دعـاة لا قضـاة

للأستاذ المستشار

حسـن الهضـيبي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

·            تقديم للشيخ محمد عبد الله الخطيب

·            مقدمة

·            الفصل الأول:    عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله

·            الفصل الثاني:    في معاني الجحود – والكفر – والشرك – والرِّدَّة – والنفاق

·            الفصل الثالث:    الحَاكِميَّة

·            الفصل الرابع:   ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ﴾ عقيدتنا

·            الفصل الخامس: الجهل والخطأ في العقيدة

·            الفصل السادس: الرد على من خالف الأصول السابقة

·            الفصل السابع:  الطاعة والاتباع

·            الفصل الثامن:  الحكومة الإسلامية أو والإمام الحق ومعنى السمع والطاعة والحكم والتحكيم والمعلوم من الدين بالضرورة

·            الفصل التاسع:  الكفر بالطاغوت

·            الفصل العاشر:  التعامل المباشر مع القرآن الكريم

·            تساؤلات حول موضوع البحث "نحن دعاة لا قضاة" وإجابات فضيلة المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي - رحمه الله -

 تقديم

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... أما بعد،

فهذه هي الطبعة الثانية من كتاب دعاة لا قضاة والذي أصدر هذا الكتاب هو الإمام حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين ـ رحمه الله ورضي عنه ـ، وهو أحد قادة الجهاد بحق، وأحد رجال الدعوة الإسلامية الذين وهبوا أنفسهم وأرواحهم وأموالهم لله تعالى، إنه الرجل الذي قاد الجماعة في أشد فترات حياتها وعاش المحن التي لم تعرف الدعوة الإسلامية – خلال الأربعة عشر قرنًا الماضية _ مثيلاً لها.

وكان الإمام رحمه الله كالجبل الأشم صامدًا صلبًا قويًا في الحق لم تلن له قناة، ولم يهن له عزم ولم تضعف له إرادة، ولم تزحزحه الأحداث قيد أنملة رغم المرض والسن يقول الحق سبحانه ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآَخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة آل عمران 146: 148).

لقد صبر على المحن واحتسب لله كل مالاقاه هو وإخوانه، وبقى حتى آخر نبض في عروقه وآخر نفس يتردد في صدره مستشعرًا أعظم المسئولية وثقل الأمانة الملقاة عليه.. وإمامنا ـ رحمه الله ـ ليس في حاجة إلى الاعتراف بجهوده أو تسجيل مآثره فإنه عند الله في دار كرامة، وقد وفد على رب كريم يجزيه على ما قدم أفضل الجزاء قال الله تعالى ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾، (سورة آل عمران 195).

ولما تم النصر للمسلمين في معركة نهاوند أرسل قائد الجيش من يبشر سيدنا عمر بالنصر ويخبره باستشهاد القائد النعمان بن مقرن – ولما سمع عمر بالخبر بكى واسترجع، ثم قال: ومن ويحك؟؟ قال فلان وفلان.. ثم قال: وآخرون يا أمير المؤمنين لا تعرفهم قال عمر وهو يبكى: لا يضرهم أن عمر لا يعرفهم، ولكن الله يعرفهم " تاريخ الطبري جـ 4 لكننا نتحدث عن أئمتنا الأعلام لا من باب التقديس، ولكن من باب التقدير والاعتراف بالفضل لأهله وشكر من أسدى إلينا معروفًا، أو وقف موقفًا فيه زود عن هذه الرسالة، ففي هذا التشجيع للأجيال لتقليد هؤلاء والسير على طريقهم والثبات والاحتساب، والقرآن الكريم يبين لنا العلاقة الطيبة بين الرواد وأبنائهم فيقول، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، سورة الحشر الآية 10.

يقول الأستاذ المرشد عمر التلمساني ـ رحمه الله رضي الله عنه ـ وأرضاه: " وإذا كان حسن البنا قد مضى إلى ربه وترك النبتة يانعة يافعة فتية، فقد كان حسن الهضيبي علامة زمانه، ومشعل عصره، يوم حمل الراية حريصًا لم يفرط، عزيزًا لم يلن، كريمًا لم يهن، وأدى الأمانة أمينًا في عزم، قويًا في حزم، ثابت الخطأ في فهم، فأكد معالم الفهم السليم للإسلام الصحيح في القول وفى العمل لم يثنه حبل مشنقة ولم يرهبه سجن ولا تعذيب، بل زاده الأمر إصرارًا على إصرار وصمودًا فوق الصمود " مجلة الدعوة العدد الأول رجب 1396 هـ

يقول الأستاذ الهضيبي ـ رحمه الله تعالى ـ في الاحتفال بغزوة بدر " أيها الإخوان:

إن دعوة الإخوان المسلمين لم تعد دعوة محلية تنحصر في حدود وطن صغير، وإنما غدت عالمية تشمل العالم الإسلامي بأسره وتوقظ في المسلمين روح العزة والكرامة والتقوى، فهي اليوم عنوان ابنعاث لا نوم بعده، وتحرر لا عبودية معه وعلم لا جهل وراءه، ولم يعد من السهل على أية طاغية أن يحول دون انتشار هذه الروح أو امتدادها وما ذاك إلا لأنها تعبير صادق عن شعور عميق ملأ نفوس المسلمين جميعًا ويستولي على مشاعرهم وعقولهم، وهو أنهم لا يستطيعون اليوم نهضة بدون الإسلام، فالإسلام في حقيقته ضرورة وطنية واجتماعية وإنسانية " مجلة الدعوة العدد السابع غرة المحرم 1397.

ويقول موجهًا كلامه للإخوان محددًا دورهم ومهمتهم " إن الله جعلكم جنودًا لقضية الحق والفضيلة والعزة في طنكم وفى العالم الإسلامي كله، وإذا كان من واجب الجندي أن يكون مستعدًا دائمًا للقيام بواجبه، فكونوا مستعدين دائمًا لما يؤدى بكم إلى النصر في الحياة، فطهروا قلوبكم وحاربوا أهوائكم وشهواتكم قبل أن تحاربوا أعداءكم فإن من انهزم بينه وبين نفسه في ميدان الإصلاح، أعجز من أن ينتصر مع غيره في معركة السلاح " المرجع السابق.

وهذا تعريف موجز بكتاب – دعاة لا قضاة – وموضوعه يدور حول القواعد الشرعية والموازين الإسلامية الدقيقة التي يجب علينا أن نستخدمها في نظرتنا للناس، كما يجب علينا أن نسير على مقتضاها ونحن نمضى في هذا نؤدى ما كلفنا الحق سبحانه وتعالى به، وهو الدعوة إلى الإيمان بالله والالتزام بمنهجه واتباع رسوله  ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومواجهة الأفكار بالبيان والتصحيح وإزالة الشبهات، ورد الأمر إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى عليه وسلم، والجدال بالتى هي أحسن كما علمنا القرآن هو الطريق السليم:﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، سورة النحل 125... سمع عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ أن الخوارج عادوا لظهور في بعض مناطق الدولة، وأخذوا يثيرون القلاقل فأرسل إليهم على الفور كتابًا يقول فيه: من عمر بن عبد العزيز إلى فلان و فلان. . أما بعد: " فلقد بلغنى أنكم خرجتم غضبًا لله ولنصرة دينه، ولسمت في هذا بأولى منى فهلموا لنتحاور فإن كان الحق معنا لزمكم السمع والطاعة، وإن كان معكم نظرنا فيما نحن عليه. . " ووصلت إليهم الرسالة فحضروا إليه وجلس معهم في المسجد، وفتح لهم قلبه واستمع إليهم الرسالة إليهم ثم استمعوا إليه. . استمعوا إلى كلمة الإسلام من رجل أمين صادق فاقتنعوا برأيه ورجعوا عما هم فيه وتابوا إلى الله.

أما أسلوب مواجهة الفكرة بالتربص بأصحابها والكيد لهم: والاضطهاد والفتنة فهو أسلوب فاشل لا يليق بالإنسان ولا يزيد صاحب الفكرة إلا عنادًا وتجاوزًا لكل الحدود وهذا ما حدث للأسف الشديد.

يقول مصطفى صادق الرافعى رحمه الله: " إذا كنت تشنق من يخالفك في الرأي ففي رأسك عقل اسمه الحبل، وإذا كنت تسجن من يخالفك في الرأي ففي رأسك عقل اسمه الجدار، وإذا كنت تقتل من يخالفك في الرأي ففي رأسك عقل اسمه السكين أما إن كنت تأخذ وتعطى وتقنع وتقتنع ففي رأسك العقل الذي اسمه العقل "    وحى القلم.

والقضايا التي عالجها هذا الكتاب قضايا دقيقة وخطيرة تحتاج إلى اطلاع ودراسة وعلم غزير حتى يمكن الإحاطة بها والوقوف على منهج السلف، ولعل بعض الأسباب التي تكمن في حدوث ما حدث هو قلة بضاعة البعض من المعرفة بفقة الإسلام وجوانبه، و الأخذ ببعض النصوص دون بعضها، وعدم الدراسة والإلمام بآراء السلف الصالح ولا بمعرفة مواقع النصوص دون بعضها. وعدم الدراية والإلمام بآراء السلف الصالح ولا بمعرفة مواقع إجماع الصحابة والتابعين ـ رضوان الله عليهم ـ، وقد أفرد الأستاذ ـ رحمه الله ـ فصلاً كاملاً لهذه الضوابط تحت عنوان – التعامل المباشر مع القرآن الكريم – وقد حذرنا الأسلاف من الاندفاع والحكم بغير علم ومن التصدي لبيان هذا الدين أو تفسير أحكامه من غير أن نلم بالشروط والقواعد ونحققها قبل أن نتعرض لاستنباط الأحكام.

يقول الحسن البصري " العامل على غير علم، كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم ما يفسده أكثر مما يصلحه، فاطلبوا العلم طلبًا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبًا لا يضر بالعلم، فإن قومًا طلبو العبادة وتركوا العلم، حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولو طلبوا العلم لم يدلهم على فعلوه ".

الفيصل:

يقول إمامنا الشهيد حسن البنا رحمه الله ورضي عنه في رسالة التعاليم القول الفصل في هذه القضية. . وهو " لا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض برأي أو معصية، إلا إن أقر بكلمة الكفر وأنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر ". .. رسالة التعاليم.

وهذا هو الأصل الذي قامت عليه الجماعة من أول يوم في نظرتها للناس، وهو الحق الكامل والفقه السليم لدور الجماعة.

وقوله ـ رحمه الله ـ: "لا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض" هذا القول قد يوهم أن من نطق الشهادتين لا يعتبر مسلمًا حتى يعمل بمقتضاهما ويؤدي الفرائض. . وليس هذا بصحيح، ولا هو مراد إمامنا رحمه الله بدليل قوله بعد ذلك – برأي أو معصية – أي لا نكفر المسلم برأي أو معصية، ومعلوم أن ترك بعض الفرائض من المعاصي والعبادة التي خالطها بعض الرياء مما يخالف مقتضى شهادة التوحيد من المعاصي أيضًا، وأهل السنة لا يكفرون بكل ذنب أو بكل معصية فظهر من ذلك أن مراد الإمام ـ رضي الله عنه ـ أن النطق بالشهادتين يستلزم العمل بمقتضاهما، ومن مقتضاهما أداء الفرائض واجتناب النواهي.

ثم قال ـ رحمه الله ـ إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر.

فهذه خمسة أمور واضحة جلية – ومعنى أقر بكلمة الكفر – أقر بها راضيًا غير مكره أو أكره فجعل فتنة الناس كعذاب الله. فأقر بكلمة الكفر منشرحًا بها صدره.

ومعنى – أنكر معلومًا من الدين بالضرورة – يعنى أنكر المسلمات الشرعية اليقينية – كفريضة الصلاة أو حرمة الخمر أو رد آية من القرآن وأنكر كونها منه – والشرط في هذا كما سنرى في هذا الكتاب، أن يكون الإنكار بعد العلم وقيام الحجة على المنكر بالبيان الواضح والبلاغ المبين، أما من أنكر جاهلاً بأن أمثال هذه الأمور مما علم من الدين بالضرورة فيعذر حتى يعلم وإثمه على من وجب عليه البلاغ ولم يفعل.

أما قوله – أو كذب صريح القرآن – فالمراد التكذيب بعلوم واضحة صرح بها القرآن، كرفضه لأخبار الأمم السابقة أو قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي وردت في القرآن.

وقوله – أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية – فإن الأصل في تفسير القرآن هو النقل الصحيح عن لمعصوم ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فإن لم يكن فعن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فإن لم يكن فأقوال الأئمة الثقات من سلفنا الصالح، فإن لم يكن فللاجتهاد نصيب بشرط استيفاء الأهلية لذلك واستيفاء شروط المفسر، وقد أفرد لها كتابنا هذا فصلاً كاملاً هو افصل الحادي عشر تحت عنوان التعامل المباشر مع القرآن الكريم.

أما من تجاوز كل هذه الشروط وفسر القرآن بهواه فليبتوأ مقعده من النار كما جاء في الحديث وهذا إذا فسره بهواه واحتملته أساليب اللغة العربية أما من فسره بما لا تحتمله أساليب اللغة العربية بوجه من الوجوه فيعتبر تفسيره هذا تكذيبًا صريحًا للقرآن.

وقوله رحمه الله: أو عمل عملاً لا يحتمل غير الكفر – ومثل هذا: الذي يفر من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفار فيدلهم على عورات أمته وأسرارها، ويناصرهم على إخوانه المسلمين بالقوة أو بالعمل، أو خرج معهم لحرب المسلمين، ويكون عالمًا بما يفعل وبما يأتي من أعمال.

وهذا الضوابط والأصول التي وضعها مؤسس الجماعة الإمام الشهيد حسن البنا ـ رحمه الله ـ هي التي سار عليها خليفته الأستاذ المرشد حسن الهضيبي ـ رحمه الله ـ وحافظ عليها، وكان ـ رحمه الله ـ أمينًا على كل نظم الجماعة، حمل الراية في أشد الظروف وأشقها ومضى بها حتى سلمها كما تحملها ممن سبقه وفيًا ببيعته، أمينًا على دعوته، ما لانت له قناة ولا انحنى إلا لله، وضرب المثل على قوة التحمل وصدق العزيمة والإخلاص وصدق الله العظيم ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾، سورة الأحزاب الآية 23.

هذا الكتاب كون من مقدمة وأحد عشر فصلاً، وقد تضمنت المقدمة الأصول التي يجب أن تتبع في حياتنا لئلا نحيد عن الطريق.

1-  وجوب الاحتكام إلى الله ورسوله قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ سورة النساء: 59.

2-    كل قول لا يقوم على صحته برهان أو دليل لا يلزمنا وليس حجة علينا، وعلى من قال به أن يأتي بالدليل المثبت لصحة قوله.

3-  أشار إلى قضية العقل وأنه لا دخل له في إيجاب شريعة بأمر أو نهى، فالعقل نعمة من الله لا جدال في ذلك. كرمه الله وأعطاه دوره في معالجة شئون الحياة وحل معضلاتها لكن دوره من النص يجب أن يكون محددًا واضحًا كما قال أستاذنا ـ رحمه الله ـ – وظيفة العقل في فهم النصوص ومعرفة مراد الله عز وجل منها – فهو يتلقى ويحاول أن يفهم ويدرك ما يتلقاه ثم يذعن ويطبق وينفذ ما لا يفهمه اليوم من النص الثابت فسيدركه غدًا، وبهذا تكون رؤيته للنص أسلم وأكرم.

وأشار في المقدمة إلى أمر آخر ألا وهو: كل امرئ  غير المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤخذ من قوله ويرد ويؤخذ من قوله ما قام الدليل والبرهان على أنه حق ويرد من قوله ما لم يقم دليل أو برهان على صحته.

في الفصل الأول.

تحدث عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومن نطق بها فقد أصبح مسلمًا في التو واللحظة ويطالب بباقي فرائض الإسلام ثم أثبت بالدليل بطلان القول بعدم إسلام من نطق بالشهادتين إذا جهل مفهمومها وأثبت بطلان القول باشتراط العمل وبطلان التكفير بالذنب والمعصية، ثم تحدث عن مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الأمر.

وفى الفصل الثاني.

تحدث عن معاني الجحود والكفر والشرك والردة والنفاق.

وفى الفصل الثالث.

تحدث عن " إن الحكم إلا لله. هو عقيدتنا وعن حكم الجاهل بالأوامر والنواهي والواجب عليه والواجب على المجتمع نحوه وعن حكم سن القوانين ووضع النظم التشريعات وعن حد الخطأ والتأويل والإكراه وحكم المكره وأنواعه والفرق بين عمل القاضي والداعية، وعن التطبيقات المختلفة.

وفى الفصل الرابع:

تحدث عن الجهل والخطأ في العقيدة وأثبت أنه بعد ثبوت عقد الإسلام له لا يزول عنه إلا بنص أو إجماع. . واستدل على ذلك بالبراهين المختلفة من الكتاب والسنة.

وفى الفصل الخامس.

تعرض لمن خالف الأصول السابقة.. فرد على تلك الدعاوى وأبطلها بالبرهان.

وفى الفصل السادس

تحدث عن الطاعة والاتباع ومعناها، والفرق بين الاعتقاد والعمل.

وفى الفصل السابع:

أشار إلى معنى الحكومة الإسلامية أو إمامة الحق ومعنى الحكم والتحكيم والمعلوم من الدين بالضرورة وشروط الإمام المسلم، ووجوب إقامة الحكومة الإسلامية، وحكم الحاكم على خلاف الأمر.

وفى الفصل الثامن.

معنى الطاغوت في اللغة والشرع ومعنى الكفر به.

وفى الفصل التاسع:

تحدث باستفاضة عن التعامل المباشر مع القرآن الكريم، ورد على بعض الشبهات في الشبهات في هذا الموضوع ثم أشار إلى الشروط التي يجب أن يتحلى بها من يتعرض لهذا الأمر الخطير وهى شروط الاجتهاد من معرفة للغة العربية و معرفة التفسير ومعرفة السنة، وما هو الفرق بين الواجب والمندوب والمباح المحظور والكراهة يضاف إلى هذه الثروة معرفة واقع إجماع الصحابة والتابعين من السلف والإلمام بآراء السلف الصالح.

وفى الفصل العاشر

رد على بعض التساؤلات ووضح الكثير من الشبهات التي كانت عند البعض والتذكير بخط الجماعة من أول يوم في نشأتها وإلى اليوم.

أخي:

إن هذا الكتاب يجب أن يقرأ من أوله إلى آخره مرة ومرات.

يدرس مع الأناة والدقة والتجرد فقضية الإيمان والكفر من أخطر قضايا الوجود، والخوض فيها بغير علم ولا برهان ولا هدى أمر عظيم يجب عليك أن تحترس منه وأن تنتبه إليه وأن تشغل نفسك بغير هذا، تشغل فكرك وتتجه باهتماماتك كلها إلى الدعوة إلى الله الدعوة الفردية وحسن الصلة. وتقديم القدوة الطيبة وترك الأثر الصالح في نفوس من يحيط بك أو يجاورك أو يتعامل معك، أما أن تتحول إلى قاض تصدر الأحكام وتقسم الناس إلى فئات فهذا أمر سهل لكنه قد يكلفك ما لا تقدر عليه ورسولنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ" ومن دعا رجلا بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا جار عليه " اترك هذا المنحنى الخطير واشغل نفسك إن كنت جادًا بتعليم الجاهل وتبصيره والأخذ بيده وتنبيه الغافل وتذكيره.

هدانا الله جمعيًا إلى الخير وجعلنا هداة مهتدين.

 

محمد عبد الله الخطيب

10 جمادى الأولى 1407 هـ 10 يناير 1987 م

 

تقديم الناشر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه ... وبعد،

لقد مرت بالإخوان المسلمين المحن الطاحنة بأطوارها وتوالت عليهم الفتن لسنوات طوال ففتن من فتن ووفق الله تعالى برحمته من شاء فثبته على الحق الذي جاء به المصطفى ـ عليه الصلاة والسلام ـ في كل موافقة وجميع حالاته.

ولقد كان مما ابتلى به الإخوان في سجونهم ومعتقلاتهم ما أظهره البعض من رأى بتكفير المسلمين أو التشكيك في حقيقة إسلامهم وإيمانهم.

ولقد سارع الإخوان – رغم قسوة سجنهم ومعتقلاتهم إلى تصحيح هذا الفهم لا رهبة من أحد ولا زلفى لأحد سوى الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد وقال مرشدهم – آنذاك – الأستاذ/ حسن إسماعيل الهضيبي ـ رضوان الله عليه ـ ردًا على تلك الدعوى كلمته الجامعة التي حددت طريق الإخوان المسلمين وعبرت عن منهجهم وصورت مهمتهم " نحن دعاة ولسنا قضاة " وأشرف – رحمه الله – على وضع أبحاث في عقيدة أهل السنة في الموضوعات التي أثار حولها أصحاب تلك الدعوى شبهات.

وكان من فضل الله ورحمته أن جعل فيها الشفاء فهدأت الخواطر واطمأنت النفوس بعد أن لاح الحق و انتقمت الشبهات.

ولقد كان الواضح أن أمر تلك الفتنة قد انقضى غير أن خصوم الحق ما كاون ليرضوا بذلك أو يقعدوا عن محاولاتهم تشوية الدعوات الإسلامية الخالصة خاصة بعد أن لمسوا تشوق الناس لدعوة الإسلام أيقنوا أن الأمة قد استقر في وجدانها زيف كل ما عداها من دعوات وأنها راغبة رغبة صادقة ملحة أن تعود إلى ربها وتلوذ بشريعة الإسلام دستورًا وقانونًا ونظامًا أخلاقيًا وسياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا يشمل كل جوانب حياتها ويخرجها مما حاق بها فإذا بنا نفاجأ بمقالات تكررت في الصحف عن " جماعات الهجرة " تغالي في أمرها وتهول من مخاطرها. . ولعل القصد من ذلك محاولات حاقدة لتنفير الناس من الدعاة إلى شريعة الله.

لذا رأينا من المفيد نشر تلكم الأبحاث التي أصدرها المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ حسن الهضيبي  ـ رحمه الله ـ وجزاه خيرًا وقد ألحقنا بها رسائل بعث بها – رحمه الله – إلى بعض إخوانه وأبنائه إجابة عن تساؤلات منهم عسى أن يكون في ذلك إيضاح لمن طلب الحق وبيان لعقيدة الإخوان المسلمين وتحديد لموقفهم ومنهجهم ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾.

القاهرة: ربيع الأول 1379

مارس 1977.

الناشر

(دار التوزيع والنشر الإسلامية)

مقدمة

الحمد لله رب العالمين ونشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار الحكم العدل الخالق لكل شيء العالم بكل شيء نستغفره ونتوب إليه ونستهديه ونسأله التوفيق والرشاد وبه تعالى نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ونصلى ونسلم على سيد ولد آدم أجمعين. محمد بن عبد الله رسول الله وخاتم النبيين ونذيره وبشيره إلى الإنس والجن في العالمين ونشهد أنه عبد الله ورسوله وخاتم أنبيائه ورسله بلغ الرسالة وأدى الأمانة وما نطق في شيء من الدين إلا بالحق بوحي من الله عز وجل ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾، ما ترك شريعة تلزمنا وفيها رضا الله عنا إلا فصلها ووضحها وبينها وما ترك خيرًا قط يقربنا من الله عز وجل إلا نصحنا به وما كان من شر يستجلب غضب الله علينا إلا حذرنا منه ونهانا عنه وتركنا بعد ذلك وفينا كتاب الله وسنته عليه الصلاة والسلام على المحجة البيضاء ليها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

اللهم صل وسلم عليه أعظم وأتم سلام وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد

فهذه بعض أبحاث حول بعض الآراء التي ظهرت بين حين وحين ولما لم يكن وجه الحق فيها ظاهرًا رأينا أن نتعرض لها بالتمحيص والرد إلى كتاب الله العزيز وإلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ليبين الحق واضحًا جليًا ويتميز عنه غيره فلا يقع أحد في شبهة أو إشكال ولينظر طالب الحق فيما وافق كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيعتقده صحيحًا لا شبهة فيه ويعمل به ويلتزمه وفيما حاد عن كتاب الله وسنة الرسول ولم يكن له فيهما ما يؤيده ويثبت صحته فينبذه ولا يلتفت إليه بل يؤمن ببطلانه ويعمل على تغييره.

أصول نتبعها:

وفى هذا الذي بحثناه نلتزم أصلاً لا نحيد عنه لأن الله عز وجل قد أمرنا به قال تعالى ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ فأمرنا الله عز وجل بطاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام ثم طاعة أولى الأمر فإن وقع الاختلاف سواء بيننا وبين أولى الأمر أو فيما بيننا فقط فلا يكون الرد إلا إلى الله ورسوله ليكون الحكم الحق الشريعة اللازمة وبدهي أن الرد إلى الله تعالى مقصود به الرد إلى ما أوحاه الله تعالى إلى نبيه عليه الصلاة والسلام ن الذكر المتلو المتعبد بتلاوته وهو القرآن الكريم المنقول إلينا نقل الكافة عن الكافة وأن الرد إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ مقصود به الرد غلى ما أوحاه الله إليه ـ عليه الصلاة والسلام ـ من ذكر غير متلو وهو الأحاديث الثابتة عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

وأصل ثان:

هو أن كل قول لا يقوم على صحته برهان مثبت له لا يلزمنا وليس حجة علينا وعلى من قال به أن يأتي بالدليل والبرهان المثبتين لصحة قوله ولسنا نحن المكلفين بإقامة البرهان على عدم صحة ما قال به دون أن يقيم هو البرهان على صحة قوله وإلا كان كل قول قاله قائل صحيحًا في ذاته وبمجرد قوله وهذا ما لا يستقيم في البديهة إذ مؤداه أن تكون الأقوال المتعارضة المتضاربة كل منها صحيح في ذاته وهذا يؤدى إلى الحكم بصحة المتناقضات التي ينقض بعضها بعضًا ويهدم بعضها بعضًا وإنما يلزمنا إقامة البرهان على عدم صحة ما قال به القائل إن هو أقام ما يطن أنه برهان على صحة قوله فأ، لم نسلم بصحة برهانه وأن قوله الحق لزمنا أن نقيم الدليل على فساد برهانه الذي استدل به على صحة قوله، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وما ليم يقم البرهان على صحته فلا علم لنا به وقد نهانا الله عن أتباعه وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ والسلطان في اللغة هو الحجة أي البرهان – فأثنى الله عز وجل على هؤلاء الفتية في إنكارهم قول قومهم إذ لم يقم قومهم على قولهم حجة بينة وصدقهم تعلى في قولهم إن من ادعى قولاً بلا دليل فإنه يقول على الله الكذب وقوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فأخبرنا الله تعالى بأن من اتبع قولاً وافقه بلا علم بصحته فهو ظالم وقال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فأوجب تعلى أن من كان صادقًا في دعواه فعليه أن يأتي بالبرهان على صحته وإن لم يأت بالبرهان فلا صحة لقوله.

وأصل ثالث:

هو أن ليس للعقل مدخل في إيجاب شريعة بأمر أو نهى أو بخطر أو إباحة إنما عمل العقل في تفهم النصوص ومعرفة مراد الله عز وجل منها والقائلون بجواز القياس والنافون له في تقرير هذا الأصل سواء وإنما احتج القائلون بالقياس بأنهم فهموا من النصوص أنه يتعدى حكمها إلى ما اشترك معها في ذات علة الحكم وبرهان صحة هذا الأصل قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ والقول بأن الله تعالى أمر بكذا أو نهى عن كذا أو حرم كذا أو أباح كذا دون سند شرعي موحى به منه تعالى هو قول على الله تعالى بغير علم.

وأيضًا فأن كل امرئ فيما عدا المعصوم عليه الصلاة والسلام يؤخذ من قوله ويرد يؤخذ من قوله ما قام بها على أنه حق ويرد من قوله ما لم يقم عليه ذلك.

ونحن حين نستشهد بأقوال السابقين من أئمة الفقة واللغة لا يدور بخلدنا أن الواجب علينا أتباعهم في أي شيء قالوه إنما نحتج بفهمهم اللغة وهم أئمتها والعالمون بمختلف أساليبها وأن فهمنا للنفس قد شاركنا فيه أصحاب العقول الراجحة والمتفقة في اللغة والدين.

والله نسأل أن يهدينا الرشاد ويجنبنا الزلل ويبلغنا الحق وأن يجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهه تعالى مأجورة منه مقبولة لديه وأن يجزى عنا خير الجزاء كل وجدنا على خطأ فصوبه لنا بالحجة والبرهان من كتاب الله وسنه رسوله عليه الصلاة والسلام وأرشدنا إلى حقيقة ما أمر الله به.

 

الفصل الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله

معناها (مضمونها): دخول الإنسان بها في دين الإسلام، وما يتصل بذلك من معاني كلمات: الإله - الرب- العبادة – الدين.

الشهادة:

في اللغة معناها الحضور والمعاينة وما ينتج عن ذلك في النفس من علم وتيقن.

والشهادة على الشيء:

الإخبار به خبرًا قاطعًا فيكون المخبر شاهدًا.

والشهادة ما يتلفظ به المرء للإخبار بما علم.

والعلم في اللغة:

حصول حقيقة العلم فالعلم بالشيء تيقنه على ما هو عليه في الحقيقة.

وعلى ذلك تكون لشهادة أن لا إله إلا الله لفظة ينطقها المرء للإخبار بما وقع في نفسه من تيقن من وجود ذات الله تعلى وأنه تعالى أحد لا إله سواه إقرار منه بذلك وهذا التلفظ بما يفيد هذا المعنى يسمى شهادة سواء أكان المخبر صادقًا فيما أخبر به عن نفسه أم غير صادق قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "ألا وشهادة الزور" فسمي ـ عليه الصلاة والسلام ـ الإخبار بما لا يطابق الحقيقة شهادة.

ولفظ الجلالة "الله" علم على الرب تبارك وتعالى.

قال ابن كثير القرشي: الله علم على الرب تبارك وتعالى يقال إنه الاسم الأعظم لأنه يوصف بجميع الصفات كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فأجرى الأسماء الباقية صفات له كما قال تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وقال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى﴾ وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن لله تسعة وتسعين اسما ًمائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة " واستطرد ابن كثير قائلاً إن اسم الجلالة اسم لم يُسم به غيره تبارك وتعالى، ولهذا لا يعلاف في كلام العرب له اشتشقاق من فعل يفعل فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له وقد نقله القرطبي عن جماعة من العلماء منهم الشافعي والخاطبي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم.

وقيل إنه مشتق واستدلوا على ذلك بقول رؤبة بن العجاج:

لله در الغانيات المده                  سبحن واسترجعن من تألهي

وقد صرح الشاعر بلفظ المصدر وهو التأله أله يأله إله وتألهًا كما روى عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ويذرك وءالهتك﴾، بمعنى عبادتك أي أنه كان يعبد ولا يعبد وكذلك قال مجاهد وغيره وقد استدل بعضهم على أنه مشتق بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ونقل سيبويه عن الخليل أن أصل "إله" مثل فعال وقيل أصل الكلمة "لاه" فدخلت الألف واللام للتعظيم وهذا اختيار سيبويه قال الشاعر:

لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب              عنى ولا أنت دياني فتحزوني

وقال الكسائي والفراء: أصله "الإله" حذفوا الهمزة وأضغموا اللام والأولى في الثانية كما قال تعالى: ﴿لَكِنَّ هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ أي "لكن أنا" وقد قرأها كذلك الحسن ثم قيل هو مشتق من " وله " إذا تحير، و " الوله" ذهاب العقل يقال رجل "واله" وامرأة "ولهى" "مولوهة" إذا أرسل في الصحراء والله تعالى يحير هؤلاء في الفكر في حقائق صفاته قال الرازي: وقيل إنه مشتق من "ألهت إلى فلان" أي ركنت إليه والعقول لا تسكن إلا إلى ذكره والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره قال تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، وقال الرازي أيضًا وقيل من "لاه يلوه" إذا احتجب وقيل أيضًا: اشتقاقه من "أله الفصيل" أولع بأمه ولا معنى أن العباد "مؤهلون" مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال وقال أيضا: وقيل من " أله " الرجل إذا فزع من أمر نزل به "فألهه" أي أجاره فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾، وهو المنعم لقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ وهو المطعم لقوله تعالى:﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾، هو الموجد لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ اللهِ﴾، وقد اختار الرازي أنه اسم غير مشتق البتة وقال: وهو قول الخليل وسيبويه وأكثر الأصوليين والفقهاء ثم أخذ يستدل على ذلك بوجوه منها أنه لو كان مشتقًا لا شترك في معناه كثيرون وفيها أن بقية الأسماء تذكر صفات فنقول "الله الرحمن الرحيم الملك القدوس" فدل ذلك على أنه ليس بالمشتق ثم استطرد ابن كثير قائلاً: وحكى الرازي عن بعضهم أن اسم الله تعالى عبرانى ثم ضعفه وروى عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه بفتح اللام وكسرها لغتان وقيل إنه مشتق من الارتفاع فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع "لاها" وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس "لاهت" وقيل إنه مشتق من " أله " الرجل إذا تعبد و " تأله " إذا تنسك انتهى.

الاختلاف حول الأصل اللغوي لكلمة "الإله" وآثاره:

هذا الاختلاف الواضح في تحقيق اللغويين أهل الثقة والمعرفة لكلمة "الإله" أو "الله" وعدم توصلهم إلى القطع بما إذا كان لفظ الجلالة اسمًا جامدًا غير مشتق أم أنه اسم مشتق من مصدر فعل معروف وإذا كان مشتقًا فأي مصدر أو فعل اشتق منه والمعاني المتعددة للمصدر أو الفعل الذي ذهب إليه من قالوا بالاشتقاق وعدم الاتفاق على معنى معين أو مجموعة معان محددة يشملها المصدر أو الفعل الذي قيل إن اللفظة مشتقة منه هذا الاختلاف ليس بذى أهمية ونحن في غنى عن الخوض فيه ذلك أن الله تعلى أخبرنا بالقول اليقين والصدق الخالص وفصل الخطاب أن القدرة على الخلق والعلو والتسامي والسلطان الكبير العظيم والإجارة وإجراء الرزق وكذا الملك والتصرف كانت من المعاني المعروفة بين كثيرين في الجاهلية للفظ الجلالة قال تعالى:﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُّدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾، فدل قوله تعالى أنهم سيجيبون بأن الرازق والمالك للسمع والأبصار والمخرج للحى من الميت و الميت من الحي والمدبر للأمر هو الله شأنه دل ذلك على أنهم يعلمون أن هذه القدرات هي من صفات الله عز وجل وكذلك الأمر في قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾.

وظاهر هذه الآيات أن الإجابة بمفهوم لفظ الجلالة سيكون من الجميع دون تمييز ولو لم تكن غير هذه الآيات لقلنا بذلك ولكنا وجدنا آيات أخرى تقطع بأن هناك من ينكر ويجحد وجود الله كلية ومثل هذا الجاحد لا تصدر عنه الإجابة بالاعتراف بالله عز وجل وسلطانه وقدراته قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾، فدل ذلك على أن الإجابة التي أنبأنا الله عز وجل أنها ستكون له بالإقرار له عز وجل بسلطانه وقدراته هي من البعض دون البعض.

حكم الناطق بالشهادتين.

وحكم الناطق بشهادتي أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أن نعتبره مسلمًا تجرى عليه أحكام المسلمين وليس لنا أن نبحث في مدى صدق شهادته إذ أن ذلك متعلق بما استشعره واستيقنه بقلبه وهو أمر لا سبيل لنا للشكف عنه والتثبت منه ولكن ذلك من شأن الذي يعلم السر وأخفى فمن استيقن قلبه ما نطق به كان عند الله مسلمًا مؤمنًا ونفعه ما تلفظه بلسانه.

وبرهان ما قدمنا: قول الرسول عليه الصلاة والسلام فيما حدث به أبو هريرة رضي الله تعالى قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا ممنى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " والمجمع عليه من أهل الإسلام أن الذي يعصم ماله ودمه بالشهادتين هو المسلم وأما عصمة أموال ودماء أهل الذمة فتكون بالعهد وأداء الجزية مع الصغار ولا يشترط فيهم النطق بالشهادتين.

وقوله عليه الصلاة والسلام فيما حدث به أنس بن مالك رضي الله عنه "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن بره ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة" وقال تعالى ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ فعلمنا يقينًا أن من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه مثقال ذرة من خير ليس مشركًا والكافر والمشرك سواء.

وحدث المقداد بن عمرو الكندي وهو ممن شهدوا بدرًا أنه قال: يا رسول الله إن لقيت كافرًا فاقتتلنا فضرب يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ بشجرة وقال أسلمت لله آقتله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقتله " قال يا رسول الله فإنه طرح إحدى يدي ثم قال ذلك بعدما قطعهمها آقتله قال " لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال"

وحدث أسامة بن زيد بن حارثة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم قال: فلما غشيناه قال: لا إلا إلا الله ؟ قال فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي فقتلته قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: فقال لي: " يا أسامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله!  "قلت يا رسول الله إنما كان متعوذًا قال: "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله ؟ "فما زال يكررها على حتى تمنيت أن لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم"

وحدث أبو ذر الغفاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل قال فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ذلك جبريل أتاني فقال من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة قلت: و إن زنا وإن سرق قال: وإن زنا وإن سرق".

فهذه النصوص الثابتة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاطعة في دلالتها على صحة الحكم الذي قلنا به وهو أن حكم الله أن نعتبر أن من نطق بالشهادتين مسلمًا تجرى عليه أحكام المسلمين وأن نعامله بمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية باعبتاره مسلمًا وأن نكل سريرته إلى عالم السرائر جل شأنه.

كلمة الرب:

كملة الرب معناها – كما قال ابن كثير – المالك المتصرف ويطلق في اللغة أيضًا على السيد وعلى المتصرف للإصلاح وبمثل ذلك قال النسفي – وقال آخرون إنها أيضًا بمعنى المربى الكفيل بقضاء الحاجات القائم بأمر التربية والتنشئة والرقيب والرئيس المطاع صاحب السلطة النافذ الحكم، المعترف له بالعلاء والسيادة وكل ذلك واضح وأنه داخل في معنى المالك المتصرف والسيد المتعهد للإصلاح.

كلمة العبادة:

العبادة هي الاتباع والانقياد المطلقان وأيضًا إقامة الشعائر الدينية بقصد التعظيم والإجلال وإعلان الخضوع والتذلل.

كلمة الدين:

وكلمة الدين معناها:

1- القهر والغلبة.

