البلد صلى عليه بالنية، ومن تعذر غسله لعدم الماء أو لخوف عليه من التقطع كالمجدور أو المحترق أو لكون المرأة بين رجال أو الرجل بين نساء فإنه ييمم.
إلا أن لكل من الزوجين غسل صاحبه، وكذلك أم الولد مع سيدها. والشهيد إذا مات في المعركة لم يغسل ولم يصلى عليه، وينحى عنه الحديد والجلود ثم يزمل في ثيابه، وإن كفن بغيرها فلا بأس، والمحرم يغسل بماء وسدر، ولا يلبس مخيطاً، ولا يقرب طيباً، ولا يغطى رأسه، ولا يقطع شعره ولا ظفره، ويستحب دفن الميت في لحد، وينصب عليه اللبن نصباً كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يدخل القبر آجراً ولا خشباً ولا شيئاً مسته النار، ويستحب تعزية أهل الميت، والبكاء عليه غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة. ولا بأس بزيارة القبور للرجال، ويقول إذا مر بها أو زارها: سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، نسأل الله لنا ولكم العافية.
وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك.


 

كتاب الزكاة

وهي واجبة على كل مسلم حر ملك نصاباً ملكاً تاماً، ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول إلا في الخارج من الأرض، ونماء النصاب من النتاج والربح فإن حولهما حول أصلهما، ولا تجب الزكاة إلا في أربعة أنواع: السائمة من بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، وعروض التجارة. ولا زكاة في شئ من ذلك حتى يبلغ نصاباً، وتجب فيما زاد على النصاب بحسابه إلا السائمة فلا شئ في أوقاصها.

 باب زكاة السائمة

وهي الراعية وهي ثلاثة أنواع:
أحدها الإبل: ولا شئ فيها حتى تبلغ خمساً فيجب فيها شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، إلى خمس وعشرين وفيها بنت مخاض وهي بنت سنة، فإن لم تكن عنده فابن لبون وهو ابن سنتين، إلى ست وثلاثين فيجب فيها بنت لبون، إلى ست وأربعين فيجب فيها حقة لها ثلاث سنين، إلى إحدى وستين فيجب فيها جذعة لها أربع سنين، إلى ست وسبعين ففيها ابنتا لبون، إلى إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، ثم في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، إلى مائتين فيجتمع فيها الفرضان: فإن شاء أخرج أربع حقات وإن شاء خمس بنات لبون. ومن وجبت عليه سن فلم يجدها أخرج أدنى منها ومعها شاتان أو عشرون درهماً، وإن شاء أخرج أعلى منها وأخذ شاتين أو عشرين درهماً.
النوع الثاني البقر: ولا شئ فيها حتى تبلغ ثلاثين فيجب فيها تبيع أو تبيعة لها سنة، إلى أربعين ففيها مسنة لها سنتان، إلى ستين ففيها تبيعان، إلى سبعين ففيها تبيع ومسنة، ثم في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة.
النوع الثالث الغنم: ولا شئ فيها حتى تبلغ أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مئتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، ثم في كل مائة شاة.
ولا يؤخذ في الصدقة تيس ولا ذات عوار ولا هرمة ولا الربى ولا الماخض ولا الأكولة. ولا يؤخذ شرار المال ولا كرائمه إلا أن يتبرع به أرباب المال.
ولا يخرج إلا أنثى صحيحة إلا في الثلاثين من البقر وابن لبون مكان بنت مخاض إذا عدمها إلا أن تكون ماشية كلها ذكور أو مراض فيجزئ واحد منها، ولا يخرج إلا جذعة من الضأن أو ثنية من المعز، والسن المنصوص عليها، إلا أن يختار رب المال إخراج سن أعلى من الواجب، أو تكون كلها صغاراً فيخرج صغيرة، وإن كان فيها صحاح ومراض وذكور وإناث وصغار وكبار أخرج صحيحة كبيرة قيمتها على قيمة المالين، فإن كان فيها بخاتي وعراب وبقر وجواميس ومعز وضأن وكرام ولئام وسمان ومهازيل أخذ من أحدهما بقدر قيمة المالين، وإن اختلط جماعة في نصاب من السائمة حولاً كاملاً وكان مرعاها وفحلها ومبيتها ومحلبها ومشربها واحداً فحكم زكاتها حكم زكاة الواحد.
وإذا أخرج الفرض من مال أحدهم رجع على خلطائه بحصصهم منه، ولا تؤثر الخلطة إلا في السائمة.

باب زكاة الخارج من الأرض

وهو نوعان:
أحدهما النبات: فتجب الزكاة منه في كل حب وثمر يكال ويدخر إذا خرج من أرضه وبلغ خمسة أوسق، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق. والوسق ستون صاعاً والصاع رطل بالدمشقي وأوقية وخمسة أسباع أوقية، فجميع النصاب ما قارب ثلاثمائة واثنين وأربعين رطلاً وستة أسباع رطل. ويجب العشر فيما سقي من السماء والسيوح، ونصف العشر فيما سقي بكلفة كالدوالي والنواضح.
وإذا بدا الصلاح في الثمار واشتد الحب وجبت الزكاة، ولا يخرج الحب إلا مصفى ولا الثمر إلا يابساً، ولا زكاة فيما يكتسبه من مباح الحب والثمر، ولا في اللقاط، ولا يأخذه أجرة لحصاده، ولا يضم صنف من الحب والثمر إلى غيره في تكميل النصاب، فإن كان صنفاً واحداً مختلف الأنواع كالتمور ففيها الزكاة، ويخرج من كل نوع زكاته، وإن أخرج جيداً عن الرديء جاز وله أجره.
النوع الثاني المعدن: فمن استخرج من معدن نصاباً من الذهب أو الفضة أو ما قيمته نصاباً من الجواهر أو الكحل والصفر والحديد أو غيره فعليه الزكاة.
ولا يخرج إلا بعد السبك والتصفية، ولا شيء في اللؤلؤ والمرجان والعنبر والمسك، ولا شيء في صيد البر والبحر. وفي الركاز الخمس أي نوع كان من المال قل أو كثر.
ومصرفه مصرف الفيء وباقيه لواجده.

باب زكاة الأثمان

وهي نوعان: ذهب وفضة، ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم فيجب فيها خمسة دراهم، ولا في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالاً فيجب فيها نصف مثقال.
فإن كان فيهما غش فلا زكاة فيهما حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصاباً، فإن شك في ذلك خير بين الإخراج وبين سبكهما ليعلم قدر ذلك، ولا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال والعارية، ويباح للنساء كل ما جرت العادة بلبسه من الذهب والفضة، ويباح للرجال من الفضة الخاتم وحلية السيف والمنطقة ونحوها، فأما المعد للكراء أو الادخار، والمحرم ففيه الزكاة.

باب حكم الدين

من كان له دين على مليء أو مال يمكن خلاصه كالمجحود الذي له به بينة، والمغصوب الذي يتمكن من أخذه، فعليه زكاته إذا قبضه لما مضى. وإن كان متعذراً كالدين على مفلس أو على جاحد ولا بينة به، والمغصوب والضال الذي لا يرجى وجوده فلا زكاة فيه، وحكم الصداق حكم الدين، ومن كان عليه دين يستغرق النصاب الذي معه أو ينقصه فلا زكاة فيه.

باب زكاة العروض

ولا زكاة فيها حتى ينوي بها التجارة وهي نصاب حولاً، ثم يقومها، فإذا بلغت أقل نصاب من الذهب والفضة أخرج الزكاة من قيمتها، وإن كان عنده ذهب أو فضة ضمها إلى قيمة العروض في تكميل النصاب، وإذا نوى بعروض التجارة القنية فلا زكاة فيها، ثم إن نوى بها بعد ذلك التجارة استأنف له حولاً.

باب زكاة الفطر

وهي واجبة على كل مسلم إذا ملك فضلاً عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه. وقدر الفطرة صاع من البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما أو من التمر أو الزبيب، فإن لم يجده أخرج من قوته أي شئ كان صاعاً، ومن لزمته فطرة نفسه لزمته فطرة من تلزمه مؤنته ليلة العيد إذا ملك ما يؤدي عنه، فإن كانت مؤنته تلزم جماعة كالعبد المشترك، أو المعسر القريب لجماعة، ففطرته عليهم على حسب مؤنته، وإن كان بعضه حراً ففطرته عليه وعلى سيده، ويستحب إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة، ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد، ويجوز تقديمها عليه بيوم أو يومين.
ويجوز أن يعطي واحداً ما يلزم الجماعة والجماعة ما يلزم الواحد.

باب إخراج الزكاة

لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها إذا أمكن إخراجها، فإن فعل فتلف المال لم تسقط عنه الزكاة، وإن تلف قبله سقطت. ويجوز تعجيلها إذا كمل النصاب، ولا يجوز قبل ذلك، فإن عجلها إلى غير مستحقها لم يجزئه وإن صار عند الوجوب من أهلها، وإن دفعها إلى مستحقها فمات أو استغنى أو ارتد أجزأت عنه، وإن تلف المال لم يرجع على الآخذ. ولا تنقل الصدقة إلى بلد تقصر إليه الصلاة، إلا أن لا يجد من يأخذها في بلدها.

باب من يجوز دفع الزكاة إليه

وهم ثمانية:
الأول: الفقراء، وهم الذين لا يجدون ما يقع موقعاً من كفايتهم بكسب ولا غيره.
الثاني: المساكين، وهم الذين يجدون ذلك ولا يجدون تمام الكفاية.
الثالث: العاملون عليها، وهم السعاة عليها ومن يحتاج إليه فيها.
الرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم السادة المطاعون في عشائرهم الذين يرجى بعطيتهم دفع شرهم أو قوة إيمانهم أو دفعهم عن المسلمين أو إعانتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنع من دفعها.
الخامس: الرقاب، وهم المكاتبون وإعتاق الرقيق.
السادس: الغارمون، وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح، أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين.
السابع: في سبيل الله، وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم.
الثامن: ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع به وإن كان ذا يسار في بلده.
فهؤلاء هم أهل الزكاة، لا يجوز دفعها إلى غيرهم، ويجوز دفعها إلى واحد منهم لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر، وقال لقبيصة: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، ويدفع إلى الفقير المسكين ما تتم به كفايته، وإلى العامل قدر عمالته، وإلى المؤلف ما يحصل به تأليفه، وإلى المكاتب والغارم ما يقضي به دينه، وإلى الغازي ما يحتاج إليه لغزوه، وإلى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده، ولا يزاد واحد منهم على ذلك، وخمسة منهم لا يأخذون إلا مع الحاجة وهم: الفقير، والمسكين، والمكاتب، والغارم لنفسه، وابن السبيل. وأربعة يجوز الدفع إليهم مع الغنى وهم: العامل، والمؤلف، والغازي، والغارم لإصلاح ذات البين.

باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه

لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب، ولا تحل لآل محمد صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم ومواليهم، ولا يجوز، دفعها إلى الوالدين وإن علوا، ولا إلى الولد وإن سفل، ولا من تلزمه مؤنته، ولا إلى كافر، فأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء وإلى غيرهم، ولا يجوز دفع الزكاة إلا بنية إلا أن يأخذها الإمام قهراً، وإذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها لم يجزه إلا لغني إذا ظنه فقيراً.


 

كتاب الصيام

يجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم، ويؤمر به الصبي إذا أطاقه، ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان، ورؤية هلال رمضان، ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه، وإذا رأى الهلال وحده صام، فإن كان عدلاً صام الناس بقوله، ولا يفطر إلا بشهادة عدلين، ولا يفطر إذا رآه وحده، وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطروا، وإن كان بغيم أو قول واحد لم يفطروا إلا أن يروه أن يكملوا العدة، وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام، فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه، وإن وافق قبله لم يجزه.

باب أحكام المفطرين في رمضان

ويباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام:
أحدها: المريض الذي يتضرر به، والمسافر الذي له القصر، فالفطر لهما أفضل وعليهما القضاء، وإن صاما أجزأهما.
الثاني: الحائض والنفساء تفطران وتقضيان، وإن صامتا لم يجزئهما.
الثالث: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا، وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً.
الرابع: (العاجز عن الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكيناً).
وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير، إلا من أفطر بجماع في الفرج فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت عنه. فإن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانية فكفارة واحدة، فإن كفر ثم جامع فكفارة ثانية، وكل من لزمه الإمساك في رمضان فجامع فعليه كفارة، ومن أخر القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر فليس عليه غير القضاء، وإن فرط أطعم مع القضاء لكل يوم مسكيناً، وإن ترك القضاء حتى مات لعذر فلا شئ عليه، وإن كان لغير عذر أطعم عنه لكل يوم مسكيناً إلا أن يكون الصوم منذوراً فإنه يصام عنه، وكذلك كل نذر طاعة.

باب ما يفسد الصوم

من أكل أو شرب أو استعط أو أوصل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان أو استقاء أو استمنى أو قبل أو لمس أو أمذى.
أو حجم أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه فسد، وإن فعله ناسياً أو مكرهاً لم يفسد صومه، وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار أو تمضمض، أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء، أو فكر فأنزل أو قطر في إحليله أو احتلم أو ذرعه القيء لم يفسد صومه، ومن أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً فعليه القضاء، ومن أكل شاكاً في طلوع الفجر لم يفسد صومه، وإن أكل شاكاً في غروب الشمس فعليه القضاء.

باب صيام التطوع

أفضل الصيام صيام داود عليه السلام: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم، وما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة.
ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله، وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة وصيام يوم عرفة كفارة سنتين، ولا يستحب لمن بعرفة أن يصومه.
ويستحب صيام أيام البيض، والإثنين والخميس، والصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه، وكذلك سائر التطوع إلا الحج والعمرة فإنه يجب إتمامهما، وقضاء ما أفسد منهما، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى، ونهى عن صوم أيام التشريق، إلا أنه رخص في صومها للمتمتع إذا لم يجد الهدي، وليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان.

باب الاعتكاف

وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى فيه، وهو سنة، إلا أن يكون نذراً فليزم الوفاء به.
ويصح من المرأة في كل مسجد غير مسجد بيتها، ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، واعتكافه في مسجد تقام فيه الجمعة أفضل، ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فله فعل ذلك في غيره إلا المساجد الثلاثة، فإذا نذر ذلك في المسجد الحرام لزمه، وإن نذر الاعتكاف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام، وإن نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى فعله في أيهما أحب. ويستحب للمعتكف الاشتغال بفعل القرب، واجتناب ما لا يعنيه من قول وفعل، ولا يبطل الاعتكاف بشئ من ذلك، ولا يخرج من المسجد إلا لما لا بد له منه إلا أن يشترط، ولا يباشر امرأة.
وإن سأل عن المريض في طريقه أو عن غيره ولم يعرج إليه جاز.


 

كتاب الحج والعمرة

يجب الحج والعمرة مرة في العمر على المسلم العاقل البالغ الحر إذا استطاع إليه سبيلاً، والاستطاعة أن يجد زاداً وراحلة بآلتهما مما يصلح لمثله فاضلاً عما يحتاج إليه لقضاء دينه ومؤنة نفسه وعياله على الدوام.
ويعتبر للمرأة وجود محرمها وهو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، ومن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله حجة وعمرة، ولا يصح الحج من كافر ولا مجنون، ويصح من الصبي والعبد ولا يجزئ عنهما، ويصح من غير المستطيع والمرأة بغير محرم.
ومن حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه أو عن نذره أو عن نفله وفعله قبل حجة الإسلام وقع حجه عن فرض نفسه دون غيره.

باب المواقيت

وميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وأهل الشام والمغرب ومصر الجحفة، واليمن يلملم، ولنجد قرن، وللمشرق ذات عرق، فهذه المواقيت لأهله، ولكل من يمر عليها، ومن منزله دون الميقات فميقاته من منزله حتى أهل مكة يهلون منها لحجهم ويهلون للعمرة من أدنى الحل، ومن لم يكن طريقه على ميقات فميقاته حذو أقربها إليه، ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات غير محرم إلا لقتال مباح وحاجة تتكرر كالحطاب ونحوه. ثم إذا أراد النسك أحرم من موضعه وإن جاوزه غير محرم رجع فأحرم من الميقات ولا دم عليه لأنه أحرم من ميقاته، فإن أحرم من دونه فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع. والأفضل أن لا يحرم قبل الميقات فإن فعل فهو محرم، وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة.

باب الإحرام

من أراد الإحرام استحب له أن يغتسل ويتنظف ويتطيب.
ويتجرد عن المخيط ويلبس إزاراً ورداء أبيضين نظيفين ثم يصلي ركعتين ويحرم عقيبهما، وهو أن ينوي الإحرام. ويستحب أن ينطق بما أحرم به، ويشترط ويقول اللهم إني أريد النسك الفلاني فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران، وأفضلها التمتع ثم الإفراد، ثم القران. والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج في عامه. والإفراد أن يحرم بالحج وحده. والقران أن يحرم بهما أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج، ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد إحرامه بالعمرة، فإذا استوى على راحلته لبى فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
ويسحب الإكثار منها ورفع الصوت بها لغير النساء، وهي آكد فيما إذا علا نشزاً أو هبط وادياً أو سمع ملبياً أو فعل محظوراً ناسياً أو لقي ركباً، وفي أدبار الصلاة المكتوبة وبالأسحار، وإقبال الليل والنهار.

باب محظورات الإحرام

وهي تسعة: الأول والثاني: حلق الشعر وقلم الظفر، ففي ثلاثة منها دم، وفي كل واحد مما دونه مد طعام وهو ربع الصاع. وإن خرج في عينه شعر فقلعه، أو نزل شعره فغطى عينه، أو انكسر ظفره فقصه فلا شئ عليه.
الثالث: لبس المخيط إلا أن لا يجد إزاراً فيلبس سراويل أو لا يجد نعلين فيلبس خفين ولا فدية عليه.
الرابع: تغطية الرأس، والأذنان منه.
الخامس: الطيب في بدنه وثيابه.
السادس: قتل الصيد، وهو ما كان وحشياً مباحاً، وأما الأهلي فلا يحرم، وأما صيد البحر فإنه مباح.
السابع: عقد النكاح حرام ولا فدية فيه.
الثامن: المباشرة لشهوة فيما دون الفرج، فإن أنزل بها فعليه بدنة، وإلا ففيها شاة وحجه صحيح.
التاسع: الوطء في الفرج فإن كان قبل التحلل الأول فسد الحج ووجب المضي في فاسده والحج من قابل، ويجب على المجامع بدنة، وإن كان بعد التحلل الأول ففيه شاة، ويحرم من التنعيم ليطوف محرماً.
وإن وطئ في العمرة أفسدها ولا يفسد النسك بغيره، والمرأة كالرجل، إلا أن إحرامها في وجهها، ولها لبس المخيط.

باب الفدية

وهي على ضربين:
أحدهما: على التخيير، وهي فدية الأذى واللبس والطيب، فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو طعام ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، أو ذبح شاة وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم.
إلا الطائر فإن فيه قيمته. إلا الحمامة ففيها شاة، والنعامة فيها بدنة، ويتخير بين إخراج المثل وتقويمه بطعام، فيطعم كل مسكين مداً أو يصوم عن كل مد يوماً.
الضرب الثاني: على الترتيب، وهو المتمتع يلزمه شاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. وفدية الجماع بدنة، فإن لم يجد فصيام كصيام المتمتع.
وكذلك الحكم في دم الفوات، والمحصر يلزمه دم، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام، ومن كرر محظوراً من جنس غير قتل الصيد فكفارة واحدة، فإن كفر عن الأول قبل فعل الثاني سقط حكم ما كفر عنه. وإن فعل محظوراً من أجناس فلكل واحدة كفارة. والحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه، وسائر المحظورات لا شئ في سهوه. وكل هدي أو إطعام. فهو لمساكين الحرم إلا فدية الأذى فإنه يفرقها في الموضع الذي حلق به، وهدي المحصر ينحره في موضعه.
وأما الصيام فيجزئه بكل مكان.

باب دخول مكة

يستحب أن يدخل مكة من أعلاها، ويدخل المسجد من باب بني شيبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل منه. فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله وحمده ودعا، ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمراً، أو بطواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً، فيضطبع برادئه فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، ويبدأ بالحجر الأسود فيستلمه ويقبله ويقول: بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم يأخذ عن يمينه ويجعل البيت عن يساره، فيطوف سبعاً يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر، ويمشي في الأربعة الأخر، وكلما حاذى الركن اليماني والحجر استلمهما وكبر وهلل، ويقول بين الركنين: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار &سورة البقرة، الآية: 201 &. ويدعو في سائره بما أحب.
ثم يصلي ركعتين خلف المقام، ويعود إلى الركن فيستلمه.
ثم يخرج إلى الصفا من بابه فيرقى عليه ويكبر الله ويهلله ويدعوه، ثم ينزل فيمشي إلى العلم، ثم يسعى إلى العلم الأخر، ثم يمشي حتى يأتي المروة فيفعل كفعله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، حتى يكمل سبعة أشواط، يحتسب بالذهاب سعية، وبالرجوع سعية، يفتتح بالصفا ويختم بالمروة. ثم يقصر من شعره إن كان معتمراً وقد حل. إلا المتمتع إن كان معه هدي والقارن والمفرد فإنه لا يحل.
والمرأة كالرجل، إلا أنها لا ترمل في طواف ولا سعي.

