رسَالة في علْم التَّوْحيْد

قال الشيخ إبراهيم بن محمد الباجوري ( 1198 - 1277 هـ ) _ رحمه الله _ :"

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبعد: فيقول فقير رحمةِ ربه الخبير البصير، إبراهيم الباجوري ذو التقصير: طلب مني بعض الإخوان، أصلح الله لي ولهم الحال والشَّان، أن أكتب له رسالة لطيفة تشتمل على صفات المولى وأضدادها، وما يجوز في حقه تعالى، وما يجب في حق الرسل، وما يستحيل في حقهم وما يجوز؛ فأجبته إلى ذلك.

فقلت وبالله التوفيق:

يجب على كل مكلف أن يعرف ما يجب في حقه تعالى، وما يستحيل، وما يجوز.

فيجب في حقه تعالى: الوجود، وضده العدم. والدليل على ذلك: وجود هذه المخلوقات.

ويجب في حقه تعالى: القدم، ومعناه: أنه تعالى لا أول له، وضده الحدوث. والدليل على ذلك: أنه لو كان حادثاً لاحتاج إلى محدث وهو محال.

ويجب في حقه تعالى: البقاء، ومعناه: أنه تعالى لا آخر له، وضده الفناء. والدليل على ذلك: أنه لو كان فانياً لكان حادثاً، وهو محال.

ويجب في حقه تعالى: المخالفة للحوادث، ومعناه: أنه تعالى ليس مماثلاً، فليس له يد، ولا عين، ولا أذن، ولا غير ذلك من صفات الحوادث، وضدها المماثلة. والدليل على ذلك: أنه لو كان مماثلاً للحوادث لكان حادثاً مِثلَها وهو محال.

ويجب في حقه تعالى: القيام بالنفس، ومعناه: أنه تعالى لا يفتقر إلى محل، ولا إلى مخصص، وضدّه الاحتياج إلى المحل والمخصص. والدليل على ذلك: أنه لو احتاج إلى محل لكان صفة، وكونه صفةً محالٌ؛ ولو احتاج إلى مخصص لكان حادثاً، وكونه حادثاً محال.

ويجب في حقه تعالى: الوحدانية في الذات وفي الصفات وفي الأفعال، ومعنى الوحدانية في الذات: أنها ليست مركبة من أجزاء متعددة، ومعنى الوحدانية في الصفات: أنه تعالى ليس له صفتان فأكثر من جنس واحد، كقدرتين وهكذا، وليس لغيره صفة تشابه صفته تعالى، ومعنى الوحدانية في الأفعال: أنه ليس لغيره فعل من الأفعال، وضدّها التعدد. والدليل على ذلك: أنه لو كان متعدداً لم يوجَد شيء من هذه المخلوقات.

ويجب في حقه تعالى: القدرة، وهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى يُوجِد بها ويُعدِم، وضدها العجز. والدليل على ذلك: أنه لو كان عاجزاً لم يُوجَد شيءٌ من هذه المخلوقات.

ويجب في حقه تعالى: الإرادة، وهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى يخصص بها الممكن بالوجود أو بالعدم، أو بالغنى أو بالفقر، أو بالعلم أو بالجهل، إلى غير ذلك، وضدها الكراهة. والدليل على ذلك: أنه لو كان كارهاً لكان عاجزاً، وكونه عاجزاً محال.

ويجب في حقه تعالى: العلم، وهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى يعلم بها الأشياء، وضدها الجهل. والدليل على ذلك: أنه لو كان جاهلاً لم يكن مريداً، وهو محال.

ويجب في حقه تعالى: الحياة، وهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى تُصحح له أن يتصف بالعلم وغيره من الصفات، وضدها الموت. والدليل على ذلك: أنه لو كان ميتاً لم يكن قادراً، ولا مريداً، ولا عالماً، وهو محال.

ويجب في حقه تعالى: السمع والبصر، وهما صفتان قديمتان قائمتان بذاته تعالى ينكشف بهما الموجود، وضدهما الصمم والعمى. والدليل على ذلك: قوله تعالى: { وهو السميع البصير }[ الشورى: 11 ].

ويجب في حقه تعالى: الكلام، وهو صفة قديمة قائمة بذاته تعالى ليست بحرف ولا صوت، وضدها البكم، وهو الخرس. والدليل على ذلك: قوله تعالى: { وكلّم الله موسى تكليما }[ النساء: 64 ].