2- التعبد والطاعة.

3- الشريعة أي الحدود والقوانين والطريقة التي تتبع.

4- المحاسبة والجزاء والعقاب.

بعض آراء الأستاذ المودودي:

قال الأستاذ المودودى في كتابه المصطلحات الأربعة.

" لما نزل القرآن الكريم في العرب وعرض على الناطقين بالضاد كان كل امرئ منهم يعرف معنى الإلة وما المراد بالرب لأن كلمتي الإلة والرب كانتا مستعملتين في كلامهم من ذي قبل وكانوا يحيطون علمًا بجميع المعاني التي تطلق الكلمتان عليها ومن ثم إذا قيل لا إله إلا الله ولا رب سواه ولا شريك له في ألوهيته وربوبيته، أدركوا ما دعوا إليه تمامًا وبين لهم من غير ما لبس أو إبهام أي شيء هو الذي قد نفاه القائل ومنع غير الله أن يوصف به وأي شيء قد خصه وأخلصه لله تعالى والذين كفروا إنما كفروا عن بينه ومعرفة بكل ما يبطله وينعى عليه كفره بألوهية غير الله وربوبيته.

وكذلك من آمن فق آمن عن بينة وبصيرة بكل ما يوجب قبول تلك العقيدة الأخذ به والانسلاخ عنه وكذلك كانت كلمتا العبادة والدين شائعتين في لغتهم وكانوا يعلمون ما العبد وما الحال التي يعبر عنها بالعبودية وما هو المنهاج العملي الذي يطلق عليه اسم العبادة وما مغزى الدين وما هي المعاني التي تشمل عليها هذه الكلمة ومن ثم لما قيل لهم اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وادخلوا في دين الله منقطعين عن الأديان كلها ما أخطأوا في فهم هذه الدعوة التي جاء بها القرآن وما إن قرعن أسماعهم حتى تبينوا أي نوع من التغيير في نظام حياتهم جاءت تطالبهم به تلك الدعوة.

ولكن القرون التي تلت تلك العصر الزاهر جعلت تتبدل فيها المعاني الأصلية الصحيحة لجميع تلك الكلمات تلك المعاني التي كانت شائعة بين القوم عصر نزول القرآن حتى أخذت تضيق كل كلمة من تلكم الكلمات الأربع لما كانت تتسع له و تحيط به من قبل وعادت منحصرة في معان ضيقة محدودة ومخصوصة لمدلولات غامضة ومشتبهة ذلك لسببين:

أ  –  قلة الذوق العربي السلمي ونضوب معين العربية الخالصة في العصور المتأخرة.

ب – إن الذين ولدوا في المجتمع الإسلامي ونشأوا فيه لم يكن قد بقى لهم من معاني كلمات الله والعبادة والرب والدين ما كان شائعًا في المجتمع الجاهلي وقت نزول القرآن.

ولأجل هذين السببين أصبح اللغويون والمفسرون في العصور المتأخرة يشرحون أكثر كلمات القرآن في معاجم اللغة وكتب التفسير بالمعاني التي فهمها المتأخرون من المسلمين بدلاً من معانيها الأصلية وأمثلة ذلك:

1-    أن كلمة الإله جعلوها كأنها مترادفة مع الذي الأوثان والأصنام.

2-    أن كلمة الرب جعلوها مرادفة مع الذي يربى وينشئ وللذات القائمة بأمر تربية الخلق وتنشئتهم.

3-    العبادة: حددوها في معاني التأله والتنسك والخضوع والصلاة بين يدي الله تعالى.

4-    الدين: جعلوها نظير كلمة النحلة.

5-    الطاغوت: فسروها بالصنم أو الشيطان.

والنتيجة: أن تعذر على الناس أن يدركوا حتى الغرض الحقيقي والمغزى الجوهري من دعوة القرآن فإذا دعاهم القرآن ألا يتخذوا من دون الله إلهًا ظنوا أنهم وفوا مطالب القرآن حقها لما تركوا الأصنام واعتزلوا الأوثان والحال أنهم لا يزالون متشبثين بكل ما يسعه ويحيط به مفهوم الإلة ما عدا الأوثان والأصنام وهم لا يشعرون أنهم بعملهم هذا قد اتخذوا غير الله إلهًا وإذا ناداهم القرآن بأن الله تعالى هو الرب فلا تتخذوا من دونه ربًا قالوا: ها نحن أولاء لا نعتقد من دون الله مربيًا لنا ومتعهدًا لأمرنا وبذلك قد كملت عقيدتنا في باب التوحيد والواقع أنه قد أذعن أكثرهم لربوبية غير الله تعالى من حيث المعاني الأخرى التي تطلق عليها كلمة "الرب" غير هذا المعنى "المربى".

وإذا خاطبهم القرآن أن عبدوا الله واجتنبوا الطاغوت "قالوا لا نعبد الأوثان ونبغض الشيطان ونلعنه ولا نخشع إلا لله، وقد امتثلنا هذا الأمر القرآني امتثالاً والحال أنهم لا يزالون متمسكين بأذيال الطواغيت الأخرى غير الأصنام المنحوتة من الحجارة وقد خصوا سائر ضروب العبادة – اللهم إلا التأله – لغير الله وقل مثل ذلك في الدين فإن لا يفهم الناس من معنى إخلاص الدين لله تعالى غير أن ينتحل المرء ما يسمونه بالديانة الإسلامية.

وألا يبقى في ملة الهنادك أو اليهود أو النصارى ومن هنا يزعم كل من هو معدود من أهل الديانة الإسلامية أنه قد أخلص دينه لله تعالى والحق أن أغلبيتهم لم يخلصوا دينهم لله تعالى من حيث المعاني الواسعة التي تشتمل على كلمة "الدين" انتهى.

أحكام شرعية رتبها البعض على ما قدمناه من رأي الأستاذ المودودي:

وقد رتب البعض على ذلك الذي قدمناه من كلام الأستاذ المودودي نتائج وبنوا عليها أحكامًا زعموا أنها مقتضى شريعة الله تعالى فقالوا:

إنه لما كان الناس الآن لا يعرفون حقيقة معنى كلمات الإله والرب والعبادة والدين فإنهم إذ يرددون شهادة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" إنما يرددون كلامًا لا يدركون حقيقة معناه وهم لا ينطقون بالشهادة التي كان ينطق بها العربي حين البعثة لأن هذا كان على بينة من معنى ما كان يشهد به ويقرره، ولذا كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقبل تلك الشهادة المعلوم مضمونها ومفهومها لمن أداها، ويعتمدها حكمًا بإسلامه، أما الآن لا نستطيع أن نعتمد إسلام من نطق بالشهادتين ما دام لا يدرك حقيقة مفهومها، وواقع الحال شاهد على ذلك إذ أن كثيرًا ممن ينطقون بالشهادتين يأتون في نفس الوقت أحكام الدين فيما يتعلق بأنظمتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وسائر شئون حياتهم مع إصرارهم على النطق بالشهادتين والزعم بأنهم مسلمون، وخلصوا من ذلك إلى أنه لا يعتبر مسلمًا تجوز معاملته على هذا الأساس والصلاة وراءه إلا من تأكدنا من فهمه لحقيقة معاني الشهادتين ومفهومها.

وزاد البعض على ذلك أنه لابد بالإضافة إلى تأكيدنا من علم الناطق بالشهادتين بمفهومهما أن يقوم عمله شاهدًا على صدق ما نطق به ومؤيدًا له حتى يعتبر مسلمًا، فإن لم تكن أعماله مصدقة لشهادته فإننا لا نستطيع أن نحكم بإسلامه، فلا نعتبره مسلمًا، واحتجوا بالقول المنسوب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل".

اعتراض على بعض ما قرره الأستاذ المودودي:

ونرد أولا على التقرير بأن معاني الألوهية والربوبية والعبادة والدين كانت شائعة معروفة بين العرب من قبل البعثة وأنها بعد ذلك قد ضاعت وتبدلت وانحصرت في معانٍ ضيقة محدودة غير ما كانت تتسع له من قبل.

فنقول بعون الله إن هذا التقرير لا يتفق مع الواقع، ذلك أنه أيًا كانت المعاني التي كانت شائعة في الجاهلية لتلكم الكلمات فإن القرآن الكريم قد جاء محددًا ما يقصده من كل منها، معرفًا المفهوم المعنيّ من كل لفظة من ألفاظها، مبينًا ذلك غاية البيان، مجليًا المعنى المراد بما لا يدع مجالا للبس أو وغموض وهذا البيان القرآني قد أغنى عن الرجوع إلى أصل تلك الكلمات في اللغة وما كان لها من معانٍ قبل نزوله، نولا يستريب مسلم أن بيان القرآن الكريم هو الأحكم والأوضح والأشمل والأجل، بل هو الذي يتعين الأخذ به والتسليم بمقتضاه سواء وافق ذلك ما كان قبل نزوله أم لا.

والقرآن الكريم يزخر بالآيات البينات لمعاني الألوهية والربوبية والعبادة والدين، وأول ما يجده القارئ لكتاب الله تعالى الآية الكريمة:﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، (الفاتحة:1)، وهي لا شك تشمل نوعًا من التعريف بلفظ الجلالة، ثم يلي ذلك على الفور تعريفات أخرى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ (فاتحة الكتاب).

فله سبحانه وتعالى الحمد والثناء وهو رب العالمين أي المالك المتصرف لجميع مخلوقاته وهو ومالك يوم الحساب يوم القيامة وهو الذي يُعبد ولا يعبد سواه وهو المستعان والمتوكل عليه، وهو المطلوب منه الهداية إلى ما فيه الخير والفلاح ثم تفيض الآيات:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:21-22).

﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:29).

﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾، (البقرة:107).

﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة:117).

﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:164).

﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: من الآية 213).

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية 216).

﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 218).

﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (البقرة: من الآية 225).

﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 220).

﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 224).

﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: من الآية 110).

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 231).

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (البقرة: من الآية 234).

﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة:255).

﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة:284).

﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ (آل عمران:5).

﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (آل عمران:8).

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران:26-27).

﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران:47).

﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (آل عمران:73-74).

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:1).

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ * وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام:3).

﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ (الأنعام:13-14).

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام:17-18).

﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ * قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (الأنعام:59-65).

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام:73).

﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ (الأنعام: من الآية 95).

﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (الأنعام:96).

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (الأنعام: من الآية 97).

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (الأنعام: من الآية 98).

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: من الآية 99).

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (الأنعام:102).

﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام:103).

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنعام:149).

﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام:162-163).

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (هود:6).

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ القَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ * لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ (الأنعام: 8-15).

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْض﴾ (النور: من الآية 35).

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (مريم: من الآية 64).

﴿هُوَ الأوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الحديد:3).

﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (الحشر: 22-24).

﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5).

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص).

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (الفلق).

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (الناس).

هذا قليل من الكثير الذي جاء به القرآن الكريم موضحًا معنى الألوهية مبينًا خصائصها وأبعادها وقدراتها وسلطانها..

أيرقى إلى هذا الذي سقناه أو يدانيه ولو من بعيد أي مفهوم كان شائعًا في الجاهلية لمعنى الألوهية!!؟

أيحتاج أي مفسر بعد هذا الذي تضمنه دفتا المصحف الشريف على الرجوع إلى أصل كلمة "الإله" في اللغة ومما اشتقت وما كان مفهومها في الجاهلية وقبل نزول القرآن..؟‍!.

أيصح بعد ذلك القول بأن معاني الألوهية قد ضاعت وتبدلت ولم تعد شائعة معروفة وأن الذين ولدوا في الإسلام وفي رحاب ذلك الفيض الزاخر من آيات الله لم يبق لهم من معاني كلمات "الإله والعبادة والرب والدين" ما كان شائعًا معروفًا في الجاهلية قبل نزول القرآن!؟ أيصح في الواقع أنه لما كان العرب قبائل شتى متفرقة ومختلفة ولكل منها لهجتها، لا تجمعها رئاسة أو ثقافة أو معتقدات موحدة وكانوا أمة أمية ندر فيهم من ألم بالقراءة وبالكتابة يكسوهم الجهل والانحطاط ليس لهم كتاب أو إحاطة بعلم أو فن، لما كانوا كذلك كان مفهوم كلمات الإله والرب والعبادة والدين شائعًا بينهم معروفًا لدى كل امرئ منهم على حد سواء وعلى صفة معينة محددة – فلما نزل كتاب الله تعالى بالذكر المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مشتملا على البيان الجلي والإيضاح الشامل، يتعبد الناس بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار ويجهرون به في صلوات تقام جماعة في المساجد وغيرها ضاعت تلك المعاني واندثرت ولم تعد شائعة بين الناس بمثل ما كانت شائعة بينهم في الجاهلية – أيصح ذلك وكتاب الله محفوظ بين المسلمين ولو قرأ أيهم الفاتحة وقل هو الله أحد أو المعوذتين أو سمعها لاطّلع وعرف وأبصر ما لم يكن يعرف الجاهلي عنه شيئًا..؟

أما كان الواجب قبل أن يلقى ذلك القول أن يقدم له بالدلائل التي تدل على صحته؟.

أما وإذا جاء القول "إن الذين ولدوا في المجتمع الإسلامي ونشأوا فيه لم يكن قد بقي لهم من معاني كلمات الإله والرب والعبادة والدين ما كان شائعًا في المجتمع الجاهلي قبل نزول القرآن بلا برهان يقوم حجة على صدقه وصحته فإنه يكون مجرد قول لا حجة له ولا يجوز أتباعه ولا يصح أن تبنى عليه أحكام وما سبق أن اجتزأناه من كتاب الله من آيات شامل على معاني الألوهية والربوبية، والمفسرون ما اقتصروا قط على تفسير كلمة الرب بمعنى دون سائر المعاني التي تشملها، وإنما هم فسّروا الكلمة في كل موضع على المعنى الذي يدل عليه السياق.

والآيات القرآنية قد أبرزت معنى كلمة الرب سواء فيما يتعلق بالملك والتصرف أو التعهد بالإصلاح والتربية والتنشئة والكفالة أو الرقابة أو والسيادة والعلاء والرياسة.. ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: من الآية 286).

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً﴾ (الإسراء:66-68).

﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (الرعد: 16).

﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (يونس:31-32).

﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ (إبراهيم: 38).

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (إبراهيم:40-41).

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (قريش:3-4).

هذا يسير من كثير جاء به القرآن الكريم فأبرز به معاني الألوهية والربوبية – والحق أن الناظر فيما قدمناه وفي سائر ما جاء به القرآن الكريم ليجد أن القرآن الكريم قد استعمل في أكثر الآيات كلمتي "الإله والرب" كمترادفين، وما قول فرعون ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: من الآية 38) ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ (النازعـات: من الآية 24).

وكذلك الأمر بالنسبة لكلمتي "العبادة والدين" فقد جاء بيانها في القرآن الكريم كاملا شافيًا: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (الفاتحة:4) ولا نظن أنا بحاجة إلى إقامة دليل على أن الشائع المعروف بين المسلمين أن ذلك معناه يوم القيامة الذي يكون فيه الحساب والجزاء والعقاب.

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ (آل عمران: من الآية 19) ويفهم الأمي من ذلك أن المراد كافة ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام وكافة شرائع الإسلام وهو ما يفهمه من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (يوسف: من الآية 40) ومن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينا﴾ (المائدة: من الآية 3) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يونس:104-105).

ولقد تناولت الآيات التي قدمناها أيضًا معاني العبادة من إقامة الشعائر والنسك فضلا عن الخضوع والذلة والطاعة والاتباع والانقياد المطلقين.

ولقد ورد بالقرآن الكريم النصوص الكثيرة الصريحة في دلالتها على أن الله تعالى – هو دون غيره – الحاكم الآمر الناهي، وأن الأتباع والانقياد المطلقين واجبان له دون سواه بما أغنى عن الاستدلال بمفهوم كلمة الرب للتدليل على ذلك ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ أَمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاه (يوسف: من الآية40) ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا﴾ (النساء:59-60) ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:65) ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: من الآية80) ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (النساء:13-14) ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (آل عمران:79).

فكيف ببشر لم يؤته الله كتابًا ولا حكمًا ولا نبوة..!!؟.

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران:64).

﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ(لأعراف: من الآية3).

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ(النساء: من الآية105).

﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة: من الآية44).

﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(المائدة: من الآية45).

﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(المائدة: من الآية47).

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَق﴾ (المائدة: 48)..

﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ(المائدة: من الآية49).

﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾6 (المائدة:50).وعاب الله عز وجل على اليهود والنصارى طاعتهم لأحبارهم ورهبانهم من دون الله تعالى وحكم بكفرهم إذ بلغت تلك الطاعة الاعتقاد بأن لهم أن يحرموا ما أحل الله أو يحلوا ما حرم الله، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه (التوبة: من الآية31).

ولما غفل عَدِيُّ بن حاتم عن المعنى الحقيقي المقصود من هذه الآية الكريمة وظن أن العبادة هي مجرد إقامة الشعائر والتنسك، وقال للرسول عليه الصلاة والسلام إنهم لم يعبدوهم، وضَّح عليه الصلاة والسلام له ما فاته.

عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم -: وفي عنقي صليب من ذهب فقال: "يا ابن حاتم، ألق هذا الوثن عن عنقك" فألقيته، ثم افتتح سورة براءة حتى بلغ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه) فقلت: يا رسول الله ما كنا نعبدهم فقال: ""كانوا يحلون لكم الحرام فتستحلونه ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه"؟ فقلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم". [رواه ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام جـ7 ص132،133، والطحان الكوفي جـ2 ص184، وابن جرير في تفسيره جـ1 ص80،81، والترمذي].

ومن الأحاديث الثابتة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قوله: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". [رواه مسلم المحلى جـ1 ص32].

وفيما رواه ابن مسعود عن الرسول – صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم يحدث من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو ومؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" [المحلى جـ6 ص360].

وكل ذلك محفوظ معروف مشهور يكفي أن يسمعه من لا يعرف من العربية إلا إحدى لهجاتها العامية فيفهمه ويلم بمقاصده العامة فتستنير بصيرته وإن جهل الفواصل بين الأحكام الشرعية المختلفة.

وما عمل المفسرين في هذا الشأن إلا إيضاح معنى كلمة قد لا يعرف معناها من لا يجيد اللغة العربية أو إيراد أسباب النزول أو بعض الأحاديث المناسبة للآية والمتعلقة بها، أو المقابلة بين الآية والحديث أو الآية والآية ثم الإشارة إلى الأحكام الشرعية التي تستنبط من مجموع الآيات والأحاديث المتعلقة بموضوع ما.

أما من لا يتكلمون العربية فالأمر بالنسبة لهم مرده الترجمة: فإن وقعت صحيحة فهي – وإن لم تبلغ بلا ريب القرآن العربي المعجز – تكون كافية في تحصيل المعاني المقصودة وإبلاغ البيان المطلوب، وإن لم تكن كذلك ولابسها التحريف فهي كذب وافتراء، وقول على الله بغير الحق.

ثم نرد على القول بأنه: "لما نزل القرآن الكريم في العرب وعرض على الناطقين بالضاد كان حينئذ يعرف كل امرئ منهم ما معنى الإله وما المراد بالرب ومن ثم إذا قيل لا إله إلا الله ولا رب سواه ولا شريك له في ألوهيته وربوبيته أدركوا ما دعوا إليه تمامًا وبين لهم من غير لبس ولا إبهام أي شيء هو الذي قد نفاه القائل ومنع غير الله أن يوصف به وأي شيء قد خصه وأخلصه لله تعالى".

فنقول بعون الله إنه كان المقصود بهذا القول القطع بأن كل فرد ممن كان بنجد والحجاز وغيرهما وقت بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام على وجه التحديد والتعيين، قد أدرك بغير ما لبس ولا إبهام ما دعى إليه وكان على علم كامل شامل بمعنى كلمتي "الإله والرب" وحقيقة التوحيد، بالجملة المفهوم الكامل الشامل لشهادة "لا إله إلا الله" إن كان هذا هو المقصود فإنه يكون قولا في حاجة لإقامة البرهان على صحته ولا يكفي للتدليل على صحة هذه الدعوى الادعاء بشيوع معاني كلمتي "الإله والرب" بين العرب الناطقين بالضاد.

أولا: لأن الشيوع مهما بلغ واشتد، معناه: معرفة الكثرة الغالبة بالأمر ولا يرقى إلى حد القطع والتيقن من حقيقة علم كل فرد على وجه التحديد والتعيين، فمن ذا الذي أحصاهم عددًا وتأكد من حقيقة أمر كل منهم فردًا فردًا، ليجزم باستحالة أن يكون بينهم من أخطأ الفهم أو لم يصله العلم..؟.

ثانيًا: أن الذين كانوا بنجد والحجاز وغيرها، لم يكونوا كلهم من العرب الخلص العالمين باللغة العربية كأهلها بل كان فيهم بيقين كثير من المستعربين والأرقاء المستجلبين من نواح شتى وأجناس مختلفة وكان فيهم أيضًا الأحرار الأجانب الأعجميو اللسان فلا يصدق في حقهم القول بالفهم كفهم الناطق بالضاد، ولقد حفظ لنا التاريخ أسماء كثيرين من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من فارسيين وروميين وأحباش، وأشار القرآن الكريم إلى وجود هؤلاء الأجانب ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (النحل: من الآية103).

ولقد كانت دعوة الرسول – صلى الله عليه وسلم – موجهة للجميع على سواء وقبل عليه الصلاة والسلام إسلام من نطق منهم بالشهادتين دون تفرقة أو تمييز، ولقد كان يكفي لدحض تلك الدعوى أن تكون بغير دليل، ولقد قدمنا ما يعارضها، ونؤكد هذه المعارضة بواقعة علم بها الرسول عليه الصلاة والسلام تؤكد جهل الكثيرين ممن أسلموا واعتبرهم النبي – صلى الله عليه وسلم – مسلمين ببعض معاني التوحيد ومفهوم الشهادة.

أورد الشاطبي في كتابه الاعتصام أنه ورد في الصحيح عن أبي واقد الليثي – رضي الله عنه – قال: خرجنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قِبلَ خيبر ونحن حديثو عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال – صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر كما قالت بنو إسرائيل، اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذرعًا حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم" قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟" [الاعتصام للشاطبي جـ1 ص45].

ولقد أورد ابن كثير والقرطبي وابن حزم روايات مماثلة [ابن كثير ص143، القرطبي جـ7 ص273، جامع السير لابن حزم ص238].

أفهؤلاء الذين طلبوا من رسولهم أن يجعل لهم إلهًا من دون الله يصدق في حقهم القول إنهم إذا شهدوا أن لا إله إلا الله ولا رب سواه قد أدركوا تمامًا ما دعوا إليه وبين لهم من غير ما لبس ولا إبهام أي شيء هو قد نفاه القائل ومنع غير الله أن يوصف به وأي شيء من خصه وأخلصه لله تعالى...!!؟.

هذا وقد سبق أن أوردنا ما كان من أمر عدي بن حاتم – رضي الله عنه – وجهله بحقيقة معنى كلمة العبادة حتى بيّن له رسوله – صلى الله عليه وسلم – المعنى المقصود.

بطلان القول بعدم إسلام من نطق بالشهادتين إذا جل مفهومهما:

ثم نقول للذي ذهب على عدم الحكم بإسلام من نطق بالشهادتين في وقتنا الحاضر بزعم أن معناهما الذي كان شائعًا وقت البعثة قد تبدل وتغير ولم يعد مفهومًا على حقيقته – نقول له: إنا قد أسقطنا حجتك فيما أسلفناه وبما أثبتناه من أن معناهما لم يزل شائعًا بين الناس بل أكثر شيوعًا وأكثر وضوحًا مما كان قبل نزول القرآن الكريم.

وفضلا عن ذلك، فإنه لم يرد شرع يفيد الربط بين شيوع معنى الألوهية والربوبية في مجموع من الناس وبين قبول شهادة من شهد منهم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وحكمنا بإسلامه بقولها، واشتراط هذا الشرط شريعة زائدة لا تقبل إلا أن يقيم القائل بها البرهان عليها من كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام.

وقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – وفعله المعتبر شريعة لازمة، على خلاف تلك الشريعة الزائدة المستحدثة: فقد قبل الرسول – صلى الله عليه وسلم – إسلام الناس الذين دخلوا في دين الله أفواجًا من العرب والمستعربين والأرقاء والمستجلبين وأهل الحيرة وأهل اليمن ممن فتحت بلادهم على عهده – صلى الله عليه وسلم -، دون إجراء ما يفيد ضرورة التأكد أن كل فرد منهم قد فهم من الشهادتين اللتين شهد بهما معلنًا إسلامه معنى محددًا معينًا، أو أن معاني محددة معينة شائعة معروفة بينهم، بل ثبت لديه عليه الصلاة والسلام أن بعض العرب يجهلون حقيقة معنى بعض الألفاظ كما كان من أمر عدي بن حاتم كما قدمنا، وأن بعض من قبل عليه الصلاة والسلام إسلامهم يجهلون بعض معاني شهادة أن "لا إله إلا الله" كما كان من أمر الذين قالوا: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) فدل عمله عليه الصلاة والسلام على افتراض ما يكفي من العلم في حق من نطق بالشهادتين للحكم بإسلامه وإن جهله ما قد يكون جاهلا به من معاني الألوهية والربوبية والعبادة والدين ومفهوم الشهادتين وغير ذلك من الأحكام الشرعية، لا يضر إسلامهم شيئًا، وليس بمانع من الحكم بإسلامه، وأن تجري عليهم الأحكام الشرعية كما يجري على سائر المسلمين وهذا الدليل منقول إلينا نقل الكافة الذي هو أقوى أنواع التواتر وأشدها قوة في إثبات صحة الخبر ويقين العلم. وما كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – غافلا عن أنه مبعوث إلى الناس كافة عربيهم وأعجمهم وهو القائل: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به.. إلخ" نعم.. الناس كل الناس بلا تمييز بين أناس وأناس ودون تمييز بين العرب وغيرهم، ودون التفرقة بين الناطقين بالضاد وغيرهم، هذا هو حكم الله نطق به الرسول الأمين – صلى الله عليه وسلم – وعمل به وطبقه، ولو كان النطق بالشهادتين يختلف شأنه وحكمه بين الناطقين بالضاد وبين غيرهم، أو يلزم إجراء آخر في حق الناطق به من العرب أو غير العرب حتى يحكم بإسلامه، ما سكت الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن بيان ذلك، وما كان عليه الصلاة والسلام ليغفل عن إعمال ذلك الشرط الزائد وتطبيقه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (مريم: من الآية64).

ومَنْ أحدث تلك التفرقة وأتى بذلك الشرط الزائد فقد خالف نص حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واليقين الثابت من عمله والمعتبر شريعة بلا خلاف، وأتى بشريعة غير شريعة الله مستحدثًا في الدين ما لم يرد فيه نص من كتاب أو سنة.

ولقد فتح المسلمون على عهد الصحابة والتابعين، بلاد الشام وفارس والعراق ومصر وبلاد البربر "شمال أفريقيا" والسودان والأندلس وتركيا وأجزاء من البلقان والهند وغير ذلك، وكلها بلاد لم تكن تعرف العربية وكان إجماع الصحابة والتابعين – المنقول إلينا نقل الكافة عن الكافة – على قبول أهل تلك البلاد في الإسلام بشهادة "أن لا إله إلا الله محمدًا رسول الله" وعصمت بها دماؤهم وأموالهم، وأجريت عليهم شرائع الإسلام، ثم علموا شيئًا فشيئًا ما كانوا يجهلونه من أحكام وشرائع، وما ذهب قائل إلى عدم قبول إسلامهم حتى يتحقق شرط أو أمر مضاف إلى شهادتهم التي نطقوا بها، ولا يصح في العقل الادعاء بأن معاني الألوهية والربوبية كما كانت شائعة بين العرب في الجاهلية كانت شائعة في هؤلاء الجاهلين بالعربية بأكثر شيوعًا بيننا الآن.

بطلان القول باشتراط العمل:

ثم نقول للذي اشترط أن تكون أعمال الشخص مصدقة لشهادته حتى يُحكم بإسلامه: إن فيما قدمناه ما يثبت فساد ذلك القول، فقد أقمنا الأدلة القاطعة على أن حكم الله تعالى أن يعتبر الشخص مسلمًا في ذات اللحظة التي ينطق فيها بالشهادتين، وأنه حال نطقه بالشهادتين يلزمنا اعتباره مسلمًا ويحرم علينا دمه وماله.

فمن أين جاء الشرط الذي تقول به من وجوب عمل ما وتعليق حكم إسلام من نطق بالشهادتين حتى يأتي بعمل يعتبر مصدقًا لشهادته..!؟.

ولقد كان أبو طالب يحتضر في فراش الموت والرسول عليه الصلاة والسلام إلى جواره ويلح عليه أن ينطق "لا إله إلا الله محمد رسول الله" حتى يشهد بها له عند الله [البخاري جـ2 ص119 مسلم: المحلى جـ11 ص210]، فما جدوى هذه الشهادة وما قيمتها وما الداعي لأن يطلبها الرسول – صلى الله عليه وسلم – من عمه إن كانت بذاتها لا تخرج قائلها من الكفر وتدخل به في الإسلام..؟.

أما الاحتجاج في هذا المقام بالحديث "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل" [لم نجد هذا الحديث في كتب الحديث الممتدة التي بين أيدينا – كما أن عمد كتب الفقه التي تعرضت بالتفصيل لقضية الكفر والإيمان "مما أشرنا إليها في هذا البحث" حيث وطن الاستشهاد لم يشر إليه بل قال ابن تيمية والغزالي في الأحياء والقرطبي إن هذا القول لحسن البصري أو لعلي بن أبي طالب] فلا حجة في لأنه، على فرض صحة نسبية هذا الحديث إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم – فإنه عليه الصلاة والسلام قد سمّي النطق بالشهادتين عملا:

عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سئل: أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قيل ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قيل ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور" [البخاري: جـ1 ص13].

وحدّث ابن العباس – رضي الله تعالى عنهما – أن وفد عبد القيس أتوا النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالوا ما معناه إنهم على بعد منه ولا يستطيعون الحضور إليه عليه الصلاة والسلام إلا في شهر حرام وقالوا: فمرنا بأمر نخبر به من وراءنا ندخل به الجنة، فأمرهم – صلى الله عليه وسلم – بأربع ونهاهم عن أربع، وكان أول ما أمرهم به الإيمان بالله وحده ثم قال – صلى الله عليه وسلم -: "هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" [البخاري: جـ1 ص32، 139].

وهكذا عرّفنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الإيمان بالله وحده بأنه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهكذا سمي عليه الصلاة والسلام النطق بالشهادتين عملا.

وبذلك يكون الثابت يقينًا من الأحاديث مجتمعة أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله مخلصًا من قلبه فإنه يكون قد أتى عملا مصدقًا لما وقر في قلبه، وأن حكم الله أنه بذلك قد آمن وأسلم.

والإخلاص فعل النفس والقلب الذي لا يطّلع عليه إلا عالم السرائر جل شأنه، وليس لنا نحن البشر إلا أن نعامل الناس بما ينطقون به بألسنتهم: قال خالد بن الوليد لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "وكم من مُصَلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه"، فقال – صلى الله عليه وسلم -: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" [مسلم: المحلى جـ11 ص220].

وليس في وجوب الحكم بإسلام من نطق بالشهادتين ما يتعارض مع كون المسلم مكلفًا بعد النطق بالشهادتين بفرائض أخرى هي من الإيمان كالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والدعوة إلى الله.. إلخ.

والإيمان يزيد بازدياد الطاعة: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (المدثر: من الآية31) ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ (مريم: من الآية76) ﴿وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: من الآية22) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (التوبة: من الآية124) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" [البخاري: جـ1 ص49] ثم نقول للذي يأبى التسليم بذلك:

حدد لنا العمل الذي تريد أن تجعله مصدقًا لقول الناطق بالشهادتين حتى نحكم بإسلامه وحدد لنا صفة ذلك العمل ومقداره..!!.

ولا سبيل لك إلى ذلك أبدًا، إلا أن تأتي بشريعة من عند ذات نفسك ولا يأذن بها الله تعالى، وحذار من ذلك لأنك إن فعلت هذا سقطت فيما قمت تنهى عنه وحكمت بغير ما أنزل الله من حيث ندبت نفسك للدعوة بأن لا حكم إلا لله.

وإذا قال قائل إن واقع حياة الناس يدل على أنهم ينهجون في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مناهج تخالف شريعة اله، قلنا، نعم صدقت.

وهذا حال الكثيرين منهم وهم بذلك عاصون لأوامر الله.

ولكن من تعدى ذلك إلى القول بفساد عقيدة الناس بما أخرجهم عن الإسلام قلنا له إنك أنت الذي خرجت على حكم الله بحكمك هذا الذي حكمت به على عموم الناس،وإن استدلالك على فساد عقيدة الناس بما يخرجهم عن الإسلام ظنٌ لا يرقى إلى الجزم واليقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئا﴾ (يونس: من الآية36) وقال عليه الصلاة والسلام: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" إلا أن يثبت في حق شخص معين أنه قد ارتكب عملا أو قال قولا محددًا في شريعة الله بأنه مخرج من الإسلام إلى الكفر.

وليس المعالنة بالمعاصي وشيوعها، وليس الظواهر العامة التي ركنت إليها مما يجيز لك في شريعة الله أن تصدر حكمًا على عموم الناس بخروجهم من الإسلام إلى الكفر، أو وبعدم دخولهم الإسلام أصلا رغم النطق بالشهادتين.

ونحن لا نقول بأن من نطق بالشهادتين فإنه يلزمنا الحكم بإسلامه أيّا ما قال أو عمل بعد النطق بهما، ونحن لا نقول أبدًا أن المسلم لا يرتد إلى الكفر مهما قال أو عمل.

فمما لا شك فيه أن شريعة الله قد حددت أقوالا وأعمالا إذ قالها المسلم أو عملها خرجت به من الإسلام وارتد بها إلى الكفر.

والذي نقول به إن تلك الأقوال والأعمال قد حددها الله عز وجل ووضحها الرسول عليه الصلاة والسلام فليس لنا أن نزيد فيها أو ننقص منها.

كما أن شريعة الله ليس فيها ما يبيح لنا إذا ما شاعت تلك الأقوال والأفعال في مجموع من الناس أن نرميهم جملة بالخروج عن دين الإسلام ما دامت شعائر الإسلام من أذان وصلاة وصيام وحج متعالنين بها بينهم، وليس لنا أن نظن بكل فرد منهم، لم نتيقن من حاله على وجه التحقيق، أنه خرج عن الإسلام بل هو على ظاهره حتى يقوم الدليل الشرعي المقبول على أنه هو بذاته قد قال قولا أو أتى عملا ارتد به إلى الكفر.

فإذا نادى منادٍ من هؤلاء القوم "حي على الصلاة" ولم نكن نعلم أنه هو بذاته يصر على قول أو عمل يخرج به يقينًا من الإسلام إلى الكفر لم يجز لنا القول بأن نداءه باطل ولا يلزمنا إجابته.

وإذا أمّنا في الصلاة من هو في ظاهره الإسلام لم يجز لنا التخلف عن الجماعة بظن أن هذا الإمام ربما كان من القائلين أو العاملين بما يخرجه عن الإسلام.

ولو جاز لنا التحلل من الشرائع بالظن لما لزمتنا أغلب الفرائض ولما جازت لنا صلاة خلف أي شخص بعد المعصوم عليه الصلاة والسلام ومن شهد لهم بالجنة، أيًا كان ذلك الشخص، إذ أننا لا نستطيع أن نحصي على كل شخص كافة أقواله وأفعاله وهو إن أبدى لنا فيما يظهر لنا منه ما يوافق شريعة الإسلام فإننا على يقين أن كثيرًا من أقواله وأعماله خافية علينا ونحن لا نستطيع أن نقطع بشيء فيما خفي علينا بل إن ما يظهر لنا من أقواله وأعماله لا نستطيع أن نجزم بحقيقة الأمر فيه وصحته، وإذ مناط ذلك سلامة نيته واتجاهه بقلبه فيما يقول ويفعل إلى الله تعالى، وذلك ما لا سبيل لبشر التأكد منه.

ولقد أسلفنا ذكر الأحاديث الدالة على أننا أمرنا أن نعامل كل شخص حسبما يظهر لنا من أقواله وأعماله.

الكبائر والكفر:

وإذا قال قائل إن الكبائر من المعاصي أو إن المعاصي على وجه العموم يكفر بها المسلم قلنا له: قد كفيتنا مؤونة مجادلتك فأنت لست منا، لأننا منذ بدأ أمرنا نعلم أن مذهبًا شاذًا من مذاهب غير أهل السنة قال قديمًا بمثل ذلك.

وقد أعلنا منذ بدأ أمرنا أننا لا نكفر مسلمًا بمعصية.

ثم ننصح لإخواننا فنقول بعون الله: إن جماع ما احتج به من جوّز تكفير المسلم بالمعصية:

أ-  أن إبليس أعاذنا الله منه لم يجحد الله عز وجل، وإنما هو عصى وأصر على المعصية، فحكم الله بكفره.

ب- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء:93)، فقاتل النفس عمدًا لم يجحد الله، وإنما هو مرتكب لكبيرة فحكم الله بخلوده في النار.

ج- ما حدث به أبو وهريرة رضي الله عنه من أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "لا يزني الزاني وهو حين يزني مؤمن، ولا يسرق السارق وهو حين يسرق مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو حين يشربها مؤمن، ولا ينتهب نَهْبَة يرفع الناس منها أبصارهم وهو وحين ينتهبها مؤمن" [المحلى: جـ1 ص199 وانظر باقي الروايات ص119 – 121 وهو متفق عليه] وبما روي في معناه عن أبي هريرة وعن عائشة أم المؤمنين وابن عباس رضي الله عنهم عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقالوا: قد ارتفع الإيمان بنص كلام الرسول عليه الصلاة والسلام عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب والغال، ومن ارتفع عنه الإيمان فهو كافر.

أما القول: إن إبليس لعنه الله لم يجحد الله عز وجل، فخطأ واضح بيّن إذ أنه جادل في صواب حكم الله تعالى فقال معترضًا على أمره له بالسجود لآدم عليه السلام: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (لأعراف: من الآية12)، ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ (الحجر:33) فعاب اللعين على الله عز وجل أن يأمره بالسجود لآدم عليه السلام، فخَطَّأ الله تعالى فهو بذلك جحد صواب حكم الله، ومن توهم الخطأ في جانب اله عز وجل فقد نفى عنه تعالى الكمال – تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا – وجعل من نفسه ندًا لله عز وجل يصوِّب ويخطِّئ من أحكامه تعالى ما يرى، وهذا هو الشرك بعينه.

أما آدم عليه السلام فلم يجادل في صواب حكم الله وسارع بالإقرار بخطيئته إذ نسى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (لأعراف: من الآية23).

وهذا هو الفرق بين منن يأتي المعصية وهو مقر بحكم الله ومن يستحل مخالفة أوامر الله.

ولا خلاف بين المسلمين أن من استحل المعاصي فقد جحد أمر الله وأنه كافر مشرك بلا جدال.

وهذا هو مدار الفهم لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام:121).

فمن يجادل في صواب حكم الله فهو كافر مشرك.

أما الاحتجاج بخلود قاتل النفس المؤمنة عمدًا في النار، فهو احتجاج مردود.

أولاً: لأن النص خاص بفعل معين وهو قتل النفس المؤمنة عمدًا، وقد وضع الله تعالى الجزاء المنصوص عليه في الآية لتلك المعصية على وجه التحديد، وليس النص عامًا فيما عداها من الكبائر حتى يحتج به لإطلاق القول بأن مرتكب الكبيرة كافر مشرك.

ثانيًا: لأن المقابلة بين النصوص تدل على أن الخلود المعني في الآية الكريمة ليس هو الخلود الأبدي في النار الذي هو جزاء الكافر المشرك.

حدَّث عبادة بن الصامت – رضي الله تعالى عنه – قال: "أخذ علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما أخذ على النساء ألا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا يَعْضَهُ [أي يرميه بالعضيهة وهي البهتان والكذب] بعضنا بعضًا فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أتى منكم حدًا فأقيم عليه فهو كفارة له ومن ستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" [المحلى: جـ1 ص53].

وأخرج مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: كنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مجلس فقال: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب شيئًا فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه" [المحلى: جـ11 ص151].

ودلالة الحديثين واضحة على أن المعاصي المذكورة فيهما ومنها القتل، إن أقيم الحد على مرتكبيها فهو كفارة له، وإن ستر الله عليه فأمره إليه تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر، ولا يدخل في المشيئة كافر مشرك إذ أخبرنا عز وجل بسبق مشيئته ألا يغفر لكافر مشرك، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.

أما الاحتجاج بارتفاع الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والغال والمنتهب فإن الأحاديث الواردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام هي أحاديث صحيحة تامة الأسانيد وهي تفيد قطعًا كما قال عليه الصلاة والسلام انتفاء الإيمان عن الزاني حين يزني والسارق حين يسرق وشارب الخمر حين يشربها والمنتهب والغال.

ولكن لما كان الثابت أيضًا بالأسانيد التامة المتواترة أنه عليه الصلاة والسلام قد أتى له الزاني والزانية والسارق والتي جحدت العارية والغال والمنتهب وشارب الخمر، فلم يعتبرهم كفارًا ولم يقم عليهم حد الردة وهو عليه الصلاة والسلام القائل فيما رواه عنه سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه أو زنًا بعد إحصان أو وقتل نفسًا فقتل بها" [المحلى: جـ11 ص228].

فبيقين ندري أنه عليه الصلاة والسلام لم يعتن بذهاب الإيمان المذكور في الأحاديث ذهاب التصديق ذلك أن أهل الإسلام انقسموا في تعريف الإيمان على قولين، أحدهما أن الإيمان اسم واقع على ثلاث معانٍ: أحدها العقيدة بالقلب والآخر النطق باللسان والثالث عمل بجميع الطاعات فرضها ونفلها واجتناب المحرمات – والقول الثاني أن الإيمان اسم واقع على معنيين وهو العقد بالقلب والنطق باللسان فقط وأن أعمال الطاعات واجتناب المحرمات إنما هي شرائع الإيمان وليست إيمانًا، وعمل الزاني والسارق وشارب الخمر والغال والمنتهب ليس قولا باللسان ولو وأن العمل يقوم مقام القول لاعتبره الرسول عليه الصلاة والسلام مرتدًا وأقام عليه حد الردة.

وبضرورة الحس يدري من واقع شيئًا من الذنوب المذكورة من المسلمين من نفسه أن تصديقه لم يزل وأنه كما كان، وكل قول تكذبه الضرورة فهو قول متعين السقوط فصح بطلان القول أن الإيمان الذي جاء النص بذهابه هو التصديق، وثبت يقينًا أن الإيمان المزايل لمرتكب هذه الأفاعيل حال ارتكابه لها ليس هو عقد القلب الذي يرتد به كافرًا وإنما هو الطاعة لله فقط.

وهذا أمر مشاهد باليقين لأن الزنا والقتل والغلول والنهب وشرب الخمر ليس فيها طاعة لله تعالى فليست إيمانًا، فإذًا ليس شيء منها إيمانًا ففاعلها ليس مؤمنًا أي ليس مطيعًا، إذ لم يفعل الطاعة لكنه عاصٍ فاسق [المحلى: جـ11 ص118-122] يؤكد ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديثي عبادة بن الصامت السابق ذكرهما في الفقرة السابقة أن السارق والزاني وقاتل النفس العمد إذا أقيم عليه الحد فهو كفارة له وإن ستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ولا يدخل في المشيئة كافر مشرك، وأيضًا حديث أبي ذر أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "وما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة.. قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: "وإن زنا وإن سرق" قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: "وإن زنا وإن سرق" قلت: وإن زنا وإن سرق"؟ قال: "وإن زنا وإن سرق رغم أنف أبي ذر" [البخاري: جـ7 ص192-193] وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور: من الآية2) وقال تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِك﴾ (النور: من الآية3) ففرق اله تعالى بين الزاني والمشرك والزانية والمشركة وجعل لكل منهما وصفًا خاصًا وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ﴾ (المائدة: من الآية38) فصح يقينًا أن الزاني والزانية والسارق والسارقة لكل منهم عقوبة غير عقوبة المرتد الذي عقوبته القتل وفراق لزوجة واستيفاء المال "أي مصادرة أمواله".

مذاهب أهل السنة:

وهذا الذي قلنا به هو ما اتفقت عليه مذاهب أهل السنة.

قال صاحب العقيدة الطحاوية الإمام الطحاوي المصري الحنفي المذهب [أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سليم بن عبد الملك الطحاوي نسبة إلى قرية بصعيد مصر المحدث الفقيه الحافظ]:

"ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – معترفين وله بكل ما قال وأخبر مصدقين.

ولا نخوض في الله ولا نماري في دين.

ولا نجادل في القرآن ونشهد أنه كلام رب العالمين رب العالمين نزل به الروح الأمين فعلمه سيد المرسلين محمدًا – صلى الله عليه وسلم – وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين، ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله.

ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله.

ونرجو للمحسنين من المسلمين أن يعفو الله عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ولا نشهد لهم بالجنة.

ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم، ولا نُقَنِّطُهُمْ.

والأمن واليأس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة، ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه.

والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وأن جميع ما صح عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – حق، والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى.

وأهل الكبائر من أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – في النار، لا يخلدون فيها إذا ماتوا وهم موحِّدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم بفضله كما ذكر عز وجل في كتابه ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ (النساء: من الآية48) وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وبشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى الجنة، ذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا بعد هدايته ولم ينالوا من ولايته:

اللهم يا وَليَّ الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به.

ونرى الصلاة خلف كل بار وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا شرك ما لم يظهر منهم شيء من ذلك،ونذر سرائرهم لله تعالى" [كتاب شرح العقيدة الطحاوية الطبعة الثالثة تحقيق عبد الرحمن البابي وآخرين].

وقال الإمام المحدث الفقيه الأصولي الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم إمام أهل الظاهر:

"أول ما يلزم كل أحد ولا يصح الإسلام إلا به أن يعلم المرء بقلبه، علم يقين وإخلاص لا يكون لشيء من الشك فيه أثر، وينطق بلسانه ولابد، بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله: وبرهان ذلك قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:85). وأما وجوب عقد ذلك بالقلب فلقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ (البينة: من الآية 5) والإخلاص فعل النفس.

أما وجوب النطق باللسان فإن الشهادة بذلك المخرجة للدم والمال من التحليل إلى التحريم كما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: لا تكون إلا باللسان ضرورة، وتفسير هذه الجملة – أي الشهادة – هو أن الله تعالى إله كل شيء دونه وخالق كل شيء دونه.

وأنه تعالى واحد لم يزل، وأنه خالق كل شيء بغير علَّة أوجبت عليه أن يخلق، وأن النفس مخلوقة وأن العرش مخلوق.

وأنه تعالى ليس كمثله شيء ولا يتمثل في صورة شيء.

وأن النبوة حق.

وأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله إلى جميع الإنس والجن كافرهم ومؤمنهم.

وأن جميع النبيين وعيسى ومحمدًا – صلى الله عليه وسلم -، مخلوقون ناس كسائر الناس.

وأن الجنة حق والنار حق، كل منهما دار مخلوقة.

والجنة لا يدخلها كافر أبدًا.

والنار لا يخلد فيها مؤمن.

ويدخل النار من شاء الله من المسلمين الذين رجحت كبائرهم وسيئاتهم على حسناتهم، ثم يخرجون منها بالشفاعة، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة" [متفق عليه، مسلم كتاب الإيمان جـ1 ص182، البخاري جـ1 ص17، 18] وقال تعالى: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا (الانبياء: من الآية47) وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (القارعة:6-11).

وكل من كفر بما بلغه وصح عنده عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أو أجمع عليه المؤمنون مما جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – فهو كافر.

وأن القرآن الذي في المصاحف بأيدي المسلمين شرقًا وغربًا فما بين ذلك، من أم القرى إلى المعوذتين كلام الله أنزله على قلب نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – من كفر بحرف فيه فهو كافر.

ولا سر في الدين عند أحد.

وأن البعث حق.

وأن الموازين حق.

وأن شفاعة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في أهل الكبائر من أمته حق، فيخرجون من النار ويدخلون الجنة، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: من الآية 255). وقال – صلى الله عليه وسلم -: "لكل نبي دعوة دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" [متفق عليه، البخاري جـ9 ص170، مسلم جـ1 ص190]. وقال عليه الصلاة والسلام: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال: بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل: "يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحِبَّةِ تكون في حميل السيل" [متفق عليه، البخاري جـ1 ص12، مسلم جـ1 ص 172، 173].

وأن الصحف التي تكتب فيها أعمال العباد والملائكة حق نؤمن بها ولا ندري كيف هي.

وأن الناس يعطون كتبهم يوم القيامة.

وأن عذاب القبر حق، ومساءلة الأرواح بعد الموت حق، ولا يحيا أحد بعد موته إلى يوم القيامة.

وأن الحسنات يذهبن السيئات بالموازنة، والتوبة تسقط السيئات، والقصاص من الحسنات قال عز وجل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ (طـه: من الآية 82) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (هود: من الآية 114)وقال – صلى الله عليه وسلم -: "أتدرون ما المفلس؟" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" [متفق عليه] وقال عز وجل: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (غافر: من الآية 17).

وأن الوحي قد انقطع منذ مات النبي – صلى الله عليه وسلم -، والدين قد تم ولا يزاد فيه ولا ينقص ولا يبدل.

وأن حجة الله قد قامت واستبانت لكل من بلغته النذارة من مؤمن وكافر وبار وفاجر.

وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضان على كل أحد على قدر طاقته باليد، فمن لم يقدر فبلسانه فمن لم يقدر فبقلبه وهذا أضعف الإيمان، وليس وراء ذلك من الإيمان شيء.

فمن عجز لجهله أو عتمته عن معرفة كل هذا فلابد له من أن يعتقد بقلبه ويقول بلسانه حسب طاقته بعد أن يفسر له: لا إله إلا الله محمد رسول الله، كل ما جاء به حق، وكل دين سواه باطل.

ومن ضيع الأعمال كلها فهو مؤمن عاصٍ ناقص الإيمان لا يكفر لقول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث طويل: "حتى إذا فرغ الله من قضائه بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا ممن أراد عز وجل أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله" [متفق عليه].

واليقين لا يتفاضل، لكن إذا دخل فيه شيء من شك أو جحد بطل كله.

والمعاصي: كبائر فواحش، وسيئات صغائر، ولمم، واللمم مغفور جملة، والكبائر الفواحش هي ما توعد الله عليه بالنار في القرآن أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام فمن اجتنبها غفرت له جميع سيئاته الصغائر، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَة﴾ (لنجم: من الآية 32) وقال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا﴾ (النساء:31) واللمم هو الهم بالشيء وهو مغفور جملة، قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به" [متفق عليه] ومن لم يجتنب الكبائر حُوسب على كل عمل ووازن الله عز وجل بين أعماله من الحسنات وبين جميع معاصيه التي لم يتب منها ولم يقم عليها حدّها، فمن رجحت حسناته فهو وفي الجنة وكذلك من ساوت حسناته سيئاته.

أما التوبة فلا خلاف في أنها تسقط الذنوب.

ومن رجحت سيئاته فهم الخارجون من النار بالشفاعة على قدر أعمالهم.

والناس في الجنة على قدر فضلهم، فأفضل الناس أعلاهم في الجنة درجة، والتوبة من الكفر والزنا وفعل قوم لوط وشرب الخمر وأكل الأشياء المحرمة كالخنزير والدم والميتة وغير ذلك تكون بالندم والإقلاع والعزيمة على أن لا عودة أبدًا واستغفار الله، وهذا إجماع لا خلاف فيه.

والتوبة من ظلم الناس في أعراضهم وأبشارهم وأموالهم لا تكون إلا برد أموالهم إليهم ورد كل ما تولد منها، أو مثل ذلك عن فات، فإن جُهِلوا ففي المساكين ووجوه البر مع الندم والإقلاع والاستغفار وتحللهم من أعراضهم وأبشارهم فإن لم يمكن ذلك فالأمر لله تعالى، ولابد للمظلوم من الانتصاف يوم القيامة، يوم يقتص للشاة الجمحاء من القرناء.

والتوبة من القتل أعظم من ذلك كله ولا تكون إلا بالقصاص، فإن لم يمكن فليكثر من فعل الخير ليرجح ميزان الحسنات.

وإن الدجال سيأتي وهو كافر أعور ممخرق ذو حيل.

وإن إبليس باق حي". انتهى.

وقال الإمام النووي: "اعلم أن مذهب أهل الحق ألا يكفر أحد من أهل القبلة ولا يكفر أهل الأهواء والبدع وإن من يجحد ما يُعلم من دين الإسلام ضرورة، حُكم بردته وكفره، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه، فيُعرّف ذلك" انتهى.

وقال الإمام أبو الحسن علي بن خلف بن بطال المالكي المغربي في شرح صحيح البخاري: "مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصه ما أورده البخاري من الآيات أي قوله تعالى: ) ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِم (الفتح: من الآية 4) وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: من الآية 22) فإيمان من لم يحصل له الزيادة ناقص، فإن قيل الإيمان في اللغة التصديق فالجواب إن التصديق يكمل بالطاعات كلها فكلما ازداد المؤمن من أعمال البر فإيمانه أكمل، وبهذه الجملة يزداد الإيمان بزيادة الطاعات وينقص بنقصها، فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الإيمان، ومتى زادت زاد الإيمان كمالا، وهذا توسط القول في الإيمان وأما التصديق بالله تعالى ورسله فلا ينقص" انتهى.

وقال الأصفهاني الشافعي رحمه الله تعالى: "الإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان وإذا فسر بهذا تتطرق إليه الزيادة والنقص وهو مذهب أهل السنة" [شرح النووي على مسلم جـ1 ص 147] انتهى.

ونحن لا نقول بهذا الذي قلناه استهانة بمعصية كبيرة كانت أو صغيرة حاشا لله من ذلك، إنما هو حكم الله تعالى يتعين التسليم به والانقياد إليه.

وأما أمرنا ودعاؤنا فظاهر هو أن الطاعة في كل كبيرة وصغيرة مما أمر الله تعالى به واجبة مفروضة، والأصل في المسلم التزام طاعة الله عز وجل..

لا يستهين بصغيرة ولا يجترئ على كبيرة.

ونحن نسأل اله أن يعيننا على أن نكون لكل أوامره ممتثلين، وعن كل ما نهى عنه تعالى منتهين.

وتلك هي دعوتنا للناس أيضًا قامت على ذلك منذ بداية أمرها وقلناها لأنفسنا وللناس من بادئ الأمر واضحة صريحة.

"أقيموا دعوة الإسلام في قلوبكم تقم في أرضكم".

ونقول ما علمنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 الفصل الثاني

في معاني )الجحود – والكفر – والشرك – والرِّدَّة – والنفاق(

الجحود:

في اللغة الإنكار والتكذيب.

الكفر:

في اللغة التغطية والستر.

وهو في الدين صفة من جحد شيئًا مما افترض الله شيئًا تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة وبلوغ الحق.

والجحود إما أن يكون:

بالقلب دون اللسان.

أو باللسان دون القلب في غير إكراه.

أو بهما معًا.

وهو – أي الكفر – أيضًا صفة من عمل عملاً جاء النص بأنه مخرج لفاعله عن اسم الإيمان.

برهان ذلك: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به" فمن جحد وكذب شيئًا مما جاء به عليه الصلاة والسلام فقد انتفى عنه اسم الإيمان بصريح حديث الرسول عليه الصلاة والسلام.

وجحود شيء مما جاء به عليه الصلاة والسلام يقتضي حتمًا معرفة الجاحد بما افترض الله عز وجل عز وجل عليه الإيمان به أي: بلوغ الحق إليه وقيام الحجة عليه بأن الله تعالى فرض عليه الإيمان بما جحد به وكذّبه، وأما أن الجحود يكون بالقلب فيخرج عن الإيمان فبرهانه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (البينة: من الآية 5).

والإخلاص فعل القلب، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (البقرة: الآيات 8-10). فقطع الله تعالى أن من ادعى الإيمان باللسان دون أن يعتقد ذلك بقلبه فهو كافر، فمن جحد بقلبه شيئًا مما افترض الله تعالى عليه الإيمان به فهو كاذب فيما زعمه بلسانه من إيمان، وقد توعده الله تعالى بالعذاب الأليم ونفى عنه الإيمان.

هذا هو حكم الجاحد بقلبه عند الله.

أما نحن البشر فلا سبيل لنا أن نعرف ما في قلوب غيرنا ويعامل بعضنا بعضًا حسبما يظهره لسان كل منا، أما الشخص نفسه فإنه يعرف حقيقة ما في قلبه وما تحدثه به نفسه فليعرف كل امرئ حقيقة أمره، وليكن على يقين أن الله تعالى مطلع على ما في قلبه، عالم بما توسوس به نفسه إليه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق: الآية 16).

أما قولنا إن الجحود باللسان دون القلب مخرج عن الإيمان فبرهان ذلك قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ (النحل: من الآية 106). فدلت الآية على أن الناطق بها إلا في حالة الإكراه فلا يعتد بقول المكره أو عمله، وما دام قلبه مطمئنًا بالإيمان فهو عند الله مسلم مؤمن، والله هو المطلع على ما في القلب، العالم بحقيقة ما يختلج في النفس.

أما الأعمال – فيما عدا ما ورد النص بأن مقترفها قد انتفى عنه الإيمان رغم النطق بالشهادتين، فقد جعل الله لها حكمًا خاصًا، ووردت النصوص بأن العامل على خلاف الأوامر والنواهي، عاص وليس بجاحد ولا مكذب، ولذا قلنا إن الكفر صفة من عمل عملاً جاء النص بأنه مخرج لفاعله عن اسم الإيمان.

ولا يجوز إطلاق اسم الكفر إلا على من هذه صفته في الدين أي على الذي جحد شيئًا مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه أو الذي عمل عملاً جاء النص بأنه مخرج له عن اسم الإيمان، وذلك أن الله تعالى نقل عن لفظة الكفر معناها اللغوي الذي كان لها أصلاً، وجعل له معنى خاصًا هو الذي أسلفناه وأصبح هذا المعنى هو ومعناها الأصلي الذي إذا ما أطلقت أفادته، ومن ثم فإنه لا يجوز لنا أن نسمي كافرًا إلا من سماه الله كافرًا، وإلا فإن كل إنسان يؤمن بأشياء ويكفر بأشياء، فالمسلم كافر بقول اليهود عزير ابن الله، وبقول النصارى المسيح ابن الله، والإجماع أنه لا يجوز لذلك تسمية المسلم كافرًا على الإطلاق، وإنما يقال كافرًا بكذا وكذا، وكذلك فإن اليهودي مؤمن بأن موسى رسول الله عليه السلام، والإجماع أنه لا يجوز تسميته لذلك مؤمنًا على الإطلاق، ولكن يقال إنه مؤمن بكذا وكذا على وجه التحديد.

الشرك:

هو في اللغة أن يجمع شيئًا إلى شيء، ويشرك بينهما فيما جمعا فيه.

وهو في الدين بمعنى الكفر سواءً بسواء، إذ أوقعهما الباري تعالى على ذات المعنى وجمعهما مترادفين يفيد كل منهما معنى شرعيًا واحدًا محددًا، هو وما سبق أن أسلفناه في معنى الكفر والتسمية لله وحده.

برهان ذلك: قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتٌّ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَكِنَّ هُوَ اللهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (الكهف: الآيات 35-42) وواضح من الآيات استعمال كلمتي الكفر والشرك كمصطلح شرعي يقع على معنى واحد تحقق في الذي دخل جنته وهو ظالم لنفسه إذ ظن دوامها وتشكك في البعث ولقاء الآخرة، وأيضًا قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (التوبة: الآيات 30-31)، وأيضًا قال الله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (التوبة: الآيات 1-3).

وقال البعض: إن المشرك من لم تبلغه النذارة ولم يعلم بدعوة الإسلام ولا يسمى كافرًا إلا إذا بلغته الدعوة فلم يذعن وعاند وقاوم الدعوة إلى الله.

وينقض هذا القول، قول الله عز وجل: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا (التوبة: من الآية 4). وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ (التوبة: من الآية 17) وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.. إلى قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (التوبة: الآيات 7، 12).

فهذه الآيات، فضلا عن أنها من سورة براءة التي نزلت بعد الفتح وبعد أن ذاع أمر الرسول عليه الصلاة والسلام وبعد أن علت كلمة الله في جزيرة العرب وخارجها، وعلم بها القاصي والداني فإن فيها النص على العهد الذي كان بين رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والمسلمين وبين غيرهم ممن سماهم الله تعالى مشركين، وما كان الرسول عليه الصلاة والسلام ليبرم عهدً مع قوم من غير المسلمين إلا بعد أن يدعوهم للإسلام ويبلغهم النذارة ويعذر إلى الله فيهم، فتلك هي مهمته الأساسية والأولى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة: من الآية 67). ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ (المدثر: الآيات 1-2)، وليس بمسلم من قامت عليه الحجة ثم ظن أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد عاهد قومًا وقد كتم عنهم الرسالة ولم يبلغهم أمر الله بما لو واستجابوا إليه دخلوا الإسلام، فهؤلاء الذين سماهم الله "مشركين" كانوا ممن بلغتهم الدعوة بلا ريب وبدون أدنى شك، فعاندوا ولم يذعنوا، وقاوموا دعوة الإسلام.

وقد احتج البعض للتفرقة بين الكفر والشرك بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (البينة: الآية 1)، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (البينة: الآية 6)، وقالوا إن الآيتين فرّقتا بين الكافر والمشرك وأهل الكتاب.

ولو لم يكن غير هاتين الآيتين لقلنا بذلك ولكان ذلك حقًا، ولكن الآيات الأخرى التي سبق أن أوردناها قاطعة في إطلاق اسم الكفر والشرك كمصطلح شرعي واحد، فدل ذلك على أن الآيتين من سورة البينة إنما ورد فيهما ذكر المشرك وأهل الكتاب بعد ذكر الكافرين عمومًا من قبيل ذكر الخاص بعد العام وهو أمر معروف معهود في لغة العرب، ومستعمل في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: الآية 68)، ولا خلاف أن جبريل وميكال عليهما السلام من الملائكة الرسل، يؤكد ذلك ما ثابت في السيرة المطهرة أنه لما خرج الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنون لملاقاة قريش عند جبل أحد، ثم انصرف عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس الذين كانوا مع الرسول – صلى الله عليه وسلم – مُغاضِبًا إذ خُولف رأيه الذي كان قد أشار به، وهو البقاء داخل المدينة وملاقاة قريش بها دون الخروج إليهم، لما حدث ذلك ذكر قوم من الأنصار للرسول عليه الصلاة والسلام أن يستعينوا بحلفائهم من يهود، فأبى عليه الصلاة والسلام ذلك وقال: "إنا لا نستعين بمشرك" [مالك المحلى: جـ7 ص335)]، فسمي ـ عليه الصلاة والسلام ـ اليهود وهم أهل الكتاب المشركين، ولا ريب أن هؤلاء اليهود قد بلغتهم الدعوة منذ مقدم الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة بل من قبل ذلك فعاندوا وأبوا الإسلام، بل كانت غزوة الرسول عليه الصلاة والسلام ليهود بني قيقناع والبعث لقتل كعب بن الأشرف سابقتين على واقعة أحد.

وقال البعض: إن من بلغته الدعوة فعاند يسمى كافرًا ومشركًا أيضًا، أما من لم تبلغه الدعوة فإنه يسمى مشركًا فقط، ولا يقال له: كافر.

وهذا القول يفتقر إلى الدليل من نص كتاب الله أو سنة الرسول عليه الصلاة والسلام ولقد قلنا إن الأسماء الشرعية لله عز وجل وليست لأحد سواه، ولقد قدمنا الأدلة على أن لفظي المشرك والكافر استعملهما القرآن الكريم والرسول عليه الصلاة والسلام كمصطلحين شرعيين يفيدان معنى واحد.

ومن الناحية اللغوية فإن المشرك لابد وأن يكون كافرًا، لأن الله عز وجل قد أقام الحجة الدامغة التي لا تقبل جحدًا ولا تكذيبًا على وجوده تعالى ووحدانيته، فمن أشرك وجحد الله عز وجل، أو جعل لله ندًا فقد ستر الحق وكفره، فهو كافر، وكذلك الكافر فإنه ولابد أن يكون مشركًا لأنه إذا جحد الحجة التامة على وجود الله ووحدانيته فقد رماها بالنقصان فهو قد جعل حجته التي ابتدعها أو حجة من اتبعه في هذا الشأن أكمل وأعدل من حجة الله عز وجل، فهو قد جعل من نفسه أو ممن اتبع حجته ندًا لله عز وجل فهو ومشرك ولابد.

ومن الشرك أن يعتقد الشخص أن شيئًا أو شخصًا أو مجموعة من الناس له سلطان نابع من ذات نفسه أي خارج عن سلطان الله وإن لم يعتقد مساواة ذلك السلطان لسلطان الله عز وجل لأنه متى أخرج شيئًا عن سلطان الله عز وجل، فهو قد انتقص سلطان الله ولم يعتقد فيه الكمال والشمول، ومن نقص سلطانه فهو مخلوق له أنداد وشركاء –تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا – ويندرج تحت هذا المعنى أيضًا الاعتقاد أن شيئًا أو شخصًا له أن يشفع عند الله عز وجل شفاعة لازمة القبول، لأن لزوم قبول الشفاعة مقتضاه أن الشفيع له سلطان خارج عن سلطان الله وملزم لله تعالى، فهو شريك لله تعالى – تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا –.

أما الاعتقاد بأن شخصًا قد يكون أقرب قبولاً عند الله إذا ما دعي، فليس شركًا، قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: من الآية 255)، وقال عليه الصلاة والسلام: "لكل نبي دعوة دعاها لأمته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" [المحلى جـ1 ص20].

ويدخل في الشرك أيضًا التكذيب برسالة محمد – صلى الله عليه وسلم – أو وبشيء مما جاء – صلى الله عليه وسلم – به، فقد قدمنا أن الشرك والكفر اسمان شرعيان يقعان على كل من جحد أو كذب بشيء مما افترض الله على الناس والإيمان به، كذلك فإن الله تعالى قد أقام الحجة الدامغة على صحة رسالة محمد – صلى الله عليه وسلم – وصدق ما جاء به، وأن كل ما نطق به عليه الصلاة والسلام من أمور الدين وَحْيٌ من عند الله تعالى، فمن جحد تلك الحجة وكذبها أو كذَّب بعض ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – فقد جعل حجته التي يركن إليها في ذلك أو وحجة من اتبعه في هذا الشأن أكمل وأعدل وأبلغ من حجة الله تعالى ورمى حجة الله بالنقصان، فهو قد جعل نفسه أو من اتبعه ندًا لله عز وجل – تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا..

كذلك الأمر بالنسبة لمن لم يرض بحكم الله وفضل عليه حكمًا آخر أو استحل ما حرّمه الله تعالى أو حرَّم ما أحله الله تعالى بعد بلوغ الحق إليه وقيام الحجة عليه، إذ هو يجحد النص القرآني أو حديث الرسول عليه الصلاة والسلام ويجعل حكمه أو حكم من اتبعه أفضل وأعدل من حكم الله عز وجل، فهو قد جعل من نفسه أو ممن اتبعه ندًا لله عز وجل، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾ (سورة الجاثية: من الآية 23)، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (يس: من الآية 60)، وقد أسلفنا ذكر حديث عدي بن حاتم عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في إيضاح قول الله عز وجل عن اليهود والنصارى وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، لما أحلوا لهم الحرام فاستحلوه وحرموا عليهم الحلال فحرموه.

وينبغي هنا توضيح ضرورة التفرقة بين العمل والعقيدة، فالعامل قد يكون مخالفًا بعمله لأمر مع بقاء اعتقاده أن حكم الله هو الحق وأنه بعمله عاصٍ لأمر الله، وهذه هي المعصية غير المخرجة إلى الكفر، وقد يكون العمل على خلاف أمر الله تعالى مع اقتران ذلك بعدم الرضى بحكم الله تعلى أو الاعتقاد ببطلان حكم الله عزم وجل وتفضيل حكم آخر عليه، وهذا هو الكفر والشرك المخرجان من الإسلام، بل إن عدم الرضى وعدم التسليم بحكم الله تسليمًا تامًا والاعتقاد ببطلان حكم الله وتفضيل حكم آخر عليه كفر وشرك ولو لم يتبع ذلك عمل ما، قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: الآية 65)، فمن اغتاب آخر وهو عالم بحكم الله تعالى في ذلك وأن الله تعالى قد حرم الغيبة ونهى عنها، إن أتى ذلك وهو مقر بحكم الله وأنه الحق الواجب اتباعه، فهو عاصٍ لم يخرج من الإسلام فإن فعل ذلك غير راضٍ بحكم الله تعالى غير مقر بعدالته مفضلا عليه حكمًا آخر فهو مشرك كافر لا بارتكاب الغيبة ولكن بعدم تسليمه بحكم الله تعالى وباعتقاده بطلانه وبتفضيله حكمًا آخر عليه.

وعلى ذلك يكون مدار الحكم في مخالفة سائر الأوامر والنواهي إلا ما ورد نص خاص بأن عامله قد انتفى عنه اسم الإيمان بمقتضى عمله دون نظر إلى عقيدته.

والأصل في المسلم أنه وقد شهد أن لا إله إلا الله وآمن بكل ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – الأصل فيه أنه مقر بحكم الله تعالى وأنه الحق الواجب اتباعه، فإذا خالف المسلم أمرًا من الأوامر أو نهيًا من النواهي فهو وعاص مفترض فيه أصل الإقرار بالتوحيد وأن حكم الله تعالى هو الحق، ولا يُسْئَل عما إذا كان قد خالف الأمر منكرًا لحكم الله تعالى وجاحدًا به أم على سبيل العصيان ويؤاخذ عما ارتكبه بإقامة الحد الشرعي عليه أو بتعزيره، إلا أن يجاهر هو بأن خروجه عن أمر الله تعالى كان استحلالا للمخالفة وعدم رضا بحكم اله تعالى أي جحودًا بالأمر المخالف وبوجوب الطاعة، فإن أظهر ذلك، حكم بكفره، وشركه، وأقيم عليه حد الردة.

برهان ذلك: عمل الرسول عليه الصلاة والسلام المنقول إلينا تواترًا نقل الكافة عن الكافة – فإنه عليه الصلاة والسلام، كما ورد في الأخبار الصحاح الثابتة المتواترة، أقام الحد الشرعي على السارق وعلى التي جحدت العارية وعلى الزاني والزانية، وجلد شارب الخمر، وعنف وزجر على المعاصي التي وقعت في حضرته عليه الصلاة والسلام أو والتي علم بها، من ذلك ما رواه معاذ بن جبل، قال رضوان الله تعالى عليه: خرجنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عام غزوة تبوك، فقال رسول الله: "إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من ماءها شيئًا حتى آتي" فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك [الشراك هو سير النعل أي كانت العين تسيل قليلاً قليلاً] قال: فسألهما رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "هل مسستما من مائها شيئًا؟" قالا: نعم. فسبهما النبي – صلى الله عليه وسلم – ما شاء الله أن يقول، ثم ذكر باقي الحديث" [الأحكام لابن حزم: جـ3 ص18].

كل ذلك ولم ير إلينا خبر بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد سأل من أقام عليهم الحدود أو عزرهم عما إذا كانوا قد أتوا ما اقترفوه من المعاصي استحلالاً للمعصية وجحودًا بالأمر أم لا، ولو كان ذلك فرضًا لفعله الرسول عليه الصلاة والسلام ولوردت إلينا الأخبار الثابتة به، فدل عمل الرسول عليه الصلاة والسلام مع عدم ورود أي نص في القرآن الكريم أو في قول النبي – عليه الصلاة والسلام على وجوب سؤال من خالف الأمر عن وجه المخالفة وما إذا كانت استحلالاً وجحودًا – دل ذلك على الأصل فيمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم أتى معصية، افتراض استمرار إقراره بأصل التوحيد وأن مقر بحكم الله تعالى، وأنه الحق الواجب اتباعه وليس بجاحد ولا مكذب – يستثنى من ذلك جميعه ما ورد فيه النص بأن عامله يعتبر جاحدًا مكذبًا محكومًا بردته بمقتضى عمله فقط دون حاجة إلى قوله.

وقد يقال للعاصي إنه اتبع هواه فيما خالف فيه أمر الله تعالى أو أنه اتبع الشيطان في ذلك ولكن لا يجوز أن يقال إنه اتخذ إلهه هواه أو يقال إنه عبد الشيطان إلا إذا أتى ما يخرجه من الإسلام ذلك أن اتخاذ إله دون الله تعالى هو الكفر والشرك، فلا يصح أن يوصف به إلا من هذه صفته في الدين، والعاصي ليس بكافر مشرك ما دام مقرًا بأصل التوحيد وما دام العمل الذي أتاه لم يرد نص بأنه مخرج فاعله عن الإسلام، وأيضًا لفظ العبادة إذا أطلق أفاد التأليه والانقياد والاتباع المطلقين وذلك بالنسبة لمن دون الله تعالى كفر وشرك، فلا يوصف به إلا من كانت تلك صفته في الدين.

الردة:

هي في اللغة الرجوع عن الأمر السابق فعله تقول ارتد عن سفره أي رجع عنه.. وارتد هبته ارتجعها، وهي في الدين: الرجوع إلى الكفر بعد الإسلام.

وحكم المرتد القتل، قال عليه الصلاة والسلام: "من بدل دينه فاقتلوه" (المحلى: جـ11 ص129)، وقال أيضًا فيما أخرجه الترمذي عن ابن مسعود: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه أو وزنا بعد إحصانه أو نفس بنفس" [المحلى: جـ11 ص228)، وفيما روي عن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أنه قال وهو محصور في الدار: بم تقتلونني وقد سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو وقتل نفسًا فقتل بها" [المحلى: جـ11 ص228]، وأخرج البخاري ومسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة" [الاعتصام للشاطبي].

والإجماع أن من جحد شيئًا مما افترض الله تعالى الإيمان به، فقد كفر وارتد عن الإسلام، إلا أن يكون الجاحد غير عالم بالنص فيبلغ إليه ويعرف بما هو واجب عليه الإيمان به وتقام عليه الحجة، فإن أصرّ بعد ذلك على الجحود والتكذيب، حكم بكفره وردته.

والجحود يكون بالقول إلا فيما ورد نص صريح فيه بأن عامله ينتفي عنه اسم الإيمان ولو ولم يتكلم.

وكل ما يقع عليه في اللغة اسم القول يعتبر قولاً أيّا كانت الصورة التي يتخذها وأيّا كان الاسم الذي يطلق عليه: فمثلا الكتابة سواء ظهرت في صورة كتاب أو مقالة في جريدة أو مجلة أو في صورة رسم أو سميت قانونًا أو لائحة أو قرارًا أو وغير ذلك، هي في اللغة قول.

وإذا كان الإجماع واقعًا على أن الجاحد يحكم بردته وكفره، فإنه قد يقع الاختلاف في فهم القول وما إذا كان يتضمن الجحد والتكذيب أم لا، والأصل فيمن نطق بالشهادتين أنه مسلم مؤمن قد ثبت له عقد الإسلام والإيمان فلا يحكم بخروجه منه وردته بظن، ولذا يتعين أن يكون القول الصادر قاطعًا في الدلالة على الجحد والتكذيب – ومما يتعين البعد عنه في هذا نسبة هذا التفسير إليه ووضعه على لسانه والزعم بأنه قائله.

وبعد الإجماع على الحكم بردة الجاحد المكذب وأيضًا الإجماع على أن ما ورد النص بأن عامله يحكم بردته وكفره، حصل الخلاف حول بعض الأعمال وما إذا كان مرتكبها يعتبر مرتدًا أم لا.

وذلك الخلاف يرجع إلى سببين:

الأول: الاختلاف في فهم النصوص.

ثانيًا: الاختلاف في صحة بعض الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقبول البعض لأحاديث واعتقاده صحتها، وعدم قبول البعض الآخر لها وطعنه في سندها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فمثلا: تارك الصلاة، فقد صحح بعض الفقهاء حديثًا أن الرسول عليه الصلاة والسلام، فمثلا: تارك الصلاة، فقد صحح بعض الفقهاء حديثًا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "بين المسلم وبين الكافر ترك الصلاة" [مسلم بلفظ "بين الرجل وبين الشرك الكفر وترك الصلاة" جـ1 ص88]، ورد البعض الآخر الحديث وقرر عدم ثبوته [من هؤلاء ابن حزم وقد طعن في سند الحديث].

والذين قالوا بصحة الحديث عارضهم حديث آخر وهو: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن ولم يضيّع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة" [الاعتصام: للشاطبي عن مالك وأبي داود والنسائي وابن حبّان].

فبمقتضى هذا الحديث الأخير أن تارك الصلاة ليس بكافر بالمعنى الذي سبقت المشيئة الإلهية أن لا يدخل الجنة من اتصف به، فتأولوا الحديث الأول على وجهين.

أولهما: أن يكون المقصود منه ترك الصلاة جحودًا، فذلك كافر مشرك بلا جدال.

ثانيهما: أن يكون المقصود بكلمة الكفر الواردة به العصيان الشديد وسمي كفرًا من باب التغليظ والترهيب.

ولسنا بصدد استقصاء الأعمال التي وردت بشأنها نصوص قد تدل على أن مرتكبها ينتفي عنه اسم الإيمان، وأوجه الاختلاف الواقع فيها بين الفقهاء، ونكتفي بأن نورد طرفًا مما قيل في هذا الشأن فيه تبصرة وإيضاحًا لوجهة نظر فقهاء أهل السنة في هذا المقام، ونشير إلى أن بعض الأحاديث الواردة مما هو مختلف في صحة نسبتها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإن ذكرها الفقيه الذي ننقل عنه باعتبار أنها صحيحة.

قال شارح العقيدة الطحاوية: تعليقًا على ما قرره صاحب المتن الإمام أبو وجعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي الحنفي المذهب في قوله: "ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب لم يستحله، ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله".

وقال الشارح: "ولكن بقي هنا إشكال يرد على كلام الشيخ رحمه الله وهو أن الشارع قد سمى بعض الذنوب كفرًا، قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: من الآية 44)، وقال – صلى الله عليه وسلم -: "سٍباب المؤمن فسوق وقتاله كفر"، متفق عليه من حديث ابن مسعود، وقال – صلى الله عليه وسلم -: "لا ترجعوا من بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" وقال: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" متفق عليهما من حديث ابن عمر، وقال – صلى الله عليه وسلم -: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر" متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر وقال – صلى الله عليه وسلم -: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو ومؤمن والتوبة معروضة بعد" وقال عليه السلام: "بين المسلم وبين الكفر ترك الصلاة" رواه مسلم عن جابر، وقال عليه الصلاة والسلام: "من أتى كاهنًا أو أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد" [متفق عليه]، وقال عليه الصلاة والسلام: "من حلف بغير الله فقد كفر" [رواه الحاكم بهذا اللفظ وقال: صحيح على شرط الشيخين"، المستدرك جـ1 ص18] وقال عليه السلام: "اثنان في أمتي هما بهم كفر:الطعن في الأنساب والنياحة على الميت" ونظائره كثيرة.

والجواب: أن أهل السنة كلهم متفقون على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملّة كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفرًا ينقل عن الملة لكان مرتدًا يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام، ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام ولا يُدْخِل في الكفر ولا يستحق الخلود مع الكافرين كما قالت المعتزلة، فإن قولهم باطل أيضًا، إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: من الآية 178)، فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا وجعله أخًا لولي القصاص المراد أُخوَّة الدين بلا ريب، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: من الآيات 9، 10)، ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل بل يقام عليه الحد، فدل ذلك على أنه ليس بمرتد، وقد ثبت تفي الصحيح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "من كانت عنده لأخيه اليوم مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم ألقي في النار" أخرجاه في الصحيحين فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي منها المظلوم حقه، وكذلك ثبت في الصحيحين عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "ما تعدون المفلس فيكم؟" قالوا: المفلس من لا له درهم ولا دينار، قال: "المفلس من يأتي يوم القيامة وله حسنات أمثال الجبال فيأتي وقد شتم هذا وأخذ مال هذا وسفك دم هذا وقذف هذا وضرب هذا فيقتص هذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" رواه مسلم، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (هود: من الآية 114). فدل ذلك على أنه في حال إساءته يعمل حسنات تمحو سيئاته وهذا مبسوط في موضعه.

والمعتزلة: موافقون للخوارج هنا في حكم الآخرة، فإنهم وافقوهم على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار لكن قالت الخوارج نسميه كافرًا وقالت المعتزلة نسميه فاسقًا، فالخلاف بينهما لفظي فقط.

وأهل السنة: متفقون على أنه يستحق الوعيد المترتب على ذلك الذنب كما وردت به النصوص.

لا كما يقول المرجئة: من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب ولا ينفع مع الكفر طاعة.

وإذا اجتمعت نصوص الوعيد التي استدلت بها المرجئة ونصوص الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة ثبت لك فساد القولين، ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك تستفيد من كلام كل طائفة فساد الأخرى.

ثم بعد هذا الاتفاق تبين أن أهل السنة اختلفوا اختلافًا لفظيًا لا يترتب عليه فساد وهو أنه هل يكون الكفر على مراتب، كفرًا دون كفر، كما اختلفوا، هل الإيمان على مراتب، إيمان دون إيمان، وهذا الاختلاف نشأ من اختلافهم في مسمى الإيمان: هل هو قول وعمل يزيد وينقص أم لا؟ بعد اتفاقهم على من سماه الله ورسوله كافرًا نسميه كافرًا، إذ من الممتنع أن يسمي الله ـ سبحانه وتعالى ـ الحاكم بغير ما أنزل اله تعالى كافرًا ويسمي رسوله عليه الصلاة والسلام من تقدم ذكره كافرًا، لا نطلق عليهما اسم الكفر.

ولكن نمن قال إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص قال وهو كفر عملي لا اعتقادي، والكفر عنده على مراتب كفر دون كفر كالإيمان عنده.

ومن قال إن الإيمان هو التصديق ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان، والكفر هو الجحود ولا يزيدان ولا ينقصان، قال هو كفر مجازي غير حقيقي إذ الكفر الحقيقي هو الذي ينقل عن الملة، وكذلك يقولون في تسمية بعض الأعمال كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 143)، أي صلاتكم إلى بيت المقدس، إنها سميت إيمانًا مجازًا لتوقف صحتها على الإيمان ولدلالتها على الإيمان إذ هي دالة على كون مؤديها مؤمنة، ولذا يحكم بإسلام الكافر إذا صلى صلاتنا.

فليس بين فقهاء الأمة نزاع في أصحاب الذنوب إذ كانوا مقرين ظاهرًا وباطنًا بما جاء به الرسول وما تواتر عنهم أنهم من أهل الوعيد، ولكن الأقوال المنحرفة قول من قال بتخليدهم في النار كالخوارج والمعتزلة.

ولكن أردأ ما في هذا التعصب على من يضادهم وإلزامه لمن يخالف قوله بما لا يلزمه، والتشنيع عليه، وإذا كنا مأمورين بالعدل في مجادلة الكافرين وأن يجادلوا بالتي هي أحسن فكيف لا يعدل بعضنا على بعض في مثل هذا الخلاف، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8).

وهنا أمر يجب أن يتفطن له وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرًا ينقل عن الملة وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفرًا إما مجازيًا وإما كفرًا أصغر على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه، أو واستهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله تعالى وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق العقوبة، فهذا عاصٍ ويسمى كافرًا كفرًا مجازيًا أو كفرً أصغر، وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه، فهذا مخطئ له أجره على اجتهاده، وخطأه مغفور.

وأراد الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: "ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله" مخالفة المرجئة وشبهتهم كانت قد وقعت لبعض الأولين، فاتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك، فإن قدامة بن عبدالله شرب الخمر بعد تحريمها وهو وطائفة وتأولوا قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (سورة المائدة: من الآية 93)، فلما ذكروا ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اتفق هو ووعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا، وقال عمر لقدامة: "أخطأت استك الحفرة، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر" وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لما حرم الخمر وكان تحريمها بعد واقعة أحد، قال بعض الصحابة: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فأنزل الله هذه الآية، بين فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم يحرم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين، كما كان من أمر استقبال بيت المقدس.

ثم إن هؤلاء الذين فعلوا ذلك يذمون على أنهم أخطأوا وأيسوا من التوبة فكتب عمر إلى قدامة يقول: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ (غافر: من الآيات 1-3)، ما أدري أي ذنبيك أعظم؟ استحلالك المحرم أولا، أم يأسك من رحمة الله ثانيًا؟.

وهذا الذي اتفق عليه الصحابة متفق عليه من أئمة الإسلام" [شرح العقيدة الطحاوية ص297-303] انتهى.

النفاق:

هو في اللغة أن يظهر الإنسان غير ما يُسر ويُبطن ويقال له منافق تشبيهًا لليربوع إذ يجعل له جحرًا يقال له النافقاء وآخر يقال له القاصعاء وذلك بأن يخرج الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب فإذا أرابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج فظاهر جحره تراب وباطنه حَفْر [الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: جـ1 ص195] ولما كان المنافق يظهر خلاف ما يبطن فقد سمي منافقًا.

وهو في الدين أيضًا بذات المعنى أي أن يظهر المرء بلسانه شيئًا من الدين خلاف ما يُسر ويبطن والنفاق في الدين قد يكون مخرجًا من الملة وكفرًا وقد يكون دون ذلك، وما يخرج من الملة: أن يجحد الإنسان بقلبه شيئًا مما افترض الله تعالى الإيمان به، وإن أظهر لسانه الإقرار بالإيمان به، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: الآيات 8-10)، فنفى الله الإيمان عن المنافق بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ وحكم أن القول باللسان دون العقد بالقلب بما افترض الله تعالى الإيمان به هو مكذب، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (سورة النساء: من الآية 145)، وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون: الآية 1)، وهذا هو حكم هذا النوع من النفاق عند الله تعالى، أما فيما بيننا نحن البشر وفي أحكام هذه الدنيا فإن المنافق لا يسمى منافقًا إلا إذا أظهر ما يبطنه من الكفر، وإنما هو يظهر الإسلام والإيمان فهو في ظاهره لنا مسلم مؤمن يجب علينا أن نعامله بهذه الصفة وأن نجري عليه أحكام المسلمين، ولقد أَوْرَدت آيات من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة صفات النفاق والمنافقين ليعرف كل شخص حقيقة أمره وحقيقة صفته عند الله تعالى، وقد نلاحظ نحن البشر تلك الصفات أو بعضها بآخرين ولكن ذلك لا يعدو أن يكون ظنًا لا يترتب عليه أحكام، ولا ينبني عليه القطع بكفر من لوحظت بعض تلك الصفات به وإن وجب الحذر منه ومجاهدته باللسان بنصحه بالإقلاع عن تلك الصفات المذمومة، قال الطبري [الجامع لأحكام القرآن للطبري: جـ1 ص200]: "جعل الله الأحكام بين عباده على الظاهر وتولى الحكم في سرائرهم دون أحدٍ من خلقه، فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر لأنه حكم بالظنون، ولو وكان ذلك لأحد لكان أولى الناس به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى [يقول الإمام الشافعي في هذا لمقام "ومن هذا المعنى من كتاب الله تعالى قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ... ﴾ وهذا يوجب على الحكام ما وَصَفْتُ من ترك الدلالة الباطنة والحكم بالظاهر من القول أو البينة أو الاعتراف أو والحجة ودل أن عليهم أن ينتهوا إلى ما انتهى إليه، فمن بعده من الحكم أولى ألا يحدث في شيء لله فيه حكم أو لرسوله عليه الصلاة والسلام غير ما حكم به بعينه "الرسالة للشافعي هامش ص151-157 نقلا عن الإمام جـ5 ص111].

أما النفاق الذي هو دون الكفر: فهو أن يبطن المرء غير ما يظهر في بعض الأمور المنهي عنها شرعًا والمعتبرة معاص، من ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" [المحلى: جـ11 ص202] وقوله عليه الصلاة والسلام: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خُلّة منهن كانت فيه خلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر" [المحلى عن طريق مسلم أيضًا: جـ11 ص202 وفي المعنى نفسه البخاري: جـ1 صـ15] فلما كان فاعل إحدى هذه الخصال المذمومة يُسرُّ خلاف ما يظهر ويقول ما لا يفعل كان فعله ذلك نفاقًا مذمومًا وعصيانً لا يخرج عن الإسلام، وبرهان ذلك أن المرتد عن الإسلام إلى الكفر حكمه القتل وهؤلاء المذكورون من المخاصم الفاجر والواعد المخلف والمعاهد الغادر والمؤتمن الخائن والكذاب في حديثه، المذكورون لا قتل عليهم لأنه لا نص في قتلهم ولا قال به أحد من الفقهاء فضلا عن أن يكون فيه إجماع.

والمنافق الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان والإسلام إنما يخدع نفسه في الحقيقة، ومن كلام حكماء العرب: من خدع من لا يُخدع فإنما خدع نفسه، وهو بنفاقه لم يعرف الله عز وجل، إذ لو عرفه سبحانه لعلم أنالله يعلم ما يسره، وأنه تعالى لا يخدعه أحد، ومن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر" قالوا يا رسول الله، وكيف يخادع الله؟ قال: "تعمل ما أمرك الله به وتطلب به غيره" [أخرجه الطبري في كتاب آداب النفس، الجامع لأحكام القرآن: جـ1 ص19].

 

الفصل الثالث

الحَاكِميَّة

"أمران تركتهما فيكم لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم –" حديث شريف" [عن مالك بن أنس – الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: جـ8 ص30].

جرت على بعض الألسن لفظة "الحاكمية" تعبيرًا عن معان وأحكام تضمنتها آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ثم أسندت اللفظة إلى اسم المولى عز وجل فقيل "حاكمية الله".

ثم تفرعت عن اللفظة مضافة إلى اسم المولى عز وجل أحكام، فقيل: إن مفهوم "حاكمية الله" كذا وكذا ومقتضى ذلك أن يعتقد الشخص كذا وكذا، وأن يكون فرضًا عليه أن يقوم بكذا وكذا من الأعمال، فإن لم يعملها وعمل غيرها فهو خارج عن "حاكمية الله" تعالى فوصفه كذا.

ونحن على يقين أن لفظة "الحاكمية" لم ترد بأية آية من الذكر الحكيم، ونحن في بحثنا في الصحيح من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام لم نجد منها حديثًا قد تضمن تلك اللفظة فضلا عن إضافتها إلى اسم المولى عز وجل.

والتجارب وواقع حال الناس يقول لنا إن أصحاب الفكر والنظر والباحثين قد يلحظون ارتباطًا بين معاني مجموعة من الآيات بالقرآن الكريم والأحاديث الشريفة وفكرة بارزة فيها فيضعون مصطلحًا لتلكم المعاني.

غير أنه لا يمر إلا الوجيز من الزمن حتى يستسهل الناس المصطلح الموضوع فيتداولونه بينهم ثم يتشدق به أناس قليل منهم من قرأ الكثير الذي كتبه الباحثون والمفكرون أصحاب النظر شرحًا للآيات والأحاديث التي كانت هي الأصل عندهم وتعبيرًا عن المعاني التي لاحظوها والأقل من هؤلاء القليل من يكون قد استوعب ما كتبه الباحثون والمفكرون واستطاع أن يفهم ما أرادوه وأدرك حقيقة مقصدهم، والغالبية العظمى تنطق بالمصطلح وهي لا تكاد تعرف من حقيقة مراد واضعيه إلا عبارات مبهمة سمعتها عفوًا هنا وهناك، أو ألقاها إليها من قد لا يحسن الفهم أو يجيد النقل والتعبير.

وقد لا يمضي كثير وقت حتى يستقل المصطلح بنفسه في أذهان الناس، ويقر في آذانهم أنه الأصل الذي يرجع إليه، وأنه الحكم الكلي الجامع الذي تتفرع عنه مختلف الأحكام التفصيلية، وينسى الناس أن الآيات والأحاديث التي لوحظ فيها المعنى الذي وضع المصطلح عنوانًا له هو الأصل الذي يتعين الرجوع إليه، بل قد يغيب عنهم أن مراد واضعي المصطلح لم يكن غير التعبير عن معانٍ عامة أرادوا إبرازها وجذب انتباه الناس إلى أهميتها، دون أن يقصدوا وضع أحكام فقهية، خاصة التفصيلية منها.

وهكذا يجعل بعض الناس أساسًا لمعتقدهم مصطلحًا لم يرد له نص من كتاب الله أو سنة الرسول.

أساسًا من كلام بشر، غير معصوم، وارد عليه الخطأ والوهم.

أساسًا من كلام بشر، غير معصوم، علمهم بما قاله في الأغلب الأعم علم مبتسر مغلوط.

لذلك كان لزامًا علينا ألا نتعلق بالمصطلحات التي يقول بها البشر غير المعصومين وأن نتشبث ونلوذ بكلام رب العالمين وكلام المعصوم سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام.

هذا هو الكلام المحكم الذي لا يظن فيه خطأ أو نقصان أو وهم.

وهو الكلام المحفوظ حفظًا كاملا، لا يلحقه تبديل أو تغيير حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وهو الكلام الذي لا يكون فيه تناقض أو يقع بين بعضه وبعض اختلاف.

وهو الكلام الذي يكون جملة واحدة يفسر بعضه بعضًا كما يحد بعضها بعضًا.

تجد الآية مطلقة تكاد تعم كل شيء ثم تجد الآية الأخرى قد خصصتها واستثنت منها، ثم تجد الحديث الصحيح يضع الشروط المكملة لما في الآيتين.

وقد نجد اللفظين في الآية له معنى لغوي معروف ثم نجد الحديث الصحيح وقد عرف أن المراد من اللفظ معنى شرعي محدد.

والأحكام الشرعية تؤخذ من كلام الله تعالى وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام، لا من أقوالٍ أو مصطلحات يضعها الناس، أيّ‍ا كان هؤلاء الناس.

والآيات والأحاديث هي التي تحدد الحكم الشرعي وشروط تحقيقه وحدود استعماله.

ويؤخذ الحكم من مختلف الآيات والأحاديث طبقًا لأصول وردت بها الآي والأحاديث.

فلتكن إذن آيات القرآن الكريم، دائمًا، هي الأصل الذي نتلوه ونرجع إليه ونتدبره ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ (ص: الآية 29).

وليكن الثابت الصحيح من أحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام هو البيان لكل ما احتاج إلى بيان ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: الآية 44).

ولن تغني عن ذلك أبدًا أي مصطلحات يضعها بشر غير معصوم.

ولا حاجة لنا بعد كتاب الله وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام بأن نتعلق بأية مصطلحات يضعها بشر غير معصوم.

 

الفصل الرابع

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ

عقيدتنا

يقيننا الذي لا شك فيه أن الحكم لله تعالى وحده، وأنه سبحانه وتعالى وحده صاحب الأمر والنهي دون سواه، وهو جل وعلا دون غيره الذي يجعل الحلال حلالاً والحرام حرامًا ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ﴾ (يوسف: من الآية 40)، ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ (الأعراف: من الآية 54) ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَريَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ (النحل: من الآية 116).

ونحن نؤمن إيمانًا كاملا أن شريعة الله هي الحق وأن ما دونها باطل وظلم: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ (الإسراء: من الآية 105)، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ (يونس: من الآية 32).

ويقيننا الذي لا شك فيه أن شريعة الله تعالى هي التي تلزمنا دون غيرها وهي تلزمنا بمقتضى أمره تعالى، سواء ارتضاها حاكم أم لم يرتضها.

ونحن نؤمن إيمانًا كاملاً تامًا أن شريعة الله هي الواجبة النفاذ وأن واجب كل فرد مسلم العمل بمقتضاها وإنفاذها فعلا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، سواءً أنفذها الحاكم أم عمل على تعطيلها ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: الآية 32).

ويقيننا الذي لا شك فيه أن شريعة الله هي الشريعة التي لا يجوز التحاكم إلا إليها، فإليها يرد الحلال والحرام وما هو فرض وما هو مندوب إليه وما هو مكروه وما هو مباح: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: الآية 65).

وما أحله الله، حلال إلى يوم القيامة، لا يملك كائن من كان أن يحرمه.

وما حرمه الله، حرام إلى يوم القيامة، لا يملك كائن من كان أن يحله.3

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية 3)، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام: الآية 115).

ونحن نقول بما أجمع عليه المسلمون مِنْ أنَّ مَنْ اعتقد – بعد أن بلغه الحق وقامت عليه الحجة – أن شخصًا ما أو هيئة ما أو جماعة ما، أو كائنًا من كان له الحق أن يحل ما حرم الله وثبت حكم تحريمه الأبدي بانقطاع الوحي بوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، أو ويحرم ما أحله الله وثبت حكم حله الأبدي الوحي ووفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، أو يحد حدًا لم يكن واجبًا حين موته عليه الصلاة والسلام، أو يشرع شريعة لم تكن في حياته عليه الصلاة والسلام – من اعتقد ذلك بعد أن بلغه الحق وقامت عليه الحجة، ولم يكن متأولاً لنص من كتاب الله أو من سنة رسوله عليه الصلاة والسلام: فهو كافر مشرك خارج عن الإسلام ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ﴾ (الشورى: من الآية 11).

وزيادة في الإيضاح نقول بعون الله: إن مقتضى الإيمان بالله تعالى ومقتضى توحيده تعالى، وبعبارة أخرى، مقتضى شهادة أن لا إله إلا اله الاعتقاد الجازم بأنه تعالى دون غيره صاحب الأمر المطلق الذي لا يحده حد، يأمر بما يشاء، ويقضي بما شاء، ويحكم بما يشاء وقت ما يشاء، لا لعلة تلزمه أن يقضي أو يأمر أو ويحكم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ولا يُسأل لم قضى أو لم أمر أو لم حكم ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: الآية 23)، ومن اعتقد – بعد أن بلغه الحق وقامت عليه الحجة – حدً لسلطان الله تعالى أو لأمره أو لحكمة تعالى فقد أشرك، إذ لو صح أن لذلك حدًا، لكان لزامًا أن يكون هناك من هو خارج عن هذا الحد، أي من لا سلطان لله تعالى عليه، أي من هو ند لله تعالى، وذلك هو الشرك بعينه، أعاذنا الله منه.

وكذلك فإن مقتضى الإيمان بالله تعالى وتوحيده، الاعتقاد الجازم بأنه تعالى المعبود بحق دون سواه أي المستحق الاتباع والانقياد المطلقين، أي الإسلام له تعالى دون غيره، إذ لو وجب بعض الانقياد والاتباع، أي الإسلام لغيره تعالى بغير إذنه، لكان ذلك الغير خارجًا عن سلطان الله تعالى أي ندًا وشريكًا له تعالى، تتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

وأيضًا فإن مقتضى الإيمان بالله تعالى توحيده ومقتضى الاعتقاد بأنه تعالى المعبود بحق الواجب الانقياد له على الإطلاق، مقتضى ذلك تنفيذ أمر الله والعمل فعلا بما أمر الله تعالى به والانتهاء فعلا عما نهى عنه، وهذا داخل في مضمون العبادة ولازم من الاعتقاد بأنه تعالى هو المعبود بحق وثابت من النصوص القاطعة الصريحة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (النساء: من الآية 59)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (النساء: من الآية 64)، ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (النساء: من الآية 13)، فبين الله تعالى بهذه الآيات أنه لم يرد منا الإقرار بالطاعة له تعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام بلا عمل بأوامره واجتناب لنواهيه، وحذرنا تعالى من العصيان، فقال جل شأنه: ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (النساء: الآية 14)، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: الآية 13)، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: الآيات 7-8)، وروى ابن كثير [تفسير ابن كثير: جـ4 ص482] أن الترمذي أخرج عن أبي هريرة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "إن العبد إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب منه صقل قلبه وإن زاد زادت فذلك قوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (المطففين: الآية 14)، فمن وفقه الله تعالى للطاعة والعمل بما أمر به والانتهاء عما نهى عنه فقد عبد الله في كل طاعة من طاعاته، وزاد إيمانه بزيادة طاعته ومن أتى معصية فلم يعبد الله لتلك المعصية ولا فيها، ولكنه يكون عابدًا لله في سائر طاعاته وإقراره بالتوحيد، وقد سبق أن فصلنا القول بأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن اعتقد – بعد أن بلغه الحق وقامت عليه الحجة – أن شريعة الله تعالى التي أمر الله تعالى بنفاذها والعمل بها متوقف على إذن شخص أو هيئة أو جماعة أو كائن من كان فقد جعل من هؤلاء حكامًا على الله تعالى بحد سلطانهم من سلطان الله، فهو قد جعلهم شركاء لله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوً كبيرًا.

ومن اعتقد أن كائنًا من كان من كان في مكانته أو من حقه، بغير إذن من الله، أن يحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله فقد جعل ذلك الكائن شريكًا لله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

حكم الجاهل بالأوامر والنواهي، والواجب عليه، والواجب على المجتمع نحوه:

أما إن الله تعلى قد شاءت إرادته أن يرسل رسلاً بشريعة ما تقضي بإقامة شعائر معينة وتأمر بأعمال محددة وتنهى عن غيرها، وتحل كذا وتحرم كذا، وتنظم العلاقة بين الناس وبعضهم البعض أو بين السواد من الناس وبعضهم البعض أو بين السواد من الناس ومن يتولون أمرهم، فهذا ما لا يعرف إلا بوصول البلاغ من الله تعالى إلى عباده، فمن بلغه الأمر وقامت عليه الحجة لزمه الاعتقاد بحكم الله تعالى فيما بلغه من وجوب أو ونهي أو تحريم أو إباحة، ولزمه العمل بالشريعة التي بلغته.

أما من لم يبلغه الأمر كله أو بعضه فهذا معذور بجهله فليس بكافر ولا بفاسق ولا بعاصٍ يستثني من ذلك ما ورد به النص صراحة وأجمع عليه المسلمون من أنه لا يسمى مسلمً ولا يعامل معاملة المسلمين إلا من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولذا قالوا إن هذا معلوم من الدين بالضرورة إذ من جهله لا يعتبر في هذه لدنيا مسلمًا ولا يعامل معاملة المسلمين.

"ذلك أن الله تعالى لم يأمرنا قط بشيء من الدين إلا بعد بلوغ الأمر إلى المأمور وكذلك النهي ولا فرق، وأما قبل انتهاء الأمر والنهي إليه فإنه غير مأمور ولا منهي لقوله: ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ (الأنعام: من الآية 19)، ولقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية 286)، ولإخبار رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه لا يسمع به يهودي أو ونصراني فلم يؤمن به إلا وجبت له النار، ولحديث قتادة عن عبد الأسود بن سريع عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "يعرض على الله سبحانه وتعالى الأصم الذي لا يسمع شيئًا والأحمق والهرم ورجل مات في الفترة فيقول الأصم: رب جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، ويقول الأحمق: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، ويقول الذي مات في الفترة: رب ما أتاني لك من رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل الله إليهم: ادخلوا النار، فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا" وعن أبي هريرة مثله وزاد في آخره: "ومن لم يدخلها دخل النار" فصح أنه لا نذارة إلا بعد بلوغ الشريعة إلى المنذر، وأنه لا يكلف أحد بما ليس في وسعه، وليس في وسع أحد علم الغيب في أن يعرف شريعة قبل أن تبلغ إليه، فصح يقينًا أن من لم تبلغه الشريعة لم يكلفها" [الأحكام لابن حزم: جـذ1 ص60 وما بعدها].

وإذا صح هذا فإن الجاهل بأن شريعة من الله تقضي بإقامة شعيرة ما تعبدًا لله تعالى أو تأمر بفرض من الفروض أو تنهى عن عمل من الأعمال أو تنظم العلاقة بينه وبين غيره أو بينه وبين من يتولى أمره على صفة محددة وعلى تنظيم محدد، فهو ليس بكافر ولا بفاسق ولا عاص، معذور بجهله إلا أن يكون قد بلغه النص بأن عليه أن يسعى ليعرف حكم الله فيما نزل به فقعد عن السعي غير جاحد الأمر فإنه يكون عاصيًا في قعوده عن السعي المأمور به، أما إن قعد عن السعي جاحدًا أمر الله، فهو وكافر مشرك بلا خلاف.

وهكذا القول في الشريعة كلها كالقتل ووطء الفرج الحرام وأكل الحرام واستباحة العرض الحرام وغير ذلك، كل هذا من فعله مخطئًا غير عالم بأنه خالف ما جاء من عند الله تعالى على لسان نبيه – صلى الله عليه وسلم – فلا يكفر ولا يفسق ولا يعصي، ومن فعله عامدًا غير معتقد لإباحة ما حرم الله تعالى من ذلك فهو فاسق، ومن فعله عامدًا مستحلاً خلاف الله تعالى فهو وكافر [الأحكام لابن حزم: جـ8 ص140] وقد فرض الله تعالى على كل فرقة من المؤمنين الذين بلغتهم شريعته على لسان خاتم رسله وأنبيائه أن تنفر منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم، أي يبلغوهم أوامر الله تعالى ونواهيه وما شرعه الله تعالى للناس من مختلف الشرائع الواجب العمل بها، قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: من الآية 122)، وأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يبلغ الشاهد الغائب، فقال في حَجَّة الوداع: "ألا فليبلغ الشاهد الغائب" [الأحكام لابن حزم: جـ2 ص143]، كما أن الله تعالى أمر كل مسلم أن يسعى ما استطاف ليعرف حكم الله في النازلة التي نزلت به، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: من الآية 43).

وفرض النذارة من فروض الكفاية: أي هو فرض تسأل عنه الأمة الإسلامية جميعها متضامنة في مجموع أفرادها، إن لم يقم به منها من يسد حاجة الناس ويكفيهم: أثم كل فرد من أفراد الأمة بعينه بما لم يبذله من جهد كان في وسعه أن يبذله لتحقيق فرض الله، فإن قام بالفرض العدد الكافي لسد حاجة الأمة، سقط الإثم عن الجميع.

أما الجاهل فالفرض عليه بعينه أن يسعى لمعرفة حكم الله فيما نزل به، فإن قصر وقعد عن السؤال بعد أن بلغه التكليف بالسعي، فحكمه ما سبق بيانه.

وفي هذا كفاية لبيان فساد القول: "بأن من تصور أن الربوبية والعبادة إنما تقتضي إقامة الشعائر من صلوات وصيام وحج وزكاة فقط، فإن عقيدته تكون فاسدة ولا يعتبر مسلمًا فليست المسألة مسألة تصور وإنما المدار على بلوغ الأمر إلى المأمور، فمن بلغه أمر اله بالصلاة والصوم وأداء الزكاة والحج وكان هذا هو كل ما بلغه ولم تبلغه شريعة الله في أحكام البيع والقرض والمزارعة وغيرها، فهو معذور بجهله بتلك الشرائع وليس بكافر ولا فاسق ولا عاصٍ وعقيدته سليمة وإن ظن على خلاف الواقع أن تلك هي كافة الشرائع التي أمره الله تعالى بها.

وواجبنا تجاه هذا وأمثاله – وهم الكثرة الغالبة الآن التي لم يصلها علم بمختلف الشرائع التي أوجبها الله عليهم واقتصر علمهم على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج – أن نبلغهم وننذرهم بأوامر الله ونواهيه ونحثهم على القيام بها وأدائها، وهم من قبل ذلك مسلمون لا ينقص جهلهم بتلك الشرائع من سلامة عقيدتهم شيئًا.

وهم وقع فيه البعض: في معرض شرح مفهوم حاكمية الله تعالى يقول الأستاذ المودودي في كتابه المصطلحات الأربعة: "ومما يقتضيه توحد السلطة العليا أن يكون جميع ضروب الحكم والأمر مرجعه إلى مسير قاهر واحد وألا ينتقل منه جزء من الحكم إلى غيره، فإنه إذا لم يكن الخلق إلا له، ولم يكن له شريك فيه وإذا كان هو الذي يرزق الناس ولم تكن لأحد من دونه يد في الأمر، وإذا كان هو القائم بتدبير نظام هذا الكون وتسيير شئونه ولم يكن له في ذلك شريك، فمما يتطلبه العقل ألا يكون الحكم والأمر والتشريع إلا بيده كذلك" انتهى.

وقد توهم البعض أن قائل تلك المقالة يرى استحالة أن يأذن الله تعالى للناس أن يضعوا لأنفسهم بعض التنظيمات أو التشريعات التي تنظم جانبًا من حياتهم.

وهذا فهم خاطئ لم يقله قائل تلك المقالة، كما أن عقولنا ليست حاكمة على الله بشيء، ولا يجوز لمسلم أن يجعل من عقله حدًا لسلطان الله تعالى.

وبالذي ينفي أن يكون لله عز وجل حق الإذن للناس في وضع بعض التشريعات أو التنظيمات إنما يحد بعقله من سلطان الله، ويجعل عقله حاكمًا على الله عز وجل ومشيئته وهو بذلك يقع في المحظور إذ يجعل من نفسه ندًا وقيمًا على الله عز وجل تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

ولو شاء الله لتركنا من غير شريعة، ننظم كافة أمور حياتنا كيفما نشاء وحسبما تهدينا إليه عقولنا، ولو فعل الله تعالى ذلك لما نقص ذلك من سلطانه شيئًا، ولما نقص ذلك من عزته شيئًا، ولما نقص ذلك من حكمته تعالى شيئًا، ولكنا علمنا أن ذلك ما كان ولا يكون لأنه تعالى أخبرنا به، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ (القيامة: الآية 36)، والسدي هو المهمل الذي لا يؤمر ولا ينهى، ولأن اله تعالى أرسل الرسل إلينا وإلى من قبلنا بالدين والهدى: "بالأوامر والنواهي" مبلغين رسالات ربهم إلينا، وأمرنا بطاعته تعالى وطاعتهم، وتواعدنا إن خالفنا بالعذاب الشديد، ووعدنا إن أطعناه بالنعيم المقيم.

سَنُّ القوانين ووضع النظم والتشريعات:

والحق أن الله عز وجل قد ترك لنا كثيرًا من أمور دنيانا ننظمها حسبما تهدينا إليه عقولنا في إطار مقاصد عامة وغايات تحددها لنا سبحانه وتعالى وأمرنا بتحقيقها، وبشرط ألا نحل حرامًا أو نحرم حلالاً.

ذلك أن الأفعال في الشريعة إما فرض أو وحرام أو مباح.

والفرض: الذي فرضه الله علينا واجب لا يملك إنسان أن يقرر عدم وجوبه أو يُقبل منه، وفاعل ذلك بعد أن بلغه الحق وقامت عليه الحجة، جاحد للنص، مكذب لربه تعالى، فهو كافر مشرك بلا جدال.

وما حرمه الله تعالى: حرام إلى يوم القيامة لا يملك أحد أن يحله، وفاعل ذلك بعد بلوغ الحق إليه وقيام الحجة عليه جاحد للنص مكذب لربه، فهو كافر مشرك بلا جدال.

أما المباحات: فإن للمسلمين أن يسنوا فيها من الأنظمة – التي قد تتخذ شكل قرار أو لائحة أو قانون – ما تقتضيه الحاجة تنفيذًا لنصوص وردت بضرورة تحقيق مقاصد عامة، ومن هذا القبيل قوانين تنظيم الشورى التي أمر الله تعالى بها: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: الآية 38)، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، وأيضًا قوانين تنظيم المرور في الشوارع العامة وقوانين الوقاية الصحية وقوانين مقاومة الآفات الزراعية وتنظيم استعمال مياه الري وقوانين التعليم وقوانين تنظيم المهن المختلفة كالطب والهندسة والصيدلة وتحديد الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يزاولها، وقوانين تنظيم الإدارات والمصالح وتحديد اختصاصات وسلطات كل منها، وتنظيم الجيش وتحديد الشروط التي يجب توافرها فيمن يلتحق به وفي ضباطه وصف ضباطه، وقوانين شروط بناء المساكن بما يحقق سلامتها وتوافر الشروط الصحية فيها، والقوانين المتعلقة بالشروط اللازم توافرها في المصانع المختلفة كل على حسب طبيعة العمل فيها، وقوانين تنظيم المحال العامة.. إلخ على ما ماثل ذلك.

ولنضرب مثلا بقوانين تنظيم المرور في الشوارع العامة، فإن الحديث الثابت عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي يقول فيه: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام" [المحلى: جـ11 ص155]، والحديث الثابت عنه عليه الصلاة والسلام الذي يقول فيه "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" [المحلى: جـ11 ص143] قد فهمنا منهما وجوب المحافظة على دماءنا وأبشارنا وأعراضنا وألا يسلم أحدنا الآخر لما فيه هلاكه أو الإضرار به، ووجدنا أننا لو تركنا أمر السير في الطرقات العامة بالمركبات والسيارات والدراجات وغيرها من وسائل النقل من غير تنظيم وقواعد يلتزم بها الكل، وتكفل سلامة الأموال والأبدان فإننا نكون قد عرضنا دماء الناس وأبشارهم وأموالهم للإهدار وأسلمناهم بذلك لما فيه هلاكهم والإضرار المحقق بهم، لذلك كان حقًا على أمة المسلمين أن تضع التشريعات وتسن القوانين والتنظيمات التي تكفل باتباعها سلامة الأبدان والأموال وتصونها من التهلكة والتلف وأن تحدد للمخالف لهذه التشريعات والقواعد عقوبة في حدود العقوبات التعزيرية المنصوص عليها شرعًا.

ولا يجوز لأحد أن يزعم أن تشريعات تنظيم المرور في هذه الحالة من تشريع الله تعالى عز وجل، إنما هي من تشريعنا واجتهادنا تنفيذًَا لمقصد عام، أمرنا الله تعالى به، وهي تشريعات وقوانين تتبدل وتتغير حسبما تقتضيه الحاجة بغير وسائل المواصلات، ونحن غير معصومين من الخطأ في سنها وفي اجتهادنا فيها، والخطأ والوهم واردان علينا فيها وقد لا نحسن وضع النظام بما يحقق المقصد المطلوب – وقد ينتج عن خطئنا الإضرار ببعض الناس بدلا من حمايتهم من الضرر والهلاك.

وفي هذا كفاية لإبطال قول من زعم أن "التشريع صفة من صفات الله عز وجل وأن من وضع تشريعًا فقد انتزع لنفسه إحدى صفات الله عز وجل وجعل نفسه ندًا لله تعالى خارجًا على سلطانه" وما بناه على ذلك من أحكام إلا أن يكون المقصود بالتشريع التحليل والتحريم، فهذا بلا ريب مما اختص الله تعالى به نفسه، وقد أسلفنا البيان أن التشريعات والقوانين والأنظمة تدخل في مدلول لفظ "القول" فإذا احتوى التشريع أيًا كانت صورته، قانونًا أو قرارًا أو لائحة تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله أو النهي عما فرضه الله أو الأمر بما نهى الله عنه فهو باطل لا يجوز العمل به ولا اتباعه، وواضعه مستحلاً [وإن الجحود أن يسن الحاكم للناس شريعة ويجبرهم بسلطانه على تنفيذها ما دامت على خلاف ما شرع الله تعالى] مخالفة الله ورسوله، متى كان قد بلغه الحق وقامت عليه الحجة، كافر مشرك بلا خلاف، إذ يكون جاحدًا بقوله للنص الثابت مكذبًا لربه تعالى.

ومما يتعين التنويه عنه أن صفات الله تعالى وأسماءه قد وردت النصوص المحددة لها، والتي لا يجوز أن نتعداها وأن نزعم من عند أنفسنا أسماء وصفات لله عز وجل ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (الأعراف: من الآية 180).

ثم نقول للذين قالوا: "إن الحاكمية هي من مفهوم شهادة أن لا إله إلا الله أو ومن كون الربوبية لله تعالى دون غيره" إن عنيتم بهذا أن الله تعالى مطلق السلطان ومطلق الأمر يحكم ويشرع كما يشاء وقت ما يشاء، فإذا حكم الله تعالى أو أمر أو شرع لزمتنا طاعته وكان أمره الحق المطلق والعدل المطلق والإنصاف الكامل الشامل، فإنا وإياكم على صراط مستقيم، ولا خلاف بين أحد المسلمين في ذلك ولا خلاف أيضًا أن من زعم لنفسه – بعد بلوغ الحق إليه وقيام الحجة عليه حق التشريع المطلق، وأنه يستمد سلطانه بذلك من ذات نفسه، وأن تشريعه واجب الطاعة كتشريع الله، وأمره واجب الطاعة كأمر الله، فإنه يكون قد جعل نفسه ندًا لله تعالى وشريكًا له.

وإن كنتم تعنون أن ليس لأحد أن يقول هذا عند الله حرام أو هذا عند الله حلال بغير سند من الله، فنحن نوافقكم على ذلك وتلك هي عقيدتنا لأن القائل هذا حلال وهذا حرام، وهذا فرض وهذا نهي بدون سند من الله إنما يقول على الله ما لا يعلم، وهذا هو الكذب على الله، وقد نهانا الله عنه قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ (النحل: من الآية 116).

وإن كنتم تعنون بالحاكمية أن أحدًا لا يملك من نفسه أن يحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل لله فهذا أيضًا ما نعتقده ونقره ونؤمن به، ونقول عن من بلغه الحق وقامت عليه الحجة ثم اعتقد أو قال إنه يملك أن يحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله، فقد جعل نفسه ندًا لله، وهو كافر مشرك بلا خلاف.

وإن كنتم تعنون أن الناس يتعين عليهم الاعتقاد أن أحدًا – بغير إذن من الله – لا يملك أن يحرم عليهم ما أحله الله لهم أو أن يحل لهم ما حرم الله عليهم وأن من اعتقد جواز ذلك – ولو لم يعمل به فإنه يكون قد اتخذ ربا من دون الله وجعل مع الله إلهًا آخر، فتلك هي عقيدتنا التي لا نتشكك في صحتها أبدًا، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ﴾ (الشورى: من الآية 21)، وعن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم – وفي عنقي صليب من ذهب، قال: "يا ابن حاتم ألق هذا الوثن من عنقك"، فألقيته ثم افتتح سورة براءة حتى بلغ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ، فقلت يا رسول الله ما كنا نعبدهم، فقال – صلى الله عليه وسلم – "كانوا يحلون لكم الحرام فتستحلونه ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه" قلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم" [سبق ذكره وسنده ورواته].

وإن كنتم تعنون من قولكم إن الحاكمية لله وجوب الاعتقاد بلزوم الرد عند التنازع في الحكم على شيء أوفى من الأمور إلى شريعة الله دون غيرها، وأن من اعتقد – بعد قيام الحجة عليه – بوجوب الرد إلى غير شريعة الله التي بلغته، أو بعدم لزوم الرد إليها، ولو لم يفعل شيئًا، ولو لم يتحكم فعلا، فإنه يكون مشركًا كافرًا جاحدًا أمر الله الذي بلغه، وأن من جهر حرًا مختارًان بأنه يريد التحاكم إلى غير شريعة الله التي بلغته ليعرف ما هو حلال وما هو حرام وما هو فرض عليه وما هو منهي عنه، أو ماله من حق وما عليه من واجبات فإنه يكون قد أعلن عقيدته الفاسدة وأنه يفضل تلك الشريعة التي يريد التحاكم إليها على شريعة الله تعالى التي بلغته، وأنه يكون بذلك قد جحد شريعة الله تعالى التي بلغته فهو كافر ومشرك، ولا شأن لنا بما في قلبه، لأن من جحد بلسانه شيئًا مما افترض الله تعالى الإيمان به، في غير إكراه فقد كفر وأشرك وارتد عن الإسلام – فتلك أيضًا هي عقيدتنا التي لا نحيد عنها بحول الله أبدًا، لقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: الآية 65)، ولقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ﴾ (النساء: من الآية 59)، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: الآية 51).

ثم نعود فنكرر القول: إن الاعتقاد بأن الله تعالى مطلق السلطان الذي لا يحده حد، ومطلق الأمر، يحكم بما يشاء ويشرع ما يشرع ويقضي بما يشاء، فإذا حكم تعالى حكمًا وشرع لنا شرعًا وقضى علينا أمرًا لزمتنا طاعته تعالى، وكان أمره وشرعه وقضاؤه تعالى الحق المطلق والعدل المطلق والإنصاف الشامل، هذا كله توجب النصوص القاطعة والبراهين المبينة على ما توجبه بديهة العقل، أنه من مفهوم أن لا إله إلا الله وأنه سبحانه وتعالى المنزه عن كل نقص وعن كل عيب، وأنه وحده تعالى الذي له الكمال التام والرفعة الحقيقية، وأنه تعالى خالق كل شيء دونه، القاهر فوق كل شيء دونه لا ينازعه في الملك أحد، ولا يشاركه في سلطانه شيء.

وكما سبق أن قلنا فإن الاعتقاد بحد ما لسلطان الله تعالى يقتضي حتمًا أن يكون ثمة ما هو خارج عن هذا الحد، أي من لا سلطان لله تعالى عليه. ولا يعدو ذلك الخارج عن سلطان الله أن يكون غير مخلوق، أي هو إله مع الله، أو وخلقه خالق آخر، أي هو من صنع إله آخر، وذلك كله هو الشرك أعاذنا الله تعالى منه.

تفرقة يتعين ملاحظتها:

إلا أنه ينبغي التنبه الكامل للفرق بين تلك العقيدة الفاسدة التي توجب الشرك بالله تعالى، وبين جهل المرء بمجموع من الشرائع التي فرضها الله وعلمه ببعضها الآخر واعتقاده بناءً على ذلك أن شريعة الله تعالى تحكم جوانب محددة من حياته وأعماله وعلاقاته بالناس، وأن الله تعالى قد ترك له وللجماعة التي يعيش فيها حرية تنظيم باقي جوانب حياته وعلاقاته بغيره من الناس.

فهذا الاعتقاد الأخير ليس فيه شبه الكفر والشرك بل هو قد يصدر عن معتقد بتوحيد الله عز وجل ووجوب طاعته، وصاحبه كما سبق أن قدمنا الدليل من كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام معذور بجهله لا هو وكافر ولا هو فاسق ولا هو عاصٍ.

وعلى ذلك فإن القول: "بأن المسلمين في هذا الوقت الذي نعيش فيه قد فسدت عقيدتهم وخرجوا عن دين الإسلام، لأنهم إذا جهلوا معظم الشرائع التي فرضها الله تعالى لتنظيم حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأصبح تصورهم – بعد أن لم يعد يعرف أغلبهم إلا بعض أحكام الصلاة والصوم والزكاة والحج والقليل النادر عما هو مباح أكله ولبسه – أصبح تصورهم أن شريعة الله تكاد تكون أحكامها قاصرة على العبادات، وذلك الجزء القليل مما عرفوه من غيرها فقط"، هذا القول لا يصح وهي تهمة خاطئة كان ينبغي التحرز في الدعاء بها، لأنه كما سبق أن قدمنا البرهان من كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام، فإن أحكام الشريعة لا تلزم أحدًا قبل أن تبلغه ويعلم بها وتقوم عليه الحجة بوجوبها، أما قبل ذلك فالجاهل معذور بجهله.

والأولى، بل الفرض على من علم شريعة الله تعالى وتفقه فيها وأصبح أهلاً للنذارة أن يبلغها للناس ويشرحها لهم ويدلل على صحة قوله بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يدعوهم إلى الاعتقاد والعمل بالحق الذي جاءهم من ربهم، وهذه هي مهمة الداعية للإسلام.

وكذلك القول فيما قدمناه من وجوب الاعتقاد بأن أحدًا لا يملك أن يحل ما حرم الله تعالى أو يحرم ما أحل الله تعالى، وأن الناس يتعين عليهم الاعتقاد أن أحدًا – بغير إذن من الله – لا يملك أن يحرم عليهم ما أحله الله تعالى لهم أو ويحل لهم ما حرمه الله تعالى عليهم، فهذا أيضًا من مقتضى الاعقتاد بوحدانية الله عز وجل وتمام سلطانه، لأن الذي يملك من ذات نفسه وبدون إذن من الله تعالى تغيير شريعة الله وتبديلها لا يكون إلا ندًا لله تعالى وخارجًا عن سلطان الله تعالى وهذا هو الشرك.

وهنا أيضًا ينبغي التفرقة بين مثل هذه العقيدة الفاسدة الموجبة للشرك وبين من يعتقد متأولاً بعض النصوص القرآنية أو بعض نصوص السنة المطهرة، إن من الشرائع التي جاء بها الإسلام ما يتغير ويتبدل مع تغير الأزمان وتبدل الظروف والمناسبات، وأيضًا بين اعتقاد عامة الناس أن لأولي الأمر حق إصدار التشريعات وسن القوانين ووضع التنظيمات التي تلزمهم طاعتها بناءً على نصوص قرآنية وأحاديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام منها الصحيح ومنها ما اعتقدوا صحته وهو غير صحيح.

فالمعتقد أن بعض أحكام الشريعة مما يجوز أن يتغير أو يتبدل متأولاً في ذلك بعض النصوص ليس بكافر ولا مشرك، فهو لا يجعل نفسه ندًا لله تعالى، وإنما هو ويقول ويفعل ما يعتقد أن الله تعالى قد أباحه له وأذن فيه، وهو معذور بخطئه لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (الأحزاب: من الآية 5)، ولقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" [المحلى: جـ2 ص 334]، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "إذ اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد وأصاب فله أجران" [الأحكام: جـ8 ص 137]، وكل قائل في دين الله ممن تتوافر فيه شروط الاجتهاد حاكم في المسألة التي قال قوله فيها.

حد الخطأ والتأويل:

وبدهي أنه لا يكون متأولاً من لا علم له بالشريعة ولا باللغة التي نزل بها القرآن فذلك إن قال في دين الله بجهله وهو عالم بجهله وأن لا قدرة له على فهم النصوص واستنباط الأحكام من مختلف الآيات والأحاديث، فإنه يكون خائضًا في دين الله بغير علم وقائلا على الله تعالى بما لا يعلم، مستخفًا بدين الله تعالى.

وبدهي أيضًا أن التأويل الذي يعضر من قال به، ما يكون له وجه تسمح به لغة القرآن – وفيما هو خارج عما وقع فيه الإجماع وبات بعيدًا عن موضع الاجتهاد واحتمال الخطأ والتأويل.

وهذا المتأول ينبغي إقامة الحجة عليه أولا وإظهار خطئه وإعلامه بالحق، فإذا قامت عليه الحجة اللائحة الظاهرة التي لا محل للجدل بعدها، فإن تمادى على معتقده فإنه يكون جاحدًا لما افترض الله تعالى عليه الإيمان به فهو كافر مشرك.

واعتقاد عامة الناس أن لأولي الأمر حق إصدار القوانين ووضع التنظيمات التي تنظم جوانب من حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بناءً على نصوص من القرآن الكريم والسنة الشريفة، اعتقاد ليس فيه أيضًا شبهة الكفر والشرك، بل هو اعتقاد في أصله حق، وسبق أن قدمنا البرهان على أن الله عز وجل قد أمر أمة المسلمين بتحقيق مقاصد عامة منها المحافظة على دمائهم وأبشارهم وأموالهم وأعراضهم وترك لها الاجتهاد في تنظيم ذلك وتحقيقه، وقد وردت النصوص بوجوب طاعة أولي الأمر في ذلك، وإنما جاء الخلل ووقع الاضطراب من جهل الناس بحدود ما لأولي الأمر من حق في هذا الشأن، وأيضًا من جهلهم بحقيقة أولي الأمر المعتبرين بهذه الصفة في شريعة الله، فأدى جهل الناس إلى طاعة من ظنوهم من أولي الأمر وهم ليسوا منهم، وإلى طاعتهم فيما اعتقدوا أنه من حقهم إصدار أوامرهم فيه، في حين أن كثيرًا من تلك الأوامر التي تصدر في شكل قوانين وقرارات ولوائح خارج عن حدود ما أباحه الله لأولي الأمر.

وفيما سبق قدمنا البرهان على أن الجاهل معذور بجهله ليس بكافر ولا بفاسق ولا بعاصٍ، والواجب على من ندب نفسه للدعوة إلى الله أن يبين للناس حقيقة شريعة الله ويفصل لهم بالبرهان من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ما أحله وما حرمه وما أباحه وما ألزمنا تعالى به من شرائع لم يجعل لأولي الأمر أو لغيرهم حقًا في تبديلها أو تغييرها، وحدود ما أباح الله لأولي الأمر تنظيمه بالقوانين والقرارات واللوائح فضلا عن أن يبين لهم الشروط الواجب توافرها فيمن يعتبر ولي أمر يتعين طاعته فيما أمرنا الله بطاعته فيه.

والناس من قبل ذلك وحتى تقوم عليهم الحجة، معذورون بجهلهم، وهم مسلمون غير عاصين ولا فاسقين إلا من ثبت لنا بالبينة الشرعية أنه بعينه عالم بحقيقة أمر الله مطيع عن رضا لآمر بمعصية الله متخذًا له ربًا من دون الله، أخرج مسلم عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع" [أورده صاحب رياض الصالحين].

 والحق أن عقيدة قداسة أولي الأمر أو عصمتهم أو والظن أن أوامرهم كأوامر الله تعالى أو أن لهم أن يحلوا ما حرمه الله أو يحرموا ما أحله الله، ذلك كله معدوم الوجود بين غالب عامة المسلمين، وينطق الواقع أنه حيث يكون أمر الله تعالى معلومًا غير خاف ولا محل لاختلاف الآراء فإن أحدًا من عامة الناس لا يتشكك في أن أمر الله تعالى هو الحق الواجب الاتباع، لا يبطله قول قائل ولا تشريع ذي سلطان، وأن عامة المسلمين هم على العقيدة الأكيدة أن الخمر حرام، شاربها آثم، رغم توالي السنوات الطوال وأصحاب السلطة في بلاد الإسلام لا يعاقبون شارب الخمر بعقوبة ما،وعامة المسلمين لا يتشككون في أن الزنا حرام رغم شيوعه والتعالن به، وقعود الحكام عن إقامة الحدود على مقارفة، وعامة المسلمين على عقيدتهم أن الربا – وإن جهلوا تفصيلات أحكامه – آثم آخذه ومعطيه، رغم أن القوانين السائدة تبيحه ولا تعاقب عليه، ومثال ذلك كثير، بل إنا لنقول إنه حتى الكثيرين من الذين يقارفون مثل تلك الكبائر ويجهرون بها لشعورهم من أنهم في مأمن من العقاب فإنهم يقارفون ما يقارفونه وليس عندهم شك في أن ما يأتونه محرم عند الله، لم يجعله حلالاً قعود ذوي السلطان عن إنفاذ أمر الله فيهم.

وكذلك الأمر فيما قلناه من وجوب التحاكم إلى شريعة الله تعالى والرد عند التنازع إلى الله تعالى والرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه يجب حتى يعتبر الشخص جاحدًا أن يكون قد أعلن إعراضه عن شريعة الإسلام جملة، أو أن يعلم حكم الله تعالى في النازلة المتنازع عليها ثم يأباه ويستحل خلافه، أما من آمن بشريعة الله جملة وهو غير عالم بمختلف ما تتضمنه من أحكام، واعتقد أن ليس لله تعالى حكم في الموضوع المتنازع عليه أو اعتقد أن القانون المعمول به على مقتضى شريعة الله في المسألة موضوع التنازع، أو أنه مما يجب طاعة أولي الأمر فيه، فهذا معذور بجهله ليس بكافر ولا بفاسق ولا بعاص لما قدمناه من البراهين من كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام من أن الشريعة لا تلزم إلا من بلغته، وأن الجاهل معذور بجهله والمخطئ مرفوع عنه حكم خطئه.

والواجب على من ندب نفسه للدعوة للإسلام وسيادة شريعة الله تعالى والحكم بما أنزل الله تعالى، أن يبلغ الناس حقيقة أمر الله ويوضح لهم شريعته تعالى وحكم الله الواجب اعتقاده والعمل به وأن يقيم البرهان على ذلك من الكتاب والسنة حتى تقوم الحجة على الناس، والناس من قبل ذلك معذورون بجهلهم وهم مسلمون لا فساد في عقيدتهم، فمن قامت عليه الحجة ثم ثبت بالبينة الشرعية أنه قد أعرض عن حكم الله تعالى الذي علمه، فإنه بذاته دون غيره الذي يكون كافرًا فاسقًا مشركًا، أما من سلم بحكم الله تعالى ولم يعترض عليه فإنه يكون قد حكّم شريعة الله فإذا عمل بعد ذلك على خلافها فإنه يكون فاسقًا عاصيًا على نحو ما سبق أن أوضحناه وفصلناه.

الإكراه وحكم المكره:

تعرضنا فيما قدمنا إلى أصلين من الأصول العامة في الشريعة الإسلامية وهما: الجهل والخطأ، وهما أصلان من الأصول العامة التي يكون عليها المدار في الحكم على كافة الأقوال والأعمال وسقنا البراهين الواضحة من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام على وجوب اعتبار هذين الأصلين وما ينبني على كل منهما من حكم شرعي يقضي بأن الجاهل معذور بجهله وأن المخطئ مأجور على اجتهاده ومعفو عن خطئه.

وأصل ثالث نرى ضرورة التعرض له لأنه أيضًا من الأصول العامة التي يكون المدار عليها في الحكم على الأقوال والأعمال، وسبق أن أشرنا إلى ذلك الأصل عند تعريفنا معنى الكفر فقلنا إن الناطق بكلمة الكفر لا يعتبر كافرًا ولا يحكم بردته إذا ما نطق بها مكرهًا، وكذلك من عمل عملا أتى النص بأن فاعله ينتفي عنه اسم الإيمان فإنه لا يحكم بكفره ولا بردته إذ عمل ذلك العمل مكرهًا.

وتطبيقًا لهذا الأصل أيضًا شرطنا الحرية والاختيار فيمن جهر بأنه يريد التحاكم إلى غير شريعة الله تعالى التي بلغته وتوضيحًا لذلك الأصل الهام الذي يعتبر من الركائز التي تبنى عليها الأحكام في الشريعة الإسلامية، نعود فنورد الآية الكريمة التي من سورة النحل: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: الآية 106).

فالنص واضحٍ في استثناء إلحاق حكم الكفر بمن صدر عنه وهو مكره ما كان يعتبر به كافرًا مرتدًا ولو لم يكن مكرهًا، والنص عام مطلق يشمل كل ما ينفي عن المسلم اسم الإيمان من قول وعمل.

قال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن": "إن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر وقال إن ابن عباس رضي الله عنهما قال في ذلك: أخذه – أي عمارًا – المشركون وأخذوا أباه وأمه سمية وصهيبًا وبلالاً وخبابًا وسالمًا، وربطت سمية بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة، وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهًا فشكا ذلك إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – "كيف تجد قلبك" فقال: مطمئن بالإيمان فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "فإن عادوا فعد"، وروى القرطبي أيضًا أن عيونًا لمسيلمة أخذوا رجلين من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فذهبوا بهما إلى مسيلمة، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله، قال: نعم، فخلى عنه، وقال للآخر: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله، قال: أنا أصم لا أسمع، فقدمه وضرب عنقه، فجاء الأول إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: هلكت فقال عليه الصلاة والسلام: "وما أهلكك؟" فذكر الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: "أما صاحبك فأخذ بالثقة" وفي رواية: "أما صاحبك فمضى على إيمانه وأما أنت فأخذت بالرخصة على ما أنت عليه الساعة قال الرجل: أشهد أنك رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: "أنت على ما أنت عليه" واستطرد القرطبي قائلا: لما سمح الله عز وجل بالكفر به – وهو أصل الشريعة – عند الإكراه ولم يؤاخذ به، حَملَ العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم، وقال ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة في القول أو الفعل فلا رخصة فيه مثل الإكراه على السجود لغير الله أو والصلاة لغير القبلة أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله أو الزنا أو شرب الخمر وأكل الربا وذهبت طائفة أخرى من العلماء منهم عمر بن الخطاب ومكحول ومالك وطائفة من أهل العراق إلى أن الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان.

ثم قال القرطبي: أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة، واختلفوا فيمن أكره على غير الكفر من فعل ما لا يحل له، فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدة في ذلك واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة، وذكر ابن سحنون عن أهل العراق أنه إذا تهدد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه التلف فله أن يفعل ما أكره عليه من شرب خمر أو أكل خزير فإن لم يفعل حتى قتل خفنا أن يكون آثمًا لأنه كالمضطر، وقال القرطبي: روى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو متوسط بردة له في ظل الكعبة فقلت: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ قال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" وعقب القرطبي على لك بقوله: فوصفه صلى الله عليه وسلم هذا عن الأمم السابقة على وجه المدح لهم والصبر على المكروه في ذات الله وأنهم لم يكفروا في الظاهر ويبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم، وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة.

وقال القرطبي أيضًا: أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.

وقال القرطبي أيضًا: اختلف العلماء في حدود الإكراه فروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ليس الرجل آمنًا إذا خفته أو ووثقته أو ضربته، وقال ابن مسعود ما من كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلمًا به، وقال الحسن: التَّقِية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلا أن الله تبارك وتعالى ليس يجعل في القتل تقية، وقال النخعي: القيد إكراه والسجن إكراه وهذا قول مالك إلا أنه قال: والوعيد المخوف إكراه وإن لم يقع إذا تحقق ظلم ذلك المعتدي وإنفاذه لما يتوعد به، وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت، إنما هو ما كان يؤلم من الضرب وما كان من سجن يدخل فيه الضيق على المكره، وذهب مالك إلى أن من أكره على يمين بوعيد أو وسجن أو ضرب أنه يحلف ولا حنث عليه وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور وأكثر العلماء" انتهى.

والحق أن النصوص من الكتاب والسنة جاءت مطلقة وعامة وشاملة ومقررة لأصل عام في الشريعة كلها، مقتضاه رفع الإثم عن المكره، قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (الأنعام: من الآية 119). وقال عليه الصلاة والسلام: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" [المحلى: جـ2 ص 334].

ومن الأصول المقررة أن العام يحمل على عمومه إلا فيما ورد فيه نص أو إجماع باستثنائه، فإذا أورد نص أو إجماع بأن الإكراه لا يرفع الإثم عن عمل معين، كقتل الغير أو انتهاك حرمته، أو عن قول معين، صرنا إليه وقلنا به.

وفي ذلك يقول الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم: [المحلى: جـ8 ص329]: الإكراه ينقسم قسمين: إكراه على كلام وإكراه على فعل، فالإكراه على الكلام لا يجب به شيء وإن قاله المكره كالكفر والقذف والإقرار والنكاح والإنكاح والرجعة والطلاق والبيع والابتياع والنذر والإيمان والعتق والهبة، وإكراه الذمي الكتابي على الإيمان وغير ذلك، لأنه في قوله ما أكره عليه إنما هو حاكٍ للفظ الذي أمر أن يقوله ولا شيء على الحاكي بلا خلاف، ومن فرق بين الأمرين فقد تناقض قوله، وقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" فصح أن كل من أكره على قول ولم ينوه مختارًا له، فإنه لا يلزمه.

والإكراه على الفعل ينقسم قسمين: أحدهما: كل ما تبيحه الضرورة كالأكل والشرب فهذا يبيحه الإكراه لأن الإكراه ضرورة، فمن أكره على شيء من هذا فلا شيء عليه لأنه أتى مباحًا له إتيانه.

والثاني: ما لا تبيحه الضرورة كالقتل والجراح والضرب وإفساد المال، فهذا لا يبيحه الإكراه فمن أكره على شيء من ذلك لزمه القود والضمان لأنه أتى محرمًا عليه إتيانه.

والإكراه هو كل ما سمي في اللغة إكراهًا وعرف بالحس أنه إكراه، كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به، والوعيد بالضرب كذلك أو الوعيد بالسجن كذلك أو الوعيد بإفساد المال كذلك، أو والوعيد في مسلم وغيره بقتل أو ضرب أو سجن أو إفساد مالٍ لقوله عليه الصلاة والسلام: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (الأنعام: من الآية 119) وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ (الأنعام: من الآية 3).

فإن قيل: هلا أبحتم قتل النفس للمكره والزنا والجراح والضرب وإفساد المال بهذا الاستدلال؟

قلنا: لأن النص لا يبيح له قط أن يدفع عن نفسه بظلم غيره ممن لم يتعد عليه، وإنما الواجب عليه دفع الظالم أو قتله لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية 2) ولقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده إن استطاع فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، ليس وراء ذلك من الإيمان شيء" فصح أنه لم يبح له قط العون على الظلم لا لضرورة ولا لغيرها، وإنما فسح له إن عجز في ألا يغير بيده ولا بلسانه وبقي عليه التغيير بقلبه ولابد، والصبر لقضاء الله تعالى فقط" انتهى.

ومما ورد النص فيه بأن الإكراه إذن لا يبيحه "عقد القلب" أي التصديق واطمئنان النفس، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل: من الآية 106) فقطع النص بأن تحول القلب غير معفو عنه وإن وقع الإكراه، فالإكراه لا يبيح تحول القلب: ﴿وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: من الآية 106).

وتحول القلب وانشراح الصدر، عمل النفس الذي لا يطلع عليه ويعرف حقيقته إلا المولى عز وجل الذي يعلم ما توسوس به النفس وما تخفي الصدور ثم إن كل امرئ يعرف حقيقة ما في قلبه، أما نحن البشر فليس لنا إلا الظاهر، ولا سبيل لنا للتثبت من حقيقة ما في قلب الغير، فإذا وجدت حالة الإكراه وجب علينا عدم إيقاع الحكم الشرعي بالإثم على قول المكره وفعله إلا ما ورد نص أو إجماع باستثنائه، وسريرته موكولة إلى الباري جل شأنه.

وكذلك فإنه لم يرد إلينا نص يحدد الإكراه أو قدره، فالنص بذلك محمول على عموم ما يقع عليه اسم الإكراه في اللغة.

قال صاحب القاموس المحيط: الاضطرار: الاحتياج إلى الشيء.

واضطره إلى الشيء: أحوجه إليه وألجأه إليه، واضطره على الأمر: أكرهه عليه.

وقال صاحب القاموس المنجد: أكره فلانًا على الأمر: حمله عليه قهرًا، وكره وتكاره الأمر: لم يرضه، واستكره الشيء، وجده كريهًا أو عده كذلك.

ومن هذا التعريف اللغوي الذي هو مطابق لما أسلفناه من أقوال الصحابة والتابعين وكبار فقهاء اللغة والدين نقول بحق، إن كل ما يقع على الشخص من ضروب الإيذاء أو التهديد بالإيذاء في النفس أو المال على شخصه أو على مسلم غيره، مما تضيق به النفس وتكرهه ولا تجد قدرة على تحمله، يندرج في اللغة تحت اسم الإكراه أو الاضطرار، وذلك يختلف من شخص إلى آخر، كل حسب ما وهبه الله من قدرة وطاقة وقوة واحتمال، والله عز وجل هو والمطلع على السرائر العالم بحقيقة ما اختلج بقلب كل مخلوق، وليس لنا نحن البشر إلا ظاهر الحال، فمتى وجدت حالة من الأحوال التي قد تكون مدعاة للخوف من الأذى والإضرار بالنفس أو المال، لم يسعنا إلا الامتثال إلى شريعة الله وعدم مؤاخذة الواقع فيها بما صدر عنه من قول أو فعل إلا ما استثنى بنص أو إجماع، ونحن وهو عائدون – بلا ريب – إلى خالقنا ومصورنا جل شأنه، واقفون بين يديه في يوم لا ينفع فيه كذب ولا ادعاء ولا مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

الصبر أولى وأحب:

وقد ندبنا الله تعالى للصبر والثبات والعمل على إعلاء كلمة الحق والجهر بها والتمكين لها ودفع المظالم ورد البغي والعدوان، وجعل للعاملين في سبيل ذلك أعظم الأجر وأعلى درجات الرفعة عنده في جنات النعيم، وإذا كان حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الذي رواه القرطبي يمتدح الأمم السابقة لثباتها وصبرها رغم ما أصابها من عذاب وتنكيل فإن القرآن الكريم قد ضرب لنا الأمثال الحية على ذلك وعرض علينا أوفى العرض ما يبعثه الإيمان في القلب العامر من شجاعة وصبر وتحمل وتضحية كما عرض علينا الله سبحانه وتعالى النتيجة اللازمة التي وعدها من صدق وصبر واستمساك بحبل الله تعالى بائعًا "الفانية بالباقية" مخلصًا في ذلك كل نيته لوجهه تعالى طاعة وامتثالاً وخشوعًا وانكسارًا ورضاءً بقَدَرِهِ تعالى، وضرب لنا تعالى مثلاً بالرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لنصرة الحق وإعلاء كلمة الله، يقول: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنْقِذُونَ * إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (يس: الآيات 20: 24) ﴿إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (يس: الآية 25) ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (يس: الآيات 26: 27)، وضرب الله لنا مثلاً آخر بمؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه ثم هب لنصرة موسى عليه السلام دفاعًا عن الحق وإعلاء لكلمة الله، ابتغاء مرضات الله قائلا: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللهِ إِن جَاءَنَا﴾ (غافر: الآيات 28: 29)، فلما نادى فرعون متكبرًا متجبرًا: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية 29)، لم يزد ذلك المؤمن إلا إيمانًا بدعوته وإصرارًا على تبليغها وإعلانها وتحذير قومه من خشية غير الله قائلا: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُّضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (غافر: الآيات 30: 33)، ثم كانت النتيجة ﴿فَوقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ (غافر: الآية 45)، وصدق الله العظيم: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة: الآية 52).

وامتدح الله عز وجل الصابرين العاملين وأرشدنا الله تعالى إلى طريق الاستقامة على ذلك قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُّقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: الآيات 153: 157)، وقال عز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: الآية 173)، ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين﴾ (آل عمران: الآيات 146: 147)، ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِين﴾ (البقرة: من الآية 249)، وحذرنا عليه الصلاة والسلام فقال: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده" [الفصل لابن حزم: ص 177 من هذا البحث]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّة﴾ (الأنفال: من الآية 25).

والحق أن سنن الحياة تؤكد لنا أن الدعوات والأمم إنما تنتصر ويعلوا شأنها بمن يسخرهم الله عز وجل بفضله ورحمته من الصادقين الصابرين الثابتين الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة والذين يبغون في كل قول وعمل وجه الله تعالى: ولا يخافون في الحق لومة لائم أو ذهاب دنيا أو وضياع جاه: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة﴾ (التوبة: من الآية 111)، ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ (الأحزاب: الآية 39).

الأصول الثلاثة السابقة مجمع عليها:

ثم نقول بعون الله: إن الأصول الثلاثة التي قدمنا شرحها وهي الجهل والخطأ والإكراه أو الاضطرار هي أصول أجمع على صحتها علماء المسلمين وفقهاؤهم فلم يشذ أحد عن شرعيتها ووجوب اعتبارها، وإن حدث بعض الاختلاف في التعريف بها أو مدى الآثار المترتبة عليها وهي أحكام شرعية يتعين على من جلس مجلس القضاء لإجراء أحكام الشريعة على العباد أن يراعيها ويُعمل آثارها من تلقاء نفسه، وحتى ولو لم يدفع بها الشخص عن نفسه، ولو جهل أنها مقررة شرعًا وجهل ما يترتب عليها من آثار.

الفرق بين عمل القاضي وعمل الداعية:

ولذلك نقول بحق إن الفرق كبير وخطير بين عمل الداعية وعمل القاضي فهذا الأخير منشغل بإجراء الأحكام الشرعية وتطبيقها على وقائع فردية يحققها ويستجلي مشكلها ويستوضح غامضها ويتثبت مما دق من جوانبها وخفي من أحداثها ويسمع شهود الحال، ويطلع على الوثائق والأوراق ويفسح لأطراف الخصومة المجال أن يدلي كل منهم بحجته، كل ذلك طبقًا لنظم مقررة تحدد الأدلة وتقوِّم البينات، ثم هو بعد استنفاذ ذلك كله واستفراغ جميع جهده يطبق حكم الله تعالى على ما ثبت لديه من وقائع.

وقد أدبنا سيد قضاة الأرض عليه الصلاة والسلام في ذلك بأسمى وأجل ما يتعين أن يكون عليه القاضي من حرص واستيثاق واستجلاء للواقعة المعروضة محلاً للحكم الشرعي – أخرج مسلم عن سليمان بن يزيد عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: طهرني، قال عليه السلام: "ويحك ارجع استغفر الله وتب" قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني، فقال له مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم: "فيم أطهرك؟" قال: من الزنا، قال رسول الله – صلى اله عليه وسلم "أبه جِنَّة؟" فأخبر أنه ليس بمجنون، وفي رواية أنه عليه السلام أرسل إلى قومه فقال: "أتعلمون بعقله بأسًا؟ أتنكرون منه شيئًا" فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا، قال عليه الصلاة والسلام: "أشرب خمرًا؟" فقام رجل فاستنكهه فلم يجد ريح الخمر، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم: "أزنيت؟" قال: نعم وفي رواية ابن عباس للواقعة أنه عليه الصلاة والسلام قال لماعز: "ويحك لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت" قال: لا، فأمر عليه الصلاة والسلام به فرجم، وفي واقعة الأسلمي سأله عليه السلام: "هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حرامًا مثل ما يأتي الرجل من أهله حلالاً" [انظر الواقعتين وأسانيدهما بالمحلى: جـ11 ص 176-181].

فهذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يتثبت قبل إنفاذ الحكم الشرعي من حجة إقرار المقر – والإقرار هو سيد الأدلة وأقواها، وكل دليل آخر دونه في القوة – ويتأكد من فهم المقر للمعنى الشرعي لكلمة الزنا وأنه غير جاهل به ولا مخطئ فيه كما يتثبت من سلامة عقله وأنه حال إقراره عالم عاقل لما يقر ويعترف به، لا يشوب عقله آفة دائمة أو عارضة طارئة.

تطبيقات مختلفة للأصول السابقة:

ونحن بعد أن قدمنا البراهين من كتاب الله والثابت الصحيح من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام على ثبوت تلك الأصول الثلاثة وحكم كل منها، نورد بعون الله تعالى تطبيقات مختلفة لها وقائعها تخص أجلة صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والتابعين وكبار فقهاء الأمة.

فهذا أول الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، جهل حكم وجوب إجلاء اليهود والنصارى والمجوس عن جزيرة العرب طوال سنوات خلافته، ومات رضوان الله تعالى عليه وهو مقر لهم بها، وتابعه على ذلك أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه سنوات من خلافته حتى بلغه أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – في ذلك فأجلاهم عنها واستقر إجماع المسلمين منذ ذلك التاريخ على أنه لا يجتمع بجزيرة العرب دينان ولم يختلف أحد في أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يعصيا بذلك، وأيضًا فإن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لم يعرف فرض ميراث الجدة وعرفه محمد بن مسيلمة والمغيرة بن شعبة وقد سأل أبو بكر رضي الله عه عائشة أم المؤمنين: كم كفن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟.

وأيضًا فإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه سبى نساء المرتدين، فلما كانت ولاية عمر ـ رضي االله  عنه ـ رأى ومن معه من الصحابة عدم جواز ذلك واستقر الرأي منذ ذلك الوقت على أن امرأة المرتد لا تسبى، ولم يقل أحد أن أبا بكر رضي الله عنه قد أثم لما فعل.

وهذا عمر بن الخطاب استغلق عليه فهم آية الكلالة وكرر سؤال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن معناها حتى عنفه الرسول عليه السلام لكثرة سؤاله وأخبره أنه أي عمر لن يفهمها.

وأيضًا فإن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما بلغه القول بوفاة الرسول عليه السلام هب قائلاً: "والله ما مات رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا يموت حتى يكون آخرنا" أو كلامًا هذا معناه حتى قرئت عليه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (الزمر: الآية 30)، فسقط السيف من يده وخر على الأرض وقال: "كأني والله لم أكن قرأتها البتة" ثم هو يتوجه الغداة إلى المسجد وقد اجتمع الناس لمبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه فلما استوى أبو بكر على المنبر قام عمر فتشهد قبله ثم قال: "أما بعد فإني قلت لكم بالأمس مقالة وإنها لم تكن كما قلت وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب الله ولا في عهد عهده إلي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى يُدْبِرنا، فاختار الله لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى به رسوله فخذوا به تهتدوا بما هدى له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فهذا عمر رضوان الله تعالى عليه في مسجد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفي حضور جميع الصحابة يقول إنه قال قولاً ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله وحكم حكمًا ليس فيهما وأنه أخطأ فيما قال.

ولقد صح وثبت عند جميع أهل العلم أن المسلمين كانوا بأرض الحبشة وبأقصى جزيرة العرب، فنزل الأمر من الله تعالى على رسوله – صلى الله عليه وسلم – بما لم يكن فيه قبل ذلك أمر كالصوم والزكاة وتحريم ما لم يكن حرامًا كالخمر وإمساك المشركات: فلا شك أنه لم يأثم أحد منهم بتماديه على ما لم يعلم نزول الحكم فيه.

وكذلك كان ينزل الأمر مما تقدم فيه حكم بخلاف الأمر النازل كتحويل القبلة عن بيت المقدس فلا شك أنهم لم يأثموا ببقائهم على العمل المنسوخ، وحدث هشام بن عروة عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: "توفى عبد الرحمن بن حاطب وأعتق من صلى من رقيقه وصام وكانت له نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه فلم يرعه إلا حَبَلُها، وكانت ثيبًا، فذهب إلى عمر بن الخطاب فحدثه فأرسل إليها عمر فسألها فقال: أحبلت؟ قالت: نعم، من مرعوش بدرهمين، وإذا هي تستهله به ولا تكتمه فصادف عنده علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان رضي الله عنهم فقال: أشيروا علي، وكان عثمان جالسًا فاضطجع، فقال علي وعبد الرحمن: قد وقع عليها الحد، فقال عمر أشر علي يا عثمان، قال: قد أشار عليك أخواك، قال أشر علي أنت، قال عثمان: أرها تستهل به كأنها لا تعلمه وليس الحد إلا على من علمه، فقال عمر لعثمان: صدقت، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علمه،ثم أمر عمر رضي الله عنه بجلدها مائة وتغريبها عامًا تأديبًا لها لقعودها عن السؤال عما يلزمها معرفته من أمر دينها" [الأحكام: جـ4 ص181-183] وهذه الواقعة تتضمن:

1-  اتفاق عمر وعثمان بحضرة علي وعبد الرحمن بن عوف على أن الجاهل معذور بجهله ولا حد عليه فيما اقترفه غير عالم بتحريمه.

2-    خطأ علي وعبد الرحمن بن عوف فيما حكما به من استحقاق الجارية الحد دون ملاحظة جهلها.

3-  أن هذه الأعجمية كانت من الجهل وعدم القدرة على الفهم حتى إنها لم تدرك أن الزنا محرم، وهي محكوم بإسلامها، أعتقت لأنها صلت وصامت، ولم يتشكك أحد من الصحابة الأربعة الكرام في إسلامها ولم يمتحنها أحد منهم ليعرف مدى فهمها لمعنى الشهادتين.

4-    لم يقل أحد من الصحابة الأربعة الكرام إنها ارتدت عن الإسلام لارتكابها الزنا أو لجهلها حكمًا عامًا مشهورًا من أحكام الشريعة.

5-    أن الجاهل غير مؤاخذ بالحد لجهله، قد يؤدب تعزيرًا لعدم سؤاله عما يلزمه معرفته من أمر دينه.

ونهى عمر رضي الله تعالى عنه وهو على المنبر في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام عن التغالي في مهور النساء استدلالاً بمهور زوجات النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى ذكرته امرأة بقول الله عز وجل ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (النساء: من الآية 20) فرجع عن نهيه.

وأمر رضوان الله عليه برجم مجنونة حتى علم بقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – "رفع القلم عن ثلاث" فأمر ألا ترجم.

وأمر عثمان عليه رضوان الله برجم التي ولدت لستة أشهر، فذكّره علي بن أبي طالب بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ (الأحقاف: من الآية 15) مع قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: من الآية 233) فرجع عن الأمر برجمها.

وخفي على عمر بن الخطاب حديث لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الاستئذان حتى قال: أخفي علي هذا من أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم -؟ ألهاني الصفق في الأسواق.

وخفي على الأنصار وعِلْية المهاجرين كعثمان وعلي وطلحة والزبير وحفصة وجوب الغسل من الإيلاج إلا أن يكون أنزل، وخفي على عائشة وأم حبيبة أميّ المؤمنين وابن عمر وأبي هريرة وأبي موسى وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسائر الجلة من فقهاء المدينة وغيرهم نسخ الوضوء مما مست النار. [بالتفصيل في الأحكام: جـ1 ص60، جـ2 ص24 في بيان سبب الاختلاف الواقع بين الأئمة في صدر هذه الأمة].

وروى القرطبي أن مسلم روى عن ابن عباس أن رجلاً أهدى لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – راوية "قربة" خمر، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "هل علمت أن الله حرمها؟" قال: لا، فسارّ الرجل رجلاً آخر، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "بم ساررته؟" قال: أمرته ببيعها، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" ففتح الرجل المزادة "القربة" حتى أذهب ما فيها. [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: جـ6 ص289].

فهذا رجل ثبت لدى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حيازته للخمر المحرمة وإذا بدا له عليه الصلاة والسلام أن الرجل لم يعلم بالأمر النازل بتحريمها، لم يقم عليه حدًا ولا تعزيرًا ولا عنفه سواء فيما يتعلق بحيازته الخمر أو بجهله بالأمر.

أما التابعون ومن جاء بعدهم من فقهاء الأنصار كأبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى وابن جريج ومالك وابن الماجشون وعثمان البَِّني والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد بن حنبل وابن حزم وابن تيمية وغيرهم فاختلافاتهم أشهر وأكثر من أن تُعرَّف أو تُعد وكلهم قال: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط، والحديث مذهبي، مقرًا بذلك بجهله ببعض الشرائع والأوامر وكلهم بلا شك قد أخطأ في بعض ما حكم به في دين الله تعالى.

نتائج حتمية خطيرة:

والحق أن القول "بأن من غابت عنه الأوامر وجهل الشرائع فإنه يكون فاسد العقيدة كافرًا ليس بمسلم".

مقتضاه الحتمي بأنه ما كان مسلم على وجه الأرض في لحظة ما، من حين البعثة إلى يومنا هذا سوى المعصوم الذي علم الشرائع كلها بلا شك، أما من عده عليه الصلاة والسلام فما من أحد إلا غاب عنه شيء من أحكام الشريعة وبعض من أوامر الله تعالى، والمفرق بين بعض الأوامر وبعضها الآخر وبعض الأحكام الشرعية وبعضها الآخر من حيث وجوب العلم بها حتى يكون الشخص مسلمًا، يحد حدًا من عنده، ويحكم بغير ما أنزل الله، ويتبع في ذلك هواه، إلا ما أجمع عليه المسلمون بناءً على البرهان الثابت من حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من ضرورة النطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإيمان بما جاء به عليه الصلاة والسلام جملة وعلى الغيب، والشهادة بذلك تقتضي العلم بالمشهود عليه ولابد، وأما ما زاد على ذلك فلو جهله المرء كله فهو معذور بجهله غير كافر ولا فاسق ولا عاصٍ.

والإجماع أن كل من كان في أقاصي الأرض ولم يبلغه سوى أن الله تعالى قد ابتعث رسولاً اسمه محمد بن عبدالله يدعو الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله وأن يؤمنوا بلسانه ثم مات لساعته وهو لم يعلم حكم من لم يصدق الرسول ولم ينطق الشهادتين ولم يفكر في ذلك إطلاقًا، وهو ولم يصل إلى علمه أن الله تعالى سوف يبعث الناس لدار أخرى بعد موتهم أو أن الله خلق ملائكة أو سبق أن أرسل رسلا أو أنزلا كتابًا ولم يعرف أن الله حرم أشياء وأحل أشياء أو فرض فرائض أو حد حدودًا، الإجماع المؤكد أن هذا الشخص مسلم مؤمن مات على الإسلام والإيمان، مقطوع بأنه من أهل الجنة.

وأيضًا فإنه ما من أحد بعد المعصوم عليه الصلاة والسلام من الصحابة الأجلاء وأئمة المسلمين وفقهائهم المأمورين بالنذارة والاجتهاد، لا وقد أخطأ في حكم ما من أحكام الشريعة، فليس بعد المعصوم عليه الصلاة والسلام معصوم.

وعامة الناس أقل علمًا وفقهًا وأقل قدرة على النظر في الأدلة وأكثر خطأ في فهم النصوص واستنباط الأحكام الشرعية منها، وجُلهم عاجز عن النظر في الأدلة جاهل بمعرفة كيفية إقامة البراهين لمعرفة الحكم، غير قادر على الموازنة بين الأقوال المتضاربة بشأن كثير من الأحكام الشرعية، فلو كان الخطأ في معرفة حكم الله أو الخطأ المؤدي للعمل بغير حكم الله مخرجًا للمسلم عن الإسلام مهما صحت نيته وقصد إلى معرفة الله واتباعه، لما وجد دون المعصوم عليه الصلاة والسلام مسلم على الإطلاق.

والقائل بالتفرقة بين خطأ في حكم دون حكم، قائل بدعوى دون برهان ومخصص لعموم حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، "إذ اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد وأصاب فله أجران" ولقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (الأحزاب: من الآية 5)، إلا ما ورد النص صراحة باستثنائه كقاتل النفس المؤمنة خطأ فتجب عليه الكفارة والدية ولكن لا ينتفي عنه اسم الإيمان، ومن تعدى النصوص فقد ظلم نفسه، وقال في دين الله برأيه واتبع هواه.

 

الفصل الخامس

الجهل والخطأ في العقيدة

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة: الآية 128).

ذهبت طائفة إلى أن من خالفهم في شيء من مسائل الاعتقاد أو العبادات أو الأحكام أو والفتيا فهو وكافر، وذهبت طائفة أخرى إلى أن من خالفهم في مسائل الاعتقاد فهو وكافر وأن من خالفهم في مسائل الأحكام والعبادات فليس كافرًا ولا فاسقًا، ولكنه مجتهد معذور إن أخطأ مأجور بنيته.

وذهبت طائفة إلى أنه إذا كان الخلاف أو الجهل واقعًا في صفات الله عز وجل فمن خالفهم في ذلك أو جهل ذلك فهو كافر وإن كان فيما دون ذلك فهو فاسق.

وذهبت طائفة إلى أنه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقوله في اعتقاد أو عبادات أو أحكام أو بجهله شيئًا من ذلك وإن كل من اجتهد في شيء من ذلك فَدَانَ بما رأى أنه الحق مأجور على كل حال: إن أصاب الحق فأجران، وإن أخطأ فأجر، وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي وابن حزم رضي اله عنهم جميعًا.

وهو وأيضًا قول كل من عرف له قول في هذه المسألة من الصحابة رضوان الله عليهم لا يعرف عنهم خلاف في ذلك أصلا ولا في مسألة من هذه المسائل أبدًا إلا اختلافهم في تكفير من ترك صلاة متعمدًا حتى يخرج وقتها أو ترك أداء الزكاة أو ترك الحج أو ترك الصيام في رمضان أو شرب الخمر بعد أن حُدّ ثلاثًا.

والحق أن كل من ثبت له عقد الإسلام فإنه لا يزول عنه إلا بنص أو إجماع أو وبالدعوى والافتراء فلا.

فوجب ألا يكفر أحد بقول قاله إلا بأن يخالف ما قد صح عنده أن الله تعالى قاله أو وأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قاله، فيستجيز خلاف اله تعالى وخلاف رسوله – صلى الله عليه وسلم – وسواء كان ذلك في عقد دين أو في نحلة أو في فتيا، وسواء كان ما صح عنده من ذلك عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – منقولاً نقل إجماع تواتر أو نقل آحاد، إلا أن من خالف الإجماع المتيقن المقطوع على صحته فهو أظهر في قطع حجته ووجوب تكفيره باتفاق الجميع على معرفة الإجماع وتكفير مخالفه.

وبرهان صحة قولنا هذا قول الله عز وجل: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: الآية 65).

وهذا النص لا يحتمل تأويلاً، ولا جاء نص يخرجه عن ظاهره أصلاً، ولا جاء برهان بتخصيصه في بعض وجوه الإيمان.

فمن استجاز الحكم على خلاف الله ورسوله فقد انتفى عنه الإيمان بنص الآية الكريمة.

والحكم في الدين: تحريم أو إيجاب أو إباحة مطلقة أو بكراهة أو باختيار.

ولا عبرة بما إذا كانت استجازة خلاف الله ورسوله في مسائل الاعتقاد أو العبادات أو الأحكام أو الفتيا.

وأما من لم تقم الحجة عليه ولم يقطع باستجازته خلاف الله ورسوله فيما بلغه من الحق وقامت عليه الحجة به، فلا يكون كافرًا إلا أن يأتي نص بتكفيره، فيتوقف عند النص، كمن بلغه وهو في أقاصي البلاد ذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – فأمسك عن البحث عن خبره ولم يصدق به، فإنه كافر.

فإن شهد أحد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وقال: لا أدري أحي هو أم ميت، ولا أدري لعله الرجل الحاضر أمامي أم غيره، وقال: لا أدري أقرشي هو أم تميمي أم فارسي، ولا هل كان بالحجاز أو بخراسان، وإن كان قائل هذا جاهلاً لا علم عنده بشيء من الأخبار والسير، لم يضره ذلك، ووجب تعليمه فإذا عُلَِمَ وصح عنده الحق فإن عاند فهو كافر محكوم عليه بحكم المرتد.

ونقول لمن كفر إنسانًا بنفس مقالته – دون أن تقوم عليه الحجة فيعاند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ويجد في نفسه الحرج مما أتى به عليه السلام – أو بجهله، نقول لمن فعل ذلك: أخبرنا، هل ترك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – شيئًا من الإسلام الذي يكفر من لم يقل به أو لا يصح إسلام من جهله إلا وقد بينه عليه السلام ودعا إليه الناس كافة؟ فلابد من: نعم.

ومن أنكر ذلك فهو كافر بلا خلاف.

فإذا ذاك هو اليقين، فهل جاء قط عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه لم يقبل إيمان أهل قرية أو أهل محلة أو إنسان أتاه من حرٍ أو عبد أو امرأة إلا حتى سأله عن مفهوم الشهادتين ومعاني كلمات "الإله والرب والعبادة والدين" ومعنى التوحيد ومواطن الوقوع في الشرك ومعنى الربوبية وما إذا كان مقتضاها حاكمية الله تعالى ومدى قدرته عز وجل وما ماثل ذلك من القضايا مثل، هل الاستطاعة قبل الفعل أو مع الفعل أو وأن القرآن مخلوق أو أن الله تعالى يرى أو لا يرى أو أن له سمعًا وبصرًا وحياة أو غير ذلك من فضول المتكلمين التي أوقعها الشيطان بينهم ليوقع بينهم العداوة والبغضاء؟.

 فإن ادعى أحد أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يدع أحدًا يسلم إلا حتى يوقفه على هذه المعاني كان قد كذب بإجماع المسلمين من أهل الأرض، وقال ما يدري أنه فيه كاذب، وادعى أن جميع الصحابة رضي الله عنهم تواطئوا على كتمان ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام، وهذا محال ممتنع في الطبيعة، إذ المحال الممتنع في الطبيعة أن يتواطأ المئات بل الآلاف من أكرم أهل الأرض على الكذب وكتمان أمر هام ثم لا يعرف ذلك عنهم ولا يفتضح كذبهم، ثم إن الادعاء بهذا القول فيه نسبة الكفر إلى الصحابة رضوان الله عليهم، إذ تواطئوا على كتمان ما لا يتم إسلام أحد إلا به.

فإن قال: إنه – صلى الله عليه وسلم – لم يَدْعُ قط أحدًا إلى شيء من هذا، ولكنه مودع في القرآن وفي كلامه – صلى الله عليه وسلم – قيل له: صدقت، وقد صح بهذا أنه لو كان جهل شيء من هذا كله كفرًا لما ضيع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بيان ذلك الحر والعبد والحرة والأمة، ومن جوز هذا فقد قال: إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يبلغ كما أُمر،ن وأنه عليه الصلاة والسلام حكم بإسلام من لا يجوز الحكم بإسلامه.

وهذا كفر مجرد ممن أجازه.

ولا يشك أحد ممن يدري شيئًا من السيِّر من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمنانيَّة والدهرية في أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مذ بعث لم يزل يدعو الناس الجماء الغفير إلى الإيمان بالله تعالى وبما أتى به، ويقاتل من أهل الأرض من يقاتله ممن عَنَد ويستحل سفك دمائهم وسبي نسائهم وأولادهم وأخذ أموالهم متقربًا إلى الله تعالى بذلك، وأخذ الجزية وإصغاره، ويقبل ممن آمن به، ويحرم ماله ودمه وأهله وولده ويحكم له بحكم الإسلام وفيهم المرأة البدوية، والراعي والرعية، والغلام الصحراوي والوحشي والزنجي والمسبي والزنجية المجلوبة والرومي والأغثر [الغثرة: سفلة الناس "القاموس المحيط"] الجاهل والضعيف في فهمه، فما منهم أحد ولا من غيرهم قال عليه السلام: أني لا أقبل إسلامك ولا يصح لك دين إلا حتى تعرف مفهوم الشهادتي، ومعنى الربوبية والحاكمية وصفات الله عز وجل وأسماءه وقدراته.. إلخ.

ومن المحال الممتنع عند أهل الإسلام أن يكون عليه الصلاة والسلام يغفل أن يبين للناس ما لا يصح لأحد الإسلام إلا به أو تتفق على إغفال ذلك أو تعمد عدم ذكره جميع أهل الإسلام، فإن زعم زاعم أن الناس على عهده عليه الصلاة والسلام كان كل فرد منهم على وجه القطع والتحديد يعلم جميع ذلك من مجرد نطقه بالشهادة أن لا إله إلا الله فقد ادعى الكذب وقال ما لا برهان على صحته، وقال بخلاف ما وردت به الأخبار الصحاح الثابتة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبخلاف الواقع المحسوس.

فإن الثابت في الصحيح من الأخبار أن من كانوا بنجد والحجاز وما حولهما في حياته عليه الصلاة والسلام لم يكونوا كلهم عربًا خلصًا، بل كان فيهم المستعرب والحبشي والفارسي وغير ذلك من الأجناس.

والثابت الصحيح في الأخبار أن من العرب الخلص من كان يجهل الكثير من معاني كلمات "الإله والرب والعبادة والدين" ومعاني التوحيد، وقد عَلِم الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك، ووقع الوهم والخطأ في ذلك من الناس بحضرته عليه الصلاة والسلام.

وما اجتمع قط قوم بلغ عددهم عشرات الألوف وهم على حد واحد من الفهم والذكاء والعلم وقوة التمييز وسعة الإدراك ونفاذ البصيرة، بل ما اجتمع قط قوم في عدد دون ذلك بكثير إلا وكان فيهم المفرط في الذكاء والمفرط في الغباء وما بين ذلك، وقوي التمييز وضعيفه وما بين ذلك، والعالم المتسع الأفق النافذ البصيرة ذو التجربة والخبرة والجاهل قليل الإدراك، وما بين ذلك.

ومن كابر في ذلك وعاند فإنما يحاول عبثًا أن يجحد الواقع الملموس في كافة المجتمعات بين كافة الأجناس في كافة الأقطار والجهات والأزمان.

وليس يصح في الأذهان شيء            إذا احتاج النهار إلى دليل

فصح ضرورة أن الجهل بكل ما سبق أن ذكرنا لا يضر الناطق بالشهادتين شيئًان ولا يمنع الحكم بإسلامه.

والفرض على الطائفة العالمة الواجب عليها النذارة التي مَنَّ الله عليها بالتفقه في الدين أن تعلم الجاهل ما جهله مما هو لازم له وما هو في حاجة إليه حتى لا يقع في مهاوي الشرك والضلال وأما ما زاد على حد الحاجة واللزوم، فإنما هو ومن فضول الكلام الذي يثيره الشيطان ليوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين ويفرق صفهم ويشتت جمعهم، ولا يلزم الكلام فيه إلا إذا خاض الناس فيه، فيلزم حينئذ بيان وجه الحق فيه من القرآن والسنة، لقول الله عز وجل: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ (المائدة: من الآية 8).

فمن عاند بعد بيان الحق وقيام الحجة اللائحة فهو كافر إذ لم يحكم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا سلّم بما قضى به عليه الصلاة والسلام.

وإنه لجدير بنا أن نمعن النظر في ذلك البرهان الذي قدمناه وأن نقدره حق قدره، فهو برهان من عمل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقوله في مقام لا يختلف مسلمان أو وغير مسلمين أنه بيان للشرع وشريعة لازمة، وهو وبرهان منقول إلينا نقل الكافة عن الكافة الذي هو أقوى أنواع التواتر وأظهر أوجه الإجماع.

ونحن لم نعرف شيئًا عن مبعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا شيئًا مما جاء به أو عمله إلا عن طريق الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم، وأقوى وأثبت وأبعد عن كل شك من ذلك ما أجمعوا عليه ونقل عنهم إلينا جيلا بعد جيل نقل الكافة عن الكافة.

ونحن لم نتيقن من صحة حرف مما ورد بالقرآن الكريم وأن الرسول عليه الصلاة والسلام نطق به، إلا عن طريق الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وما أجمعوا عليه من ذلك، ونقل إلينا عنهم نقل الكافة عن الكافة جيلاً بعد جيل.

ومن استجاز التشكك في خبر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هو موضع إجماع الصحابة ورضوان الله عليهم المنقول إلينا نقل الكافة عن الكافة جيلاً بعد جيل، فقد أسقط برهانه على صحة مبعث الرسول عليه السلام وجميع ما جاء به وصحة القرآن الكريم وأنه كله حق نطق بكل حرف فيه الرسول عليه الصلاة والسلام لم يلحقه منذ ذلك الحين تغيير ولا تبديل.

وبرهان آخر:

فقد صح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن رجلاً لم يعمل خيرًا قط فلما حضره الموت قال لأهله، إذا مت فأحرقوني ثم ذروا رمادي في يوم راح [أي يوم شديد ريحه] نصفه في البحر ونصفه في البر، فوالله لئن قدر عليّ الله تعالى ليعذبني عذابًا لم يعذبه أحدًا من خلقه، وأن الله عز وجل جمع رماده فأحياه وسأله، ما حملك على ذلك؟ قال: خوفك يا رب، وإن الله تعالى غفر له لهذا القول [الفصل لابن حزم: جـ4 ص 20].

فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله عز وجل يقدر على جمع رماده وإحيائه وقد غفر الله تعالى له لإقراره وخوفه وجهله، فصح يقينًا أن هذا الذي جهل قدرة الله تعالى معذور بجهله، غير كافر ولا مشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ (النساء: من الآية 48).

ولقد حاول البعض الخروج من هذا الدليل فقال: إن معنى "لئن قدر اله علي" هو لأن ضيق الله عليّ، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ (الفجر: من الآية 16).

وهذا تأويل باطل إذ لا برهان عليه، ولو صح ذلك التأويل لما كان لأمر ذلك الإنسان بأن يحرك ويذّر رماده معنى، والذي لا شك فيه أنه إنما أمر بذلك ليفلت من عذاب الله فقد توهم أن الله تعالى لا يقدر على جمعه وإحيائه إذا فعل ذلك.

برهان ثالث:

هو أبين وأوضح وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ (المائدة: من الآية 112) إلى قوله: ﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا (النساء: من الآية 113) فهؤلاء الحواريون الذين أثنى الله عليهم قد قالوا بالجهل لعيسى عليه السلام: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ (المائدة: من الآية 112) ولم يبطل بذلك إيمانهم.

وقد رام البعض الخلاص من هذا الدليل فقالوا إن الآية وارد فيها قراءة أخرى: (هل تستطيع) بالتاء (ربَّك) بفتح الباء بمعنى هل يطيعك ربك إن سألته.

ومع التسليم بصحة هذه القراءة الأخيرة فإن القاعدة الأصولية الواجبة الاتباع أنه إذا كانت للآية أكثر من قراءة فإن الواجب إعمال كل قراءة صحيحة ثابتة، والأخذ واعتبار المعنى الذي تدل عليه كل قراءة، إذ ما دامت القراءات كلها ثابتة عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – فكلها قرآن موحى به من الله عز وجل.

وليس قرآن بأولى من قرآن.

ومؤدى الأخذ بمعنى قراءة دون قراءة أخرى إبطال إحدى القراءتين وفي ذلك إبطال لبعض القرآن، وإذ القراءة الأولى صحيحة بالاتفاق وهي المكتوبة في المصاحف المتداولة بين أيدي الناس، فواجب الأخذ بموجبها واعتبار دلالة معناها.

وقد ذهب بعض آخر إلى أن السؤال إنما وقع من أناس كانوا مع الحواريين لا مع الحواريين أنفسهم، ويكفي لإبطال هذا القول أن الله تعالى قد نص في الآية الكريمة على أن السؤال وقع من الحواريين أنفسهم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ (المائدة: من الآية 112).

وبرهان رابع:

أخرج البخاري رضي الله تعالى عنه عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: كسرت الربيعة "وهي عمة أنس بن مالك" ثنية جارية من الأنصار فطلب القوم القصاص، فأتوا النبي – صلى الله عليه وسلم – فأمر النبي بالقصاص، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك، لا والله لا تكسر سنها يا رسول الله، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "يا أنس. كتاب الله القصاص" فرضي القوم وقبلوا الأرش "الدِّية" فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" [البخاري: جـ2 ص66].

برهان خامس:

قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (الأعراف: من الآية 138).

فهؤلاء قوم موسى جهلوا قدر الله عز وجل وما يجب أن ينزه عنه تعالى من المثيل والشريك، ولسنا نحن الذين نقول بجهلهم هذا، وإنما هو قول موسى عليه السلام لهم: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 138).

وبرهان سادس:

ما سبق أن رويناه عن الشاطبي وهو أيضًا ما رواه ابن حزم والقرطبي وابن كثير من أن جهال العرب قالوا لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال عليه الصلاة والسلام: "قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم" [جوامع السيرة لابن حزم: ص238 واللفظ لابن حزم وسبق ذكر رواياته].

وهذا برهان يدحض الزعم بأن جميع من قبل عليه الصلاة والسلام كانوا فردًا فردًا على علم كامل بجميع معاني الألوهية والربوبية والتوحيد.

وهو برهان كسابقه دال على أن الجاهل معذور بجهله حتى تقوم عليه الحجة.

وبرهان سابع:

أخرج أحمد والطبري رضي الله عنهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنه قال: خطبنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: "يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل" فقال له من شاء الله تعالى أن يقول: وكيف نتقيه وهو وأخفى من دبيب النمل، قال: "قولوا اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه" فهذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يعلمنا أن الشرك نوعان: ما هو ومعلوم لنا، وما خفي علينا وأمرنا عليه السلام أن نستغفر الله عز وجل مما نقع فيه من شرك نجهله أي نجهل أنه شرك وبالضرورة ندري أن الرسول – عليه الصلاة والسلام – لا يأمرنا أن نطلب من الله أن يغفر لنا إلا ما أجاز الله أن يغفره لنا، فصح أن ذلك الشرك الذي يجهله المرء ليس هو المعنيّ بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ (النساء: من الآية 48)، والذي يسمى المتصف به في الشريعة مشركًا، وصح أن الجاهل معذور بجهله، إذ لا اختلاف بين أحد من الأمة أن أي نوع من الشرك إذا ما ظهر وعلمه الشخص فهو ليس بخاف عليه بل هو معلوم له حين ذلك فإذا وقع فيه وقارفه وهو عالم به فهو كافر مشرك محكوم بردته.

وبرهان ثامن:

أخرج الشافعي رضي الله تعالى عنه في شأن ما سنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في كل من امتحنهم للإيمان – وهو ما أخرجه الإمام مالك في الموطأ رواه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا – أن معاوية بن الحكم قال: أتيت رسول الله بجارية، فقلت: يا رسول الله عليّ رقبة، أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "أين الله؟" فقالت: في السماء، فقال: "ومن أنا؟" قالت: أنت رسول الله، قال: "فأعتقها". [الرسالة للشافعي: ص75].

وبرهان تاسع:

وهو برهان ضروري لا خلاف عليه، ذلك أن الأمة مجمعة كلها بلا خلاف من أحد منهم على أن من بدّل آية من القرآن عامدًا وهو يدري أنها في المصاحف بخلاف ذلك أو أسقط منها كلمة أو زاد فيها كلمة عامدًا فإنه كافر بإجماع الأمة كلها.

ثم إن المرء يخطئ في التلاوة فيزيد كلمة وينقص أخرى ويبدل كلام الله عز وجل جاهلاً مقدرًا أنه مصيب وإذا عارضه آخر كابره وناظره قبل أن يبين له الحق، ولا يكون بذلك عند أحد من الأمة كافرًا أو وفاسقًا أو آثمًا.

فإذا وقف على المصاحف أو أخبره بذلك من القراء من تقوم الحجة بخبره فإنه إن تمادى على مكابرته فهو عند الله كافر بذلك لا محالة.

وهذا هو الحكم الجاري في جميع الديانة:

وقد احتج البعض لقولهم بتكفير من خالفهم في شيء من المعتقدات بحديث منسوب لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن القدريّة المرجئة مجوس هذه الأمة، وبحديث آخر فيه أنه تفترق الأمة على بضع وسبعين فرقة كلها في النار، حاشا واحدة فهي في الجنة.

وهذان حديثان لا يصحان من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس حجة.

ومما احتج به أيضًا القائلون بتكفير من خالفهم في شيء من المعتقدات أو جهلها قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: الآيات 103: 104).

وآخر هذه الآية مبطل لاحتجاج من احتج بها لأن الله تعالى وصل قوله تعالى: ﴿يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ (الكهف: الآيات 105: 106) فدل ذلك على أن أول الآية في الكفار المخالفين لديانة الإسلام جملة.

فإن قال قائل: إن عذرتم المجتهدين إذا أخطأوا والجاهلين إذا جهلوا فأعذروا اليهود والنصارى وسائر الملل فإنهم مجتهدون قاصدون الخير.

فنقول بعون الله: إننا لم نعذر من عذرنا بآرائنا، كما أننا لا نحكم بكفر أحد بظننا وهوانا، ولكن من عذره الله تعالى وقبل عذره وعفا عن جهله وخطئه وأجره على اجتهاده وإن أخطأ وحكم تعالى بإسلامه وإيمانه وإن جهل أو أخطأ، حكمنا نحن بإسلامه وإيمانه وقلنا بحكم الله فيه.

ومن لم يعذره ربه وحكم تعالى بأنه قد قامت عليه الحجة البالغة الدامغة التي لا تقبل عذرًا أو جهلاً أو خطأ، وقضى تعالى بأنه كافر مشرك، حكمنا نحن بأنه كافر مشرك، وقلنا بحكم الله تعالى فيه وليس أحد يدخل الجنة أو النار، ولكن الله تعالى هو الذي يدخل فيهما من يشاء.

ولا يختلف اثنان من أهل الأرض ولا نقول من المسلمين فقط بل نقول من كل ملة، في أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قطع بالكفر على أهل كل ملة غير الإسلام الذي تبرأ أهله من كل ملة حاشا التي أتاهم بها عليه الصلاة والسلام فقط، فوقفنا عند ذلك وقلنا وحكمنا به.

ولا يختلف اثنان أيضًا في أنه عليه الصلاة والسلام قطع عند ذلك باسم الإيمان على كل من اتبعه وصدق بكل ما جاء به وتبرأ من كل دين سوى ذلك، فوقفنا عند ذلك ولا نزيد.

فمن جاء نص في إخراجه عن الإسلام بعد حصول اسم الإسلام له أخرجناه منه سواء أجمع على خروجه عنه أو لم يجمع وكذلك من أجمع أهل الإسلام على خروجه عن الإسلام فواجب اتباع الإجماع في ذلك.

أما ما لا نص في خروجه عن الإسلام بعد حصول اسم الإسلام له، ولا إجماع في خروجه عني فلا يجوز إخراجه عما صح يقينًا حصوله فيه بظن أو بدعوى بلا برهان.

نُوجز ما قدمنا فنقول بعون الله:

قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الإسراء: من الآية 15)، وقال تعالى: ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ (الأنعام: من الآية 19)، وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: الآية 65) فهذه الآيات بها حكم جميع ما قدمنا، فصح أن من بلغه أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – فلم يؤمن به فهو كافر.

فإن آمن ثم اعتقد ما شاء الله أن يعتقده من نحلة أو فتيا أو عمل ما شاء الله أن يعمله دون أن يبلغه في ذلك عن النبي – صلى الله عليه وسلم – حُكمٌ بخلاف ما اعتقد أو ما عمل أو ما قال – فلا شيء عليه أصلاً – حتى يبلغه حكم النبي – صلى الله عليه وسلم -.

فإن بلغه حكم النبي – صلى الله عليه وسلم – وصح عنده، فإن ما خالفه مجتهدًا، فما لم يَبِنْ له وجه الحق في ذلك فهو مخطئ معذور مأجور مرة واحدة كما قال عليه الصلاة والسلام: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران" وكل معتقد أو قائل أو عامل فهو وحاكم في ذلك الشيء.

فإن خالفه بعمله معاندً الحق معتقدًا بخلاف ما عمل فهو مؤمن فاسق.

وإن خالفه معاندًا بقوله أو قلبه فهو كافر مشرك لأنه لم يُحكِّم الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يسلم بما قضى به.

كل ذلك سواء في المعتقدات أو الأحكام أو العبادات أو الفتيا [أخذنا هذا الباب بتصرف عن الفصل لابن حزم جـ1 ص16 تحت عنوان الكلام فيمن يكفر ولا يكفر ص59 تحت عنوان هل يكون مؤمنًا من اعتقد الإسلام دون استدلال].

ونختم هذا الفصل فنقول بعون الله تعالى:

إن من علم بهذه الآيات البينات من كتاب الله تعالى والثابت الصحيح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فوضح له الحق، ثم علم قول الرسول – صلى الله عليه وسلم -: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" وتذكر قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: الآية 36) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: من الآية 28)، وقول المعصوم عليه الصلاة والسلام: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" لحري به أن يمسك لسانه قبل أن يلقي على غيره بأعظم وأشنع وأسقط ما يتهم به إنسان، وهو الكفر والشرك يخالقه دون أن تقوم على ذلك البينة الشرعية القاطعة والأدلة التي لا شك ولا ظن فيها، أو أن يتبع ظنه فلا يحكم عليه بما أمره الله تعالى أن يحكم به عليه من الإسلام.

روى ابن حزم في جوامع السيرة أن العباس رضي الله عنه أتى بأبي سفيان يوم الفتح، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأبي سفيان: "ألم يأن لك؟ ألم تعلم أنه لا إله إلا الله؟" فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أنه لو كان معه إله غيره لقد أغنى، ثم قال له رسول اله – صلى الله عليه وسلم -: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك؟ ألم تعلم أني رسول الله؟" فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي: ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه والله فإن في نفسي منها شيئًا حتى الآن، فقال له العباس: ويحك أسلم قبل أن تضرب عنقك فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئًا، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن" [جوامع السيرة لابن حزم: ص229].

وهذا هو الحكم بالإسلام على الظاهر الذي حكم به رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

ثم نقول للذين قالوا إن البيعة ولزوم الجماعة من شروط الإيمان:

إن كل من نطق بالشهادتين فهو مسلم مؤمن ولو جهل لزوم البيعة ووجوب التزام الجماعة حتى يبلغه الأمر بذلك، وتقوم عليه الحجة اللائحة بثبوته، ثم إنه إن اعتقد خلاف ما رآه غيره في معنى البيعة والجماعة والإمامة الحقة مجتهدًا في ذلك ما وسعه من اجتهاد – أو مسترشدًا بأقوال الفقهاء المشهود لهم بالعلم والورع، وهم قد اختلفوا في ذلك اختلافات كثيرة وذهبوا مذاهب شتى – فإنه وإن أخطأ واعتقدنا بخطئه، فهو معذور بخطئه مأجور على نيته، محكوم بإسلامه وإيمانه.

وقد أجمع المسلمون عقب وفاة الرسول – صلى الله عليه وسلم – على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حاشا الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب، وقد استبان الحق للزبير بن العوام فرجع وبايع سريعًا، أما علي فمكث ستة أشهر حتى ظهر له الحق فرجع وبايع، وبقي خلال تلك الأشهر الستة حرًا طليقًا لا يرقب عليه ولا يمنع من لقاء الناس وما زعم أحد أنه رضوان الله عليه قد كفر، وما تشكك أحد في إسلامه عليه رضوان الله.

والله نسأل أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

 

 الفصل السادس

الرد على من خالف الأصول السابقة

وقد حاول البعض الخروج على الأصول العامة التي سبق أن شرحناها، فقال:

أولا: إن الشخص قد يكون مشركًا من أصحاب النار الخالدين فيها الذين أمرنا بقتالهم وأحل الله لنا دماءهم وأموالهم، وهو مع ذلك لا يعلم أنه مشرك، وأن ذلك دليل على أن المسلم الذي نطق بالشهادتين يرتد كافرًا مشركًا إن وقع في أي نوع من أنواع الشرك وإن جهل ذلك وإن لم يكن عامدًا أو كان جاهلا أو متأولاً مخطئًا، واحتجوا على هذه الدعوى بقوله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: الآية 6).

وقالوا إن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ معناه أنهم لا يعلمون أنهم مشركون.

والعجب أن الذين قالوا بذلك هم الذين افتتحوا دعواهم المستحدثة بقولهم: "إنه لما نزل القرآن على الناطقين بالضاد كان كل منهم يعرف معنى الإله وما المراد بالرب ومن ثم إذا قيل لهم لا إله إلا الله ولا رب سواه ولا شريك له في ألوهيته وربوبيته أدركوا ما دعوا إليه تمامًا، وبين لهم من غير ما لبس ولا إبهام أي شيء قد نفاه القائل ومنع غير الله أن يوصف به، وأي شيء قد خصه وأخلصه لله تعالى وأن الذين كفروا إنما كفروا عن بينة".

ثم إنهم نسوا قولهم هذا ليزعموا أن العرب قد جهلوا معنى كلمة الشرك ذلك المعنى المحدد غير المختلف عليه،ونسوا أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يقاتل الناس على الرئاسة أو الملك أو ولخلاف شخصي بينه وبينهم، وأنه لم تكن بينه عليه الصلاة والسلام وبين أحد من الناس مقاتلة إلا على شهادة أن لا إله إلا الله، أرادها منهم، فلم يسلموا بها، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: الآية 5).

ثم يأتي بعد هذا من يقول إن الذي كان يسجد لهبل واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ويقول إن عزيرًا ابن الله وإن عيسى عليه السلام ابن الله، ويقاتل محمدًا عليه الصلاة والسلام لا لشيء إلا لأنه يأبى أن يسلم بأن تلك ليست آلهة، فإن هذا لم يكن يعرف أنه يشرك في السلطان على الدنيا وما فيها أكثر من إله..!!.

والزعم أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ (المائدة: من الآية 58)، معناه أنهم لا يعلمون أنهم مشركون إدخال على الآية ما ليس فيها.

أما إنهم لا يعلمون فحق، وصدق الله العظيم، فهم لا يعلمون عظمة الله وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من المثيل والشريك فهم قوم لا يعلمون.

والذي يطلب من هؤلاء المقاتلين الأمان ليعرف حقيقة دعوة الإسلام وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، جاهل ظاهره أنه غير معاند ولا متكبر، حري بأن يعلم ويعرف وتقام عليه الحجة ويوضح له الأمر حتى يعلم بعد أن لم يكن يعلم.

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يقول الله تعالى لنبيه – صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ الذين أمرتك بقاتلهم فأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم ﴿اسْتَجَارَكَ أي استأمنك فأجبه إلى طلبه ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ أي القرآن، فاقرأه عليه، وتذكر له شيئًا من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ أي هو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ أي إنما شَرَعْتُ أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده". [تفسير ابن كثير: جـ2 ص337].

وبذلك سقط الاستدلال بهذه الآية الكريمة على ما أرادوا الاستدلال بها عليه.

أما نحن فنقول بفضل الله تعالى: إن الأحكام إنما هي لله وحده، فما سماه الله تعالى كفرًا وشركًا فهو كما قال الله تعالى.

والذي لا شك فيه، أخذًا بالنصوص الثابتة، أنه ليس في الناس إلا مسلم أو كافر مشرك.

وليس في أحكام هذه الدنيا دون هاتين الصفتين صفة ثالثة.

والمسلم هو المؤمن وقد يكون عاصيًا فاسقًا، وهو ما لم تظهر منه ردة باقٍ في أحكام هذه الدنيا من المسلمين المؤمنين.

والإجماع الذي لا شك فيه أيضًا المبني على نصوص ثابتة كقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به. ." إلخ.. إن من لم ينطق بالشهادتين ليس مسلمًا، وهو في هذه الدنيا في عداد الكافرين المشركين.

أما المسلم – وكل من نطق بالشهادتين وقال إنه آمن بما جاء به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جملة وعلى الغيب، وبرئ من كل دين غير الإسلام فهو ومسلم، فهو إما مكلف أو غير مكلف.

وغير المكلف، المجنون أو غير البالغ، مرفوعة عنه الأحكام.

أما المكلف، فهو العاقل، ولابد للعاقل من قدر من الفهم والتمييز والعلم مهما قل، وعلى قدر فهمه وتميزه وعلمه يكون إدراكه لمعنى الشهادتين ومضمونهما، والنقص في فهمه معنى الشهادتين ومضمونهما لا يقدح في إسلامه ووجوب حرمة دمه وماله، وعلى القادرين تعليمه، فما أبلغ به من الحق وقامت عليه به الحجة وجب عليه اعتقاده، فإن عاند فهو مرتد كافر ومشرك، وهو قبل ذلك مسلم معصوم الدم والمال مهما اعتور فهمه معنى الشهادتين ومضمونهما من نقص بسب جهله أو بسبب خطئه في تفهم النصوص، وهو معذور بجهله وخطئه، وقد سبق إيضاح ذلك.

ثانيًا: وقالوا أيضًا: إن الله تعالى عاب على من لم يتبع الرسول عليه الصلاة والسلام خوفهم من بطش الناس بهم وتخطفهم لهم وحكم بكفرهم وذلك رغم تصديقهم أنه عليه السلام رسول وأن الذي جاء به هو الهدى من الله عز وجل، فدل ذلك على أن اتباع الرسول هو العمل بما جاء به وأنه لا يعذر أحد بتخوفه صاحب السلطان أن يبطش به وأن ينكل به أن يتبع ويعمل وذلك قوله تعالى عز وجل: ﴿وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَ لَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (القصص: الآية 57).

وقالوا أيضًا إن الله تعالى قد أعلمنا أن المستضعفين الذين اتبعوا كبراءهم ولم يتبعوا أمر الله ورسوله هم من الكفار المشركين الخالدين في النار، وقد نفى تعالى عنهم الإيمان رغم أنهم كانوا مستضعفين خائفين، وذلك مقتضى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ للهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (البقرة: الآيات 164: 167). ﴿وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِن شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ (إبراهيم: الآية 20). ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ (الأحزاب: الآيات 66: 67). ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سبأ: من الآية 30: 33). ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (الصافات: الآيات 27: 28). وقالوا إن اليمين معناها القوة، وآيات أخرى في ذات المعنى.

وأضافوا أن الله تعالى قد حكم بأن ما من إنسان إلا ويبتليه الله فلابد من البلاء، ولابد من تحمل البلاء والصبر عليه وإلا كان الشخص منافقًا كاذبًا في ادعائه الإسلام والإيمان، وذلك مقتضى قوله تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: الآيات 1: 3) إلى قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ (العنكبوت: الآية 10).

ونحن نقول بعون الله: إن كلام الله تعالى حق والقرآن الكريم والأحاديث الثابتة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جميع ذلك وحي من الله إلى رسوله وكل ذلك جملة واحدة وعبارة واحدة يفسر بعضها بعضًا ويبين كل منها المعنى المراد من باقيها وليس في أي جزء من آية أو حديث صحيح ما ينافي أو يتعارض أو يختلف مع آيات أو أحاديث صحاح أخر، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) (النساء: من الآية 82).

وكل آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام حق واجب اعتقاده والعمل به، وليست هناك آية تقدم على آية أخرى ولا تطرح آية من أجل آية أخرى ولا حديث من أجل حديث ولا من أجل آية، إلا ما ثبت بالدليل الجازم أنه منسوخ: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (البقرة: من الآية 85).

والإيمان في اللغة: ليس مجرد العلم، أي تيقن الشيء على حقيقته أو بعبارة أخرى ليس مجرد التصديق، بل هو العقد بالقلب، أي التصديق بالقلب والنطق باللسان بما يفيد الإقرار بما صدقه القلب، فليس بمؤمن من قال بلسانه وهو ولا يعتقد بقلبه وليس بمؤمن من استيقن بقلبه ولم ينطق مقرًا بلسانه.

وأيًا كان الاختلاف حول المعنى اللغوي لكلمة الإيمان فإن الذي أسلفناه هو معناها الشرعي "مع اختلاف حول ما إذا كانت الأعمال تدخل في مدلول الإيمان شرعًا على ما سبق أن أشرنا إليه وما سنعرض له تفصيلاً بعد قليل بإذن الله"،ولذا كان لابد أن ينطق العبد بلسانه مقرًا ومعلنًا اعتقاده أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن كل ما جاء به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حق من عند الله ولو كان الإيمان مجرد العلم وتيقن النفس لكان فرعون وملؤه من المؤمنين، فقد علموا واستيقنوا أن موسى عليه السلام رسول حق من عند الله رغم أنهم أبوا الإقرار بذلك والنطق به، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النحل: من الآية 14)، ولكانت اليهود والنصارى مؤمنين فقد عرفوا النبي عليه الصلاة والسلام واستيقنوا من ذلك ومنهم من ذكر ذلك بلسانه ولكن ليس على سبيل التسليم والإقرار بل على سبيل الحكاية، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: الآية 146)، وهؤلاء إذ جحدوا ما علموه واستيقنوا منه وأبوا الإقرار بلسانهم الحق والتسليم به كفروا ولم يكونوا من المؤمنين، وأصل كلمة الكفر في اللغة، كما قدمنا: التغطية والستر، فهؤلاء ضاقت صدورهم بالحق الذي عرفوه، وأعرضت قلوبهم عن التسليم والإقرار بما استيقنته، فعملوا على تغطيته وستره عن أنفسهم وعن غيرهم وجحدوا به وأبوا الإقرار والنطق بكلمة الحق فهم ممن شرح بالكفر صدرًا، ونعوض بالله من سوء العاقبة.

وهذا بيقين هو ذات الحال من قطع الله بكفرهم من الآيات السالف الإشارة إليها من الضعفاء الذين اتبعوا سادتهم وكبراءهم في الكفر والشرك، إذ لا يعجز أحد مهما كان الإكراه الواقع عليه عظيمًا وكبيرًا وشنيعًا أن يعتقد ويؤمن بقلبه بالحق ويسر إلى ربه تعالى ناطقًا بلسانه بالشهادتين مقرًا بالحق الذي وقر في قلبه، إذ لا سلطان لأحد في الدنيا على ما في قلب الإنسان أبدًا، ولا يعجز أحد أبدًا أن يجد برهة وجيزة يتمتم فيها بالشهادتين مسرًا إلى السميع البصير مقرًا بالحق دون أن يسمعه أحد سوى مولاه جل شأنه، ولا يعجز عن ذلك إلا كاذب دعى قاصد التولي عن الحق والإعراض عنه قد شرح بالكفر صدرًا لم يرد الله تعالى أن يهديه.

وذلك على وجه القطع واليقين هو شأن كل مستضعف اتبع سادته وكبراءه ولم يعقد بقلبه وينطق شهادة الحق بلسانه زاعمًا أن سلطانًا ما في الأرض حال بينه وبين ذلك ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (آل عمران: الآية 8)، أما فيما عدا عقد القلب والنطق بشهادة الحق باللسان إقرارًا وتسليمًا فقد وردت النصوص الصريحة التي لا شبهة فيها، والتي لا إشكال في أنها أباحت للمكره أن ينطق بلسانه ما دام واقعًا تحت الإكراه بأي كلام حتى ولو كان ذلك الكلام مما كان يعتبر به كافرًا لو أنه قاله في غير إكراه ولم يستثن الله تعالى من ذلك شيئًا إلا عقد القلب فقط، وأيضًا ما فيه بغي على الغير وإضرار به قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ * مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآَخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (النحل: الآيات 105: 107).

كذلك لا إشكال في أن النصوص أباحت للمكره أن يعمل كل ما اضطر وأكره على عمله ما دام واقعًا تحت الإكراه، مما كان يعتبر به كافرًا لو أنه عمله في غير إكراه وما دام قلبه مطمئنًا بالإيمان، ولم يستثن الله تعالى من الأعمال التي تباح للمكره إلا ما كان فيه اعتداء على حقوق غيره من العباد طبقًا للنصوص التي سبق شرحها.

وقد أسلفنا الحديث الوارد في شأن عمار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ، وأنه لما عذبه المشركون نطق بلسانه بما لا شك أنه كلمة الكفر، لو لم يكن مكرهًا حال نطقه بها لكان بها مرتدًا مشركًا رضوان الله تعالى عليه، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما علم بما نطق به عمار، بل إن عمارًا هو الذي أبلغ النبي عليه الصلاة والسلام بما حدث، فما زاد عليه الصلاة والسلام على أن سأله عن حال قلبه فلما أجاب بأن قلبه مطمئن بالإيمان، قال عليه الصلاة والسلام: "فإن عادوا فعد" فكان التصريح منه عليه الصلاة والسلام تأكيدًا بأن الإكراه يبيح حتى كلمة الكفر.

وأيضًا قد أسلفنا ما أورده القرطبي بشأن الرجلين اللذين أسرهما عيون مسيلمة الكذاب وأنهما أحضرا إليه فسأل أولهما إن كان يشهد أنه "أي مسيلمة" رسول من عند الله تعالى فأجاب بالموافقة ولا شك أن هذه كلمة كفر صريحة من قالها في غير إكراه ارتد وكفر بإجماع أمة المسلمين وإن الرسول عليه الصلاة والسلام علم بالموافقة والذي أعلمه هو ذاته الذي نطق بكلمة الكفر، فلم يعتبره عليه الصلاة والسلام مرتدًا كافرًا وإنما أعلمه بأن العبرة باطمئنان قلبه بالإيمان.

والمقابلة بين الآيات والأحاديث والجمع بينها وإعمال كل منها كما هو الواجب وعدم إغفال بعضها وإعمال البعض دون البعض وهو ما لا يجوز شرعًا ينتهي بنا إلى إحدى نتيجتين لا ثالث لهما:

الأولى: وهو ما نقول به، أن الآيات الواردة في شأن عذاب المستضعفين والمبتلين الذين حكم الله بكفرهم خاصة أولئك الذين انشرحت صدورهم بالكفر وجحدوا الحق الذي عرفوه واستيقنوا منه، فستروه عن أنفسهم وحجبوه عن قلوبهم فلم يعقدوا عليه قلوبهم، ويقروا ناطقين به بألسنتهم أو الذين بعد ما عقدوا قلوبهم على الإيمان ونطقوا مقرين به مالت عنه نفوسهم وانفرط عقد قلوبهم فانقلبوا على وجوههم خسروا الدنيا والآخرة ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج: من الآية 11).

الثانية: أن يقال إن الآيات الواردة في شأن المستضعفين المبتلين الذين حكم الله بكفرهم قد نسخت الآيات والأحاديث الخاصة بالإكراه وحكم المكره وهذه تكون دعوى بلا برهان وقولاً لا دليل عليه إذ نسخ الأحكام لا يكون إلا بالنص الصريح أو وحيث لا يمكن إعمال النصوص كلها مع بعضها على أية حال من الأصول أو بأي وجه من الوجوه، لأننا مأمورون بطاعة الله وذلك بإعمال كافة نواهيه وأوامره وأحكامه، ومن العصيان أن يعطل النص ولا ينفذ مع إمكان العمل به.

والأمة جميعها مجمعة على أن آيات وأحاديث وحكم المكره لم يلحقها أي نسخ.

وأنه لمما يتعين تقريره أن الآيات التي صدرنا بها كلامنا هذا ليست كلها حاكمة بكفر من توعدهم الله بالعذاب من المستضعفين والمبتلين، ومن المعلوم أن المسلم قد يعذب في نار جهنم فيقتص الله منه بعدله بعد الموازنة إذا ما رجحت سيئاته بحسناته، ثم يخرجه بعد ذلك من النار بفضله ورحمته وبشفاعة الشافعين.

وليس كل ضعيف متبع لسادته وكبرائه بمكره وهذا واقع محسوس ملموس في وقتنا هذا، فإن الكثيرين من الضعفاء يحاكون أصحاب الجاه والسلطان والنفوذ لضعف نفوسهم يتبعونهم ويقلدونهم في ملبسهم وعاداتهم واحتفالاتهم واجتمعاتهم وغير ذلك رغم ما فيها من عصيان لله عز وجل وخروج عن أحكام الشريعة الغراء كل ذلك وهو غير مكرهين ولا مضطرين إنما هو وحب الدنيا وتسلط الشهوات.

وإذا كان المكره مبتلى بالإكراه الواقع عليه، فليس الإكراه هو الصورة الوحيدة للابتلاء وليس كل ابتلاء إكراه وقد يكون الابتلاء بما يؤذي ويحزن ويؤلم كفقد المال وذهاب الجاه والسلطان وضيق العيش وتفرق الأحباب والأنصار والمرض وموت الزوجة والولد إلى غير ذلك، وقد يكون الابتلاء بعكس ذلك من إقبال الدنيا وكمال الصحة والعافية وسعة العيش وقوة السلطان وكثرة الأحباب والأنصار، وجميع ذلك لا يقع في اللغة تحت اسم الإكراه أو الاضطرار وهو كله ابتلاء من الله عز وجل: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء: من الآية 35)، ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف: من الآية 129).

ونستدرك ما فاتنا فنقول بعون الله: إن الله عز وجل قد قطع بنص واضح مفسرٍ في شأن المستضعفين وحكم تعالى أن المستضعف حقً المطمئن قلبه بالإيمان معذور وليس بكافر ولا عاصٍ، بل مغفور له، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء: الآية 97). ثم استثنى عز وجل من جملة هؤلاء المستضعفين حقًا، المكرهين فعلاً المطمئنة قلوبهم بالإيمان فقال: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (النساء: الآيات 98-99).

وهذا النص مفسِّر لغيره من آيات المستضعفين فصح بتوفيق الله ما سبق أن قلناه.

 

الفصل السابع

الطاعة والاتباع

قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات من القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله عز وجل" [الأحكام في أصول الإحكام لابن حزم: جـ2 ص140].

قال البعض:

إن المسلم يرتد كافرًا مشركًا متى أطاع من لم يحكم بما أنزل الله تعالى واتبعه.

والطاعة والاتباع يكونان – حسبما قالوا – بالعمل دون النظر إلى النية والاعتقاد.

وقالوا إن الشخص متى عمل عملاً مما دعا إليه الآمر بغير ما أنزل الله فإنه يكون مطيعًا ومتبعًا له متخذًا له ربًا من دون الله عز وجل سواء:

1-    عمل العمل وهو معتقد خطأ أن الآمر إنما بحكم حكم الله به، أو أباح الله تعالى له أن يأمر به.

2-  أو عمل بأمر الآمر وهو عالم أن الآمر إنما يأمر بخلاف حكم الله ومعتقد أن الآمر لا يملك أن يغير حكم الله تعالى، وأن عمله تنفيذًا لأمر ذلك الآمر عصيان الله تعالى.

3-  أو عمل بأمر الآمر وهو عالم بأن الآمر يأمر بخلاف حكم الله ولكنه يعتقد أن ذلك الآمر لقداسته وفضله له أن يحل ما حرم الله، أو يحرم ما أحله الله، وأن يأمر بخلاف حكم الله، وأن طاعته واتباعه أمر واجب دون نظر إلى أمر الله.

وضربوا لذلك مثلاً فقالوا: لو أن مسلمًا يؤمن بأن الله تعالى هو الخالق لكل شيء دونه، وأنه تعالى هو الحاكم ولا حاكم سواه، وكان ذلك المسلم حريصًا على اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه قائمًا بالفرائض من صلاة وزكاة وصيام وحج ثم إنه نزلت به نازلة لا يعرف حكم الله فيها وهو غير قادر على النظر في الأدلة واستنباط الأحكام منها، فسأل عالمًا مشهودًا له بالفقه والورع عن حكم الله فيما نزل به فأفتاه ذلك العالم فأخطأ ولم يصب حكم الله في الحقيقة، ثم إن ذلك المسلم المستفتي اعتقد أن ذلك الحكم الذي أفتاه به من وثق به هو حكم الله فعمل به على عقيدة أنه إنما ينفذ حكم الله – قالوا إنه يكون بعمله هذا قد أشرك بالله تعالى واتخذ ذلك المفتي ربًا له من دون الله.

واحتجوا لذلك الذي قالوه بقول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (التوبة: من الآية 31)، وبحديث عدي بن حاتم وأنه لما قال للرسول عليه الصلاة والسلام: إنهم لم يعبدوهم فإنه عليه الصلاة والسلام قال حسبما قال ابن كثير في تفسيره للقرآن: "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلو لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم" وقالوا الاتباع كان العمل بما قال به الرهبان والأحبار دون نظر إلى ما اعتقده العامل وأن تلك هي الطاعة، وأن نص الآية الكريمة قد سوى بين ربوبية طاعة الأحبار والرهبان بالعمل بما أمروا به وبربوبية الاعتقاد وأن المسيح ابن الله، وأن ذلك دليل على أن العمل والاعتقاد في حكم الشريعة متساويان يؤدي كل منهم إلى الوقوع في الشرك، وأنه مما يؤكد ذلك أن الآية الكريمة فيها الحكم على جميع اليهود والنصارى باتخاذهم الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله دون استثناء أحد منهم ودون تفرقة بين المخطئ وغير المخطئ والمعتقد وغير المعتقد.

واحتجوا أيضًا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (التوبة: من الآية 37)، وقالوا إن النسيء عمل أيضًا وقد حكم الله بكفر مرتكبه.

واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: الآيات 31-32)، وقال إن الاتباع هو والعمل بما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ومن لم يعمل بما جاء به عليه الصلاة والسلام فهو لم يتبعه فهو قد تولى فهو من الكافرين.

كذلك احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: الآية 121). وقالوا إن الطاعة المقصودة بالآية هي الأكل مما حرمه الله بصرف النظر عن عقيدة الآكل وإذا كان المسلم يرتد مشركًا إذا أطاع في أكل قطعة من اللحم لا تسمن ولا تغني من جوع فكيف إذا أطاع فيما هو وأعظم من ذلك شأنًا؟.

وكل ذلك الذي احتجوا به لا حجة لهم فيه.

والآية الكريمة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: الآيات 30-31). هذه الآية بمقابلتها بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (القصص: الآيات 52-53). يبين أن حكم كل من الآيتين ليس عامًا في جميع اليهود والنصارى لأن هؤلاء الذين لعنهم اله، وقال جل شأنه إنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أربابًا من دونه تعالى هم قطعًا وبدون أدنى شك غير هؤلاء الذين أخبرنا تعالى أنهم كانوا قبل بعثة المصطفى عليه السلام ومن قبل نزول القرآن مسلمين يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: من الآيات 113: 115). فالذين أعلمنا الله تعالى أنهم من الصالحين هم يقينًا وبغير أدنى شك طائفة غير التي لعنها الله تعالى وقضى أنها أشركت واتخذت أحبارها ورهبانها وعزيرًا والمسيح أربابًا من دون الله.

فصح يقينًا أن آية سورة البراءة ليست حاكمة على اليهود والنصارى كافة بل على الطائفة منهم التي أشركت فقط.

والاتباع في اللغة: هو والامتثال والطاعة.

والطاعة في اللغة: هي العمل بالأمر.

والطاعة في الشرع: العمل تنفيذًا للأمر مع النية والاعتقاد وهذا صريح ما قضى به الرسول عليه الصلاة والسلام، في حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" [متفق عليه أورده صاحب رياض الصالحين وسبق ذكره بألفاظ أخرى]. وهذا الحديث متفق على صحته وهو متواتر من حيث المعنى لأنه قد روي عن طرق مختلفة متفرقة بألفاظ قد وقع اختلاف في بعض أحرفها إلا أنها جميعًا متفقة من حيث المعنى.

وطبقًا لنص الحديث فإن الأعمال المأمور بها والمنهي عنه في الشرع إذا ما أتاها العبد فإن المدار في حكمها يتوقف على نيته "وإنما لكل امرئ ما نوى".

فمن قصد طاعة الله تعالى وتنفيذ حكمه فإنه لا يكون أبدًا متبعًا أو مطيعًا لمن نقل إليه ذلك الحكم أو وأمره به أو وأفتاه به، ولا يغير من ذلك شيئًا أبدًا أن يكون الناقل أو الآمر أو المفتي قد أصاب حكم الله في الحقيقة أو أخطأه.

والذي قصد طاعة شخص ما وتنفيذ أمره فيما يدين به ولو خالف أمره أمر الله فهو ومتبع له في المعنى الشرعي، ولا يغير من ذلك شيئًا أن يكون ذلك الشخص قد أمره بما وافق حكم الله أو خالفه.

والذي يعتقد أن الآمر له لا يملك تبديل شريعة الله وأن أمره على خلاف شريعة الله باطل لا يحرم ما أحل الله ولا يحل ما حرم الله، وأنه إن عمل بمقتضى أمر ذلك الآمر فإنه يكون عاصيًا لله تعالى فعمله بمقتضى أمر ذلك الآمر أو المفتي لا يكون له متبعًا بالمعنى الشرعي ولا متخذًا له ربًا من دون الله تعالى يستثني من ذلك الأعمال التي ورد بشأنها نص بأن فاعلها ينتفي عنه اسم الإيمان دون نظر إلى نيته وعقيدته رغم نطقه بالشهادتين، فقد نص رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أن من هاجر حين أمر – صلى الله عليه وسلم – بالهجرة وهو إنما قصد دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فإن هجرته كانت لما هاجر إليه، أي أنها لم تكن طاعة لله ورسوله ولا اتباعًا لله ورسوله، ولا يختلف مسلمان أن من جاء من أقصى الأرض متحملاً مشاق السفر مرتديًا ملابس الإحرام وطاف وسعى ووقف، بعرفات في التاسع من ذي الحجة ثم أفاض إلى المزدلفة ثم إلى منى فرمى الجمرات وأقام بها يومين ثم طاف بالبيت، إنه إن فعل ذلك معتقدًا بطلان شريعة الحج فإنه لا يكون متبعًا أمر الله ورسوله ولا مطيعًا لها بالمعنى الشرعي، والآية الكريمة من سورة براءة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ (التوبة: من الآية 31)، ليس فيها ذكر للعمل ولا إشارة إليه إنما فيها النص على "الاتخاذ"، والاتخاذ يتم بمجرد النية والاعتقاد دون عمل، فمجرد اعتقاد شخص وجوب أن يدين لأمر شخص آخر ولو خالف أمره أمر الله كاف ليكون قد اتخذه ربًا من دون الله.

وحديث عدي بن حاتم باللفظ الوارد في تفسير ابن كثير "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم" ليس فيه أيضًا ذكر للعمل وإنما فيه ذكر الاتباع، والاتباع المعتبر شرعًا لابد فيه من النية والاعتقاد.

والاعتقاد: فعل النفس منفردة لا شركة للجسد معها فيه.

والعمل: فعل النفس بتحريك الجسد فهو شيء آخر غير الاعتقاد، وقد فرق الرسول عليه الصلاة والسلام بينهما بقوله: "إنما الأعمال بالنيات" فجعل النية وهي الاعتقاد غير العمل.

والحديث الذي ذكره ابن كثير لم يورد سنده المتصل إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وقد رواه ابن حزم والترمذي والطحان والكوفي وابن جرير الطبري مسندًا عن الثقات العدول إلى الرسول عليه الصلاة والسلام باللفظ الذي سبق أن ذكرناه وهو و"كانوا يحلون لكم الحرام فتستحلونه ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه" قلت بلى. قال: "فتلك عبادتهم".

والاستحلال والتحريم يتمان بمجرد العقيدة فقط دون عمل فمن اعتقد أن الخمر حلال فقد استحلها ولو لم يذق منها قطرة ومن اعتقد الطلاق حرامًا فقد حرّمه ولو لم يكن متزوجًا ولم تكن له امرأة يطلقها، وطبقًا لكل من الروايتين فإن التحريم لا يكون فيه عمل أبدًا لأنه امتناع عن عمل، فكيف يصح القول أن العبرة بالعمل دون العقيدة، وكيف يكون اتباع الرهبان والأحبار فيما حرموه بغير عقيدة وغير عمل.

والحق أن الآية الكريمة قد سوت لا بين عمل وعقيدة وإنما بين عقيدتين جوهرهما واحد: بين الاعتقاد والقول إن عزيرًا ابن الله والمسيح ابن الله والاعتقاد والقول إن للرهبان والأحبار قداسة وعصمة توجبان الاتباع والانقياد لهما، ولو خالف أمرهما شريعة الله.

وهذا هو والأمر الواقع فعلاً والمشاهد فهم يسمون "بابهم" "قداسة البابا" والقداسة في اللغة هي الطهارة أي أنه هو الطهارة بعينها وهم يعتقدون عصمته فهو وفي نفوسهم لا يخطئ ومنذ مدة غير بعيدة أصدر قرارًا بتحريم وسائل منع الحمل والمعروف لدى كافة أتباعه أنه لحين صدور قراره بتحريمها فقد أصبحت طبقًا لعقيدتهم حرامًا، والمعروف أيضًا والثابت تاريخًا أن الطلاق كان لدى المسيحيين مباحًا وأنه ليس في أناجيلهم ما يحرمه ثم اجتمع مجلس كنسي فحرم "قرر تحريمه" الطلاق فأصبحت تلك عقيدتهم.

ونحن نسأل الذين قالوا: إن العبرة بالطاعة بمعنى العمل دون العقيدة، ماذا يكون موقف مسلم أفتاه مفتٍ أن الطلاق حرام أو وأمره حاكمٍ ألا يطلق زوجته، أيكون لزومًا عليه أن يطلقها وإلا كان متبعً له دون الله ومتخذًا له ربًا من دون الله؟ أم أنه إذا اعتقد فساد الفتوى وبطلان الأمر فإنه لا يكون متخذًا له ربًا ولو لم يطلق زوجته؟.

ونسألهم أيضًا: ما الحكم إذا ما أفتى مفت أو قرر حاكم أن الخمر حلال فاعتقد شخص ذلك، وأنها قد باتت حلالاً له أن يشربها رغم علمه أن الله قد حرمها..؟ أيكون ذلك الشخص قد اتخذ المفتي أو الحاكم ربًا من دون الله أم لا. سواء شربها أم لم يشربها..؟ لا نظن أن أحدًا سوف يزعم أنه ما دام لم يعمل ولم يشرب الخمر فإنه لا يكون متبعًا فلا مراء أنه باستحلاله الخمر، طاعة لذلك المفتي أو الحاكم من دون الله فإنه يكون قد اتخذه ربًا من دون الله سواء أنفذ الفتوى أو الأمر فشرب أم لم يشرب.

فالمدار إذن على النية والاعتقاد لا على العمل المجرد عن النية والاعتقاد.

ونسألهم أيضًا: ما الفرق بين حكم مسلم في بلد تسوده وتنفذ فيه أحكام الشريعة الإسلامية فشرب الخمر وهو معتقد حرمتها، وبين حكمه إذا شربها في بلد ملحد لا يدين لحلال أو حرام، وهو وأيضًا معتقد حرمتها وأن شريعة تلك البلد التي صادف وجوده بها شريعة باطلة..؟ وأي نص من كتاب الله وسنة رسوله تستندون إليه للتفرقة بين الحالتين حتى تستجيزون قولكم إنه بعمله في البلد الملحد قد اتبع شريعتها واتخذ حكامها أربابًا من دون الله؟.

فإن قلتم إنه حين يشرب الخمر في البلد الذي تسوده أحكام الشريعة الإسلامية فإنه يكون خاضعًا لها وتوقّع عليه العقوبة الشرعية، قلنا إن الحكم إنما يكون على حاله وقت شربه الخمر، أما توقيع العقوبة فأمر لاحق لفعله ولا دخل لإرادته فيه وغيره هو المسئول عنه، والأحكام إنما تصف الشخص وتلحقه وقت مقارفته ما عمل ولا تتغير بما يلي عمل العامل من أعمال يقوم بها غيره ولا دخل لإرادته فيها.

ونقول أيضًا إن المسلم قد يشرب الخمر في بلد تسوده أحكام الشريعة الإسلامية ثم لا يظهر أمره فلا توقع عليه عقوبة، وقد عرض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لهذه الحالة فقال في حديث عبادة بن الصامت الذي سبق أن أوردنا نصه: "ومن أتى حدًا فأقيم عليه فهو كفارة له، ومن ستر الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له".

واليقين الذي لا شك فيه هو ما أخبرنا به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من أن أعمال الشخص متوقف الحكم عليها على نيته هو ولا على نوايا غيره وعلى مقصده هو فيها لا على مقاصد غيره وعلى عقيدته هو لا على ما اعتقده سواه.

فإن قال قائل: فكيف يكون حكمنا في هذه الدنيا على أعمال الناس وأنتم تقولون إن النية هي عمل النفس المجرد الذي لا يطلع عليه إلا عالم الأسرار جل شأنه؟.

قلنا إن الرسول عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نحكم في هذه الدنيا بظاهر حال الناس وبما يقوله المرء بلسانه، قال خالد بن الوليد لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال عليه الصلاة والسلام: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" [المحلى لابن حزم: جـ11 ص220]، وسبق أن قدمنا البرهان من عمل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإنه إن خالف بعد ذلك بعمله نصًا فإنه يكون عاصيًا والفرض أنه لم يستحل مخالفة النص ولم يجحد به إلا أنه يقول هو بلسانه ما يدل على جحده واستحلال العمل على خلاف النص.

وإذا صح ما قدمنا بالبرهان من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام فإنه يكون اليقين المقطوع به أن الطائفة التي لعنها الله تعالى من اليهود والنصارى لاتخاذها عزيرًا والمسيح والرهبان أربابًا من دونه تعالى هي الطائفة التي اعتقدت أن عزيرًا ابن الله وأن المسيح ابن الله أو أن الأحبار والرهبان واجب طاعتهم والانقياد المطلق لأمرهم ولو جاء أمرهم على خلاف أمر الله.

قال الإمام ابن تيمية في كتابه الإيمان [كتاب الإيمان طبعة دار أنصار السنة المحمدية: ص41-43]: "قال الربيع بن أنس قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه، فقالوا لن نسبق أحبارنا بشيء فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم، فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم".

وقال أيضًا: "وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين: أحدهما أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسول، فهذاا كفر وقد جعله الله ورسوله شركًا وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه بأنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله تعالى ورسوله عليه السلام، مشركًا مثل هؤلاء، الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحليل الحلال والحرام ثابتًا لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب" انتهى.

وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (التوبة: الآية 37) فقد قال ابن كثير في ذلك: "هذا مما ذم الله به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله فإنهم كان فيهم القوة والعصبية والشهامة والحمية.

ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم فأخروه إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام ويحرمون الشهر الحلال ليواطئوا عدة ما حرم الله الأشهر الأربعة، كما قال شاعرهم وهو عمير بن قيس المعروف بجزل الطعان.

لقد علمت معد بأن قومي                      كرام الناس أن لهم كرامًا

ألسنا الناسئين على معد                       شهور الحل نجعلها حرامًا

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (التوبة: من الآية 37)، قال النسيء إن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي في الموسم كل عام وكان يكنى أبا ثمامة فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب، ألا وإن صفر العام الأول العام حلالٌ، فيحله للناس، فيحرم صفرًا عامًا ويحرم المحرم عامًا" [تفسير ابن كثير: جـ2 ص356].

وهذا كما هو واضح ليس عملاً بل هو قول باللسان واتفاق على تبديل شريعة الله المعلومة المعروفة، وقصدٌ بالعمد إلى تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله.

وليس كل محارب في الأشهر الحرم بناسئ، ولا كل قاعد عن القتال في غيرها بناسئ إنما الناسئ من أعلن أو اتفق أو اعتقد تحليل القتال في أيٍّ من الأشهر الحرام، على أن يعوض ذلك بتحريم القتال في شهر آخر من غيرها.

ألست ترى الشاعر يفتخر والعياذ بالله بأن قومه هم الذين كانوا يقومون على إجراء تلك الشريعة المخالفة لشريعة الله فيقول.

ألسنا الناسئين على معد                           شهور الحل نجعلها حرامًا

وقولنا الذي ندين به لله تعالى أن من قال بلسانه في غير إكراه مستحلاً خلاف شريعة الله التي بلغته أو بتبديل حكم من أحكامها قاصدًا متعمدًا تحليل ما علم أن الله تعالى حرمه أو تحريم ما علم أن الله تعالى أحله فهو كافر مشرك.

أما الآية الكريمة من سورة آل عمران ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: الآيات 31-32)، فإنَّ العامل بمقتضى أمر الله ورسوله لا هو متبع ولا هو مطيع إلا أن يكون عمله بنية الامتثال لأمر الله ورسوله، كما قال عليه الصلاة والسلام: "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى".

ولا مراء في أن المسلم مأمور بالاتباع والطاعة في كل ما أمر الله تعالى به وفي كل ما نهى عنه لا يستسهل صغيرة ولا يجترئ على كبيرة ومن لم يعتقد بوجوب ذلك وبوجوب الاتباع والطاعة في كافة أوامر الله ونواهيه فهو جاحد كافر مشرك منتف عنه الإيمان بنص قول رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به" والله تعالى الذي حكم بهذا هو سبحانه الذي تفضل على خلقه وعباده بواسع رحمته ففرَّق بين النية والعمل، وجعل العامل على خلاف الأمر ممن آمن به تعالى وبرسوليه عليه الصلاة والسلام وبجميع ما أبلغه إلينا وحيًا عن ربه، غير كافر ولا مشرك إلا من عمل عملاً ورد النص بانتفاء اسم الإيمان عن فاعله برغم النطق بالشهادتين، وقد أسلفنا القول في الفرق بين الكفر والعصيان، وقدمنا البراهين من كتاب الله وسنة رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ بما لا حاجة لنا بعده إلى مزيد، فصح يقينًا أن الكافرين في قوله تعالى: ﴿فإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 32)، هم الذين تولوا من الذين أبوا الإسلام لله والنطق بالشهادتين مع العقد بالقلب، أو من نكث عهده وارتد بعد إسلام.

أما الآية الكريمة من سورة الأنعام: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: الآية 121)، فقد ظهر وجه الخطأ في الاستدلال بها بعد أن بينا معنى الطاعة في الشرع وأن لكل امرئ ما نوى كما هو الحديث.

وواضح أن أولياء الشيطان إنما يجادلون في وجاهة التحريم وبذلك وردت الآثار، يقول ابن كثير والقرطبي: "إن المشركين كانوا يجادلون المسلمين فيقولون: ما قتل الله لم تأكلوه وما قتتلتموه أكلتموه" انتهى.

والمجادلة: دفع القول عن طريق الحجة بالقوة [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: جـ7 ص77].

وواضح من التركيب اللفظي للآية ومن السياق أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (الأنعام: من الآية 121)، مقصود منه الاقتناع بما جادلوا به، ولذا يقول القرطبي: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ (الأنعام: من الآية 121)، في تحليل الميتة.

وهذا ما نقول به لأن من أطاع غير الله فيما حاج به من تحليل ما حرم الله تعالى فقد أكذب ربه وجحد النص المعلوم له، فهو كافر مشرك بلا خلاف.

قال ابن العربي: "إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركًا إذ أطاعه في الاعتقاد، فإن أطاعه في الفعل وعقله سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاصٍ فافهموه" انتهى [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: جـ7 ص77، 78].

وبذلك أيضًا قال ابن تيمية وقد سبق ذكر قوله [انظر هذا البحث ص156].

 

الفصل الثامن

الحكومة الإسلامية أو والإمام الحق

ومعنى السمع والطاعة والحكم والتحكيم

والمعلوم من الدين بالضرورة

﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج: الآية 41).

الحكومة الإسلامية:

تعريفها: قلنا فيما سبق إن الدين قد تم فليس لأحد أن يزيد فيه أو وينتقص منه وأن شريعة الله قد كملت وليس الناس في حاجة بعد تمام نعمة الله عليهم وكمال شريعته لمزيد من الشرائع ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية 3)، وليس لأحد أن يبدل شيئًا من شرائع الله ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ (الأنعام: من الآية 115)، وقلنا أيضًا إن ما أحله الله وثبت حكم حِلِّه الأبدي بانقطاع الوحي ووفاة الرسول عليه الصلاة والسلام حلال إلى يوم القيامة لا يملك كائن من كان أن يحرمه، وأن ما ثبت حكم تحريمه الأبدي بانقطاع الوحي ووفاة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ حرام إلى يوم القيام لا يملك كائن من كان أن يحله، وكذلك ما فرضه الله من فرائض وما نهى عنه من نواه فإن كائنًا من كان لا يملك تغييره ولا تبديله، وما قدمناه من أن الله ـ عز وجل ـ قد ترك لأمة المسلمين جوانب غير قليلة من حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية تجتهد في تنظيمها بمقتضى تشريعات قد نسميها قانونًا أو لائحة أو وقرارًا أو غير ذلك، قد أوضحنا أنه مشروط فيه ألا نحل حرامًا أو ونحرم حلالاً أو نقبل من فرض أو نهي كما أوضحنا أن ذلك إنما يكون تنفيذًا لمقاصد حددها الله عز وجل وأمرنا بتحقيقها فهي في الحقيقة وسائل لبلوغ الغاية التي أمر الله تعالى بها وهي في جوهرها تنفيذ لأمر الله تعالى.