باب صفة الحج

وإذا كان يوم التروية فمن كان حلالاً أحرم من مكة.
وخرج إلى عرفات فإذا زالت الشمس يوم عرفه صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين، ثم يروح إلى الموقف -وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة.
ويستحب أن يقف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم أو قريباً من الصخرات، ويجعل حبل المشاة بين يديه، ويستقبل القبلة ويكون راكباً، ويكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شئ قدير، ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله عز وجل إلى غروب الشمس، ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة على طريق المأزمين وعليه السكينة والوقار، ويكون ملبياً ذاكراً لله عز وجل، فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما، ثم يبيت بها.
ثم يصلي الفجر بغلس، ويأتي المشعر الحرام فيقف عنده ويدعو، ويستحب أن يكون من دعائه: اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين * ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم. ويقف حتى يسفر جداً، ثم يدفع قبل طلوع الشمس، فإذا بلغ محسراً أسرع قدر رميه بحجر حتى يأتي منى فيبتدئ بجمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات كحصى الخذف، يكبر مع كل حصاة، ويرفع يديه في الرمي، ويقطع التلبية بابتداء الرمي، ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة، ولا يقف عندها، ثم ينحر هديه، ثم يحلق رأسه أو يقصره، ثم قد حل له كل شئ إلا النساء.
ثم يفيض إلى مكة فيطوف للزيارة وهو الطواف الواجب الذي به تمام الحج ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً أم ممن لم يسع مع طواف القدوم، ثم قد حل من كل شئ، ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما أحب، ويتضلع منه، ثم يقول: اللهم اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، ورياً وشبعاً، وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي واملأه من خشيتك وحكمتك.

باب ما يفعله بعد الحل

ثم يرجع إلى منى ولا يبيت لياليها إلا بها.
فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها، كل جمرة بسبع حصيات، يبتدئ بالجمرة الأولى فيستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة، ثم يتقدم فيقف فيدعو الله، ثم يأتي الوسطى فيرميها كذلك، ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها.
ثم يرمي في اليوم الثاني كذلك، فإن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل الغروب، فإن غربت الشمس وهو بمنى لزمه المبيت بمنى والرمي من غد، فإن كان متمتعاً أو قارناً فقد انقضى حجه وعمرته، وإن كان مفرداً خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه، ثم يأتي مكة فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر، فإن لم يكن له شعر استحب أن يمر الموسى على رأسه، وقد تم حجه وعمرته وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد.
لكن عليه وعلى المتمتع دم لقوله تعالى: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم.
وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت، فإن اشتغل بعده بتجارة أعاده، ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب فيلتزم البيت ويقول: اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك. اللهم أصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شئ قدير. ويدعو بما أحب ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن خرج قبل الوداع رجع إليه إن كان قريباً، وإن بعد بعث بدم.
إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما، ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء.

باب أركان الحج والعمرة

أركان الحج: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة. وواجباته: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل، والسعي.
والمبيت بمنى، والرمي، والحلق، وطواف الوداع، وأركان العمرة: الطواف.
وواجباتها: الإحرام، والسعي، والحلق، فمن ترك ركناً لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجباً جبره بدم، ومن ترك سنة فلا شئ عليه ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج، فيتحلل بطواف وسعي وينحر هدياً إن كان معه وعليه القضاء.
وإن أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك، وإن فعل ذلك نفر منهم فقد فاتهم الحج ويستحب لمن حج زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه رضي الله عنهما.

باب الهدي والأضحية

والهدي والأضحية سنة لا تجب إلا بالنذر، والتضحية أفضل من الصدقة بثمنها، والأفضل فيهما الإبل ثم البقر ثم الغنم، ويستحب استحسانها واستسمانها، ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني مما سواه، وثني المعز ما له سنة، وثني الإبل ما كمل له خمس سنين، ومن البقر ما له سنتان.
وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة، ولا تجزئ العوراء البين عورها، إلا العجفاء التي لا تنقى، ولا العرجاء البين ظلعها، ولا المريضة البين مرضها، ولا العضباء التي ذهب أكثر قرنها أو أذنها، وتجزئ الجماء والبتراء والخصي وما شقت أذنها أو خرقت أو قطع أقل من نصفها، والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، وذبح البقر والغنم على صفاحها، ويقول عند ذلك: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم، وإن ذبحها صاحبها فهو أفضل.
ووقت الذبح يوم العيد بعد صلاة العيد إلى آخر يومين من أيام التشريق، وتتعين الأضحية بقوله هذه أضحية، والهدي بقوله هذا هدي وأشعاره وتقليده مع النية، ولا يعطى الجزار بأجرته شيئاً منها، والسنة أن يأكل ثلث أضحيته، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها، وإن أكل أكثر جاز.
وله أن ينتفع بجلدها، ولا يبيعه ولا شيئاً منها، فأما الهدي إن كان تطوعاً استحب له الأكل منه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل جزور ببضعة فطبخت، فأكل من لحمها، وحسا من مرقها، ولا يأكل من واجب إلا من هدي المتعة والقران. قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا من بشرته شيئاً حتى يضحي.

باب العقيقة

وهي سنة، عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة، تذبح يوم سابعه، ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه ورقاً، فإن فات يوم سابعه ففي أربعة عشر، فإن فات ففي أحد وعشرين، وينزعها أعضاء ولا يكسر لها عظماً، وحكمها حكم الأضحية فيما سوى ذلك.


 

كتاب البيوع

قال الله تعالى: وأحل الله البيع. والبيع معاوضة المال بالمال، ويجوز بيع كل مملوك فيه نفع مباح إلا الكلب، فإنه لا يجوز بيعه ولا غرم على متلفه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب.
وقال: من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية أو صيد نقص من عمله كل يوم قيراطان، ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك لبائعه إلا بإذن مالكه أو ولاية عليه، ولا بيع ما لا نفع فيه كالحشرات، ولا ما نفعه محرم كالخمر والميتة، ولا بيع معدوم كالذي تحمل أمته أو شجرته، أو مجهول كالحمل، والغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته، ولا معجوز عن تسليمه كالآبق والشارد والطير في الهواء والسمك في الماء، ولا بيع المغصوب إلا لغاصبه أو من يقدر على أخذه منه، ولا بيع غير معين كعبد من عبيده أو شاة من قطيعه إلا فيما تتساوى أجزاؤه كقفيز من صبرة.

فصل

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الملامسة وعن المنابذة، وعن بيع الحصاة، وعن بيع الرجل على بيع أخيه، وعن بيع حاضر لباد، وهو أن يكون له سمساراً.
وعن النجش وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها.
وعن بيعتين في بيعة، وهو أن يقول: بعتك هذا بعشرة صحاح أو عشرين مكسرة، أو يقول بعتك هذا على أن تبيعني هذا أو تشتري مني هذا، وقال: لا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق، وقال: من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه.

باب الربا

عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثل بمثل، سواء بسواء. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى. ولا يجوز بيع مطعوم - مكيل أو موزون - بجنسه إلا مثالاً بمثل.
ولا يجوز بيع مكيل من ذلك بشئ من جنسه وزناً ولا موزون كيلاً.
وإن اختلف الجنسان جاز بيعه كيف شاء يداً بيد، ولم يجز النسأ فيه.
ولا التفرق قبل القبض، إلا في الثمن بالمثمن، وكل شيئين جمعهما اسم خاص فهما جنس واحد، إلا أن يكونا من أصلين مختلفين، فإن فروع الأجناس أجناس وإن اتفقت أسماؤها كالأدقة والأدهان، ولا يجوز بيع رطب منها بيابس من جنسه.
ولا خالصه بمشوبه، ولا نيئه بمطبوخه، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة، وهو شراء التمر في رؤس النخل، ورخص في بيع العرايا - فيما دون خمسة أوسق - أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطباً.

باب بيع الأصول والثمار

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، وكذلك بيع الشجر إذا كان ثمره بادياً.
فإن باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة فهو للبائع ما لم يشترطه المبتاع، وإن كان يجز مرة بعد أخرى فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة عند البيع للبائع.

فصل: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها.
ولو باع الثمرة بعد بدو صلاحها على الترك إلى الجذاذ جاز، فإن أصابتها جائحة رجع بها على البائع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق ؟ وصلاح ثمر النخل أن يحمر أو يصفر، والعنب أن يتموه، وسائر الثمر أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله.

باب الخيار

البيعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما، فإن تفرقا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع إلا أن يشترط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة فيكونان على شرطهما وإن طالت المدة إلا أن يقطعاه.
وإن وجد أحدهما بما اشتراه عيباً لم يكن علمه فله رده أو أخذ أرش العيب، وما كسبه المبيع أو حدث فيه من نماء منفصل قبل علمه بالعيب فهو له لأن الخراج بالضمان، وإن تلفت السلعة أو عتق العبد أو تعذر رده فله أرش العيب.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر، فإن علم بتصريتها قبل حلبها ردها ولا شئ معها.
وكذلك كل مدلس لا يعلم تدليسه فله رده كجارية حمر وجهها أو سود شعرها أو جعده، أو رحى ضم الماء وأرسله عليها عند عرضها على المشتري، وكذلك لو وصف المبيع بصفة يزيد بها ثمنه فلم يجدها فيه كصناعة في العبد أو كتابة، أو أن الدابة هملاجة والفهد صيود أو معلم، أو أن الطائر مصوت ونحوه، ولو أخبره بثمن المبيع فزاد عليه رجع عليه بالزيادة وحظها من الربح إن كان مرابحة، وإن بان أنه غلط على نفسه خير المشتري بين رده وإعطائه ما غلط به.
وإن بان أنه مؤجل ولم يخبره بتأجيله فله الخيار بين رده وإمساكه، وإن اختلف البيعان في قدر الثمن تحالفا، ولكل واحد منهما الفسخ إلا أن يرضى بما قال صاحبه.

باب السلم

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم. ويصح السلم في كل ما ينضبط بالصفة إذا ضبضه بها وذكر قدره بما يقدر به من كيل أو وزن أو ذرع أو عد، وجعل له أجلاً معلوماً وأعطاه الثمن قبل تفرقهما.
ويجوز السلم في شئ يقبضه أجزاء متفرقة في أوقات معلومة، وإن أسلم ثمناً واحداً في شيئين لم يجز حتى يبين ثمن كل جنس، ومن أسلف في شئ لم يصرفه إلى غيره، ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه ولا الحوالة به، وتجوز الإقالة فيه، أو في بعضه لأنها فسخ.

باب القرض وغيره

عن أبي رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكراً فقدمت عليه إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً.
فقال: أعطه فإن خير الناس أحسنهم قضاء.
ومن اقترض شيئاً فعليه رد مثله، ويجوز أن يرد خيراً منه، وأن يقترض تفاريق ويرد جملة إذا لم يكن شرط، وإن أجله لم يتأجل، ولا يجوز شرط شئ لينتفع به المقرض إلا أن يشترط رهناً أو كفيلاً، ولا يقبل هدية المقترض إلا أن يكون بينهما عادة بها قبل القرض.

باب أحكام الدين

من لزمه دين مؤجل لم يطلب به قبل أجله، ولم يحجر عليه من أجله، ولم يحل تفليسه، ولا بموته إذا وثقه الورثة برهن أو كفيل، وإن أراد سفراً يحل قبل مدته، أو الغزو تطوعاً فلغريمه منعه إلا أن يوثق بذلك، وإن كان الدين حالاً على معسر وجب إنظاره، فإن ادعى الإعسار حلف وخلى سبيله، إلا أن يعرف له مال قبل ذلك فلا يقبل قوله إلا ببينة، فإن كان موسراً لزمه وفاؤه، فإن أبى حبس حتى يوفيه، فإن كان ماله لا يفي بدينه كله فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمه إجابتهم، فإذا حجر عليه لم يجز تصرفه في ماله، ولم يقبل إقراره عليه، ويتولى الحاكم قضاء دينه ويبدأ بمن له أرش جناية من رقيقه فيدفع إلى المجني عليه أقل الأمرين من أرشها أو قيمة الجاني، ثم بمن له رهن فيدفع إليه أقل الأمرين من دينه أو ثمن رهنه، وله أسوة الغرماء في بقية دينه.
ثم من وجد متاعه الذي باعه بعينه لم يتلف بعضه ولم يزد زيادة متصلة ولم يأخذ من ثمنه شيئاً فله أخذه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره.
ويقسم الباقي بين الغرماء على قدر ديونهم، وينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته من ماله إلى أن يفرغ من القسمة، فإن وجب له حق بشاهد فأبى أن يحلف لم يكن لغرمائه أن يحلفوا.

باب الحوالة والضمان

ومن أحيل بدينه على من عليه مثله فرضي فقد برئ المحيل، ومن أحيل على مليء لزمه أن يحتال، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع، وإن ضمنه عنه ضامن لم يبرأ وصار الدين عليهما، ولصاحبه مطالبة من شاء منهما، فإن استوفى من المضمون عنه أو أبرأه برئ ضامنه، وإن أبرأ الضامن لم يبرأ الأصيل وإن استوفى من الضامن رجع عليه، ومن كفل بإحضار من عليه دين فلم يحضره لزمه ما عليه فإن مات برئ كفيله.

باب الرهن

وكل ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا فلا، ولا يلزم إلا بالقبض، وهو نقله إن كان منقولاً والتخلية فيما سواه، وقبض أمين المرتهن يقوم مقام قبضه، والرهن أمانة عند المرتهن أو أمينه لا يضمنه إلا أن يتعدى.
ولا ينتفع المرتهن بشئ منه إلا ما كان مركوباً أو محلوباً فللمرتهن أن يركب ويحلب بمقدار العلف، وللراهن غنمه من غلته وكسبه ونمائه لكن يكون رهناً معه، وعليه غرمه من مؤنته ومخزنه وكفنه إن مات، وإن أتلفه أو أخرجه من الرهن بعتق أو استيلاد فعليه قيمته تكون رهناً مكانه.
وإن جنى عليه غيره فهو الخصم فيه، وما قبض بسببه فهو رهن، وإن جنى الرهن فالمجني عليه أحق برقبته، فإن فداه فهو رهن بحاله.
وإذ حل الدين فلم يوفه الراهن بيع وأوفى الحق من ثمنه وباقيه للراهن، وإذا شرط الرهن أو الضمين في بيع فأبى الراهن أن يسلمه وأبى الضمين أن يضمن خير البائع بين الفسخ أو إقامته بلا رهن ولا ضمين.

باب الصلح

ومن أسقط بعض دينه أو وهب غريمه بعض العين التي في يده جاز ما لم يجعل وفاء الباقي شرطاً في الهبة
والإبراء أو يمنعه حقه إلا بذلك، أو يضع بعض المؤجل ليعجل لو الباقي، ويجوز اقتضاء الذهب عن الورق والورق عن الذهب إذا أخذها بسعر يومها وتقابضا في المجلس.
ومن كان له دين على غيره لا يعلمه المدعى عليه فصالحه على شئ جاز، وإن كان أحدهما يعلم كذب نفسه فالصلح في حقه باطل، ومن كان له حق على رجل لا يعلمان قدره فاصطلحا عليه جاز.

باب الوكالة

وهي جائزة في كل ما تجوز النيابة فيه إذا كان الموكل والوكيل ممن يصح ذلك منه، وهي عقد جائز تبطل بموت كل واحد منهما وفسخه لها وجنونه والحجر عليه لسفه، وكذلك في كل عقد جائز كالشركة والمساقاة والمزارعة والجعالة والمسابقة، وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظاً أو عرفاً.
وليس له توكيل غيره، ولا الشراء من نفسه ولا البيع لها إلا بإذن موكله، وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز وإلا لزم من اشتراه.
والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد، والقول قوله في الرد والتلف ونفي التعدي، وإذا قضى الدين بغير بينة ضمن إلا أن يقضيه بحضرة الموكل، ويجوز التوكيل بجعل وبغيره، فلو قال بع هذا بعشرة فما زاد فلك صح.

باب الشركة

وهي على أربعة أضرب:
شركة العنان: وهي أن يشتركا بماليهما وبدنيهما.
وشركة الوجوه: وهي أن يشتركا فيما يشتريان بجاهيهما.
والمضاربة: وهي أن يدفع أحدهما إلى الآخر مالا يتجر فيه ويشتركان في ربحه.
وشركة الأبدان: وهي أن يشتركا فيما يكسبان بأبدانهما من المباح: إما بصناعة أو احتشاش أو اصطياد ونحوه، لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر، فجاء سعد بأسيرين ولم آت أنا وعمار بشئ.
والربح في جميع ذلك على ما شرطاه والوضيعة على قدر المال، ولا يجوز أن يجعل لأحدهما دراهم معينة ولا ربح بشئ معين.
الحكم في المساقاة والمزارعة كذلك، وتجبر الوضيعة من الربح. وليس لأحدهما البيع بنسيئة، ولا أخذ شئ من الربح إلا بإذن الآخر.

باب المساقاة والمزارعة

تجوز المساقاة في كل شجر له ثمر بجزء من ثمره مشاع معلوم. والمزارعة في الأرض بجزء من زرعها، سواء كان البذر منهما أو من أحدهما لقول ابن عمر: عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وثمر وفي لفظ: على أن يعمروها من أموالهم وعلى العامل ما جرت العادة بعمله، ولو دفع إلى رجل دابة يعمل عليها وما حصل بينهما جاز على قياس ذلك.

باب إحياء الموات

وهي الأرض الدائرة التي لا يعرف لها مالك، فمن أحياها ملكها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وإحياؤها عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها كالتحويط عليها، وسوق الماء إليها إن أرادها للزرع، وقلع أشجارها وأحجارها المانعة من غرسها وزرعها، وإن حفر فيها بئراً فوصل إلى الماء ملك حريمه، وهو خمسون ذراعاً من كل جانب إن كانت عادية وحريم البئر البديء خمسة وعشرون ذراعاً.

باب الجعالة

وهي أن يقول: من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فمن فعل ذلك استحق الجعل لما روى أبو سعيد: أن قوماً لدغ رجل منهم فأتوا أصحاب رسول الله فقالوا هل فيكم من راق ؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ بفاتحة الكتاب ويرقي ويتفل حتى برأ، فأخذوا الغنم وسألوا عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وما يدريكم أنها رقية ؟ خذوا واضربوا لي معكم بسهم، ولو التقط اللقطة قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقه.

باب اللقطة

وهي على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما تقل قيمته فيجوز أخذه، والانتفاع به من غير تعريف لقول جابر: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به.
الثاني: الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار السباع كالإبل والخيل ونحوها فلا يجوز أخذها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الإبل فقال: مالك ولها ؟ دعها معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها. ومن أخذ هذا لم يملكه ولزمه ضمانه ولم يبرأ إلا بدفعه إلى نائب الإمام.
الثالث: ما تكثر قيمته من الأثمان والمتاع والحيوان الذي لا يمتنع من كل صغار السباع فيجوز أخذه، ويجب تعريفه حولاً في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد، فمتى جاء طالبه فوصفه دفعه إليه بغير بينة، وإن لم يعرف فهو كسائر ماله، ولا يتصرف فيه حتى يعرف وعاءه ووكاءه وصفته، فمتى جاء طالبه فوصفه دفع إليه أو مثله إن كان قد هلك، وإن كان حيواناً يحتاج إلى مؤنة أو شيئاً يخشى تلفه فله أكله قبل التعريف أو بيعه ثم يعرفه لما روى زيد بن خالد قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق فقال: اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه وسأله عن الشاة فقال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب، وإن هلكت اللقطة في حول التعريف من غير تعد فلا ضمان فيها.

فصل في اللقيط

هو الطفل المنبوذ، وهو محكوم بحريته وإسلامه، وما وجد عنده من المال فهو له، وولايته لملتقطه إذا كان مسلماً عدلاً، ونفقته في بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه، وما خلفه فهو فيء.
ومن ادعى نسبه ألحق به إلا إن كان كافراً ألحق به نسباً لا ديناً. ولم يسلم إليه.

باب السبق

تجوز المسابقة بغير جعل في الأشياء كلها، ولا تجوز بجعل إلا في الخيل والإبل والسهام لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر.
فإن كان لجعل من غير المستبقين جاز، وهو للسابق منهما، وإن كان من أحدهما فسبق المخرج أو جاءا معاً أحرز سبقه ولا شئ له سواه، وإن سبق الآخر أخذه، وإن أخرجا جميعاً لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللاً يكافئ فرسه فرسيهما، أو بعيره بعيريهما، أو رميه رميهما، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار، فإن سبقهما أحرز سبقيهما، وإن سبق أحدهما أحرز سبق نفسه وأخذ سبق صاحبه، ولا بد من تحديد المسافه وبيان الغاية وقدر.
الإصابة وصفتها وعدد الرشق، وإنما تكون المسابقة في الرمي على الإصابة لا على البعد.


 

كتاب الإجارة

وهي عقد على المنافع لازم من الطرفين لا يملك أحدهما فسخها، ولا تنفسخ بموته ولا جنونه، وتنفسخ بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع نفعها، وللمستأجر فسخها بالعيب قديما كان أو حادثاً، ولا تصح إلا على نفع معلوم، إما بالعرف كسكنى دار، أو بالوصف كخياطة ثوب معين، أو بناء حائط، أو حمل شئ إلى موضع معين، وضبط ذلك بصفاته أو معرفة أجرته. وإن وقعت على عين فلا بد من معرفتها. ومن استأجر شيئاً فله أن يقيم مقامه من يستوفيه بإجارته أو غيرها إذا كان مثله أو دونه، وإن استأجر أرضاً لزرع فله زرع ما هو أقل منه ضرراً، فإن زرع ما هو أكثر منه ضرراً أو يخالف ضرره ضرره فعليه أجرة المثل. وإن اكترى إلى موضع فجاوزه أو لحمل شئ فزاد عليه فعليه أجرة المثل للزائد.
وضمان العين إن تلفت، وإن تلفت من غير تعد فلا ضمان عليه، ولا ضمان على الأجير الذي يؤجر نفسه مدة بعينها فيما يتلف في يده من غير تفريط ولا على حجام أو ختان أو طبيب إذا عرف منه حذق في الصنعة ولم تجن أيديهم. ولا على الراعي: إذا لم يتعد، ويضمن القصار والخياط ونحوهما ممن يتقبل العمل ما تلف بعمله دون ما تلف حرزه.