ويجب في حقه تعالى: كونه قادراً، وضده كونه عاجزاً. والدليل على ذلك دليل القدرة.

ويجب في حقه تعالى: كونه مريداً، وضده كونه كارهاً. والدليل على ذلك دليل الإرادة.

ويجب في حقه تعالى: كونه عالماً، وضده كونه جاهلاً. والدليل على ذلك دليل العلم.

ويجب في حقه تعالى: كونه حيّاً، وضده كونه ميتاً. والدليل على ذلك دليل الحياة.

ويجب في حقه تعالى: كونه سميعا بصيرا؛ وضدهما كونه أصم وكونه أعمى. والدليل على ذلك دليل السمع ودليل البصر.

ويجب في حقه تعالى: كونه متكلماً، وضده كونه أبكم. والدليل على ذلك دليل الكلام.

والجائز في حقه تعالى: فعل كل ممكن أو تركه. والدليل على ذلك: أنه لو وجب عليه سبحانه وتعالى فعل شيء أو تركه، لصار الجائز واجباً أو مستحيلاً وهو محال.

ويجب في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام: الصدق، وضده الكذب. والدليل على ذلك: أنهم لو كذبوا لكان خبر الله سبحانه وتعالى كاذباً وهو محال.

ويجب في حقهم عليهم الصلاة والسلام: الأمانة، وضدها الخيانة. والدليل على ذلك: أنهم لو خانوا بفعل محرم أو مكروه لكنّا مأمورين بمثل ذلك، ولا يصح أن نُؤمر بمحرم أو مكروه.

ويجب في حقهم عليهم الصلاة والسلام: تبليغ ما أمروا بتبليغه للخلق، وضده كتمان ذلك. والدليل على ذلك: أنهم لو كتموا شيئاً مما أمروا بتبليغه لكنا مأمورين بكتمان العلم، ولا يصح أن نؤمر به، لأن كاتم العلم ملعون.

ويجب في حقهم عليهم الصلاة والسلام: الفطانة، وضدها البلادة. والدليل على ذلك: أنه لو انتفت عنهم الفطانة لما قدروا أن يقيموا حجة على الخصم، وهو محال، لأن القرآن دلّ في مواضع كثيرة على إقامتهم الحجة على الخصم.

والجائز في حقهم عليهم الصلاة والسلام: الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العليّة، كالمرض ونحوه. والدليل على ذلك: مشاهدتها بهم عليهم الصلاة والسلام.

خاتمة: يجب على الشخص أن يعرف نسبه صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه ومن جهة أمه:

  فأما نسبه من جهة أبيه: فهو سيدنا محمد، بن عبد الله، ابن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قُصَي، بن كِلاب، ابن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فِهر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خُزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، ابن نزار، بن معد، بن عدنان، وليس فيما بعده إلى آدم عليه الصلاة والسلام طريق صحيح فيما ينقل.

 وأما نسبه صلى الله عليه وسلم من جهة أمه: فهو سيدنا محمد، بن آمنة، بنت وهب، بن عبد مناف، بن زهرة، بن كلاب، فتجتمع معه صلى الله عليه وسلم في جده كلاب.

ومما يجب أيضا: أن يعلم أن له حوضا، وأنه يشفع في فصل القضاء، وهذه الشفاعة مختصة به صلى الله عليه وسلم .

ومما يجب أيضا: أن يعرف الرسل المذكورة في القرآن تفصيلا، وأما غيرهم: فيجب عليه أن يعرفهم إجمالا، وقد نظم بعضهم الأنبياء الذين تجب معرفتهم تفصيلا، فقال:

ومما يجب اعتقاده أيضاَ: أن قرنه أفضل القرون، ثم القرن الذي بعده، ثم القرن الذي بعده.

وينبغي للشخص أن يعرف أولاده صلى الله عليه وسلم، وهم سبعةً على الصحيح: سيدنا القاسم، وسيدتنا زينب، وسيدتنا رقية، وسيدتنا فاطمة، وسيدتنا أم كلثوم، وسيدنا عبد الله ( وهو الملقب بالطيب والطاهر )، وسيدنا إبراهيم، وكلهم من سيدتنا خديجة الكبرى إلا سيدنا إبراهيم فمن مارية القِبطية.

وهذا آخر ما يسر الله تعالى من فضله وكرمه

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم