أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي 

 

الكتاب: أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي
المؤلف: فتحي يكن
 

مـتـفـرقـات

الـنـقـد وأصـولـه الـشـرعـيـة

من المسلمات والبديهيات أن الناس يتفاوتون في عقولهم ومداركهم وقدراتهم ، وأن اختلاف الرأي بينهم أمر طبيعي .

ومن يستقرئ التاريخ الإسلامي منذ البعثة النبوية حتى اليوم ، يتأكد له بما لا يحتمل الشك أن المسلمين بصورة عامة ، وأهل الحل والعقد منهم بصورة خاصة ، كانوا يتفاوتون في الحكم على القضية الواحدة ، وإن جاءت اجتهاداتهم كلها ضمن دائرة الشرع وفي إطار الإسلام .

وتبعًا لاختلاف الآراء وتباين الاجتهادات حول ما يستجد من أمور وأحداث ، تبرز ظاهرة ما يسمى بلغة العصر ( النقد ) وبما يسمى بلغة القرآن ( التواصي بالحق ) .

والتواصي بالحق ( أو النقد ) من الواجبات الشرعية الراتبة على كل مسلم رأى عيبًا أو انحرافًا من فرد أو جماعة أو دولة أو حكام ، امتثالاً لأمر الله ـ تعالى ـ : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وأولئك هم المفلحون } ، وعملاً بقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان ) وفي رواية : ( وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان ) ، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( الساكت عن الحق شيطان أخرس ) .

وعلى هذا انطلقت مسيرة الإسلام عبر التاريخ ، يعصمها من الانحراف صدق التوجه إلى الله ، وشديد المراقبة له ، فضلاً عن حسن التواصي بالحق بين المسلمين ، يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( المؤمن أخو المؤمن لا يدع نصيحته على كل حال ) وجاء في الأثر : ( حق المؤمن على أخيه : أن يبين له الحق إذا احتاج ، ويشد عزمه إذا أصاب ، وأن يشكر له إذا أحسن ، ويذكِّره إذا نسي ، ويرشده إذا ذل ، ويصحح له إذا أخطأ ، ويجامله في الحق ، ولا يسايره على الباطل ، المؤمن هادٍ ودليل ومعين وأمين ) .

 

شـروط النـقـد :

والإسلام حين يوجب على المسلمين أن يتواصوا بالحق ، فإنه يضع لذلك شروطًا محددة ويوجب التقيد بها واعتمادها ، من ذلك :

 

1 ـ تحري الصدق :

 وذلك بأن يتحرى الأخ المسلم الصدق لدى ممارسته للنقد ، وأن يتبين الأمور ، ويستطلع صحة الشائعات والمقولات ، فكم من شائعات لم يكن لها في الحقيقة أصل ، وكم من مقولات صاغها وضخمها كثرة تناقل الألسنة لها من غير تحرٍّ لحقيقتها ، وحسبنا أن نسمع في هذا السياق حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث يقول : ( كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثًا هو لك مصدق وأنت له كاذب ) رواه البخاري .

فلا يجوز أن يبنى النقد على الظن والشك ، بل لا بد لذلك من قرائن ثابتة ، وأدلة قطعية بدليل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) رواه البخاري .

 

2 ـ تحري القصد :

 بمعنى أن يستطلع الأخ البواعث التي تدفعه إلى توجيه النقد ، خوفًا من أن يخالطها شيء من هوى النفس ، كحب التشفي والانتقام والتحقير ، أو ما شاكل ذلك من مقاصد ذميمة .

إن على الأخ المسلم أن يتوقف عن النقد فورًا إن لم تكن البواعث واضحة في نفسه ، وإن لم يطمئن إلى أنه مدفوع إلى ذلك ابتغاء وجه الله ، ومصلحة الإسلام والغيرة على الآخرين ، { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا } .

 

3 ـ تحري الأسلوب :

فالأخ المسلم مدعو إلى أن يتحرى الأسلوب الأقوم ، والتعبير الأكرم ، في إسداء النصح ، فشرط التواصي أن يكون بالحق لا بالباطل ، { وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } .

ـ يحسن بالأخ الناصح أن يسدي النصح لأخيه على انفراد ؛ لأن ذلك أوقع في نفسه ، وأحوط من دخول الشيطان إليه ، وصدق علي بن أبي طالب حيث يقول : ( النصح بين الملأ تقريع ) .

ـ ويحسن بالأخ الناصح أن يسدي النصح لأخيه بأدب واستحياء وخفض جناح ، وأن يتخير الكلمة الطيبة والعبارة الكريمة التي يوجهها لأخيه ، فكم من كلمة لم يُلق الإنسان إليها بالاً أورثت أحقادًا وعداوات ، وتسببت بانفصام عرى أخوة إلى الأبد ، فليحاذر الإخوة سقطات اللسان ، وليذكروا قول نبيهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ) رواه أحمد .

ـ ويحسن بالأخ أن يكون رفيقًا رقيقًا مع أخيه { ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ، والغلظة والفظاظة في النقد وإسداء النصح مدعاة إلى إغلاق القلوب وصم الآذان ، بينما الرفق يفتح النفوس لسماع النصيحة والتأثر بها ، وبالتالي يحقق الخير الذي من أجله شرع النصح ، وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث يقول : ( إن الله ـ عز وجل ـ ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق ـ الحمق ـ وإذا أحب الله عبدًا أعطاه الرفق ) رواه الطبراني .

 

4 ـ تحري الموضوعية :

وعلى الأخ الناصح أن يقدم بين يدي نصيحته الدليل الشرعي الذي يثبت رأيه ووجهة نظره ، وأن يكون في نقاشه مع أخيه موضوعيًّا معتدلاً ، بعيدًا عن التطرف والغلو ، حتى لا يتحول الأمر إلى مراء وجدال ، تتحكم فيه الأهواء والأمزجة ، وتحركه أصابع الشيطان حيث تتمزق وشائج القربى في الله ، وتقع الطامة الكبرى والعياذ بالله ، وإلى هذا أشارت الآية الكريمة : { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } .

 

5 ـ رحابة الصدر :

وأخيرًا فإن المطلوب من الأخ المسلم ـ ناصحًا ومنصوحًا ـ أن يتحلى بالصبر ورحابة الصدر ، وأن يكون رائد الفريقين مرضاة الله رب العالمين ، فضلاً عن التماس الحق ، والالتزام به ، وليس ـ أبدًا ـ غلبة فريق على فريق واستعلاء واحد على آخر .

وليسمع الجميع ما كان يردده عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ : ( أحب الناس إليَّ من أهدى إليَّ عيبي ) .

<= السابق

التالي =>

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select