باب الغصب

وهو استيلاء الإنسان على مال غيره بغير حق
من غصب شيئاً فعليه رده وأجرة مثله إن كان له أجرة مدة مقامه في يده، وإن نقص فعليه أرش نقصه، وإن جنى المغصوب فأرش جنايته عليه، سواء جنى على سيده أو أجنبي، وإن جنى عليه أجنبي فلسيده تضمين من شاء منهما، وإن زاد المغصوب رده بزيادته، سواء كانت متصلة أو منفصلة وإن زاد أو نقص رده بزيادته وضمن نقصه، سواء زاد بفعله أو بغير فعله، فلو نجر الخشبة باباً أو عمل الحديد إبراً ردهما بزيادتهما وضمن نقصهما إن نقصا، ولو غصب قطناً فغزله أو غزلاً فنسجه أو ثوبا فقصره أو فصله وخاطه، أو حباً فصار زرعاً أو نوى فصار شجراً أو بيضاً فصار فراخاً فكذلك، وإن غصب عبداً فزاد في بدنه أو بتعليمه ثم ذهبت الزيادة رده وقيمة الزيادة، وإن تلف المغصوب أو تعذر رده فعليه مثله إن كان مكيلاً أو موزوناً، وقيمته إن لم يكن كذلك، ثم إن قدر على رده رده ويأخذ القيمة، وإن خلط المغصوب بما لا يتميز به من جنسه فعليه مثله منه.
وإن خلطه بغير جنسه فعليه مثله من حيث شاء. وإن غصب أرضاً فغرسها أخذ بقلع غرسه وردها وأرش نقصها وأجرتها، وإن زرعها وأخذ الغاصب الزرع ردها وأجرتها، وإن أدرك مالكها الزرع قبل حصاده خير بين ذلك وبين أخذ الزرع بقيمته. وإن غصب جارية فوطئها وأولدها لزمه الحد وردها ورد ولدها ومهر مثلها، وأرش نقصها وأجرة مثلها.
وإن باعها فوطئها المشتري وهو لا يعلم فعليه مهرها وقيمة ولدها إن أولدها وأجرة مثلها ويرجع بذلك كله على الغاصب.

باب الشفعة

وهو استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها. ولا تجب إلا بشروط سبعة:
أحدها: البيع، فلا تجب في موهوب ولا موقوف ولا عوض خلع ولا صداق.
الثاني: أن يكون عقاراً أو ما يتصل به من البناء والغراس.
الثالث: أن يكون شقصاً مشاعاً، فأما المقسوم المحدود فلا شفعة فيه لقول جابر: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم. فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.
الرابع: أن يكون مما ينقسم، فأما ما لا ينقسم فلا شفعة فيه.
الخامس: أن يأخذ الشقص كله، فإن طلب بعضه سقطت شفعته، ولو كان له شفيعان فالشفعة بينهما على قدر سهامهما، فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر إلا أخذ الكل أو الترك.
السادس: إمكان أداء الثمن، فإن عجز عنه أو عن بعضه سقطت شفعته وإذا كان الثمن مثلياً فعليه مثله، وإن لم يكن مثلياً فعليه قيمته. وإن اختلفا في قدره ولا بينة لهما فالقول قول المشتري مع يمينه.
السابع: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم، فإن أخرها بطلت شفعته.
إلا أن يكون عاجزاً عنها لغيبة أو حبس أو مرض أو صغر فيكون على شفعته متى قدر عليها، إلا أنه إن أمكنه الإشهاد على الطلب بها فلم يشهد بطلت شفعته، فإن لم يعلم حتى تبايع ثلاثة فأكثر فله مطالبة من شاء منهم، فإن أخذ من الأول رجع عليه الثاني بما أخذ منه، والثالث على الثاني.
ومتى أخذه وفيه غرس أو بناء للمشتري أعطاه الشفيع قيمته إلا أن يختار المشتري قلعه من غير ضرر فيه، وإن كان فيه زرع أو ثمر باد فهو للمشتري يبقى إلى الحصاد أو الجذاذ، وإن اشترى شقصاً وسيفاً في عقد واحد فللشفيع أخذ الشقص بحصته.


 

كتاب الوقف

وهو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة. ويجوز في كل عين يجوز بيعها وينتفع بها دائماً مع بقاء عينها، ولا يصح في غير ذلك مثل الأثمان والمطعومات والرياحين. ولا يصح إلا على بر أو معروف، مثل ما روي عن عمر أنه قال: يا رسول الله إني أصبت مالاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه ؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف. ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً غير متمول فيه. ويصح الوقف بالقول والفعل الدال عليه، مثل أن يبني مسجداً ويأذن في الصلاة فيه، أو سقاية ويشرعها للناس.
ولا يجوز بيعه إلا أن تتعطل منافعه بالكلية، فيباع ويشتري به ما يقوم مقامه.
والفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو بيع واشترى به ما يصلح للجهاد. والمسجد إذا لم ينتفع به في مكانه بيع ونقل إلى مكان ينتفع به.
ويرجع في الوقف ومصرفه وشروطه وترتيبه وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بها - وكذلك الناظر فيه والنفقة عليه - إلى شرط الواقف فلو وقف على ولد فلان ثم على المساكين كان الذكر والأنثى بالسوية إلا أن يفضل بعضهم، فإذا لم يبق منهم أحد رجع إلى المساكين.
وإن كان الوقف على من يمكن حصرهم لزم استيعابهم به، والتسوية بينهم، إلا أن يفضل بعضهم. وإن لم يمكن حصرهم جاز تفضيل بعضهم على بعض وتخصيص واحد منهم به.

باب الهبة

وهي تمليك المال في الحياة بغير عوض، وتصح بالإيجاب والقبول والعطية المقترنة بما يدل عليها.
وتلزم بالقبض، ولا يجوز الرجوع فيها، إلا الأب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، والمشروع في عطية الأولاد أن يسوى بينهم على قدر ميراثهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم.
وإذا قال لرجل: أعمرتك داري أو هي لك عمري، فهي له ولورثته من بعده، وإن قال: سكناها لك عمرك، فله أخذها متى شاء.

باب عطية المريض

تبرعات المريض مرض الموت المخوف ومن هو في الخوف كالمريض كالواقف بين الصفين عند التقاء القتال ومن قدم ليقتل، وراكب البحر حال هيجانه ومن وقع الطاعون ببلده إذا اتصل بهم الموت - حكمها حكم وصيته في ستة أحكام:
أحدها: أنها لا تجوز لأجنبي بزيادة على الثلث ولا لوارث بشئ إلا بإجازة الورثة، لما روي أن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثاً فأعتق اثنين وأرق أربعة.
الثاني: أن الحرية تجمع في بعض العبيد بالقرعة إذا لم يف الثلث بالجميع للخبر.
الثالث: أنه إذا أعتق عبداً غير معين أو معيناً فأشكل أخرج بالقرعة.
الرابع: أنه يعتبر خروجها من الثلث حال الموت، فلو أعتق عبداً لا مال له سواه أو تبرع به ثم ملك عند الموت ضعف قيمته تبينا أنه عتق كله حين إعتاقه وكان ما كسبه بعد ذلك له، وإن صار عليه دين يستغرقه لم يعتق منه شئ، ولا يصح تبرعه به، ولو وصى له بشئ فلم يأخذه الموصى له زماناً قوم عليه وقت الموت لا وقت الأخذ.
الخامس: أن كونه وارثاً يعتبر حالة الموت فيهما فلو أعطاه أخاه أو وصى له ولا ولد له فولد له ابن صحت العطية والوصية ولو كان له ابن فمات بطلت.
السادس: أنه لا يعتبر رد الورثة وإجازتهم إلا بعد الموت فيهما.
وتفارق العطية الوصية في أحكام أربعة:
أحدها: أن العطية تنفذ من حينها، فلو أعتق عبداً أو أعطاه إنساناً صار المعتق حراً وملكه المعطي وكسبه له ولو وصى به أو دبره لم يعتق ولم يملكه الموصى له إلا بعد الموت، وما كسب أو حدث فيه من نماء منفصل فهو للورثة.
الثاني: أن العطية يعتبر قبولها وردها حين وجودها كعطية الصحيح، والوصية لا يعتبر قبولها ولا ردها إلا بعد موت الموصي.
الثالث: أنها تقع لازمة لا يملك المعطي الرجوع فيها، والوصية له الرجوع فيها متى شاء.
الرابع: أن يبدأ بالأول فالأول منها إذا ضاق الثلث عن جميعها، والوصية يسوى بين الأول منها والآخر، ويدخل النقص على كل واحد بقدر وصيته سواء كان فيها عتق أو لم يكن، وكذلك الحكم في العطايا إذا وقعت دفعة واحدة.


 

كتاب الوصايا

روي عن سعد قال: قلت يا رسول الله قد بلغ بي الجهد ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا قلت: فالشطر ؟ قال: لا قلت: فالثلث ؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.
ويستحب لمن ترك خيراً الوصية بخمس ماله.
وتصح الوصية والتدبير من كل من تصح هبته، ومن الصبي العاقل والمحجوز عليه لسفه، ولكل من تصح الهبة له، وللحمل إذا علم أنه كان موجوداً حين الوصية له، وتصح بكل ما فيه نفع مباح ككلب الصيد والغنم وبما فيه نفع من النجاسات.
وبالمعدوم كالذي تحمل أمته أو شجرته، وتصح بما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء، وبما لا يملكه كمائة درهم لا يملكها، وبغير معين كعبد من عبيده، ويعطيه الورثة منهم ما شاءوا، وبالمجهول كحظ من ماله أو جزء ويعطيه الورثة ما شاءوا، وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته فله مثل أقلهم نصيباً يزاد على الفريضة.
فلو خلف ثلاثة بنين ووصى بمثل نصيب أحدهم فله الربع، فإن كان معهم ذو فرض كأم صححت مسألة الورثة بدون الوصية من ثمانية عشر، وزدت عليها بمثل نصيب ابن فصارت من ثلاثة وعشرين. ولو وصى بمثل نصيب أحدهم ولآخر بسدس، باقي المال جعلت صاحب سدس الباقي كذي فرض وصححتها كالتي قبلها، فإن كانت وصية الثاني بسدس باقي الثلث صححتها كما قلنا سواء، ثم زدت عليها مثليها فتصير تسعة وستين تعطي صاحب السدس سهماً واحداً والباقي بين البنين والوصي الآخر أرباعاً.
وإن زاد البنون على ثلاثة زدت صاحب سدس الباقي بقدر زيادتهم، فإن كانوا أربعة أعطيته مما صحت منه المسألة سهمين، وإن كانوا خمسة فله ثلاثة، وإن كانت الوصية بثلث باقي الربع والبنون أربعة فله سهم واحد، وإن زاد البنون على أربعة زدته بكل واحد سهماً.
وإن وصى بضعف نصيب وارث أو ضعفيه فله مثلاً نصيبه، وثلاثة أضعاف ثلاثة أمثاله.
وإن وصى بجزء مشاع كثلث أو ربع أخذته من مخرجه وقسمت الباقي على الورثة وإن وصى بجزءين أخذتهما من مخرجهما، وهو اثنا عشر وقسمت الباقي على الورثة، فإن ردوا جعلت سهام الوصية ثلث المال وللورثة ضعف ذلك، وإن وصى بمعين من ماله فلم يخرج من الثلث فللموصى له قدر الثلث إلا أن يجيز الورثة.
وإن زادت الوصايا على المال كرجل وصى بثلث ماله لرجل ولآخر بجميعه ضممت الثلث إلى المال فصار أربعة أثلاث وقسمت التركة بينهما على أربعة إن أجيزت لهما، والثلث على أربعة إن رد عليهما، ولو وصى بمعين لرجل ثم وصى به لآخر أو أوصى إلى رجل ثم أوصى إلى آخر فهو بينهما، وإن قال ما أوصيت به للأول فهو للثاني بطلت وصية الأول.

فصل إذا بطلت الوصية

إذا بطلت الوصية أو بعضها رجع إلى الورثة. فلو وصى أن يشترى عبد زيد بمائة فيعتق فمات أو لم يبعه سيده فالمائة للورثة، وإن وصى بمائة تنفق على فرس حبيس فمات الفرس فهي للورثة، ولو وصى أن يحج عنه زيد بألف فلم يحج فهي للورثة، وإن قال الموصى له: أعطوني الزائد على نفقة الحج لم يعط شيئاً، ولو مات الموصى له قبل موت الموصي أو رد الوصية ردت إلى الورثة ولو وصى لحي وميت فللحي نصف الوصية.
ولو وصى لوارثه ولأجنبي بثلث ماله فللأجنبي السدس ويوقف سدس الوارث على الإجازة.

باب الموصى إليه

تجوز الوصية إلى كل مسلم عاقل عدل من الذكور والإناث بما يجوز للموصي فعله: من قضاء ديونه، وتفريق وصيته.
والنظر في أمر أطفاله، ومتى أوصى إليه بولاية أطفاله أو مجانينه ثبتت ولايته عليهم، ونفذ تصرفه لهم بما لهم فيه الحظ: من البيع والشراء، وقبول ما يوهب لهم، والإنفاق عليهم وعلى من تلزمهم مؤنته بالمعروف، والتجارة لهم، ودفع أموالهم مضاربة بجزء من الربح. وإن اتجر لهم بنفسه فليس له من الربح شئ، وله أن يأكل من مالهم عند الحاجة بقدر عمله ولا غرم عليه، ولا يأكل إذا كان غنياً لقول الله تعالى: ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف.
وليس له أن يوصي بما أوصى إليه به ولا أن يبيع ويشتري من مالهم لنفسه، ويجوز ذلك للأب، فلا يلي مال الصبي والمجنون إلا الأب أو وصيه أو الحاكم.

فصل: ولوليهم أن يأذن للمميز من الصبيان بالتصرف ليختبر رشده

ولوليهم أن يأذن للمميز من الصبيان بالتصرف ليختبر رشده، والرشد هنا الصلاح في المال، فمن آنس رشده دفع إليه ماله إذا بلغ وأشهد عليه ذكراً كان أو أنثى، فإن عاود السفه أعيد عليه الحجر، ولا ينظر في ماله إلا الحاكم، ولا ينفك عنه الحجر إلا بحكمه. ولا يقبل إقراره في المال، ويقبل في الحدود والقصاص والطلاق، فإن طلق أو أعتق نفذ طلاقه دون إعتاقه.

فصل: وإذا أذن السيد لعبده في التجارة صح بيعه

وإذا أذن السيد لعبده في التجارة صح بيعه وشراؤه وإقراره، ولا ينفذ تصرفه إلا في قدر ما أذن له فيه، وإن رآه سيده أو وليه يتصرف فلم ينهه لم يصر بهذا مأذوناً له.


 

كتاب الفرائض

وهي قسمة الميراث، والوارث ثلاثة أقسام: ذو فرض، وعصبة، وذو رحم. فذو الفرض عشرة: الزوجان، والأبوان، والجد، والجدة، والبنات، وبنات الابن، والأخوات، والإخوة من الأم. فللزوج النصف إذا لم يكن للميتة ولد. فإن كان لها ولد فله الربع، ولها الربع واحدة كانت أو أربعاً إذا لم يكن له ولد، فإن كان له ولد فلهن الثمن.
فصل: وللأب ثلاثة أحوال: حال له السدس وهي مع ذكور الولد، وحال يكون عصبة وهي مع عدم الولد، وحال له الأمران مع إناث الولد.

فصل: والجد كالأب في أحواله

والجد كالأب في أحواله، وله حال رابع وهو مع الإخوة والأخوات للأبوين أو للأب فله الأحظ من مقاسمتهم كأخ أو ثلث جميع المال، فإن كان معهم ذو فرض.
وولد الأبوين كولد الأب في هذا إذا انفردوا، فإن اجتمعوا عادوا ولد الأبوين الجد بولد الأب ثم أخذوا ما حصل لهم، إلا أن يكون ولد الأبوين أختاً واحدة فتأخذ النصف وما فضل فلولد الأب، فإن لم يفضل عن الفرض إلا السدس أخذه الجد وسقط الإخوة إلا في الأكدرية وهي زوج وأم وأخت وجد، فإن للزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، وللأخت النصف، ثم يقسم نصف الأخت وسدس الجد بينهما على ثلاثة فتصح من سبعة وعشرين، ولا يعول من مسائل الجد سواها ولا يفرض لأخت مع جد في غيرها. ولو لم يكن فيها زوج كان للأم الثلث والباقي بين الأخت والجد على ثلاثة وتسمى الخرقاء لكثرة اختلاف الصحابة رضي الله عنهم فيها.
ولو كان معهم أخ أو أخت لأب صحت من أربعة وخمسين، وتسمى مختصرة زيد، فإن كان معهم أخ آخر من أب صحت من تسعين وتسمى تسعينية زيد، ولا خلاف في إسقاط الإخوة من الأم وبني الأخوة.

فصل: وللأم أربعة أحوال

وللأم أربعة أحوال: حال لها السدس وهي مع الولد أو الاثنين فصاعداً من الإخوة والأخوات، وحال لها ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين وهي مع الأب وأحد الزوجين، وحال لها ثلث المال وهي فيما عدا ذلك، وحال رابع وهي إذا كان ولدها منفياً باللعان أو كان ولد زنا فتكون عصبته، فإن لم تكن فعصبتها عصبة.

 فصل: وللجدة - إذا لم تكن أم - السدس

وللجدة - إذا لم تكن أم - السدس واحدة كانت أو أكثر إذا تحاذين، فإن كان بعضهن أقرب من بعض فهو لقرباهن.
وترث الجدة وابنها حي، ولا يرث أكثر من ثلاث جدات: أم الأم، وأم الأب، وأم الجد.
ومن كان من أمهاتهن وإن علون، ولا ترث جدة تدلي بأب بين أمين، ولا بأب أعلى من الجد، فإن خلف جدتي أمه وجدتي أبيه سقطت أم أبي أمه والميراث للثلاث الباقيات.

فصل: وللبنت النصف وللبنتين فصاعداً الثلثان

وللبنت النصف وللبنتين فصاعداً الثلثان، وبنات الابن بمنزلتهن إذا عدمن، فإن اجتمعن سقط بنات الابن إلا أن يكون معهن أو أنزل منهن ذكر فيعصبهن فيما بقي.
وإن كانت بنت واحدة وبنات ابن فللبنت النصف ولبنات الابن - واحدة كانت أو أكثر من ذلك - السدس تكملة الثلثين إلا أن يكون معهن ذكر فيعصبهن فيما بقي.

فصل: والأخوات من الأبوين كالبنات في فرضهن

والأخوات من الأبوين كالبنات في فرضهن، والأخوات من الأب معهن كبنات الابن مع البنات سواء، ولا يعصبهن إلا أخوهن.
والأخوات مع البنات عصبة لهن ما فضل وليست لهن معهن فريضة مسماة لقول ابن مسعود رضي الله عنه في بنت وبنت ابن وأخت: أقضي فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وما بقي فللأخت.

فصل: والإخوة والأخوات من الأم

والإخوة والأخوات من الأم سواء ذكرهم وإناثهم، لواحدهم السدس وللاثنين السدسان، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث.

باب الحجب

يسقط ولد الأبوين بثلاثة: بالابن، وابنه، والأب ويسقط ولد الأب بهؤلاء الثلاث، وبالأخ من الأبوين. ويسقط ولد الأم بأربعة: بالولد ذكراً أو أنثى. وولد الابن، والأب. والجد، ويسقط الجد بالأب، وكل جد بمن هو أقرب منه.

باب العصبات

وهم كل ذكر يدلي بنفسه أو بذكر آخر، إلا الزوج والمعتقة وعصباتها، وأحقهم بالميراث أقربهم، وأقربهم الابن ثم ابنه وإن نزل، ثم الأب ثم أبوه وإن علا ما لم يكن إخوة، ثم بنو الأب ثم بنوهم وإن نزلوا، ثم بنو الجد ثم بنوهم، وعلى هذا لا يرث بنو أب أعلى مع بني أب أدنى منه وإن نزلوا، وأولى كل بني أب أقربهم إليه، فإن استوت درجاتهم فأولاهم من كان لأبوين، وأربعة منهم يعصبون أخواتهم ويقتسمون ما ورثوا للذكر مثل حظ الأنثيين &سورة النساء: الآية 11& وهم: الابن، وابنه، والأخ من الأبوين، أو من الأب، ومن عداهم ينفرد الذكور بالميراث كبني الإخوة والأعمام وبنيهم، وإذا انفرد العصبة ورث المال كله.
فإن كان معه ذو فرض بدأ به وكان الباقي للعصبة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر فإن استغرقت الفروض المال سقط العصبة، كزوج وأم وإخوة لأم وإخوة لأبوين فللزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة للأم الثلث، ويسقط الإخوة للأبوين وتسمى المشتركة والحمارية، ولو كان مكانهم أخوات لكان لهن الثلثان وتعول إلى عشرة وتسمى أم الفروخ.
وإذا كان الولد خنثى اعتبر بمباله، فإن بال من ذكره فهو رجل، وإن بال من فرجه فهو امرأة، وإن بال بينهما واستويا فهو مشكل له نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى، وكذلك الحكم في ديته وجراحه وغيرهما، ولا ينكح بحال.

باب ذوي الأرحام

وهم كل قرابة ليس بعصبة ولا ذي فرض، ولا ميراث لهم مع عصبة ولا ذي فرض إلا مع أحد الزوجين فإن لهم ما فضل عنه من غير حجب ولا معاولة ويرثون بالتنزيل فيجعل كل إنسان منهم بمنزلة من أدلى به، فولد البنات وولد بنات الابن والأخوات بمنزلة أمهاتهم، وبنات الإخوة والأعمام وبنو الإخوة من الأم كآبائهم، والعمات والعم من الأم كالأب، والأخوال والخالات وأبو الأم كالأم فإن كان معهم اثنان فصاعداً من جهة واحدة فأسبقهم إلى الوارث أحقهم، فإن استووا قسمت المال بين من أدلوا به وجعلت مال كل واحد منهم لمن أدلى به، وساويت بين الذكور والإناث إذا استوت جهاتهم منه، فلو خلف ابن بنت وبنت بنت أخرى وابنا وبنت بنت أخرى قسمت المال بين البنات على ثلاثة ثم جعلته لأولادهن للابن الثلث وللبنت الثلث وللابن والبنت الأخرى الثلث الباقي بينهما نصفين، وإن خلف ثلاث عمات متفرقات وثلاث خالات متفرقات فالثلث بين الخالات على خمسة والثلثان بين العمات على خمسة وتصح من خمسة عشر.
وإن اختلفت جهات ذوي الأرحام نزلت البعيد حتى يلحق بوارثه ثم قسمت على ما ذكرنا.
والجهات ثلاث: البنوة والأمومة والأبوة.

باب أصول المسائل

وهي سبعة: فالنصف من اثنين، والثلث والثلثان من ثلاثة، والربع وحده أو مع النصف من أربعة، والثمن وحده أو مع النصف من ثمانية، فهده الأربعة لا عول فيها وإذا كان مع النصف ثلث أو ثلثان أو سدس فهي من ستة وتعول إلى عشرة، وإن كان مع الربع أحد هذه الثلاثة فهي من اثني عشر وتعول إلى سبعة عشر، وإن كان مع الثمن سدس أو ثلثان فهي من أربعة وعشرين وتعول إلى سبعة وعشرين.

باب الرد

وإن لم تستغرق الفروض المال ولم يكن عصبة فالباقي يرد عليهم على قدر فروضهم إلا الزوجين، فإن اختلفت فروضهم أخذت سهامهم من أصل مسألتهم ستة ثم جعلت عدد سهامهم من أصل مسألتهم، فإن انكسر على بعضهم ضربته في عدد سهامهم، وإن كان معهم أحد الزوجين أعطيته سهمه من أصل مسألته وقسمت الباقي على مسألة أهل الرد، فإن انقسم وإلا ضربت مسألة الرد في مسألة الزوج ثم تصحح بعد ذلك على ما سنذكره.
وليس في مسألة يرث فيها عصبة عول ولا رد.

باب تصحيح المسائل

إذا انكسر سهم فريق عليهم ضرب عددهم أو وفقه إن وافق سهامهم في أصل مسألتهم أو عولها إن عالت أو نقصها إن نقصت، ثم يصير لكل واحد منهم مثل ما كان لجميعهم أو وفقه، وإن انكسر على فريقين فأكثر وكانت مماثلة أجزأك أحدهما، وإن كانت متناسبة أجزأك أكثرها، فإن تباينت ضربت بعضها في بعض، وإن توافقت ضربت وفق أحدهما في الآخر ثم وفقت بين ما بلغ وبين الثالث وضربته أو وفقه في الثالث ثم ضربته في المسألة، ثم كل من له شئ من المسألة مضروب في العدد الذي ضربته في المسألة.

باب المناسخات

إذا لم تقسم تركة الميت حتى مات بعض ورثته وكان ورثة الثاني يرثونه على حسب ميراثهم من الأول قسمت التركة على ورثة الثاني وأجزأك، وإن اختلف ميراثهم صححت مسألة الثاني وقسمت عليها سهامه من الأولى، فإن انقسم صحت المسألتان مما صحت منه الأولى، وإن لم تنقسم ضربت الثانية أو وفقها في الأولى، ثم كل من له شئ من الأولى أخذه مضروباً في الثانية أو وفقها، ومن له شئ في الثانية أخذه مضروباً في سهام الميت الثاني أو وفقها، ثم تفعل فيما زاد من المسائل كذلك أيضاً.

باب موانع الميراث

وهي ثلاثة:
أحدها: اختلاف الدين، فلا يرث أهل ملة أهل ملة أخرى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ولقوله صلى الله عليه وسلم: لا يتوارث أهل ملتين شتى والمرتد لا يورث أحداً وإن مات فماله فيء.
الثاني: الرق، فلا يرث العبد أحداً ولا له مال يورث، ومن كان بعضه حراً ورث وورث، وحجب بقدر ما فيه من الحرية.
الثالث: القتل، فلا يرث القاتل المقتول بغير حق وإن قتله بحق كالقتل حداً أو قصاصاً أو قتل العادل الباغي عليه فلا يمنع ميراثه.

باب مسائل شتى

إذا مات عن حمل يرثه وقفت ميراث اثنين ذكرين إن كان ميراثهما أكثر، وإلا ميراث اثنين، وتعطي كل وارث اليقين وتقف الباقي حتى يتبين.
وإن كان في الورثة مفقود لا يعلم خبره أعطيت كل وارث اليقين، ووقفت الباقي حتى يعلم حاله إلا أن يفقد في مهلكة أو من بين أهله فينتظر أربع سنين ثم يقسم.
وإن طلق المريض في مرض الموت المخوف امرأته طلاقاً يتهم فيه لقصد حرمانها عن الميراث لم يسقط ميراثها ما دامت في عدته، وإن كان الطلاق رجعياً توارثا في العدة سواء كان في الصحة أو في المرض، وإن أقر الورثة كلهم بمشارك لهم في الميراث فصدقهم، أو كان صغيراً مجهول النسب ثبت نسبه وإرثه، وإن أقر به بعضهم لم يثبت نسبه، ومر له فضل ما في يد المقر عن ميراثه.

باب الولاء

الولاء لمن أعتق وإن اختلف بينهما لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الولاء لمن أعتق وإن عتق عليه برحم أو كتابة أو تدبير أو استيلاء فله عليه الولاء، وعن أولاده من حرة معتقة أو أمة.
وعلى معتقيه ومعتقي أولاده وأولادهم ومعتقيهم أبداً ما تناسلوا ويرثهم إذا لم يكن له من يحجبه عن ميراثهم ثم عصباته من بعده.
ومن قال: أعتق عبدك عني وعلي ثمنه ففعل فعلى الآمر ثمنه وله ولاؤه. وإن لم يقل عني فالتمني عليه والولاء للمعتق. ومن أعتق عبده عن حي بلا أمره أو عن ميت فالولاء للمعتق، وإن أعتقه عنه بأمره فالولاء للمعتق عنه بأمره، وإذا كان أحد الزوجين الحرين حر الأصل فلا ولاء على ولدهما، وإن كان أحدهما رقيقاً تبع الولد الأم في حريتها ورقها، فإن كانت الأم رقيقة فولدها رقيق لسيدها، فإن أعتقهم فولاؤهم له لا يخرج عنهه بحال، وإن كان الأب رقيقاً والأم معتقة فأولادها أحرار وعليهم الولاء لمولى أمهم، فإن أعتق العبد سيده ثبت له عليه الولاء وجر إليه ولاء أولاده.
وإن اشترى أباه عتق عليه وله ولاؤه وولاء إخوته، ويبقى ولاؤه لموالي أمه لأنه لا يجر ولاء نفسه، فإن اشترى أبوهم عبداً فأعتقه ثم مات الأب فميراثه بين أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين، وإذا مات عتيقه بعده فميراثه للذكور دون الإناث، ولو اشترى الذكور والإناث أباهم فعتق عليهم، ثم اشترى أبوهم عبداً فأعتقه، ثم مات الأب ثم مات عتيقه، فميراثهما على ما ذكرنا في التي قبلها، وإن مات الذكور قبل موت العتيق ورث الإناث من ماله بقدر ما أعتقن من أبيهن، ثم يقسم الباقي بينهم وبين معتق الأم، فإن اشترين نصف الأب وكانوا ذكرين وأنثيين فلهن خمسة أسداس الميراث ولمعتق الأم السدس لأن لهن نصف الولاء والباقي بينهن وبين معتق الأم أثلاثاً.
فإن اشترى ابن المعتقة عبداً فأعتقه ثم اشترى العبد أبا معتقه فأعتقه جر ولاء معتقه وصار كل واحد منهما مولى للآخر، ولو أعتق الحربي عبداً فأسلم وسباه العبد وأخرجه إلى دار الإسلام ثم أعتقه صار كل واحد منهما مولى الآخر.

باب الميراث بالولاء

الولاء لا يورث، وإنما يرث به أقرب عصبات المعتق، ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتقه من أعتقن، وكذلك كل فرض إلا الأب والجد لهما السدس مع الابن وابنه.
والولاء للكبر، فلو مات المعتق وخلف ابنين وعتيقه فمات أحد الابنين عن ابن ثم مات عتيقه فماله لابن المعتق، إن مات الابنان بعده وقبل المولى وخلف أحدهما ابناً والآخر تسعة فولاؤه بينهم على عددهم لكل واحد عشرة، وإذا أعتقت المرأة عبداً ثم ماتت فولاؤه لابنها، وعقله على عصبتها.


 

كتاب العتق

باب العتق

وهو تحرير العبد، ويحصل بالقول والفعل. فأما القول فصريحه لفظ العتق والتحرير وما تصرف منهما، فمتى أتى بذلك حصل العتق وإن لم ينوه، وما عدا هذا من الألفاظ المحتملة للعتق كناية لا يعتق بها إلا إذا كان نوى، وأما الفعل فمن ملك ذا رحم محرم عتق عليه. ومن أعتق جزءاً من عبد مشاعاً أو معيناً عتق كله، وإن أعتق ذلك من عبد مشترك وهو موسر بقيمة نصيب شريكه عتق كله وقوم عليه نصيب شريكه وله ولاؤه، وإن كان معسراً لم يعتق إلا حصته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أعتق شركاً له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل فأعطى شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق.
وإن ملك جزءاً من ذي رحمه عتق عليه باقية إن كان موسراً إلا أن يملكه بالميراث فلا يعتق عليه إلا ما ملك.

فصل: وإذا قال لعبده أنت حر

وإذا قال لعبده أنت حر في وقت سماه أو علق عتقه على شرط يعتق إذا جاء ذلك الوقت أو وجد الشرط ولم يعتق قبله، ولا يملك إبطاله بالقول، وله بيعه وهبته والتصرف فيه، ومتى عاد إليه عاد الشرط، وإن كانت الأمة حاملاً حين التعليق أو وجد الشرط عتق حملها، وإن حملت ووضعت فيما بينهما لم يعتق ولدها.

باب التدبير

وإذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي أو قد دبرتك أو أنت مدبر صار مدبراً يعتق بموت سيده إن حمله الثلث، ولا يعتق ما زاد إلا بإجازة الورثة، ولسيده بيعه وهبته ووطء الجارية، ومتى ملكه بعد عاد تدبيره، وما ولدت المدبرة والمكاتبة وأم الولد من غير سيدها فله حكمها ويجوز تدبير المكاتب وكتابة المدبر، فإن أدى عتق، وإن مات سيده قبل أدائه عتق إن حمل الثلث ما بقي عليه من كتابته، وإلا عتق منه بقدر الثلث وسقط من الكتاب بقدر ما عتق وكان على الكتابة بما بقي، وإن استولد مدبرته بطل تدبيرها، وإن أسلم مدبر الكافر أو أم ولده حيل بينه وبينهما وينفق عليهما من كسبهما. وإن لم يكن لهما كسب أجبرعلى نفقتهما.
فإن أسلم ردا إليه، وإن مات عتقا، وإن دبر شركاً له في عبد وهو موسر لم يعتق عليه سوى ما أعتقه وإن أعتقه في مرض موته وثلثه يحتمل باقيه عتق جميعه.

باب المكاتب

الكتابة شراء العبد نفسه من سيده بمال في ذمته، واذا ابتغاها العبد المكتسب الصدوق من سيده استحب له إجابته إليها، لقول الله تعالى: والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا &سورة النور: الآية 33 &. ويجعل المال عليه أنجماً.
فمتى أداها عتق ويعطى مما كوتب عليه الربع لقول الله تعالى: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم & سورة النور: الآية 33 & قال علي رضي الله عنه: هو الربع. والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم إلا أنه يملك البيع والشراء.
والسفر وكل ما فيه مصلحة ماله وليس له التبرع ولا التزوج ولا التسري إلا بإذن سيده وليس لسيده استخدامه ولا أخذ شئ من ماله، ومتى أخذ منه شيئاً أو جنى عليه أو على ماله فعليه غرامته ويجري الربا بينهما كالأجانب إلا أنه لا بأس أن يعجل لسيده ويضع عنه بعض كتابته، وليس له وطء مكاتبته ولا بنتها ولا جاريتها، فإن فعل فعليه مهر مثلها، وإن ولدت منه صارت أم ولد، فإن أدت عتقت، وإن مات سيدها قبل أدائها عتقت، وما في يدها لها إلا أن تكون قد عجزت.
ويجوز بيع المكاتب لأن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وهي مكاتبة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون في يد مشتريه مبقي على ما بقي من كتابته، فإن أدى عتق وولاؤه لمشتريه، وإن عجز فهو عبد، وإن اشترى المكاتبان كل واحد منها الآخر صح شراء الأول وبطل شراء الثاني، فإن جهل الأول منهما بطل البيعان، وإن مات المكاتب بطلت الكتابة.
وإن مات السيد قبله فهو على كتابته يؤدي إلى الورثة وولاؤه لمكاتبه، والكتابة عقد لازم ليس لأحدهما فسخها، وإن حل نجم فلم يؤده فلسيده تعجيزه، وإذا جنى المكاتب بدىء بجنايته، وإن اختلف هو وسيده في الكتابة أو عوضها أو التدبير أو الاستيلاد فالقول قول السيد مع يمينه.

باب أحكام أمهات الأولاد

إذا حملت الأمة من سيدها فوضعت ما يتبين فيه شئ من خلق الإنسان صارت له بذلك أم ولد تعتق بموته وإن لم يملك غيرها، وما دام حياً فهي أمته، أحكامها أحكام الإماء في حل وطئها وملك منافعها وكسبها وسائر الأحكام، إلا أنه لا يملك بيعها ولا رهنها ولا سائر ما ينقل الملك فيها أو يراد له، وتجوز الوصية لها وإليها، فإن قتلت سيدها عمداً فعليها القصاص، وإن قتلته خطأ فعليها قيمة نفسها وتعتق في الحالين.
وإن وطىء أمة غيره بنكاح ثم ملكها حاملاً عتق الجنين وله بيعها.


 

كتاب النكاح

النكاح من سنن المرسلين، وهو أفضل من التخلي منه لنفل العبادة لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد على عثمان بن مظعون التبتل وقال: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء. ومن أراد خطبة امرأة فله النظر منها إلى ما يظهر عادة كوجهها وكفيها وقدميها ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه إلا أن لا يسكن إليه.
ولا يجوز التصريح بخطبة معتدة، ويجوز التعريض بخطبة البائن خاصة فيقول لا تفوتيني بنفسك وأنا في مثلك لراغب ونحو ذلك، ولا ينعقد النكاح إلا بإيجاب من الولي أو نائبه فيقول أنكحتك أو زوجتك، وقبول من الزوج أو نائبه فيقول قبلت أو تزوجت ويستحب أن يخطب قبل العقد بخطبة ابن مسعود رضي الله عنه قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في الحاجة: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ويقرأ ثلاث آيات: اتقوا الله حق تقاته & سورة آل عمران: الآية 102& واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام & سورة النساء: الآية 1& اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم & سورة الأحزاب: الآية 70 & ويستحب إعلان النكاح والضرب عليه بالدف للنساء.

باب ولاية النكاح

لا نكاح إلا بولي وشاهدين من المسلمين.
وأولى الناس بتزويج الحرة أبوها ثم أبوه وإن علا، ثم ابنها ثم ابنه وإن نزل، ثم الأقرب فالأقرب من عصباتها، ثم معتقها، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، ثم السلطان.
وكيل كل واحد من هؤلاء يقوم مقامه، ولا يصح تزويج أبعد مع وجود أقرب، إلا أن يكون صبياً أو زائل العقل أو مخالفاً لدينها أو عاضلاً لها أو غائباً غيبة بعيدة، ولا ولاية لأحد على مخالف لدينه إلا المسلم إذا كان سلطاناً أو سيد أمة.

فصل: وللأب تزويج أولاده الصغار ذكورهم وإناثهم

وللأب تزويج أولاده الصغار ذكورهم وإناثهم وبناته الأبكار بغير إذنهم ويستحب استئذان البالغة، وليس له تزويج البالغ من بنيه وبناته الثيب إلا بإذنه، وليس لسائر الأولياء تزويج صغير ولا صغيرة.
ولا تزويج كبيرة إلا بإذنها، وإذن البكر الصمات لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها. وليس، لولي امرأة تزويجها بغير كفئها، والعرب بعضهم لبعض أكفاء، وليس العبد كفئاً لحرة ولا الفاجر كفئاً لعفيفة، ومن أراد أن ينكح امرأة هو وليها فله أن يتزوجها من نفسه بإذنها. وإن زوج أمته عبده الصغير جاز أن يتولى طرفي العقد وإن قال لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك بحضرة شاهدين ثبت العتق والنكاح، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها.

فصل: وللسيد تزويج إمائه

وللسيد تزويج إمائه كلهن وعبيده الصغار بغير إذنهم، وله تزويج أمة موليته بإذن سيدتها، ولا يملك إجبار عبده الكبير على النكاح، وأيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر، فإن دخل بها فمهرها في رقبته كجنايته إلا أن يفديه السيد بأقل من قيمته أو المهر. ومن نكح أمة على أنها حرة ثم علم فله فسخ النكاح ولا مهر عليه إن فسخ قبل الدخول.
وإن أصابها فلها مهرها، وإن أولدها فولده حر يفديه بقيمته ويرجع بما غرم على من غره ويفرق بينهما إن لم يكن ممن يجوز له نكاح الإماء، فإن كان ممن يجوز له ذلك فرضي فما ولدت بعد الرضا فهو رقيق.

باب المحرمات في النكاح

وهن الأمهات والبنات والأخوات. وبنات الإخوة. وبنات الأخوات والعمات والخالات وأمهات النساء وحلائل الآباء والأبناء والربائب المدخول بأمهاتهن. ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
وبنات المحرمات محرمات، إلا بنات العمات والخالات وأمهات النساء وحلائل الآباء والأبناء. وأمهاتهن محرمات، إلا البنات والربائب وحلائل الآباء والأبناء.
ومن وطىء امرأة - حلالاً أو حراماً - حرمت على أبيه وابنه، وحرمت عليه أمهاتها وبناتها.

 فصل: ويحرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمها وخالتها

ويحرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمها وخالتها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بينها وبين خالتها. ولا يجوز للحر أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة، ولا للعبد أن يجمع إلا اثنتين.
فإن جمع بين من لا يجوز الجمع بينه في عقد واحد فسد العقد وإن كان في عقدين لم يصح الثاني منهما.
ولو أسلم كافر وتحته أختان اختار منهما واحدة وإن كانتا أماً وبنتاً ولم يدخل بالأم فسد نكاحها وحدها، وإن كان قد دخل بها فسد نكاحهما وحرمتا على التأبيد، وإن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة أمسك منهم أربعاً وفارق سائرهن، وسواء كان أمسك منهن أول من عقد عليها أو آخرهن.
وكذلك العبد إذا أسلم وتحته أكثر من اثنتين. ومن طلق امرأة ونكح أختها أو خالتها أو خامسة في عدتها لم يصح سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً.
ويجوز أن يملك أختين وله وطء إحداهما، فمتى وطئها حرمت أختها حتى تحرم الموطوءة بتزويج أو إخراج عن ملكه ويعلم أنها غير حامل، فإذا وطىء الثانية ثم عادت الأولى إلى ملكه لم تحل له حتى تحرم الأخرى وعمة الأمة وخالتها في هذا كأختها، وليس للمسلم وإن كان عبداً نكاح أمة كتابية كافرة.
ولا لحر نكاح أمة مسلمة، إلا أن لا يجد طول حرة ولا ثمن أمة ويخاف العنت. وله نكاح أربع إذا كان الشرطان فيه قائمين.


 

كتاب الرضاع

حكم الرضاع حكم النسب في التحريم والمحرمية، فمتى أرضعت المرأة طفلاً صار ابناً لها وللرجل الذي ثاب اللبن بوطئه فيحرم عليه كل من يحرم على ابنها من النسب، وإن أرضعت طفلة صارت بنتاً لهما تحرم على كل من تحرم عليه ابنتهما من النسب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، والمحرم من الرضاع ما دخل الحلق من اللبن سواء دخل بارتضاع من الثدي أو وجور أو سعوط، محضاً كان أو مشوباً إذا لم يستهلك. ولا يحرم إلا بشروط ثلاثة:
أحدها: أن يكون لبن امرأة بكراً كانت أو ثيباً في حياتها أو بعد موتها.
فأما لبن البهيمة أو الرجل أو الخنثى المشكل فلا يحرم شيئاً.
الثاني: أن يكون في الحولين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام.
الثالث: أن يرتضع خمس رضعات لقول عائشة: أنزل في القرآن عشر رضعات يحرمن، فنسخ من ذلك خمس فصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك. ولبن الفحل محرم فإذا كان لرجل امرأتان فأرضعت إحداهما بلبنه طفلاً والأخرى طفلة صارا أخوين لأن اللقاح واحد. وإن أرضعت إحداهما بلبنه طفلة ثلاث رضعات ثم أرضعتها الأخرى رضعتين صارت بنتاً له دونهما. فلو كانت الطفلة زوجة له انفسخ نكاحها ولزمه نصف مهرها ويرجع به عليهما أخماساً ولم ينفسخ نكاحهما.
ولو أرضعت إحدى امرأتيه الطفلة خمس رضعات: ثلاثاً من لبنه واثنتين من لبن غيره صارت أماً لها وحرمتا عليه وحرمت الطفلة على الرجل الآخر على التأبيد، وإن لم تكن الطفلة امرأة له لم ينفسخ نكاح المرضعة. ولو تزوجت امرأة طفلاً فأرضعته خمس رضعات حرمت عليه وانفسخ نكاحها وحرمت على صاحب اللبن تحريماً مؤبداً لأنها صارت من حلائل أبنائه.

فصل: لو تزوج رجل كبيرة ولم يدخل بها وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة

فصل: ولو تزوج رجل كبيرة ولم يدخل بها وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة حرمت الكبيرة وثبت نكاح الصغيرة.
وإن كانتا صغيرتين فأرضعتهما الكبرى حرمت الكبرى وانفسخ نكاح الصغيرتين وله نكاح من شاء من الصغيرتين، وإن كن ثلاثاً فأرضعتهن متفرقات حرمت الكبرى وانفسخ نكاح المرضعتين أولاً وثبت نكاح الثالثة.
وإن أرضعت إحداهن منفردة واثنتين بعدها معاً انفسخ نكاح الثلاث وله نكاح من شاء منهن منفردة، وإن كان دخل بالكبرى حرم الكل عليه على الأبد ولا مهر للكبرى إن كان لم يدخل بها، وإن كان قد دخل بها فلها مهرها، وعليه نصف مهر الأصاغر يرجع به على الكبرى. ولو دبت الصغرى على الكبرى وهي نائمة فارتضعت منها خمس رضعات حرمتها على الزوج ولها نصف مهرها يرجع به على الصغرى إن كان قبل الدخول، وإن كان بعدها فلها مهرها كله لا يرجع به على أحد ولا مهر للصغرى. ولو نكح امرأة ثم قال: هي أختي من الرضاع انفسخ نكاحها، ولها المهر إن كان دخل بها ونصف المهر إن كان لم يدخل بها ولم تصدقه، وإن صدقته قبل الدخول فلا شئ لها.
وإن كانت هي التي قالت هو أخي من الرضاع فأكذبها ولا بينة لها فهي امرأته في الحكم.

باب نكاح الكفار

لا يحل لمسلمة نكاح كافر بحال، ولا لمسلم نكاح كافرة إلا الحرة الكتابية. ومتى أسلم زوج الكتابية أو أسلم الزوجان الكافران معاً فهما على نكاحهما.
وإن أسلم أحدهما غير زوج الكتابية أو ارتد أحد الزوجين المسلمين قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال، وإن كان ذلك بعد الدخول فأسلم الكافر منهما في عدتهما فهما على نكاحهما وإلا تبينا أن النكاح انفسخ منذ اختلف دينهما. وما سمى لها وهما كافران فقبضته في كفرهما فلا شئ لها غيره وإن كان حراماً، وإن لم تقبضه وهو حرام فلها مهر مثلها أو نصفه حيث وجب ذلك.

فصل: وإن أسلم الحر

فصل: وإن أسلم الحر وتحته إماء فأسلمن معه
وكان في حال اجتماعهم على الإسلام ممن لا يحل له نكاح الإماء انفسخ نكاحهن، وإن كان ممن يحل له نكاحهن أمسك منهن من تعفه وفارق سائرهن.

باب الشروط في النكاح

 إذا اشترطت المرأة دارها أو بلدها أو أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى فلها شرطها، وإن لم يف به فلها فسخ النكاح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وهو أن يتزوجها إلى أجل، وإن شرط أن يطلقها في وقت بعينه لم يصح كذلك، ونهى عن الشغار وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ولا صداق بينهما، ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له. وهو أن يتزوج المطلقة ثلاثاً ليحلها لمطلقها.

العيوب التي يفسخ بها النكاح

متى وجد أحد الزوجين الآخر مملوكاً أو مجنوناً أو أبرص أو مجذوماً أو وجد الرجل المرأة رتقاء، أو وجدته مجبوباً، فله فسخ النكاح إن لم يكن علم ذلك قبل العقد، ولا يجوز الفسخ إلا بحكم حاكم، وإن ادعت المرأة أن زوجها عنين لا يصل إليها فاعترض أنه لم يصبها أجل سنة منذ ترافعه.
فإن لم يصبها خيرت في المقام معه أو فراقه، فإن اختارت فراقه فرق الحاكم بينهما إلا أن تكون قد علمت عنته قبل نكاحها أو قالت: رضيت به عنيناً في وقت، وإن علمت بعد العقد وسكتت عن المطالبة لم يسقط حقها، وإن قال: قد علمت عنتي ورضيت بي بعد علمها فأنكرته فالقول قولها، وإن أصابها مرة لم يكن عنيناً، وإن ادعى ذلك فأنكرته فإن كانت عذراء أوريت النساء الثقات ورجع إلى قولهن فإن كانت ثيباً فالقول قوله مع يمينه.

فصل: وإن عتقت المرأة

فصل: وإن عتقت المرأة وزوجها عبد خيرت في المقام معه أو فراقه
ولها فراقه من غير حكم حاكم. فإن أعتق قبل اختيارها أو وطئها بطل خيارها.
وإن أعتق بعضها، أو عتقت كلها وزوجها حر فلا خيار لها.


 

كتاب الصداق

وكل ما جاز أن يكون ثمناً جاز أن يكون صداقاً قليلاً كان أو كثيراً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: للذي قال له زوجني هذه المرأة إن لم يكن لك بها حاجة قال: إلتمس ولو خاتماً من حديد فإذا زوج الرجل ابنته بأي صداق جاز ولا ينقصها غير الأب من مهر مثلها إلا برضاها.
فإذا أصدقها عبداً بعينه فوجدته معيباً خيرت بين أرشه ورده أو أخذ قيمته، وإن وجدته مغصوباً أو حراً فلها قيمته، وإن كانت عالمة بحريته أو غصبه حين العقد فلها مهر مثلها، وإن تزوجها على أن يشتري لها عبداً بعينه فلم يبعه سيده أو طلب به أكثر من قيمته فلها قيمته.

فصل: فإن تزوجها بغير صداق صح

فإن تزوجها بغير صداق صح.
فإن طلقها قبل الدخول لم يكن لها إلا المتعة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وأعلاها خادم وأدناها كسوة تجوز لها الصلاة فيها، وإن مات أحدهما قبل الدخول والفرض فلها مهر نسائها لا وكس ولا شطط، وللباقي منهما الميراث وعليها العدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق لما مات زوجها ولم يدخل بها ولم يفرض لها أن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها العدة، ولو طالبته قبل الدخول أن يفرض لها فلها ذلك، فإن فرض لها مهر نسائها أو أكثر فليس لها غيره، وكذلك إن فرض لها أقل منه فرضيت.

فصل: كل فرقة جاءت من المرأة قبل الدخول

وكل فرقة جاءت من المرأة قبل الدخول كإسلامها أو ارتدادها أو رضاعها أو فسخ لعيبها أو فسخ لعيبه أو إعساره أو أعتقها يسقط به مهرها.
وإن جاءت من الزوج كطلاقه وخلعه يتنصف مهرها بينهما إلا أن يعفو لها عن نصفه أو تعفو هي عن حقها وهي رشيدة فيكمل الصداق للآخر، وإن جاءت من أجنبي فعلى الزوج نصف المهر يرجع به على من فرق بينهما، ومتى تنصف المهر وكان معيناً باقياً لم تتغير قيمته صار بينهما نصفين، وإن زاد زيادة منفصلة كغنم ولدت فالزيادة لها والغنم بينهما، وان زادت زيادة متصلة مثل أن سمنت الغنم خيرت بين دفع نصفها زائداً وبين دفع نصف قيمتها يوم العقد، وإن نقصت فلها الخيار بين أخذ نصفه ناقصاً وبين أخذ نصف قيمته يوم العقد، وإن تلفت فلها نصف قيمتها يوم العقد، ومتى دخل بها استقر المهر ولم يسقط بشئ، وإن خلا بها بعد العقد وقال: لم أطأها وصدقته استقر المهر ووجبت العدة.
وإن اختلف الزوجان في الصداق أو قدره فالقول قول من يدعي مهر المثل مع يمينه.

باب معاشرة النساء

وعلى كل واحد من الزوجين معاشرة صاحبه بالمعروف وأداء حقه الواجب إليه من غير مطل ولا إظهار لكراهية لبذله، وحقه عليها تسليم نفسها إليه وطاعته في الاستمتاع متى أراد ما لم يكن لها عذر، وإذا فعلت ذلك فلها عليه قدر كفايتها من النفقة.
والكسوة والمسكن بما جرت به عادة أمثالها، فإن منعها ذلك أو بعضه وقدرت له على مال أخذت منه قدر كفايتها وكفاية ولدها بالمعروف لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهند حين قالت له إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف. فإن لم تقدر على الأخذ لعسرته أو منعها فاختارت فراقه فرق الحاكم بينهما.
سواء كان الزوج صغيراً أو كبيراً، وإن كانت صغيرة لا يمكن الاستمتاع بها أو لم تسلم إليه أو لم تطعه فيما يجب له عليها أو سافرت بغير إذنه أو بإذنه في حاجتها فلا نفقة لها عليه.

فصل: ولها عليه المبيت

ولها عليه المبيت عندها ليلة من كل أربع إن كانت حرة، ومن كل ثمان إن كانت أمة إذا لم يكن له عذر، إصابتها مرة في كل أربعة أشهر إذا لم يكن له عذر، فإن آلى منها أكثر من أربعة أشهر فتربصت أربعة أشهر ثم رافعته إلى الحاكم فأنكر الإيلاء أو مضى الأربعة أو ادعى أنه أصابها وكانت ثيباً فالقول قوله مع يمينه، وإن أقر بذلك أمر بالفيئة عند طلبها وهي الجماع، فإن فاء فإن الله غفور رحيم، فإن لم يفي أمر بالطلاق، فإن طلق وإلا طلق الحاكم عليه، ثم إن راجعها أو تركها حتى بانت فتزوجها وقد بقي أكثر من مدة الإيلاء وقف لها كما وصفت ومن عجز عن الفيئة عند طلبها فليقل: متى قدرت جامعتها، ويؤخر حتى يقدر عليها.

باب القسم والنشوز

وعلى الرجل العدل بين نسائه في القسم وعماده الليل، فيقسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين وإن كانت كتابية، وليس عليه المساواة في الوطء بينهن.
وليس له البداءة في القسم بإحداهن ولا السفر بها إلا بقرعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيهن خرج سهمها خرج بها معه، وللمرأة أن تهب حقها من القسم لبعض ضراتها بإذن زوجها، أو له فيجعله لمن شاء منهن، لأن سودة وهبت يومها لعائشة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة. وإذا أعرس على بكر أقام عندها سبعاً ثم دار، وإن أعرس على ثيب أقام عندها ثلاثاً لقول أنس: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أن يقيم عندها سبعاً. وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثاً، وإن أحبت الثيب أن يقيم عندها سبعاً فعل وقضاهن البواقي لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثاً ثم قال: ليس بك هوان على أهلك، إن شئت أقمت عندك ثلاثاً خالصة لك، وإن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي.

فصل: ويستحب التستر عند الجماع

ويستحب التستر عند الجماع وأن يقول ما رواه ابن عباس: لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً.

فصل: وإن خافت المرأة من زوجها نشوزاً

وإن خافت المرأة من زوجها نشوزاً أو إعراضاً فلا بأس أن تسترضيه بإسقاط بعض حقوقها كما فعلت سودة حين خافت أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن خاف الرجل نشوز امرأته وعظها، فإن أظهرت نشوزاً هجرها في المضجع. فإن لم يردعها ذلك فله أن يضربها ضرباً غير مبرح، وإن خيف الشقاق بينهما بعث الحاكم حكماً من أهله وحكماً من أهلها مؤمنين يجمعان إن رأيا أو يفرقان، فما فعلا من ذلك لزمهما.

باب الخلع

وإذا كانت المرأة مبغضة للرجل وخافت أن لا تقيم حدود الله في طاعته فلها أن تفتدي نفسها منه بما تراضيا عليه.
ويستحب أن لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها، فإذا خلعها أو طلقها بعوض بانت منه ولم يلحقها طلاقه بعد ذلك ولو واجهها به، ويجوز الخلع بكل ما يجوز أن يكون صداقاً وبالمجهول، فلو قالت اخلعني بما في يدي من الدراهم أو ما في بيتي من المتاع ففعل صح وله ما فيهما، فإن لم يكن فيهما شئ فله ثلاثة دراهم وأقل ما يسمى متاعاً. وإن خالعها على عبد معين فخرج معيباً فله أرشه أو رده وأخذ قيمته، وإن خرج مغصوباً أو حراً فله قيمته، ويصح الخلع من كل من يصح طلاقه، ولا يصح بذل العوض إلا ممن يصح تصرفه في المال.


 

كتاب الطلاق

ولا يصح الطلاق إلا من زوج مكلف مختار، ولا يصح طلاق المكره ولا زائل العقل إلا السكران.
ويملك الحر ثلاث تطليقات والعبد اثنتين سواء كان تحته حرة أو أمة، فمتى استوفى عدد طلاقه لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً ويطأها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك.
ولا يحل جمع الثلاث ولا طلاق المدخول بها في حيضتها أو في طهر أصابها فيه لما روى ابن عمر أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها، والسنة في الطلاق أن يطلقها في طهر لم يصبها فيه واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، فمتى قال لها أنت طالق للسنة وهي في طهر لم يصبها فيه طلقت، وإن كانت في طهر أصابها فيه.
أو حيض لم تطلق حتى تطهر من حيضة، وإن قال لها: أنت طالق للبدعة وهي حائض أو في طهر أصابها فيه طلقت، وإن لم تكن كذلك لم تطلق حتى يصيبها أو تحيض، فأما غير المدخول بها والحامل التي تبين حملها والآيسة والتي لم تحض فلا سنة لطلاقها ولا بدعة، فمتى قال لها أنت طالق للسنة أو للبدعة طلقت في الحال.

باب صريح الطلاق وكنايته

صريحه لفظ الطلاق ما تصرف منه كقوله: أنت طالق، أو مطلقة وطلقتك، فمتى أتى به بصريح الطلاق طلقت وإن لم ينوه. وما عداه مما يحتمل الطلاق فكناية لا يقع به الطلاق إلا أن ينويه، فلو قيل له ألك امرأة ؟ قال: لا ينوي الكذب لم تطلق، فإن قال: طلقتها طلقت وإن نوى الكذب، وإن قال لامرأته أنت خلية أو برية أو بائن أو بتة أو بتلة ينوي بها طلاقها طلقت ثلاثاً إلا أن ينوي دونها، وما عدا هذا يقع به واحدة إلا أن ينوي ثلاثاً، وإن خير امرأته فاختارت نفسها طلقت واحدة.
وإن لم تختر أو اختارت زوجها لم يقع شئ. قالت عائشة: قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقاً؟، وليس لها أن تختار إلا في المجلس إلا أن يجعله لها فيما بعده، وإن قال: أمرك بيدك أو طلقي نفسك فهو في يده ما لم يفسخ أو يطأ.

باب تعليق الطلاق بالشروط

يصح تعليق الطلاق والعتاقة بشرط بعد النكاح والملك، ولا يصح قبله، فلو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو ملكتها فهي حرة، فتزوجها أو ملكها لم تطلق ولم تعتق، وأدوات الشروط ست: إن وإذا وأي ومتى ومن وكلما. وليس فيها ما يقتضي التكرار إلا كلما، وكلها إذا كانت مثبتة ثبت حكمها عند وجود شرطها، فإذا قال: إن قمت فأنت طالق فقامت طلقت وانحل شرطه، وإن قال: كلما قمت فأنت طالق طلقت كلما قامت، وإن كانت نافية كقوله إن لم أطلقك فأنت طالق كانت على التراخي، إذا لم ينو وقتاً بعينه فلا يقع الطلاق إلا في آخر أوقات الإمكان وسائر الأدوات على الفور، فإذا قال: متى لم أطلقك فأنت طالق ولم يطلقها طلقت في الحال، وإن قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق فمضى زمن يمكن طلاقها فيه ثلاثاً ولم يطلقها طلقت ثلاثاً إن كانت مدخولاً بها، وإن قال: كلما ولدت ولداً فأنت طالق فولدت توأمين طلقت بالأول وبانت بالثاني لانقضاء عدتها به ولم تطلق به، وإن قال: إن حضت فأنت طالق طلقت بأول الحيض، فإن تبين أنه ليس بحيض لم تطلق.
فإن قالت: قد حضت فكذبها طلقت، وإن قال: قد حضت وكذبته طلقت بإقراره، فإن قال: إن حضت فأنت وضرتك طالقتان، فإن قالت: قد حضت قكذبها طلقت دون ضرتها.

باب ما يختلف به عدد الطلاق وغيره

المرأة إذا لم يدخل بها تبينها الطلقة وتحرمها الثلاث من الحر والاثنتان من العبد إذا وقعت مجموعة، كقوله: أنت طالق ثلاثاً أو أنت طالق وطالق وطالق.
وإن أوقعه مرتباً كقوله أنت طالق فطالق أو ثم طالق، أو طالق بل طالق أو أنت طالق أنت طالق، وإن طلقتك فأنت طالق ثم طلقها، أو كلما طلقتك فأنت طالق، أو كلما ثم أطلقك فأنت طالق وأشباه هذا لم يقع بها إلا واحدة، وإن كانت مدخولاً بها وقع بها جميع ما أوقعه، ومن شك في الطلاق أو عدده أو الرضاع أو عدده بنى على اليقين وإن قال لنسائه: إحداكن طالق ولم ينو واحدة بعينها خرجت بالقرعة، وإن طلق جزءاً من امرأته مشاعاً أو معيناً كإصبعها أو يدها طلقت كلها إلا الظفر والسن والشعر والريق والدمع ونحوه لا تطلق به، وإن قال: أنت طالق نصف تطليقة أو أقل من هذا طلقت واحدة.

باب الرجعة

إذا طلق امرأته بعد الدخول بغير عوض أقل من ثلاث أو العبد أقل من اثنتين فله رجعتها ما دامت في العدة لقول الله تعالى: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً &سورة البقرة: الآية 228& والرجعة أن يقول لرجلين من المسلمين: اشهدا أنني قد راجعت زوجتي أو رددتها أو أمسكتها، من غير ولي ولا صداق يزيده ولا رضائها، وإن وطئها كان رجعة.
والرجعية زوجة يلحقها الطلاق والظهار، ولها التزين لزوجها والتشرف له، وله وطؤها والخلوة والسفر بها، وإذا ارتجعها عادت على ما بقي من طلاقها، ولو تركها حتى بانت ثم نكحت زوجاً غيره ثم بانت منه وتزوجها الأول رجعت إليه على ما بقي من طلاقها.
وإذا اختلفا في انقضاء عدتها فالقول قولها مع يمينها إذا ادعت من ذلك ممكناً وإن ادعى الزوج بعد انقضاء عدتها أنه قد راجعها في عدتها فأنكرته فالقول قولها، وإن كانت له بينة حكم له بها، فإن كانت قد تزوجت ردت إليه سواء كان دخل بها الثاني أو لم يدخل بها.

 باب العدة

ولا عدة على من فارقها زوجها في الحياة قبل المسيس والخلوة لقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها &سورة الأحزاب: الآية 49 & والمعتدات ينقسمن أربعة أقسام:
إحداهن: أولات الأحمال، فعدتهن أن يضعن حملهن، ولو كانت حاملاً بتوأمين لم تنقض عدتها حتى تضع الثاني منهما، والحمل الذي تنقضي به العدة وتصير به الأمة أم ولد ما يتبين فيه خلق الإنسان.
الثاني: اللاتي توفي أزواجهن، يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً، والإماء على النصف من ذلك، وما قبل المسيس وما بعده سواء.
الثالث: المطلقات من ذوات القروء يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، وقرء الأمة حيضتان.
الرابع: اللائي يئسن من المحيض فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن، والأمة شهران.
ويشرع التربص مع العدة في ثلاثة مواضع:
أحدها: إذا ارتفع حيض المرأة لا تدري ما رفعه فإنها تتربص تسعة أشهر ثم تعتد عدة الآيسات، وإن عرفت ما رفع الحيض لم تزل في عدة حتى يعود الحيض فتعتد به.
الثاني: المفقود الذي فقد في مهلكة أو من بين أهله فلم يعلم خبره، تتربص أربع سنين ثم تعتد للوفاة، وإن فقد في غير هذا كالمسافر للتجارة ونحوها لم تنكح حتى تتيقن موته.
الثالث: إذا ارتابت المرأة بعد انقضاء عدتها لظهور أمارات الحمل لم تنكح حتى تزول الريبة، فإن نكحت لم يصح النكاح، وإن ارتابت بعد نكاحها لم يبطل نكاحها إلا إن علمت أنها نكحت وهي حامل.
ومتى نكحت المعتدة فنكاحها باطل ويفرق بينهما، وإن فرق بينهما قبل الدخول أتمت عدة الأول، وإن كان بعد الدخول بنت على عدة الأول من حين دخل بها الثاني واستأنفت العدة للثاني.
وله نكاحها بعد انقضاء العدتين، وإن أتت بولد من أحدهما انقضت به عدته واعتدت للآخر، وإن أمكن أن يكون منهما أري القافة فألحق بمن ألحقوه منهما وانقضت به عدتها منه واعتدت للآخر.

باب الإحداد

وهو واجب على من توفي عنها زوجها. وهو اجتناب الزينة، والطيب والكحل بالإثمد، ولبس الثياب المصبوغة للتحسين، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً. ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيباً إلا إذا اغتسلت نبذة من قسط أو أظفار، وعليها المبيت في منزلها الذي وجبت عليها العدة وهي ساكنة فيه إذا أمكنها ذلك، فإن خرجت لسفر أو حج فتوفي زوجها وهي قريبة رجعت لتعتد في بيتها، وإن تباعدت مضت في سفرها، والمطلقة ثلاثاً مثلها إلا في الاعتداد في بيتها.

باب نفقة المعتدات

وهن ثلاثة أقسام:
أحدها: الرجعية وهي من يمكن زوجها إمساكها فلها النفقة والسكنى، ولو أسلم زوج الكافرة أو ارتدت امرأة المسلم فلا نفقة لهما، وإن أسلمت امرأة الكافر أو ارتد زوج المسلمة بعد الدخول فلهما نفقة العدة.
الثاني: البائن في الحياة بطلاق أو فسخ فلا سكنى لها بحال ولها النفقة إن كانت حاملاً وإلا فلا.
الثالث: التي توفي عنها زوجها فلا نفقة لها ولا سكنى.

باب استبراء الإماء

وهو واجب في ثلاثة مواضع:
أحدها: من ملك أمة لم يصبها حتى يستبرئها.
الثاني: أم الولد والأمة التي يطؤها سيدها لا يجوز له تزويجها حتى يستبرئها.
الثالث: إذا أعتقهما سيدهما أو عتقا بموته لم ينكحا حتى يستبرئا أنفسهما، والاستبراء في جميع ذلك بوضع الحمل إن كانت حاملاً، أو حيضة إن كانت تحيض، أو شهر إن كانت آيسة أو من اللائي لم يحضن، أو عشرة أشهر إن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه.


 

كتاب الظهار

وهو أن يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي أو من تحرم عليه على التأبيد أو يقول أنت علي كأبي يريد تحريمها به فلا تحل له حتى يكفر بتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
وحكمها وصفتها ككفارة الجماع في شهر رمضان، فإن وطء قبل التكفير عصى ولزمته الكفارة المذكورة، ومن ظاهر من امرأته مراراً ولم يكفر فكفارة واحدة.
إن ظاهر من نسائه بكلمة واحدة فكفارة واحدة، وإن ظاهر منهن بكلمات فعليه كفارة لكل واحدة، وإن ظاهر من أمته أو حرمها أو حرم شيئاً مباحاً.
أو ظاهرت المرأة من زوجها أو حرمته لم يحرم وكفارته كفارة يمين، والعبد كالحر في الكفارة سواء، إلا أنه لا يكفر إلا بالصيام.


 

كتاب اللعان

إذا قذف الرجل امرأته البالغة العاقلة الحرة العفيفة المسلمة بالزنى لزمه الحد إن لم يلاعن.
وإن كانت ذمية أو أمة فعليه التعزير إن لم يلاعن ولا يعرض له حتى تطالبه، واللعان أن يقول بحضرة الحاكم أو نائبه: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به امرأتي هذه من الزنى ويشير إليها، فإن لم تكن حاضرة سماها ونسبها. ثم يوقف عند الخامسة فيقال له: اتق الله فإنها الموجبة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فإن أبى إلا أن يتم فليقل: وإن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميت به امرأتي هذه من الزنى، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى. ثم توقف عند الخامسة تخوف كما يخوف الرجل، فإن أبت إلا أن تتم فلتقل: وإن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به زوجي هذا من الزنى، ثم يقول الحاكم: قد فرقت بينكما فتحرم عليه تحريماً مؤبداً، وإن كان بينهما ولد فنفاه انتفى عنه - سواء كان حملاً أو مولوداً - ما لم يكن أقر به أو وجد منه ما يدل على الإقرار لما روى ابن عمر: أن رجلاً لاعن امرأته وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالأم.

فصل: ومن ولدت امرأته أو أمته التي أقر بوطئها ولداً يمكن كونه منه لحقه نسبه

ومن ولدت امرأته أو أمته التي أقر بوطئها ولداً يمكن كونه منه لحقه نسبه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر ولا ينتفي ولد المرأة إلا باللعان، ولا ولد الأمة إلا بدعوى عدم استبرائها، وإن لم يمكن كونه منه مثل أن تلد أمته لأقل من ستة أشهر منذ وطئها أو امرأته لأقل من ذلك منذ أمكن اجتماعهما، ولو كان الزوج ممن لا يولد لمثله - كمن له دون عشر سنين، أو الخصي المجبوب - لم يلحقه.

فصل: وإذا وطىء رجلان امرأة في طهر واحد

وإذا وطىء رجلان امرأة في طهر واحد بشبهة، أو وطىء رجلان شريكان أمتهما في طهر واحد فأتت بولد، أو ادعى نسب مجهول النسب رجلان، أري القافة معهما أو مع أقاربهما فألحق بمن ألحقوه منهما، وإن ألحقوه بهما لحق بهما، وإن أشكل أمره أو تعارض أمر القافة أو لم يوجد قافة ترك حتى يبلغ فيلحق بمن انتسب إليه منهما. ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون عدلاً مجرباً في الإصابة.

باب الحضانة

أحق الناس بالطفل أمه ثم أمهاتها وإن علون، ثم الأب ثم أمهاته، ثم الجد ثم أمهاته، ثم الأخت من الأبوين، ثم الأخت من الأب، ثم الأخت من الأم، ثم الخالة، ثم العمة، ثم الأقرب فالأقرب من النساء، ثم عصباته الأقرب فالأقرب.
ولا حضانة لرقيق ولا فاسق، ولا امرأة مزوجة لأجنبي من الطفل، فإن زالت الموانع منهم عاد حقهم من الحضانة وإذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه فكان عند من اختار منهما.
وإذا بلغت الجاربة سبعاً فأبوها أحق بها، وعلى الأب أن يسترضع لولده إلا أن تشاء الأم أن ترضعه بأجر مثلها فتكون أحق به من غيرها سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة، فإن لم يكن له أب ولا مال فعلى ورثته أجر رضاعه على قدر ميراثهم منه.

باب نفقة الأقارب والمماليك

وعلى الإنسان نفقة والديه وإن علوا. وأولاده وإن سفلوا، ومن يرثه بفرض أو تعصيب إذا كانوا فقراء وله مال ينفق عليهم.
وإن كان للفقير وارثان فأثر فنفقته عليهم على قدر ميراثهم منه، إلا الابن فإن نفقته على أبيه خاصة، وعلى ملاك المملوكين الإنفاق عليهم وما يحتاجون إليه من مؤنة وكسوة، فإن لم يفعلوا أجبروا على بيعهم إذا طلبوا ذلك.

باب الوليمة

وهي دعوة العرس، وهي مستحبة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف حين أخبره أنه تزوج: بارك الله لك، أولم ولو بشاة.
والإجابة إليها واجبة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله ومن لم يحب أن يطعم دعا وانصرف. والنثار والتقاطه مباح مع الكراهة.
وإن قسم على الحاضرين كان أولى.


 

كتاب الأطعمة

وهي نوعان: حيوان وغيره، فأما غير الحيوان فكله مباح، إلا ما كان نجساً أو مضراً كالسموم. والأشربة كلها مباحة إلا ما أسكر فإنه يحرم قليله وكثيره من أي شئ كان لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام. وإن تخللت الخمرة طهرت وحلت، وإن خللت لم تطهر.

فصل: والحيوان قسمان

والحيوان قسمان: بحري وبري، فأما البحري فكله حلال إلا الحية والضفدع والتمساح.
وأما البري فيحرم منه كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير كالنسور والرخم وغراب البين الأبقع، والحمر الأهلية والبغال وما يأكل الجيف من الطير.
وما يستخبث من الحشرات كالفار ونحوها، إلا اليربوع والضب لأنه أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينظر وقيل له: أحرام هو ؟ قال: لا. وما عدا هذا مباح، ويباح أكل الخيل والضبع لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في لحوم الخيل وسمى الضبع صيداً.

باب الذكاة

يباح كل ما في البحر بغير ذكاة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر: هو الحل ميتته إلا ما يعيش في البر فلا يحل حتى يذكى، إلا السرطان ونحوه، ولا يباح من البري شئ بغير ذكاة إلا الجراد وشبهه.
والذكاة تنقسم ثلاثة أقسام: نحر وذبح وعقر. ويستحب نحر الإبل وذبح ما سواها، فإن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر فجائز.
ويشترط للذكاة كلها ثلاثة شروط:
أحدها: أهلية المذكي وهو أن يكون عاقلاً قادراً على الذبح مسلماً أو كتابياً. فأما الطفل والمجنون والسكران والكافر الذي ليس بكتابي فلا تحل ذبيحته.
الثاني: أن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح وإرسال الآلة في الصيد إن كان ناطقاً، (وإن كان أخرس أشار إلى السماء، فإن ترك التسمية على الذبيحة عامداً لم تحل، وإن تركها ساهياً حلت، وإن تركها على الصيد لم يحل عمداً كان أو سهواً.
الثالث: أن يذكي بمحدد، سواء كان من حديد أو حجر أو قصب أو غيره، إلا السن والظفر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر ويعتبر في الصيد أن يصيد بمحدد أو يرسل جارحاً فيجرح الصيد، فإن قتل الصيد بحجر أو بندق أو شبكة، أو قتل الجارح الصيد بصدمته أو خنقه أو روعته لم يحل، وإن صاد بالمعراض أكل ما قتل بحده دون ما قتل بعرضه، وإن نصب المناجيل للصيد وسمى فعقرت الصيد أو قتلته حل.

فصل: ويشترط في الذبح والنحر خاصة شرطان

ويشترط في الذبح والنحر خاصة شرطان:
أحدهما: أن يكون في الحلق واللبة فيقطع الحلقوم والمريء وما لا تبقى الحياة مع قطعه.
الثاني: أن يكون في المذبوح حياة يذهبها الذبح، فإن لم يكن فيه إلا كحياة المذبوح وما أبينت حشوته لم يحل بالذبح ولا النحر، وإن لم يكن كذلك حل لما روى كعب قال: كانت لنا غنم ترعى بسلع فأبصرت جارية لنا شاة موتى فكسرت حجراً فذبحتها به، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأمر بأكلها.
وأما العقر فهو القتل بجرح في غير الحلق واللبة، ويشرع في كل حيوان معجوز عنه من الصيد والأنعام، لما روى أبو رافع أن بعيراً ند فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا.
ولو تردى بعير في بئر فتعذر نحره فجرح في أي موضع من جسده فمات به حل أكله.


 

كتاب الصيد

كل ما أمكن ذبحه من الصيد لم يبح إلا بذبحه، وما تعذر ذبحه فمات بعقره حل بشروط ستة ذكرنا منها ثلاثة في الذكاة، والرابع أن يكون الجارح الصائد معلماً، وهو ما يسترسل إذا أرسل ويجيب إذا دعي.
ويعتبر في الكلب والفهد خاصة أنه إذا أمسك لم يأكل، ولا يعتبر ذلك في الطائر.
الثاني: أن يرسل الصائد الآلة فإن استرسل الكلب بنفسه لم يبح صيده.
الثالث: أن يقصد الصيد، فإن أرسل سهمه ليصيب به غرضاً أو كلبه ولا يرى صيداً فأصاب صيداً لم يبح.
ومتى شارك في الصيد ما لا يباح قتله مثل أن يشارك كلبه أو سهمه كلب أو سهم لا يعلم مرسله أو لا يعلم أنه سمي عليه.
أو رماه بسهم مسموم يعين على قتله أو غرق في الماء أو وجد به أثراً غير أثر السهم أو الكلب يحتمل أنه مات لم يحل، لما روى عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فأمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب له ذكاة، فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه. وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره، وإذا أرسلت سهمك فاذكر اسم الله عليه، وإن غاب عنك يوماً أو يومين ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكله إن شئت، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو قتله سهمك.

باب المضطر

ومن اضطر في مخمصة فلم يجد إلا محرماً فله أن يأكل منه ما يسد رمقه.
وإن وجد متفقاً على تحريمه ومختلفاً فيه أكل من المختلف فيه، فإن لم يجد إلا طعاماً لغيره به مثل ضرورته لم يبح له أخذه، وإن كان مستغنياً عنه أخذه منه بثمنه.
فإن منعه منه أخذه قهراً وضمنه له متى قدر، فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه، وإن قتل المانع فلا ضمان فيه. ولا يباح التداوي بمحرم، ولا شرب الخمر لمن عطش، ويباح دفع الغصة بها إذا لم يجد مائعاً غيرها.

باب النذر

من نذر طاعة لزمه فعلها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نذر أن يطيع الله فليطعه فإن كان لا يطيقها - كشيخ نذر صياماً لا يطيقه - فعليه كفارة يمين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ومن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لم يجزه المشي إلا في حج أو عمرة، فإن عجز عن المشي ركب، وإن نذر صوماً متتابعاً فعجز عن التتابع صام متفرقاً وكفر، وإن ترك التتابع لعذر في أثنائه خير بين استئنافه وبين البناء والتكفير، وإن تركه لغير عذر وجب استئنافه، وإن نذر معيناً فأفطر في بعضه أتمه وقضى وكفر بكل حال، وإن نذر رقبة فهي التي تجزىء عن الواجب إلا أن ينوي رقبة بعينها، ولا نذر في معصية ولا مباح، ولا فيما لا يملك ابن آدم.
ولا فيما قصد به اليمين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم وقال: لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله سبحانه وإن جمع في النذر بين الطاعة وغيرها فعليه الوفاء بالطاعة وحدها لما روى ابن عباس قال: أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً قائماً فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه. وإن قال لله علي نذر ولم يسمه فعليه كفارة يمين.


 

كتاب الأيمان

ومن حلف أن لا يفعل شيئاً ففعله أو ليفعلنه في وقت فلم يفعله فيه فعليه كفارة يمين، إلا أن يقول إن شاء الله متصلاً بيمينه أو يفعله مكرهاً أو ناسياً فلا كفارة عليه، ولا كفارة في الحلف على ماض سواء تعمد الكذب أو ظنه كما حلف فلم يكن، ولا في اليمين الجارية على لسانه من غير قصد إليها كقوله في عرض حديثه لا والله، وبلى والله، لقول الله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم.
ولا تجب الكفارة إلا في اليمين بالله تعالى أو اسم من أسمائه أو صفة من صفات ذاته كعلمه وكلامه وعزته وقدرته وعظمته وعهده وميثاقه وأمانته إلا في النذر الذي يقصد به اليمين فإن كفارته كفارة يمين.
ولو حلف بهذا كله والقرآن جميعه فحنث أو كرر اليمين على شئ واحد قبل التكفير.
أو حلف على أشياء بيمين واحدة لم يلزمه أكثر من كفارة، وإن حلف أيماناً على شئ فعليه لكل يمين كفارتها.
ومن تأول في يمينه فله تأويله، إلا أن يكون ظالماً فلا ينفعه تأويله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يمينك على ما يصدقك به صاحبك.

باب جامع الأيمان

ويرجع فيها إلى النية فيما يحتمله اللفظ.
فإذا حلف لا يكلم رجلاً يريد واحداً بعينه أو لا يتغدى يريد غداء بعينه اختصت يمينه به، وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش يريد قطع منته حنث بكل ما فيه منة.
وإن حلف لا يلبس ثوباً من غزلها يريد قطع منتها فباعه وانتفع بثمنه حنث، وإن حلف ليقضينه حقه غداً يريد أن لا يتجاوزه فقضاه اليوم لم يحنث، وإن حلف لا يبيع ثوبه إلا بمائة فباعه بأكثر منها لم يحنث إذا أراد أن لا ينقصه عن مائة، وإن حلف ليتزوجن على امرأته يريد غيظها لم يبر إلا بتزوج يغيظها به، وإن حلف ليضربنها يريد تأليمها لم يبر إلا بضرب يؤلمها، وإن حلف ليضربنها عشرة أسواط فجمعها فضربها ضربة واحدة لم يبر.
فإن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها فيقوم مقام نيته لدلالته عليها، فإن عدم ذلك حملت يمينه على ظاهر لفظه فإن كان له عرف شرعي كالصلاة والزكاة حملت يمينه عليه وتناولت صحيحه، ولو حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً لم يحنث إلا أن يضيفه إلى ما لا يصح بيعه كالحر والخمر فتتناول يمينه صورة البيع، وإن لم يكن له عرف شرعي وكان له عرف في العادة كالرواية والظعينة حملت يمينه عليه فلو حلف لا يركب دابة فيمينه على الخيل والبغال والحمير، وإن حلف لا يشم الريحان فيمينه على الفارسي.
والشواء هو اللحم المشوي، وإن حلف لا يطأ امرأته حنث بجماعها. وإن حلف لا يطأ داراً حنث بدخولها كيفما كان، وإن حلف لا يأكل لحماً ولا رأساً ولا بيضاً فيمينه على كل لحم ورأس كل حيوان وبيضه، والأدم كل ما جرت العادة بأكل الخبز به من مانع وجامد كاللحم والبيض والملح والجبن والزيتون.
وإن حلف لا يسكن داراً تناول ما يسمى سكنى، فإن كان ساكناً بها فأقام بعد ما أمكنه الخروج منها حنث، وإن قام لنقل قماشه أو كان ليلاً فاقام حتى يصبح أو خاف على نفسه فأقام حتى أمن لم يحنث.

باب كفارة اليمين

وكفارتها: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام &سورة المائدة: الآية 89] وهو مخير بين تقديم الكفارة على الحنث أو تأخيرها عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير وروي فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ويجزئه في الكسوة ما تجوز الصلاة فيه: للرجل ثوب، وللمرأة درع وخمار.
ويجزئه أن يطعم خمسة مساكين ويكسو خمسة. ولو أعتق نصف رقبة أو أطعم خمسة أو كساهم، أو أعتق نصف عبدين لم يجزه.
ولا يكفر العبد لا بالصيام، ويكفر بالصوم من لم يجد ما يكفر به فاضلاً عن مؤنته ومؤنة عياله وقضاء دينه، ولا يلزمه أن يبيع في ذلك شيئاً يحتاج إليه من مسكن وخادم وأثاث وكتب وآنية وبضاعة يختل ربحها المحتاج إليه.
ومن أيسر بعد شروعه في الصوم لم يلزمه الانتقال عنه. ومن لم يجد إلا مسكيناً واحداً ردد عليه عشرة أيام.


 

كتاب الجنايات

القتل بغير حق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: العمد وهو أن يقتله بجرح أو فعل يغلب على الظن أنه يقتله كضربه بمثقل كبير أو تكريره بصغير أو إلقائه من شاهق أو خنقه أو تحريقه أو تغريقه أو سقيه سماً أو الشهادة عليه زوراً بما يوجب قتله أو الحكم عليه به، أو نحو هذا قاصداً عالماً بكون المقتول آدمياً معصوماً، فهذا يخير الولي فيه بين القود والدية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل له قتيل فهو يخير النظيرين إما أن يقتل وإما أن يفديه وإن صالح القاتل عن القود بأكثر من دية جاز.
الثاني: شبه العمد، وهو أن يتعمد الجناية عليه بما لا يقتله غالباً، فلا قود فيه، والدية على العاقلة.
الثالث: الخطأ وهو نوعان: أحدهما: أن يفعل ما لا يريد به المقتول فيفضي إلى قتله، أو يتسبب إلى قتله بحفر بئر أو نحوه، وقتل النائم والصبي والمجنون فحكمه حكم شبه العمد.
النوع الثاني أن يقتل مسلماً في دار الحرب يظنه حربياً، أو يقصد رمي صف الكفار فيصيب سهمه مسلماً ففيه كفارة بلا دية لقول الله تعالى: فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة &سورة النساء: الآية 92&.

باب شروط وجوب القصاص واستيفائه

ويشترط لوجوبه أربعة شروط:
أحدها: كون القاتل مكلفاً، فأما الصبي والمجنون فلا قصاص عليهما.
الثاني: كون المقتول معصوماً فإن كان حربياً أو مرتداً أو قاتلاً في المحاربة أو زانياً محصناً أو قتله دفعاً عن نفسه أو ماله أو حرمته فلا ضمان فيه.
الثالث: كون المقتول مكافئاً للجاني، فيقتل الحر المسلم بالحر المسلم ذكراً كان أو أنثى ولا يقتل حر بعبد، ولا مسلم بكافر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقتل مؤمن بكافر.
ويقتل الذمي بالذمي. ويقتل الذمي بالمسلم، ويقتل العبد بالعبد، ويقتل الحر بالحر.
الرابع: أن لا يكون أباً للمقتول فلا يقتل والد بولده وإن سفل، والأبوان في هذا سواء.
ولو كان ولي الدم ولداً أو له فيه حق وإن قل لم يجب القود.

فصل: ويشترط لجواز استيفائه شروط ثلاثة

ويشترط لجواز استيفائه شروط ثلاثة:
أحدها: أن يكون لمكلف، فإن كان لغيره أو له فيه حق - وإن قل - لم يجز استيفاؤه، وإن استوفى غير المكلف حقه بنفسه أجزأ ذلك.
الثاني: اتفاق جميع المستحقين على استيفائه، فإن لم يأذن فيه بعضهم أو كان فيهم غائب لم يجز استيفاؤه، فإن استوفاه بعضهم فلا قصاص عليه، وعليه بقية ديته له ولشركائه حقهم في تركة الجاني، ويستحق القصاص كل من يرث المال على قدر مواريثهم.
الثالث: الأمن من التعدي في الاستيفاء، فلو كان الجاني حاملاً لم يجز استيفاء القصاص منها في نفس ولا جرح ولا استيفاء حد منها حتى تضع ولدها ويستغني عنها.

فصل: ويسقط بعد وجوبه بأمور ثلاثة

ويسقط بعد وجوبه بأمور ثلاثة:
أحدها: العفو عنه أو عن بعضه فإن عفا بعض الورثة عن حقه أو عن بعضه سقط كله وللباقين حقهم من الدية، وإن كان العفو على مال فله حقه من الدية وإلا فليس له الثواب.
الثاني: أن يرث القاتل أو بعض ولده شيئاً من دمه.
الثالث: أن يموت القاتل فيسقط وتجب الدية في تركته، ولو قتل واحد اثنين عمداً فاتفق أولياؤهما على قتله بهما قتل بهما.
وإن تشاحوا في استيفاء المستوفي قتل بالأول وللثاني الدية، فإن سقط قصاص الأول فلأولياء الثاني استيفاؤه ويستوفى القصاص بالسيف في العنق، ولا يمثل به إلا أن يفعل شيئاً فيفعل به مثله.

باب الاشتراك في القتل

وتقتل الجماعة بالواحد، فإن تعذر قتل أحدهم لأبوته أو عدم.
مكافأته للقتيل أو العفو عنه قتل شركاؤه وإن كان بعضهم غير مكلف أو خاطئاً لم يجب القود على واحد منهم.
وإن أكره رجلاً على القتل فقتل أو جرح أحدهما جرحاً والآخر مائة.
أو قطع أحدهما من الكوع والآخر من المرفق فهما قاتلان وعليهما القصاص، وإن وجبت الدية استويا فيها، وإن ذبحه أحدهما ثم قطع الآخر يده أو قده نصفين فالقاتل الأول، وإن قطعه أحدهما ثم ذبحه الثاني قطع القاطع وذبح الذابح.
وإن أمر من يعلم تحريم القتل به فقتل فالقصاص على المباشر ويؤدب الآمر، وإن أمر من لا يعلم تحريمه به أو لا يميز فالقصاص على الآمر، وإن أمسك إنساناً للقتل فقتل قتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت.

باب القود في الجروح

يجب القود في كل عضو بمثله، فتؤخذ العين بالعين والأنف بالأنف وكل واحد من الجفن والشفة واللسان والسن.
واليد والرجل والذكر والانثيين بمثله، وكذلك كل ما أمكن القصاص فيه، ويعتبر كون المجني عليه مكافئاً للجاني، وكون الجناية عمداً، والأمن من التعدي بأن يقطع من مفصل أو حد ينتهي إليه كالموضحة التي تنتهي إلى العظم، فأما كسر العظام والقطع من الساعد والساق فلا قود فيه ولا في الجائفة ولا في شئ من شجاج الرأس إلا الموضحة إلا أن يرضى مما فوق الموضحة بموضحة، ولا قود في الأنف إلا من المارن وهو ما لان منه، ويشترط التساوي في الاسم والموضع فلا تؤخذ واحدة من اليمنى واليسرى والعليا والسفلى إلا بمثلها.
ولا تؤخذ إصبع ولا أنملة ولا سن إلا بمثلها، ولا تؤخذ كاملة الأصابع بناقصة ولا صحيحة بشلاء، وتؤخذ الناقصة بالكاملة والشلاء بالصحيحة إذا أمن التلف.

فصل: إذا قطع بعض لسانه أو مارنه أو شفته أو حشفته أو أذنه أخذ مثله

إذا قطع بعض لسانه أو مارنه أو شفته أو حشفته أو أذنه أخذ مثله يقدر بالأجزاء كالنصف والثلث ونحوهما، وإن أخذت ديته أخذ بالقسط منها، وإن كسرت بعض سنه برد من سن الجاني إذا أمن انقلاعها، ولا يقتص من السن حتى ييأس من عودها.
ولا من الجرح حتى يبرأ، وسراية القود مهدرة، وسراية الجناية مضمونة بالقصاص والدية.
إلا أن يستوفي قصاصها قبل برئها فيسقط ضمانها.


 

كتاب الديات

دية الحر المسلم ألف مثقال من الذهب أو اثنا عشر ألف درهم أو مائة من الإبل، فإن كانت دية عمد فهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وهن الحوامل.
وتكون حالة في مال القاتل، وإن كان شبه عمد فكذلك في أسنانها، وهي على العاقلة في ثلاث سنين.
في رأس كل سنة ثلثها، وإن كانت دية خطأ فهي على العاقلة كذلك إلا أنها عشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة.
ودية الحرة المسلمة نصف دية الرجل، وتساوي جراحها جراحه إلى ثلث الدية، فإذا زادت صارت على النصف، ودية الكتابي نصف دية المسلم.
ونساؤهم على النصف من ذلك، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، ونساؤهم على النصف.
ودية العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغت، ومن بعضه حر. ففيه بالحساب من دية حر وقيمة عبد، ودية الجنين إذا سقط ميتاً غرة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإبل موروثة عنه. ولو شربت الحامل دواء فأسقطت به جنينها فعليها غرة لا ترث منها شيئاً، وإن كان الجنين كتابياً ففيه عشر دية أمه، وإن كان عبداً ففيه عشر قيمة أمه. وإن سقط الجنين حياً ثم مات من الضربة ففيه دية كاملة إذا كان سقوطه لوقت يعيش في مثله.

باب العاقلة وما تحمله

وهي عصبة القاتل كلهم قريبهم وبعيدهم من النسب والموالي.
إلا الصبي والمجنون والفقير ومن يخالف دينه دين القاتل، ويرجع في تقدير ما يحمله كل واحد منهم إلى اجتهاد الإمام، فيفرض عليه قدراً يسهل ولا يشق، وما فضل فعلى القاتل، وكذلك الدية في حق من لا عاقلة له، ولا تحمل العاقلة عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً، ولا ما دون الثلث.
ويتعاقل أهل الذمة، ولا عاقلة لمرتد، ولا لمن أسلم بعد جنايته أو انجر ولاؤه بعدها.

فصل: وجناية العبد في رقبته

وجناية العبد في رقبته إلا أن يفديه السيد بأقل الأمرين من أرشها أو قيمته.
ودية الجناية عليه ما نقص من قيمته في مال الجاني، وجناية البهائم هدر إلا أن تكون في يد إنسان كالراكب والقائد والسائق فعليه ضمان ما جنت بيدها أو فمها دون ما جنت برجلها أو ذنبها.
وإن تعدى بربطها في ملك غيره أو طريق ضمن جنايتها كلها، وما أتلفت من الزرع نهاراً لم يضمنه إلا أن تكون في يده، وما أتلفت ليلاً فعليه ضمانه.

باب ديات الجراح

كل ما في الإنسان منه شئ واحد ففيه دية كلسانه وأنفه وذكره وسمعه وبصره وشمه وعقله وكلامه وبطشه ومشيه، وكذلك في كل واحد من صعره - وهو أن يجعل وجهه في جانبه - وتسويد وجهه وخديه واستطلاق بوله أو غائطه، وقرع رأسه ولحيته دية.
وما فيه منه شيئان ففيهما الدية وفي أحدهما نصفها كالعين والحاجبين والشفتين والأذنين واللحيين واليدين والثديين والاليتين والأنثيين والأسكتين والرجلين، وفي الأجفان الأربعة الدية، وفي أهدابها الدية، وفي كل واحد ربعها.
فإن قلعها بأهدابها وجبت دية واحدة، وفي أصابع اليدين الدية، وفي أصابع الرجلين الدية، وفي كل إصبع عشرها، وفي كل أنملة ثلث عقلها إلا الإبهام في كل أنملة نصف عقلها، وفي كل سن خمس من الإبل إذا لم تعد.
وفي مارن الأنف وحلمة الثدي والكف والقدم.
وحشفة الذكر وما ظهر من السن وتسويدها دية العضو كله، وفي بعض ذلك بالحساب من ديته، وفي الأشل من اليد.
والرجل والذكر وذكر الخصي والعنين ولسان الأخرس والعين الغائمة والسن السوداء والذكر دون حشفته والثدي دون حلمته والأنف دون أرنبته والزائد من الأصابع وغيرها حكومة، وفي الأشل من الأنف وأنف الأخشم وأذن الأصم ديتها كاملة.

باب الشجاج وغيرها

الشجاج هي جروح الرأس والوجه وهي تسع: أولها الحارصة وهي التي تشق الجلد شقاً لا يظهر منه دم، ثم البازلة التي ينزل منها دم يسير، ثم الباضعة التي تبضع اللحم بعد الجلد، ثم المتلاحمة التي أخذت في اللحم، ثم السمحاق التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة، فهذه الخمس لا توقيت فيها ولا قصاص بحال، ثم الموضحة وهي التي وصلت إلى العظم وفيها خمس من الإبل.
والقصاص إذا كانت عمداً، ثم الهاشمة وهي التي توضح العظم وتهشمه وفيها عشر من الإبل، ثم المنقلة وهي التي توضح وتهشم وتنقل عظامها وفيها خمسة عشر من الإبل.
ثم المأمومة وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ وفيها ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية وهي التي تصل إلى الجوف، فإن خرجت من جانب آخر فهي جائفتان، وفي الضلع بعير، وفي الترقوتين بعيران، وفي الزندين أربعة أبعرة.
وما عدا هذا مما لا يقدر فيه ولا هو في معناه ففيه حكومة، وهي أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوم وهي به قد برأت فما نقص من قيمته فله بقسطه من الدية. إلا أن تكون الجناية على عضو فيه مقدر فلا يجاوز به أرش المقدر، مثل أن يشجه دون الموضحة فلا يجب أكثر من أرشها، أو يجرح أنملة فلا يجب أكثر من ديتها.

باب كفارة القتل

ومن قتل مؤمناً أو ذمياً بغير حق أو شارك فيه أو في إسقاط جنين فعليه كفارة، وهي تحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله، سواء كان مكلفاً أو غير مكلف حراً أو عبداً.
ولو تصادم نفسان فماتا فعلى كل واحد منهما كفارة ودية صاحبه على عاقلته، وإن كانا فارسين فمات فرساهما فعلى كل واحد منهما ضمان فرس الآخر، وإن كان أحدهما واقفاً والآخر سائراً فعلى السائر ضمان دابة الواقف وعلى عاقلته ديته.
إلا أن يكون الواقف متعدياً بوقوفه كالقاعد في طريق ضيق أو ملك السائر فعليه الكفارة وضمان السائر ودابته ولا شئ على السائر ولا عاقلته، وإذا رمى ثلاثة بالمنجنيق فقتل الحجر معصوماً فعلى كل واحد منهم كفارة وعلى عاقلته ثلث الدية، وإن قتل أحدهم فكذلك إلا أنه يسقط ثلث ديته في مقابلة فعله.
وإن كانوا أكثر من ثلاثة سقطت حصة القتيل وباقي الدية في أموال الباقين.

باب القسامة

روى سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج أن محيصة وعبد الله بن سهل انطلقا قبل خيبر فتفرقا في النخل فقتل عبد الله بن سهل، فاتهموا اليهود به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته. فقالوا: أمر لم نشهده فكيف نحلف ؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم قالوا: قوم كفار، فوداه النبي صلى الله عليه وسلم قبله.
فمتى وجد قتيل فادعى أولياؤه على رجل قتله وكانت بينهم عداوة ولوث - كما كان بين الأنصار وأهل خيبر - أقسم الأولياء على واحد منهم خمسين يميناً واستحقوا دمه، فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليه خمسين وبرىء، فإن نكلوا فعليهم الدية.
فإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال، ولا يقسمون على أكثر من واحد، وإن لم يكن بينهم عداوة ولا لوث حلف المدعى عليه يميناً واحدة وبرىء.


 

كتاب الحدود

ولا يجب الحد إلا على مكلف عالم بالتحريم، ولا يقيمه إلا الإمام أو نائبه، إلا السيد فإن له إقامته بالجلد خاصة على رقيقه القن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها.
وليس له قطعه في السرقة، ولا قتله في الردة، ولا جلد مكاتبه، ولا أمته المزوجة، وحد الرقيق في الجلد نصف حد الحر.
ومن أقر بحد ثم رجع عنه سقط.

فصل: ويضرب في الجلد بسوط لا جديد ولا خلق

ويضرب في الجلد بسوط لا جديد ولا خلق، ولا يمد ولا يربط ولا يجرد، ويتقي وجهه ورأسه وفرجه.
ويضرب الرجل قائماً، والمرأة جالسة، وتشد عليها ثيابها، وتمسك يداها، ومن كان مريضاً يرجى برؤه أخر حتى يبرأ، لما روي عن علي رضي الله عنه: أن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: أحسنت. فإن لم يرج برؤه وخشي عليه من السوط جلد بضغث فيه عيدان بعدد ما يجب عليه مرة واحدة.

فصل: وإن اجتمعت حدود لله تعالى فيها قتل قتل وسقط سائرهم

وإن اجتمعت حدود لله تعالى فيها قتل قتل وسقط سائرهم، ولو زنى أو سرق مراراً ولم يحد فحد واحد، وإن اجتمعت حدود من أجناس لا قتل فيها استوفيت كلها.
ويبدأ بالأخف فالأخف منها. وتدرأ الحدود بالشبهات، فلو زنى بجارية له فيها شرك - وإن قل - أو لولده أو وطىء في نكاح مختلف فيه أو مكرهاً أو سرق من مال له فيه حق أو لولده وإن سفل من مال غريمه الذي يعجز عن تخليصه منه بقدر حقه لم يحد.

فصل: ومن أتى حداً خارج الحرم

ومن أتى حداً خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم أو لجأ إليه من عليه قصاص لم يستوف منه حتى يخرج، لكن لا يبايع ولا يشارى، وإن فعل ذلك في الحرم استوفي منه فيه، وإن أتى حداً في الغزو لم يستوف حتى يخرج من دار الحرب.

باب حد الزنى

من أتى الفاحشة في قبل أو دبر من امرأة لا يملكها أو من غلام أو من.
فعل ذلك به فحده الرجم إن كان محصناً، أو جلد مائة وتغريب عام إن لم يكن محصناً، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم.
والمحصن هو الحر البالغ العاقل الذي وطىء زوجة مثله في هذه الصفات في قبلها في نكاح صحيح.
ولا يثبت الزنى إلا بأحد أمرين: إقرار به أربع مرات مصرحاً بذكر حقيقته، أو شهادة أربعة رجال أحرار عدول يصفون الزنى.
ويجيئون في مجلس واحد ويتفقون.
على الشهادة بزنى واحد.

باب حد القذف

ومن رمى محصناً بالزنى أو شهد عليه به.
فلم تكمل الشهادة عليه جلد ثمانين جلدة إذا طالب المقذوف، والمحصن هو الحر البالغ المسلم العاقل العفيف، ويحد من قذف الملاعنة أو ولدها.
ومن قذف جماعة بكلمة واحدة فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم، فإن عفا بعضهم لم يسقط حق غيره.

باب حد المسكر

ومن شرب مسكراً قل أو كثر مختاراً عالماً أن كثيره يسكر جلد الحد أربعين جلدة لأن علياً رضي الله عنه جلد الوليد بن عقبة في الخمر أربعين وقال: جلد النبي أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي. وسواء كان عصير العنب أو غيره. ومن أتى من المحرمات ما لا حد فيه لم يزد على عشر جلدات لما روى أبو بردة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجلد أحد أكثر من عشر جلدات إلا في حد من حدود الله.
إلا أن يطأ جارية امرأته بإذنها فإنه يجلد مائة.

باب حد السرقة

ومن سرق ربع دينار من العين أو ثلاثة دراهم من الورق أو ما يساوي أحدهما من سائر المال فأخرجه من الحرز قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحسمت.
فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت، فإن عاد حبس، ولا يقطع غير يد ورجل.
ولا تثبت السرقة إلا بشهادة عدلين أو اعتراف مرتين، ولا يقطع حتى يطالب المسروق منه بماله، وإن وهبها للسارق أو باعه إياها قبل ذلك سقط القطع وإن كان بعده لم يسقط.
وإن نقصت عن النصاب بعد الإخراج لم يسقط القطع، وإن كان قبله لم يجب (1618)، وإذا قطع فعليه رد المسروق إن كان باقياً أو قيمته إن كان تالفاً.

باب حد المحاربين

وهم الذين يعرضون للناس في الصحراء جهرة ليأخذوا أموالهم. فمن قتل منهم وأخذ المال قتل وصلب حتى يشتهر ودفع إلى أهله، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتا، ولا يقطع إلا من أخذ ما يقطع السارق به.
ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولا أخذ مالاً نفي من الأرض، ومن تاب قبل القدرة عليه سقطت عنه حدود الله تعالى وأخذ بحقوق الآدميين إلا أن يعفى له عنها.

فصل: ومن عرض له من يريد نفسه

ومن عرض له من يريد نفسه أو ماله أو حريمه أو حمل عليه سلاحاً أو دخل منزله بغير إذنه فله دفعه بأسهل ما يكون أنه يندفع به، فإن لم يندفع إلا بقتله فله قتله ولا ضمان عليه، وإن قتل الدافع فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه.
ومن صالت عليه بهيمة فله دفعها بمثل ذلك ولا ضمان في ذلك، ومن اطلع في دار إنسان أو بيته من خصاص الباب أو نحوه فحذفه بعصاة ففقأ عينه فلا ضمان عليه.
وإن عض إنسان يده فانتزعها منه فسقطت ثناياه فلا ضمان.

باب قتال أهل البغي

وهم الخارجون على الإمام يريدون إزالته عن منصبه فعلى المسلمين معونة إمامهم في دفعهم بأسهل ما يندفعون به، فإن آل إلى قتالهم أو تلف مالهم فلا شئ على الدافع، وإن قتل الدافع كان شهيداً، ولا يتبع لهم مدبر ولا يجهز على جريح.
ولا يغنم لهم مال، ولا تسبى لهم ذرية، ومن قتل منهم غسل وكفن وصلى عليه، ولا ضمان على أحد الفريقين فيما أتلف حال الحرب من نفس أو مال، وما أخذ البغاة حال امتناعهم من زكاة أو جزية أو خراج لم يعد عليهم ولا على الدافع إليهم، ولا ينقض من حكم حاكمهم إلا ما ينقض من حكم غيره.

باب حكم المرتد

ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وجب قتله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً، فإن تاب وإلا قتل بالسيف.
ومن جحد الله أو جعل له شريكاً أو صاحبة أو ولداً أو كذب الله تعالى أو سبه أو كذب رسوله أو سبه أو جحد نبياً أو جحد كتاب الله أو شيئاً منه أو جحد أحد أركان الإسلام أو أحل محرماً ظهر الإجماع على تحريمه فقد ارتد.
إلا أن يكون ممن تخفى عليه الواجبات والمحرمات فيعرف ذلك، فإن لم يقبل كفر. ويصح إسلام الصبي العاقل، وإن ارتد لم يقتل حتى يستتاب ثلاثاً بعد بلوغه.
ومن ثبتت ردته فأسلم قبل منه، ويكفي في إسلامه أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إلا أن يكون كفره بجحد نبي أو كتاب أو فريضة أو نحوه، أو يعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث إلى العرب خاصة فلا يقبل منه حتى يقر بما جحده. وإذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب فسبيا لم يجز استرقاقهما ولا استرقاق من ولد لهما قبل ردتهما، ويجوز استرقاق سائر أولادهما.


 

كتاب الجهاد

وهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، ويتعين على من حضر الصف أو حصر العدو بلده، ولا يجب إلا على ذكر حر بالغ عاقل مستطيع.
والجهاد أفضل التطوع لقول أبي هريرة رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل ؟ قال:إيمان بالله. قال: ثم أي ؟ قال: الجهاد في سبيل الله، ثم حج مبرور وعن أبي سعيد قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل ؟ قال: رجل يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه، وغزو البحر أفضل من غزو البر.
ويغزو مع كل بر وفاجر، ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو، وتمام الرباط أربعون يوماً، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه، وقال: رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً أجري له أجره إلى يوم القيامة ووقي الفتان.
ولا يجاهد من أحد أبويه حي مسلم إلا بإذنه.
إلا أن يتعين عليه، ولا يدخل من النساء دار الحرب إلا امرأة طاعنة في السن لسقي الماء ومعالجة الجرحى، ولا يستعان بمشرك.
إلا عند الحاجة إليه، ولا يجوز الجهاد إلا بإذن الأمير، إلا أن يفاجئهم عدو يخافون كلبه، أو تعرض فرصة يخافون فوتها، وإذا دخلوا دار الحرب لم يجز لأحد أن يخرج من العسكر لعلف أو احتطاب أو غيره إلا بإذن الأمير.
ومن أخذ من دار الحرب ما له قيمة لم يجز له أن يختص به، إلا الطعام والعلف فله أن يأخذ منه ما يحتاج إليه، فإن باعه رد ثمنه في المغنم، وإن فضل معه منه بعد رجوعه إلى بلده لزمه رده، إلا أن يكون يسيراً فله أكله وهديته، ويجوز تبييت الكفار ورميهم بالمنجنيق، وقتالهم قبل دعائهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غازون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم.
ولا يقتل منهم صبي ولا مجنون ولا امرأة ولا راهب ولا شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ولا من لا رأي لهم إلا أن يقاتلوا، ويخير الإمام في أسارى الرجال بين القتل والاسترقاق والفداء والمن، ولا يختار إلا الأصلح للمسلمين.
وإن استرقهم أو فاداهم بمال فهو غنيمة، ولا يفرق في السبي بين ذوي رحم محرم إلا أن يكونوا بالغين.
ومن اشترى منهم على أنه ذو رحم فبان بخلافه رد الفضل الذي فيه بالتفريق، ومن أعطى شيئاً يستعين به في غزوه فإذا رجع فله ما فضل، إلا أن يكون لم يعط لغزاة بعينها فيرد الفضل في الغزو.
إن حمل على فرس في سبيل الله فهي له إذا رجع إلا أن يجعل حبيساً وما أخذ من أموال المسلمين رد إليهم إذا علم صاحبه قبل القسمة، وإن قسم قبل علمه فله أخذه بثمنه الذي حسب به على آخذه.
وإن أخذه أحد الرعية بثمن فلصاحبه أخذه بثمنه، وإن أخذه بغير شئ رده، ومن اشترى أسيراً من العدو فعلى الأسير أداء ما اشتراه به.

باب الأنفال

وهي الزيادة على السهم المستحق، وهي ثلاثة أضرب:
أحدها: سلب المقتول غير مخموس لقاتله، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلاً فله سلبه وهو ما عليه من لباس وحلي وسلاح وفرسه بآلتها.
وإنما يستحقه من قتله حال قيام الحرب، غير مثخن ولا ممنوع من القتال.
الثاني: أن ينفل الأمير من أغنى عن المسلمين غناء من غير شرط، كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن الأكوع يوم ذي قرد سهم فارس وراجل ونفله أبو بكر رضي الله عنه ليلة جاءه بأهل تسعة أبيات امرأة منهم.
الثالث: ما يستحق بالشرط وهو نوعان:
أحدها: أن يقول الأمير من دخل النقب أو صد السور فله كذا، ومن جاء بعشر من البقر أو غيرها فله واحد منها، فيستحق ما جعل له.
الثاني: أن يبعث الأمير في البداءة سرية ويجعل لها الربع، وفي الرجعة أخرى ويجعل لها الثلث، فما جاءت به أخرج خمسه، ثم أعطى السرية ما جعل لها، وقسم الباقي في الجيش والسرية معاً.

فصل: ويرضخ لمن لا سهم له من النساء والصبيان والعبيد والكفار

ويرضخ لمن لا سهم له من النساء والصبيان والعبيد والكفار، فيعطيهم على قدر غنائهم.
ولا يبلغ بالراجل منهم سهم راجل، ولا بالفارس سهم فارس، وإن غزا العبد على فرس لسيده فسهم الفرس لسيده ويرضخ للعبد.

باب الغنائم وقسمتها

وهي نوعان:
أحدهما: الأرض فيخير الإمام بين قسمتها ووقفها للمسلمين ويضرب عليها خراجاً مستمراً يؤخذ ممن هي في يده كل عام أجراً لها، وما وقفه الأئمة من ذلك لم يجز تغييره ولا بيعه.
الثاني: سائر الأموال، فهي لمن شهد الوقعة ممن يمكنه القتال ويستعد له من التجار وغيرهم، سواء قاتل أو لم يقاتل على الصفة التي شهد الوقعة فيها من كونه فارساً أو راجلاً أو عبداً أو مسلماً أو كافراً، ولا يعتبر ما قبل ذلك ولا ما بعده.
ولا حق فيها لعاجز عن القتال بمرض أو غيره، ولا لمن جاء بعد ما تنقضي الحرب من مدد أو غيره.
ومن بعث الأمير لمصلحة الجيش أسهم له، ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت وتشاركه فيما غنم، ويبدأ بإخراج مؤنة الغنيمة لحفظها ونقلها وسائر حاجتها، ثم يدفع الأسلاب إلى أهلها والأجعال لأصحابها، ثم يخمس باقيها فيقسمه خمسة أسهم: سهم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم يصرف في السلاح والكراع والمصالح، وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب غنيهم وفقيرهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، وسهم لليتامى الفقراء، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل.
ثم يخرج باقي الأنفال والرضخ، ثم يقسم ما بقي للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له ولفرسه سهمان، لما روى ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهماً وإن كان الفرس غير عربي فله سهم ولصاحبه سهم.
وإن كان مع الرجل فرسان أسهم لهما، ولا يسهم لأكثر من فرسين، ولا يسهم لدابة غير الخيل.

فصل: وما تركه الكفار فزعاً وهربوا

وما تركه الكفار فزعاً وهربوا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب أو أخذ منهم بغير قتال فهو فيء يصرف في مصالح المسلمين.
ومن وجد كافراً ضالاً عن الطريق أو غيره في دار الإسلام فأخذه فهو له. وإن دخل قوم لا منعة لهم أرض الحرب متلصصين بغير إذن الإمام فما أخذوه فهو لهم بعد الخمس.

باب الأمان

ومن قال لحربي: قد أجرتك أو أمنتك أو لا بأس عليك ونحو هذا فقد أمنه، ويصح الأمان من كل مسلم عاقل مختار، حراً كان أو عبداً رجلاً كان أو امرأة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. ويصح أمان آحاد الرعية للجماعة اليسيرة، وأمان الأمير للبلد الذي أقيم بإزائه، وأمان الإمام لجميع الكفار، ومن دخل دارهم بأمانهم فقد أمنهم من نفسه، وإن خلوا أسيراً منا بشرط أن يبعث إليهم مالاً معلوماً لزمه الوفاء لهم، فإن شرطوا عليه أن يعود إليهم إن عجز لزمه الوفاء لهم.
إلا أن تكون امرأة فلا ترجع إليهم.

فصل: وتجوز مهادنة الكفار إذا رأى الإمام المصلحة فيها

وتجوز مهادنة الكفار إذا رأى الإمام المصلحة فيها.
ولا يجوز عقدها إلا من الإمام أو نائبه، وعليه حمايتهم من المسلمين دون أهل الحرب، وإن خاف نقض العهد منهم نبذ إليهم عهدهم، وإن سباهم كفار آخرون لم يجز لنا شراؤهم، وتجب الهجرة على من لم يقدر على إظهار دينه في دار الحرب، وتستحب لمن قدر على ذلك.
ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار، إلا من بلد بعد فتحه.

باب الجزية

ولا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب وهم اليهود ومن دان بالتوراة والنصارى ومن دان بالإنجيل، والمجوس إذا التزموا أداء الجزية وأحكام الملة.
ومتى طلبوا ذلك لزم إجابتهم وحرم قتالهم، وتؤخذ الجزية في رأس كل حول من الموسر ثمانية وأربعون درهماً، ومن المتوسط أربعة وعشرون درهماً، ومن دونه اثنا عشر درهماً.
ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ولا عبد ولا فقير عاجز عنها، ومن أسلم بعد وجوبها سقطت عنه، وإن مات. أخذت من تركته، ومن اتجر منهم إلى غير بلده ثم عاد أخذ منه نصف العشر.
وإن دخل إلينا تاجر حربي أخذ منه العشر ومن نقض العهد بامتناعه من التزام الجزية وأحكام الملة، أو قتال المسلمين ونحوه أو الهرب إلى دار الحرب حل دمه وماله.
ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقضه، إلا أن يذهب بهم إلى دار الحرب.


 

كتاب القضاء

وهو فرض كفاية، يلزم الإمام نصب من يكتفي به في القضاء ويجب على من يصلح له إذا طلب منه ولم يوجد غيره الإجابة إليه، وإن وجد غيره فالأفضل تركه ومن شرطه أن يكون رجلاً حراً مسلماً سميعاً بصيراً متكلماً عدلاً عالماً، ولا يجوز له أن يقبل رشوة.
ولا هدية ممن لم يكن يهديه إليه، ولا الحكم قبل معرفة الحق، فإن أشكل عليه شاور فيه أهل العلم والأمانة، ولا يحكم وهو غضبان.
ولا في حال يمنع استيفاء الرأي، ولا يتخذ في مجلس الحكم بواباً، ويجب العدل بين الخصمين في الدخول عليه والمجلس والخطاب.

باب صفة الحكم

إذا جلس إليه الخصمان فادعى أحدهما على الآخر لم تسمع الدعوى إلا محررة تحريراً يعلم به المدعى عليه، فإن كان ديناً ذكر قدره وجنسه، وإن كان عقاراً ذكر موضعه وحده، وإن كان عيناً حاضرة عينها، وإن كانت غائبة ذكر جنسها وقيمتها، ثم يقول لخصمه: ما تقول ؟ فإن أقر حكم للمدعي، وإن أنكر لم يخل من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون في يد أحدهما، فيقول للمدعي: ألك بينة ؟ فإن قال: نعم وأقامها حكم له بها، وإن لم تكن له بينة قال: فلك يمينه، فإن طلبها استحلفه وبرىء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه.
وإن نكل عن اليمين وردها على المدعي استحلفه وحكم له، وإن نكل أيضاً صرفهما.
وإن لكل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي، فإن أقر صاحب اليد لغيره صار المقر له الخصم فيها وقام مقام صاحب اليد فيما ذكرنا.
الثاني: أن تكون في يديهما، فإن كانت لأحدهما بينة حكم له بها، وإن لم يكن لواحد منهما بينة.
أو لهما بينتان قسمت بينهما وحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به، وإن ادعاها أحدهما وادعى الآخر نصفها ولا بينة قسمت بينهما، واليمين على مدعي النصف، وإن كانت لهما بينتان حكم بها لمدعي الكل.
الثالث: أن تكون في يد غيرهما، وإن أقر بها لأحدهما أو لغيرهما صار المقر له كصاحب اليد، وإن أقر لهما صارت كالتي في يديهما، وإن قال لا أعرف صاحبها منهما ولأحدهما بينة فهي له، وإن لم يكن لهما بينة، أو لكل واحد منهما بينة استهما على اليمين، فمن خرج سهمه حلف وأخذها.

باب في تعارض الدعاوى

إذا تنازعا قميصاً أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه فهو للابسه. وإن تنازعا دابة أحدهما راكبها أو له عليها حمل فهي له، وإن تنازعا أرضاً فيها شجر أو بناء أو زرع لأحدهما فهي له، وإن تنازع صانعان في قماش دكان فآلة كل صناعة لصاحبها. وإن تنازع الزوجان في قماش البيت فللزوج ما يصلح للرجال وللمرأة ما يصلح للنساء، وما يصلح لهما بينهما.
وإن تنازعا حائطاً معقوداً ببنائهما أو محلولاً منهما فهو بينهما، وإن كان معقوداً ببناء أحدهما وحده فهو له، وإن تنازع صاحب العلو والسفل في السقف الذي بينهما، أو تنازع صاحب الأرض والنهر في الحائط الذي بينهما أو تنازعا قميصاً أحدهما آخذ بكمه وباقيه مع الآخر فهو بينهما.
وإن تنازع مسلم وكافر في ميت يزعم كل واحد منهما أنه مات على دينه فإن عرف أصل دينه حمل عليه، وإن لم يعرف أصل دينه فالميراث للمسلم، وإن كانت لهما بينتان فكذلك، وإن كانت لأحدهما بينة حكم له بها، وإن ادعى كل واحد من الشريكين في العبد أن شريكه أعتق نصيبه وهما موسران عتق كله ولا ولاء لهما عليه، وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً عتق نصيب الموسر وحده.
وإن كانا معسرين لم يعتق منه شئ وإن اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق حينئذ ولم يسر إلى باقيه ولا ولاء عليه. وإن ادعى كل واحد من الموسرين أنه أعتقه تحالفا وكان ولاؤه بينهما. وإن قال رجل لعبده: إن برئت من مرضي هذا فأنت حر وإن قتلت فأنت حر فادعى العبد برءه أو قتله وأنكرت الورثة فالقول قولهم، وإن أقام كل واحد منهم بينة بقوله عتق العبد لأن بينته تشهد بزيادة.
ولو مات رجل وخلف ابنين وعبدين متساويي القيمة لا مال له سواهما فأقر الابنان أنه أعتق أحدهما في مرض موته عتق منه ثلثاه إن لم يجيزا عتقه كله، وإن قال أحدهما: أبي أعتق هذا، وقال الآخر: بل هذا، عتق ثلث كل واحد منهما وكان لكل ابن سدس الذي اعترف بعتقه ونصف الآخر، وإن قال الثاني: أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما أقرع بينهما وقامت القرعة مقام تعيينه.

باب حكم كتاب القاضي

يجوز الحكم على الغائب إذا كانت للمدعي بينة، ومتى حكم على غائب ثم كتب بحكمه إلى قاضي بلد الغائب لزم قبوله وأخذ المحكوم عليه به.
ولا يثبت إلا بشاهدين عدلين يقولان قرأه علينا، أو قرىء عليه بحضرتنا فقال: أشهدا على أن هذا كتابي إلى فلان أو إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم، فإن مات المكتوب إليه أو عزل فوصل إلى غيره عمل به، وإن مات الكاتب أوعزل بعد حكمه جاز قبول كتابه.
ويقبل كتاب القاضي في كل حق إلا الحدود والقصاص.

باب القسمة

وهي نوعان: قسمة إجبار، وهي ما يمكن قسمته من غير ضرر ولا رد عوض، إذا طلب أحد الشريكين قسمه فأبى الآخر أجبره الحاكم عليه إذا ثبت عنده ملكهما ببينة فإن أقر به لم يجبر الممتنع عليه، وإن طلباها في هذه الحال قسمت بينهما وأثبت في القضية أن قسمه كان عن إقرار لا عن بينة.
والثاني: قسمة التراضي، وهي قسمة ما فيه ضرر بأن لا ينتفع أحدهما بنصيبه فيما هو له أو لا يمكن تعديله إلا برد عوض من أحدهما فلا إجبار فيها.
والقسمة إقرار حق لا يستحق بها شفعة ولا يثبت فيها خيار، وتجوز في المكيل وزناً وفي الموزون كيلاً وفي الثمار خرصاً، وتجوز قسمة الوقف إذا لم يكن فيها رد عوض، فإن كان بعضه طلقاً وبعضه وقفاً وفيها عوض من صاحب الطلق لم يجز، وإن كان من رب الوقف جاز.
وإذا عدلت الأجزاء أقرع عليها فمن خرج سهمه على شئ صار له ولزم بذلك، ويجب أن يكون قاسم الحاكم عدلاً وكذلك كاتبه.


 

كتاب الشهادات

تحمل الشهادة وأداؤها فرض كفاية، إذا لم يوجد من يقوم بها سوى اثنين لزمهما القيام بها على القريب والبعيد إذا أمكنهما ذلك من غير ضرر لقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين &سورة النساء: الآية 135 &.
والمشهود عليه أربعة أقسام:
أحدهها: الزنى وما يوجب حده فلا يثبت إلا بأربعة رجال أحرار عدول.
الثاني: المال وما يقصد به المال فيثبت بشاهدين أو رجل وامرأتين وبرجل مع يمين الطالب.
الثالث: ما عدا هذين مما يطلع عليه الرجال في غالب الأحوال غير الحدود والقصاص كالنكاح والطلاق والرجعة والعتق والولاية والعزل والنسب والولاء والوكالة في غير المال والوصية إليه وما أشبه ذلك - فلا يقبل إلا رجلان.
الرابع: ما لا يطلع عليه الرجال، كالولادة والحيض والعذرة والعيوب تحت الثياب فيثبت بشهادة امرأة عدل، لأن عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما فذكزت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف وقد زعمت ذلك، وتقبل شهادة العبد في كل شئ إلا الحدود والقصاص، وتقبل شهادة الأمة فيما تقبل فيه شهادة النساء للخبر. وشهادة الفاعل على فعله كالمرضعة على الرضاع والقاسم على القسمة، وشهادة الأخ لأخيه.
والصديق لصديقه، وشهادة الأصم على المرئيات، وشهادة الأعمى إذا تيقن الصوت، وشهادة المستخفي.
ومن سمع إنساناً يقر بحق وإن لم يقل للشاهد أشهد وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه جاز أن يشهد به كالشهادة على النسب والولادة.
ولا يجوز ذلك في حد ولا قصاص، وتقبل شهادة القاذف وغيره بعد توبته.

باب من ترد شهادته

لا تقبل شهادة صبي ولا زائل العقل ولا أخرس ولا كافر ولا فاسق ولا مجهول الحال.
ولا جاز إلى نفسه نفعاً، ولا دافع عنها شراً، ولا شهادة والد وإن علا لولده، ولا ولد لوالده، ولا سيد لعبده ولا مكاتبه، ولا شهادتهما له.
ولا أحد الزوجين لصاحبه، ولا شهادة الوصي فيما هو وصي فيه، ولا الوكيل فيما هو وكيل فيه، ولا الشريك فيما هو شريك فيه، ولا العدو على عدوه، ولا معروف بكثرة الغلط والغفلة.
ولا من لا مروءة له كالمسخرة وكاشف عورته للناظرين في حمام أو غيره. ومن شهد بشهادة يتهم في بعضها ردت كلها، ولا يسمع في الجرح والتعديل ونحوها إلا شهادة اثنين.
وإذا تعارض الجرح والتعديل قدم الجرح، وإن شهد شاهد بألف وآخر بألفين قضى له بألف وحلف مع شاهده على الألف الآخر إن أحب. وإن قال أحدهما: ألف من قرض، وقال الآخر: من ثمن مبيع لم تكمل الشهادة.
وإذا شهد أربعة بالزنى أو شهد اثنان على فعل سواه واختلفوا في المكان أو الزمان أو الصفة لم تكمل شهادتهم.

باب الشهادة على الشهادة والرجوع عنها

تجوز الشهادة على الشهادة فيما يجوز فيه كتاب القاضي.
إذا تعذرت شهادة الأصل بموت، أو غيبة، أو مرض ونحوه بشرط أن يسترعيه شاهد الأصل فيقول أشهد على شهادتي أني فلاناً أقر عندي أو أشهدني بكذا، ويعتبر معرفة العدالة في شهود الأصل والفرع.
ومتى لم يحكم بشهادة الفرع حتى حضر شهود الأصل وقف الحكم على سماع شهادتهم، وإن حدث من بعضهم ما يمنع قبول الشهادة لم يحكم بها.

فصل: ومتى غير العدل شهادته

ومتى غير العدل شهادته فزاد فيها أو نقص قبل الحكم قبلت، وإن حدث منه ما يمنع قبولها بعد أدائها ردت، وإن حدث ذلك بعد الحكم بها لم يؤثر.
وإن رجع الشهود بعد الحكم بشهادتهم لم ينقض الحكم ولم يمنع الاستيفاء إلا في الحدود والقصاص، وعليهم غرامة ما فات بشهادتهم بمثله إن كان مثلياً، وقيمته إن لم يكن مثلياً، ويكون ذلك بينهم على عددهم، فإن رجع أحدهم فعليه حصته، وإن كان المشهود به قتلاً أو جرحاً فقالوا: تعمدنا فعليهم القصاص، وإن قالوا: أخطأنا غرموا الدية وأرش الجرح.

باب اليمين في الدعاوى

اليمين المشروعة في الحقوق هي اليمين بالله تعالى سواء كان الحالف مسلماً أو كافراً.
ويجوز القضاء في الأموال وأسبابها بشاهد ويمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين، والأيمان كلها على البت إلا اليمين على نفي فعل غيره فإنها على نفي العلم، وإذا كان للميت أو المفلس حق بشاهد فحلف المفلس أو ورثة الميت ثبت.
وإن لم يحلف فبذل الغرماء اليمين لم يستحلفوا، وإذا كانت الدعوى لجماعة فعليه لكل واحد يمين، وإن قال: أنا أحلف يميناً واحدة لجميعهم لم يقبل منه إلا أن يرضوا، وإن ادعى واحد حقوقاً على واحد فعليه في كل حق يمين، وتشرع اليمين في كل حق لآدمي، ولا تشرع في حقوق الله من الحدود والعبادات.

باب الإقرار

وإذا أقر المكلف الحر الرشيد الصحيح المختار بحق أخذ به.
ومن أقر بدراهم ثم سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه ثم قال: زيوفاً أو صغاراً أو مؤجلة لزمته جياداً وافية حالة، وإن وصفها بذلك متصلاً بإقراره لزمته كذلك، وإن استثنى مما أقر به أقل من نصفه متصلاً به صح استثناؤه، وإن فصل بينها بسكوت يمكنه الكلام أو بكلام أجنبي أو استثنى أكثر من نصفه أو من غير جنسه لزمه كله.
ومن قال: له علي دراهم ثم قال: وديعة لم يقبل قوله، ومن أقر بدراهم فأقل ما يلزمه ثلاثة إلا أن يصدقه المقر له في أقل منها. ومن أقر بشئ مجمل قبل تفسيره بما يحتمله.

فصل: ولا يقبل إقرار غير المكلف بشئ

ولا يقبل إقرار غير المكلف بشئ، إلا المأذون له من الصبيان في التصرف في قدر ما أذن له وإن أقر السفيه بحد أو قصاص أو طلاق أخذ به، وإن أقر بمال لم يقبل إقراره، وكذلك الحكم في إقرار العبد إلا أن يتعلق بذمته يتبع به بعد العتق إلا أن يكون مأذوناً له في التجارة فيصح إقراره في قدر ما أذن له فيه.
ويصح إقرار المريض بالدين لأجنبي، ولا يصح إقراره في مرض الموت لوارث إلا بتصديق سائر الورثة، ولو أقر لوارث فصار غير وارث لم يصح، وإن أقر له وهو غير وارث ثم صار وارثاً صح إقراره.
ويصح إقراره بوارث، وإذا كان على الميت دين لم يلزم الورثة وفاؤه إلا إن خلف تركة فيتعلق دينه بها، فإن أحب الورثة وفاء الدين وأخذ التركة فلهم ذلك، وإن أقر جميع الورثة بدين على مورثهم ثبت بإقرارهم، وإن أقر به بعضهم ثبت بقدر حقه، فلو خلف ابنين ومائتي درهم فأقر أحدهما بمائة دينار على أبيه لزمه خمسون درهماً، فإن كان عدلاً وشهد بها فللغريم أن يحلف مع شهادته ويأخذ باقيها من أخيه.
وإن خلف ابناً ومائة فادعى رجل مائة على أبيه فصدقه ثم ادعى آخر مثل ذلك فصدقه الابن فإن كانا في مجلس واحد فالمائة بينهما، وإن كانا في مجلسين فهو للأول ولا شئ للثاني، وإن كان الأول ادعاها فصدقه الابن ثم ادعاها آخر فصدقه الابن فهي للأول ولا شئ للثاني ويغرمها لأنه فوتها عليه بإقراره.


انتهى الكتاب بعون الله