وقلنا أيضًا إن الله عز وجل لم يرد منا مجرد الإقرار بالطاعة له ولرسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ  بلا عمل بأوامره واجتناب لنواهيه، ولكننا مأمورون فضلاً عن الاعتقاد بوجوب الطاعة بالطاعة الفعلية وذلك بإنفاذ شرائع الله فيما أمر ونهى وفرض وأباح وتحويل ذلك إلى واقع حي قائم متمكن في الأرض.

وإذ ذلك كذلك فإنه يخلص لك أن الحكومات الإسلامية غير مكلفة بابتداع شرائع ولا استحداث أهداف وغايات ترى فيها من ذات نفسها مصلحة للعباد – وهي ليست غير مكلفة بذلك فقط بل هي منهية عنه، لما في ذلك من خروج على أحكام الشريعة وتبديل وتغيير لها.

ومن ثم فإن الحكومة الإسلامية "أو الإمام الحق" إنما هي الحكومة التي تعتنق الإسلام دينًا وتقوم على تنفيذ أحكام الشريعة وحراسة الدين.

ويقول أبو الحسن المارودي في كتابه الأحكام السلطانية [نقلاً عن النظريات السياسية الإسلامية للدكتور محمد ضياء الدين الريس أستاذ قسم التاريخ الإسلامي بكلية دار العلوم جامعة القاهرة 1966م إصدار دار المعارف ص117]: "الإمامة موضوعه لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا".

ويقول التفتازاني [نقلا عن المصدر السابق ذكره] تعريفًا للإمامة إنها: "رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي – صلى الله عليه وسلم -.

ويعلق الدكتور محمد ضياء الدين الريس على تعريف الماوردي فيقول: "إن هذا التعريف يشمل ثلاثة عناصر: 1-أن الإمامة للخلافة عن النبوة. 2، 3-وأن موضوع هذه الخلافة حراسة الدين أولاً ثم سياسة الدنيا ثانيًا، ويلاحظ أن النص على العنصر الأخير كاف للدلالة على أن الماوردي، قاضي قضاة بغداد ومن كبار علماء فقه الشافعية كان يرى أن مما يدخل في صميم اختصاصات النبوة سياسة الدنيا، ولذا وجب أن يخلف الرسول في هذا الأمر، وقوله حراسة الدين يفيد أن وظيفة الإمام حراسته وحمايته والذب عنه، أي لا شرحه أو التبديل فيه، ومما ينطوي تحت هذه الحراسة أن يدل الإمام بتصرفاته وأعماله على أنه حافظ للدين مراع لأوامره".

ويعرف ابن خلدون نظم الحكم على أنها على ثلاثة أنواع: الأول الحكم أو الملك الطبيعي وهو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والثاني الحكم أو الملك السياسي وهو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والثالث وهو الخلافة الإسلامية أو الإمامة الحقة وهو حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الدنيوية والأخروية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها لمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا، ثم يعقب ابن خلدون على ذلك فيقول إن ما كان من هذه النظم بمقتضى القهر والتغلب وإعمال القوة الغضبية في مراعها: فجور وعدوان، وما كان فيها بمقتضى السياسة وأحكامها فمذموم أيضًا لأنه نظر بغير نور الله: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ (النور: من الآية 40)، لأن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيب عنهم من أمور آخرتهم، وأعمال البشر كلها عائدة عليهم في معاهدهم من ملك أو غيره، قال – صلى الله عليه وسلم – "إنما هي أعمالكم ترد عليكم" [المقدمة لابن خلدون نقلاً عن النظريات السياسية الإسلامية].

وينهي الدكتور محمد ضياء الدين الريس مؤلفة عن النظريات السياسية بعد استعراضه مختلف أقوال الفقهاء إلى أن التعريف الحقيقي للإمامة أنها "الحكومة الإسلامية الشرعية أو كما نقول اليوم: الدستورية أو بعبارة تعين المعنى وتحدده "الحكومة التي تكون الشريعة الإسلامية قانونها" قانونها الأكبر أو الأم وهو ما نسميه اليوم بالدستور، وقانونها الفرع وهو مجموعة الأحكام التشريعية التي تنظم بها حياة الأمة: سواء أكانت تلك الأحكام تتعلق بالمعاملات المالية أو الأحوال الشخصية أو المسئوليات الجنائية أو غير ذلك، وهدف هذا القانون هو تحقيق مصالح الناس في حياتهم الدنيوية والأخروية" "فليست إذن هي الحكومة التي تعمل وفقًا للقانون الطبيعي: قانون "طبيعة الفرد" وهي المؤلفة من الغرائز والنوازع الذاتية: قانون الأثرة والاستبداد وقهر الناس لبلوغ غايات المجد والثراء أو التحكم أو بعبارة أخرى الحكم الذي تحدد وجهاته الأهواء والشهوات، وليست أيضًا بالتي تعمل وفقًا "للقانون السياسي" ويراد به مجموعة الأحكام التي يضعها ويتفق عليها علماء الأمة من ساسة وحكام بحسب ما تمليه المصالح الدنيوية فقط، أو كما يمكن أن يعبر عنها بكلمة أخرى "المادية" غير ناظرين إلا إلى حدود هذه الحياة وما يحدث فيها ومقياس التشريع عندهم المنفعة.. وإنما هي الحكومة التي يكون قانونها شرع الإسلام وهو الذي يستمد مبادئه من القرآن والسنة".

وفيما نرى فإن هذه التعريفات للحكومة الإسلامية يشملها ما قلناه من أن الحكومة الإسلامية "أو الإمام الحق" إنما هي الحكومة التي تعتنق الإسلام دينًا وتقوم على تنفيذ أحكام الشريعة.. فأحكام الشريعة هي التي تأمرنا بحراسة الدين والذب عنه والتمكين للمسلمين في الأرض وصَدُّ العدوان الذي قد يقع عليهم، والعمل على نشر دعوة الله والقتال لتكون كلمة الله هي العليا ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ﴾ (الأنفال: من الآية 39)، وأحكام الشريعة هي التي تأمرنا بما حددته لنا من أحكام متعلقة بتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتعيين شكل ونظام الدولة والحريات التي تكفل للأفراد والجماعات، وهي التي تأمرنا باتباع وتنفيذ ما حددته من شرائع تحكم الحياة الاجتماعية والاقتصادية وعلاقة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم، إلى غير ذلك مما يشمل حياة الأمة والأفراد في مختلف نواحيها وهي تربط بين ذلك جميعًا وبين حياة الأمة وأفرادها وبين المصير في الآخرة، وهي التي تؤكد أن ذلك كله مما أمرت به، إنما يجب اعتقاده والعمل به وتحقيقه طاعة لله تعالى وامتثالاً لأمره وخشوعًا وانكسارًا له، وابتغاء وجهه تعالى، فلا يقبل أي عمل مهما عاد بالنفع في الدنيا على صاحبه وعلى الناس إلا إذا صدر ممن يدين لله عز وجل بدين الحق وابتغاء وجه ربه الأعلى.

ذلك جميعه تتضمنه الآية الكريمة الجامعة: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج: الآية 41).

وذلك الذي قدمناه هو جوهر الحكومة الإسلامية والإمام الحق وهو محل اتفاق بين جميع الفقهاء، وتقوم عليه نصوص قاطعة.

فوجوب أن يكون الإمام مسلمًا مشترط بقول الله عز وجل ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء: من الآية 141)، وأعظم سبيل أن يكون الكافر إمامًا للمسلمين قائمًا على تصريف شئونهم – كما أن الإمام هو القائم على حراسة الدين وتنفيذ أحكام الشريعة فوجب ضرورة أن يكون مسلمًا.

كذلك يجب أن يكون الإمام قد بلغ سن التكليف لأن الصبي الذي لم يبلغ الحلم، والإمام مخاطب بتكاليف الشريعة فوجب أن يكون من المكلفين بها.

كما يتعين أن يكون الإمام رجلاً: لقول رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة" [المحلى لابن حزم: جـ9 ص360].

وهناك بعض شروط أخرى محل اختلاف بين الفقهاء مثل اشتراط أن يكون الإمام قرشيًا واشتراط القدرة الجسمية، وكذلك العلم بالشرائع وبلوغ رتبة الاجتهاد، وألا يكون مجاهرًا بالفسوق والعصيان ومثل طريقة اختيار الإمام وشروط البيعة.

وجوبها: إقامة الحكومة الإسلامية والإمام المسلم، القائم على إنفاذ أحكام الله والذي يسوس الأمة بمقتضى أحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرض ثابت وجوبه على أمة المسلمين بالإجماع المبني على نصوص شرعية ثابتة.

فقد أجمع الصحابة رضوان اله عليهم عقب وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام على وجوب أن يخلفه إمام للمسلمين يقوم على حراسة الدين وتنفيذ أحكام الشريعة، وهم إن اختلفوا في بادئ الأمر على شخص الإمام إلا أن أحدًا منهم لم يذهب إلى القول بأن لا حاجة غليه ثم انعقد الإجماع على اختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإمامًا للمسلمين، وإذا كان اختيار أبي بكر قد تم في حضور بعض المهاجرين والأنصار بسقيفة بني ساعدة على ما هو ومشهور، إلا أن هؤلاء الذين حضروا ذلك الاجتماع وتولوا أمر الاختيار كانوا أكابر الصحابة من المهاجرين والأنصار من أصحاب الشوكة والكلمة النافذة والنيابة الحقة عن أقوامهم وقبائلهم، ثم إن الأمر لم يقتصر على ذلك وإنما طرح الصديق رضوان الله عليه أمر الخلافة في جمع حاشد حضره الصحابة رضوان الله عليهم بمسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقال ما معناه: "وإن محمدًا قد قضى بسبيله ولابد لهذا الأمر من قائم يقوم به فانظروا وهاتوا آراءكم" فناداه الناس من كل جانب صدقت يا أبا بكر، ولم يوجب من يقول إن الأم يصلح من غير قائم به أو أن الدين لا حاجة به لمن يقوم على حراسته [النظريات السياسية] ومن ثم كان إجماع أفضل المسلمين على وجوب قيام الإمامة أي الحكومة الإسلامية.

ثم تكرر هذا الإجماع عند مبايعة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ـ رضي الله عنهما ـ بل إنه بعد مقتل عثمان رضي الله عنه فإن النزاع الذي قام بين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لم يكن حول وجوب قيام الإمام، فإن كلاً من الفريقين لم يكن ينازع في وجوبه وفي ضرورة قيام الإمام المسلم القائم على حراسة الدين وتنفيذ أحكامه وإنما اقتصر النزاع على التصرف نحو قتلة عثمان رضي الله عنه وصحة البيعة لعلي كرم الله وجهه.

ثم أجمع المسلمون من بعد خلافة علي كرم الله وجهه وبعد ظهور الفرق الإسلامية على وجوب قيام الإمام المسلم: فاتفق جميع أهل السنة على وجوب ذلك وكذا الشيعة والمعتزلة والمرجئة والخوارج حاشا النجدات من الخوارج فقد رأوا أن الناس يتعين عليهم أن يتعاطوا الحق فيما بينهم، وأجازوا قيام الإمام ولكنهم لم يعتبروا ذلك فرضًا وقد اندثرت هذه الطائفة بفضل الله.

وذلك الإجماع يقوم على نصوص شرعية منها قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية 59)، فنصت الآية على وجوب طاعة أولي الأمر فدل ذلك على أن يكون بين المسلمين أولو أمر تجب طاعتهم.

ومنها قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إنه لا نبيّ بعدي، وستكون خلفاء فتكثر" قالوا فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "أوفوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم" [المحخلى: جـ9 ص36 عن أبي هريرة رواه مسلم]، وفي نص الحديث ذكر الخلفاء وأن لهم حقوقًا والأمر بالوفاء بالبيعة لهم، كذلك دل عمر الرسول عليه الصلاة والسلام على وجوب وجود الإمام المسلم القائم على تنفيذ أحكام الشريعة، فإنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان على رأس المسلمين قائمًا على تنفيذ أحكام الشريعة فيهم، وتولى عليه الصلاة والسلام القضاء بين الناس وإقامة الصلاة وإقامة الحج وجمع الزكاة وإعطائها لأصحاب الحقوق فيها وتجهيز الجيوش وإعدادها للدفاع وللغزو – كما أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولى الأمراء على البلاد التي خضعت للإسلام في عهده من ذلك [جوامع السيرة لابن حزم: ص23-25 وغيره من كتب السيرة] أنه أمَّر "باذان الفارسي" على اليمن كلها فلما مات ولى عليه الصلاة والسلام ابنه "شهر": صنعاء وأعمالها، وولى المهاجرين أمية: كنْدة والصّدف، وولى زياد بن لبيد: حضرموت، وولى أبا موسى الأشعري: زبيد وعدن ورمح والساحل، وولى معاذ بن جبل: الجند، وولى عتاب بن أسيد: مكة وإقامة الموسم والحج بالمسلمين سنة ثمانٍ، وولى أبا سفيان بن حرب: نجران، وولى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على الأخماس بالسمن والقضاء بها، وكان له ـ عليه الصلاة والسلام ـ على كل قبيلة والٍ يقبض صدقاتها.

وكذلك فإن قيام الحكومة الإسلامية ضرورة تقتضيها النصوص، قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية 286)، فوجب اليقين أن الله تعالى لا يكلف الناس ما ليس في بنيتهم واحتمالهم، وقد علمنا بضرورة العقل وبديهته أن قيام الناس بما أوجبه الله تعالى من الأحكام عليهم في الأموال والجنايات والدماء والنكاح والطلاق وسائل الأحكام كلها ومنع الظالم وإنصاف المظلوم وأخذ القصاص، على تباعد أقطارهم وشواغلهم واختلاف آرائهم كل ذلك ممتنع غير ممكن، إذ قد يريد واحد أو أكثر أو جماعة أن يكون عليهم إنسان ويريد آخر أو جماعة أخرى أن لا يحكم عليهم، إما لأنها ترى في اجتهادها خلاف ما رأى هؤلاء، وإما خلافًا مجردًا، وهذا الذي لابد منه ضرورة، وهذا مشاهد في البلاد التي لا رئيس لها، فإنه لا يقام هناك حكم حق ولا حَدٌ وقد ذهب الدين في أكثرها، فلا تصح إقامة الدين إلا بالإسناد" [الفصل في الملل: جـ4 ص106].

"والخلق مع اختلاف الأهواء وتشتت الآراء وما بينهم من الشحناء قلما ينقاد بعضهم لبعض فيقضي ذلك إلى التنازع والتواثب، بل ربما أدى إلى هلاكهم جميعًا وتشهد له التجربة والفتن القائمة عند موت الولاة إلى نصب آخر، بحيث لو تمادى لعطلت المعايش وصار كل أحد مشغولاً بحفظ ماله ونفسه تحت قائم سيفه وذلك يؤدي إلى رفع الدين وهلاك جميع المسلمين" [الإيجي في المواقف: النظريات الإسلامية].

"ولا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية وإلا فمن كان في جميع أوقاته مستغرقًا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة، وطلب قوته من وجوه الغلبة، فمتى يتفرغ للعلم والعمل وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخر؟"، "عن الدين والأمن على الأنفس والأموال لا ينتظم إلا بسلطان مطاع، وهذا تشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين والأئمة، وإن ذلك لو دام ولم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع دام الهرج وعم السيف، وشمل القحط، وهلكت المواشي وبطلت الصناعات وكان كل غلبٍ سَلَبٍ ولم يتفرغ أحد للعبادة والعلم إن بقي حيًا، والأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف ولهذا قيل: "الدين والسلطان توأمان" [الغزالي في الاقتصاد والاعتقاد نقلاً عن المصدر السابق].

وقد فرض [الدكتور ضياء الدين الريس في كتاب النظريات الإسلامية: ص135] الله تعالى على الأمة المسلمة واجبات هي مسئولية أن تؤديها كوحدة متضامنة وهو ما اصطلح على تسميته بفروض الكفاية، من ذلك الجهاد والحِسْبَة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسد حاجات الفقراء والمساكين والشورى.. إلخ وهذه الفروض لا يمكن أن يقوم بها فرد على حدة أو وافرادًا أيًا ما كانوا، وإنما هي تحتاج إلى تدبير وتنظيم ولا يمكن أن ينهض بها إلا سلطة عامة تكون لها إرادة فوق الإرادات الفردية، وتتوفر له الطاعة وتستطيع الأمر والنهي والتوجيه، وهذه هي سلطة الإمامة، فالإمامة واجبة لتأدية كل هذه الفروض ولهذا يقول الشهرستاني: إذ لابد لكافتهم من إمام ينفذ أحكامهم ويقيم حدودهم ويحفظ بيضتهم، ويحرس حوزتهم يعبئ جيوشهم، ويقسم غنائمهم وصدقاتهم، ويتحاكمون إليه في خصوماتهم، ويراعي أمور الجمع والأعياد، وينصف المظلوم وينتصف من الظالم وينصب القضاء والولاة في كل ناحية، ويبعث القراء والدعاة إلى كل طرف" [نقلاً عن المصدر السابق "للشهرستاني في نهاية الأقدام في علم الكلام].

والواضح مما تقدم أن غيار الحكومة الإسلامية أو الإمام المسلم مؤداه الحتمي تعطيل تنفيذ الكثير من الأحكام الشرعية وتضييع ما شرعه الله لعباده من الحقوق، وأيضًا تشتت شمل المسلمين وضعفهم وتعرضهم للفتن والهوان وشيوع المظالم والفساد، وحال بلاد المسلمين في هذا الوقت شاهد على صدق ذلك..

وإقامة الحكومة الإسلامية أي "الإمام الحق" من فروض الكفاية أي هو وفرض تسأل عن الأمة متضامنة في جميع أفرادها إلى أن يتحقق، وكل فرد بعينه آثم ما دام أن ذلك الفرض لم يتحقق، ولا شك أن كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية مسئول مسئولية شخصية أمام ربه عما يقصر فيه من جهد يستطيع بذله في سبيل تحقيق ذلك الغرض الذي ألزمه الله تعالى به.

ولا شك أن الله تعالى قد أمرنا بالتعاون على البر والتقوى ونهانا عن التعاون على الإثم والعدوان وليس أبرُّ من إعطاء كل ذي حق حقه.

وليس حقًا إلا من شرعه الله تعالى وقضى بأنه حق، وحكم رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ بأنه حق.

وليس إعطاء الحق سوى إنفاذه وتمكين صاحبه منه.

والظلم الواضح البين منع الناس مما جعله الله حقًا لهم، وأن يفِّذ فيهم ويقضي بينهم بما حكم الله تعالى بأنه إثم وعدوان وهذا ما نهانا الله تعالى عنه.

ومن أجيال مضت قالوا: "الدين أصل والسلطان حارس: وما لا أصل له فهو مهدوم، وما لا حارس له فضائع" ونكرر القول إننا نعتقد أن الإمامة والخلافة الإسلامية أو الحكومة الإسلامية رمز الوحدة الإسلامية ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير فيها والاهتمام بها، والأحاديث التي وردت في وجوب نصب الإمام وبيان أحكام الإمامة.. أي الخلافة أو الحكومة الإسلامية – وتفصيل ما تعلق بها، لا تدع مجالاً للشك في أن واجب المسلمين أن يهتموا بأمر خلافتهم – منذ حورت ثم ألغيت بتاتًا – ولذلك فإن فكرة الخلافة والعمل على إعادتها أصل نلتزمه ونحن مع ذلك نعتقد أن ذلك يحتاج إلى الكثير من التمهيدات التي لابد منها وأن الخطوات المباشرة لإعادة الخلافة لابد أن تسبقها خطوات.

السمع والطاعة:

لا مراء أن الأمة مأمورة أن تنقاد للإمام المسلم الذي يقيم فيها أحكام الله ويسوسها بأحكام الشريعة ووحدة الصف وتماسك أفراد الأمة بعضهم ببعض والحرص الشديد على اجتماع الكلمة ومنع الفتنة من صفات المؤمنين البارزة حتى إن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ليقول: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" [مسلم المحلى لابن حزم: جـ9 ص360]، كما يقول أيضًا عليه الصلاة والسلام: "من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" [أخرجه مسلم المحلى: جـ9 ص360]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: الآية 105)، وقال عز وجل: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 46).

ولا اجتماع للكلمة ولا وحدة للصف إلا مع السمع والطاعة.

ووجوب السمع والطاعة وردت به نصوص لا شك في ثبوتها وصحتها وصراحة مدلولها ومعناها.

إلا أن للسمع والطاعة في هذا المقام معنى يجب التفطن إليه.

فما دام أن الإمام ليست له من مهمة إلا تنفيذ أحكام الشريعة الغراء وتحقيق المقاصد التي أمر الله تعالى الأمة المسلمة أن تجتهد لبلوغها، وما دام أن الأمر شورى، فإن السمع والطاعة إنما يكونان في الحقيقة لأمر الله وما يجب له تعالى من صدع وخشوع وتسليم.

وإذ كان المسلمون يتلون من القرآن الكريم قول الله عز وجلّ لرسوله ونبيه أكرم خلقه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران: من الآية 128)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ (الكهف: من الآية 110)، فإنه لا يكون ثمة مجال لأن يختلط الأمر على إنسان ما فيظن في إمام المسلمين أن يكون سوى بشر كسائر البشر مثله مثلهم، مخلوق عادي كسائر خلق الله، مأمور بما أمر الله به كافة عباده، متوعَّد بما توعد الله به كافة عباده إن عصوا، وموعود بما وعد اله به كافة عباده إن أطاعوا، لا يتميز عن أحد غيره من سائر البشر على اختلاف أجناسهم إلا بما يجوز أن يتميز به غيره من سائر البشر من كرامة عند الله لا على الناس، لمن وفق للطاعة والشكر ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13).

وإذ هذه صفة إمام المسلمين وأنه بشر محض بشر.

وإذ ليس بعد المعصوم عليه الصلاة والسلام معصوم.

فإن احتمالات انحراف إمام المسلمين قائمة كاحتمالات استقامته ولا فرق.

وإذ ليس الغرض من إقامة الإمام إلا الذود عن الدين وتنفيذ أحكام الشريعة، فليس من المستغرب إذن أن تجد جميع النصوص تقريبًا الآمرة بالسمع والطاعة قد تضمنت النص الصريح والبيان الواضح الذي لا شبهة ولا إشكال فيه على أن السمع والطاعة إنما هما في المعروف وأنه لا سمع ولا طاعة في معصية، وأوجب على الإمام والرعية أن يردا الأمر دائمًا وعند وقوع التنازع بينهما أن يتحاكما شأنهما شأن غيرهما إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ويسلما بما قضى به عليه السلام تسليمًا، وطاعة الله ورسوله وتنفيذ ما أمر به مفروضة على الراعي والرعية على سواء وبلا أدنى تمييز، قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية 59)، ثم وصل قوله هذا بقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ﴾ (النساء: من الآية 59)، وبقدر ما حذرنا ـ عليه الصلاة والسلام ـ من الخروج عن الطاعة فقد حذرنا من الطاعة في المعصية قال عليه الصلاة والسلام: "لا طاعة لبشر في معصية الله" [أخرجه مسلم المحلى: جـ9 ص361]، كما قال عليه الصلاة والسلام: "من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية" [أخرجه مسلم]، وقال عليه الصلاة والسلام أيضًا: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" [رواه أبو داود المحلى: جـ9 ص361]، وأيضًا قال: "السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" [رواه البخاري المحلى: جـ7 ص292].

بل إن الأمر يتعدى الموقف السلبي بعدم السمع والطاعة في المعصية إلى أمر إيجابي بضرورة رد البغي ومنع العصيان وتغيير لمنكر وإزالته قال عز وجل: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ (الحجرات: من الآية 9)، فأمر تعالى بقتال الفئة الباغية حتى ترضخ وتستسلم لأمر الله تعالى وحكمه، والفئة الباغية قد تكون مجتهدة مأجورة على اجتهادها ولكنها أخطأت ولم تصب حكم الله تعالى ومع ذلك فواجب قتالها إذا جارت على حقوق الغير.

وقال عليه الصلاة والسلام: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم يحدث من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" [المحلى: جـ9 ص361]، فنفى عليه الصلاة والسلام الإيمان عمن رضي قلبه بالظلم والعدوان والإثم والعصيان، وقد نفاه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أيضًا عن كل من رضي بالمنكر، فقال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" [أخرجه مسلم المحلى: جـ9 ص 361]؟

وقد اتفقت الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد منهم للأحاديث السابقة ولقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: من الآية 104)، ثم اختلفوا في كيفيته، فذهب بعض أهل السنة من القدماء من الصحابة رضي الله عنهم – فمن بعدهم – وهو أيضًا قول أحمد بن حنبل وسعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد وابن عمر ومحمد بن مَسْلَمة وغيرهم – رضي الله عنهم – إلى أن الغرض من ذلك إنما هو بالقلب فقط ولابد، أو باللسان إن قدر على ذلك ولا يكون باليد ولا بسل السيوف أصلاً إلا أن يخرج الناطق فإذا خرج وجب سل السيوف حينئذ معه إلا أن جميع القائلين بهذه المقالة من أهل السنة إنما رأوا ذلك إذ لم يكن الإمام عدلاً فإن كان عدلاً وقام عليه فاسق وجب عندهم بلا خلاف سل السيوف مع الإمام العدل [هذا الجزء منقول ببعض التصرف عن الفصل في الملل والنحل جـ5 ص11-16 طبعة محمد علي صبيح عام 1964].

وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك، وقالوا: إذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا ييأسون من الظفر ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد، وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة وقول أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ وطلحة والزبير وكل من كان معهم من الصحابة وقول معاوية وعمرو والنعمان بن بشير وغيرهم ومن معهم من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أجمعين، وهو قول عبد الله بن الزبير ومحمد والحسن بن علي وبقية الصحابة من المهاجرين والأنصار القائمين يوم الحرة رضي الله عنهم أجمعين، وقول كل من قام على الفاسق الحجاج، ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم كأنس بن مالك وكل من كان من أفاضل التابعين كعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن البحتري الطائي وعطاء السلمي الأزدي والحسن البصري ومالك بن دينار ومسلم بن بشار وعطاء بن السائب.. وغيرهم، وهو وأيضًا الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن حييّ وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأواه منكرًا.

وقد احتجت الطائفة الأولى بأحاديث فيها: أنقاتلهم يا رسول الله؟ قال: "لا ما صلوا" وفي بعضها "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان" وفي بعضها وجوب الصبر وإن ضرب ظهرنا أحد أخذ ماله، وفي بعضها: فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فاطرح ثوبك على وجهك وقل ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (المائدة: من الآية 29)، وفي بعضها: "كن عبد الله القتيل ولا تكن عبد الله القاتل" وبقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ (المائدة: من الآية 27) وكل هذا لا حجة لهم فيه.

أما أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالصبر على أخذ المال وضرب الظهر فإنما ذلك بلا شك إذا تولى الإمام ذلك بحق، وهذا ما لا شك فيه أنه فرض علينا الصبر له وإن من امتنع عن ذلك بل من ضرب رقبته إن وجب عليه، فهو فاسق عاصٍ لله تعالى، وأما إن كان ذلك بباطل فمعاذ الله أن يأمرنا رسول الله  ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالصبر على ذلك، برهان ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية 2)، وقد علمنا أن كلام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يخالف كلام ربه، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: الآيات 3-4)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ النساء: من الآية 82)، فصح أن كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو وحي من عند الله عز وجل لا اختلاف فيه ولا تعارض ولا تناقض، فإذا كان هذا كذلك وبيقين لا شك فيه يدري كل مسلم إن أخذ مال مسلم أو ذمي بغير حق وضرب ظهره بغير حق إثم وعدوان وحرام، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم" فإذًا لا شك في هذا ولا اختلاف من أحد من المسلمين فيه، فالمسلِّم ماله للأخذ ظلمًا وظهره للضرب ظلمًا وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأي وجه أمكنه، معاونٌ لظالمه على الإثم والعدوان، وهذا حرام بنص القرآن.

أما قصة ابني آدم فتلك شريعة أخرى غير شريعتنا، قال عز وجل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: من الآية 48)، أما الأحاديث فقد صح أيضًا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" وصح عنه أيضًا عليه الصلاة والسلام أنه قال: "لا طاعة في معصية إنما الطاعة في الطاعة، وعلى أحدكم السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" وأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: "من قتل دون ماله فهو وشهيد والمقتول دون دينه شهيد، والمقتول دون مظلمة شهيد" وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده".

فكان ظاهر هذه الأخبار معارضًا للآخر، فصح أن إحدى هاتين الجملتين ناسخة للأخرى، لا يمكن غير ذلك، فوجب النظر في أيهما هو الناسخ.

فوجدنا تلك الأحاديث التي فيها النهي عن القاتل موافقة لمعهود الأصل ولما كانت عليه الحال في أول الإسلام بلا شك، ذلك أن رد العدوان شريعة لا تجب ولا تجوز إلا بالنص، وكانت هذه الأحاديث الأخر واردة بالإيجاب وشريعة زائدة على معهود الأصل وهي القتال، هذا ما لا شك فيه.

فصح نسخ معنى الأحاديث المنهي فيها عن القتال ورفع حكمها من حين نطقه عليه الصلاة والسلام بهذه الأحاديث الأخر الآمرة بالقتال بلا شك.

ومن المحال المحرم أن يؤخذ المنسوخ ويترك الناسخ.

ومن ادعى أن الأحاديث الآمرة بالقتال بعد أن كانت هي الناسخة عادت منسوخة، فقد أخذ بالشك وادعى الباطل وقفًا ما لا علم له به، ولا يجوز القول بنسخ شريعة وجبت بغير دليل جازم، ولو كانت الأحاديث الآمرة بالقتال هي المتقدمة المنسوخة بالأحاديث الناهية عن القتال، لحفظ الله لنا برهان نسخها ولما أخلى الله عز وجل هذا الحكم عن دليل وبرهان يبين لنا به رجوع المنسوخ ناسخًا لقوله تعالى في القرآن: ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: من الآية 89)، وبرهان آخر هو أن الله عز وجل قال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ (الحجرات: من الآية 9)، لم يختلف مسلمان في أن هذه الآية التي فيها فرض قتال الفئة الباغية محمكة غير منسوخة، فصح أنها الحاكمة في تلك الأحاديث فما كان موافقًا لهذه الآية فهو الناسخ الثابت وما كان مخالفًا لها المنسوخ المرفوع.

وقد ادعى قوم أن هذه الأحاديث وهذه الآية في اللصوص دون السلطان.

وهذا باطل متيقن لأنه قول بلا برهان ما يعجز مدع أن يدعى في تلك الأحاديث أنها في قوم دون قوم وفي زمان دون زمان، والدعوى بلا برهان لا تصح، وتخصيص النصوص بالدعوى لا يجوز لأنه قول على الله تعالى بلا علم، وقد جاء عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن سائلاً سأل عن طلب ماله بغير حق فقال عليه الصلاة والسلام: "لا تعطه" قال: فإن قاتلني، قال: "قاتله" قال: فإن قتلته؟ قال: "إلى النار" قال: فإن قتلني؟ قال: "فأنت في الجنة" أو كلامًا هذا معناه، وصح عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: "المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه" وصح عنه أيضًا عليه الصلاة والسلام أنه قال في الزكاة: "من سألها على وجهها فليُعطها، ومن سألها على غير وجهها فلا يُعطها" وهذا خبر ثابت رواه الثقاة عن أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهذا يبطل تأويل من تأول أحاديث القتال عن المال لأن اللصوص لا يطلبون الزكاة وإنما السلطان فأمر ـ عليه الصلاة والسلام ـ بمنعها إذا سألها السلطان على غير ما أمر به عليه السلام.

ولو اجتمع أهل الحق ما قواهم [قاويته فقويته "غلبته" القاموس المحيط] أهل الباطل.

وقال بعضهم إن في القيام إباحة الحريم وسفك الدماء وأخذ الأموال وهتك الأستار وانتشار الأمر، فقال لهم الآخرون: كلا لأنه لا يحل لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يهتك حريمًا، ولا أن يأخذ مالاً بغير حق ولا أن يتعرض لمن لا يقاتله فإن فعل شيئًا من هذا فهو الذي ينبغي أن يُغَيَّر عليه،ن إما قتله أهل المنكر قَلُّوا أو كثروا، فهو فرض عليه، ولو كان خوف ما ذكروا مانعًا من تغيير المنكر، ومن الأمر بالمعروف لكان هذا بعينه مانعًا من جهاد أهل الحرب، وهذا ما لا يقوله مسلم.

والواجب أن دفع شيء من الجور، وإن قل، أن يُكَلَّم الإمام في ذلك ويمنع منه، فإن امتنع وراجع الحق وأضعن للقَوَدْ من البشرة أو من الأعضاء ولإقامة حد الزنا والقذف والخمر عليه فقد نفذ أمر الله، وامتثل لحكمه تعالى، فإن امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه، وجب خلعه وإقامة غيره ممن يقوم بالحق، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية 2)، ولا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرع وبالله تعالى التوفيق" انتهى.

التحكيم:

﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (الإسراء: من الآية 53)، قال البعض إن الأمة ينتفي عن أفرادها اسم الإيمان إلا أن تقوم فيها حكومة إسلامية أي ولي أمر مسلم يقوم على تطبيق وتنفيذ أحكام شريعة الله.

واحتجوا لقولهم هذا بقول الله ـ عز وجل ـ: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: الآية 65).

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (المائدة: من الآية 68).

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: الآية 51).

وقالوا إن الآية الأولى أوجبت التحكيم إلى رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ والرضا بقضائه والتسليم به تسليمًا، وإن ذلك لا يكون إلا بقيام الحكومة الإسلامية وسيادة شريعة الإسلام في الأمة وإنفاذها فعلاً، لأنه إذا لم تكن شريعة الإسلام هي السائدة فلابد أن تسود شريعة أخرى يضطر الناس إلى التحاكم إليها ولو على كره منهم، وأن يخضعوا لها في كافة شئون حياتهم فلا يتحقق بذلك ما أمر اله تعالى به من تحكيم رسول الله عليه الصلاة والسلام والرضاء والتسليم بقضائه، وقالوا: إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وأنه إذا كان تحقيق حكم الله في الأرض حسبما تقضي به الآية الكريمة من سورة النساء لا يتم ولا يتحقق إلا بقيام الحكومة الإسلامية، فإن قيامها يكون مما نصت عليه الآية وأوجبته فينتفي اسم الإيمان عن أفراد الناس بنص الآية ما دام أن الحكومة الإسلامية غير قائمة.

ونحن نقول بعون الله:

أما إن الآية الكريمة توجب تحكيم الرسول عليه الصلاة والسلام والتسليم بقضائه تسليمًا، وبعبارة أخرى تحكيم شريعة الله والرضا والتسليم بحكم الله فيما أحل وحرم فرض ونهى وأباح، فهذا حق خالص لا شبهة فيه.

أما إن التحكيم لا يكون إلا بقيام الحكومة الإسلامية فهذا غير صحيح.

ويتعين التفرقة بين تحكيم شريعة الله، وبين إنفاذ حكم الله وإجراء الأحكام الشرعية على العباد فتحكيم شريعة الله إنما يكون بالرجوع على النصوص الشرعية التي نطق بها الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وحْيًا عن ربه، لنعرف منها إذا كان الشيء حلالاً أم حرامًا، وهل الأمر فرض أو منهي عنه وهل لنا حق ما أو علينا واجب ما؟ وكل ذلك يعرف من مجرد الرجوع إلى النصوص.

وهذا هو معنى تحكيم الرسول عليه الصلاة والسلام وتحكيم الشريعة الإسلامية، وأيضًا معنى التحاكم إليها، ومعنى الرد إليها.

فإذا تم تحكيم الرسول - عليه الصلاة والسلام - وعُرف حكم الله، وجب اطمئنان القلب أنه الحق الواجب اعتقاده والعمل به، وذلك هو معنى التسليم به تسليمًا.

وذلك كله كما ترى لا علاقة له بوجود الحكومة الإسلامية أو عدمها.

فأنت حيثما كنت تستطيع أن ترد إلى شريعة اله لتعرف حكم الله فيما تأكله وتلبسه، والمرأة التي يحل لك تزوجها، والمال الذي بين يديك وبين الآخرين وعلاقتك مع زوجك وأولادك، وجيرانك والقائمين على أمر البلد الذي تعيش فيه ونظرتك إلى الناس في غيرها، إلى غير ذلك مما يشمل جميع شئون حياتك.

 وأيضًا فإنه إن قامت بينك وبين غيرك منازعة حول أمر من الأمور، فالفرض عليكما أن تتحاكما إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام -، وذلك بالرجوع إلى ما قال به - عليه الصلاة والسلام - من أحكام الشريعة فتعرفا حكم الله في الواقعة موضع التنازع، فيعرف كل ذي حق حقه فإذا وقع الاختلاف على مقصود الله من الآية الكريمة أو الحديث الشريف وبعبارة أخرى إذا وقع الخلاف حول حقيقة حكم الله في الواقعة موضوع التنازع، فلا سبيل إلى قطع الخلاف إلا أن يقيم أحد الطرفين الحجة اللائحة على الآخر فإذا أقام أحد الطرفين الحجة اللائحة الظاهرة الدالة على حقيقة حكم الله، وجب على الطرف الآخر أن يصدع للبرهان ويعتقد بحكم الله الذي دل عليه وأنه الحق فيسلم به تسليمًا، ثم هو مأمور بعد ذلك، أي بعد أن تمت عملية التحكيم والتسليم بالطاعة أي بتنفيذ حكم الله.

وقد أسلفنا القول إن عمل الحكومة الإسلامية أو الإمام المسلم أو ولي الأمر المسلم، لا أن يبتدع تشريعًا ولا أن يقضي بما يراه بعقله حسنًا أو حقًا ولكن أن ينفذ حكم الله وما قضى به تعالى أنه الحق، فإذا كان الحكم الشرعي مما وقع فيه الإجماع، فقد خرج عن مجال الاجتهاد وانتفت احتمالات الخطأ والتأويل، أما إذا كان الحكم مما تعددت فيه الآراء واختلفت فيه وجهات النظر، فإن ولي الأمر يجتهد ما وسعه ثم ينفذ ما أداه إليه اجتهاده، فما عمل ولي الأمر المسلم – والقاضي المسلم إنما ينوب عنه ويستمد ولايته منه – إلا أن يأمر بإنفاذ ما يراه هو أنه حكم الله حسبما يؤدي إليه اجتهاده وحسمًا للنزاع، وهو وبعد غير معصوم فقد يخطئ في فهم الآي والحديث، وقد لا يصيب حكمه حكم الله في الحقيقة، ولذا فإن حكمه لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالاً، والعبرة في الحلال والحرام بحكم الله في الحقيقة.

فحكم ولي الأمر إنما هو إنفاذ لما يعتقد أنه حكم الله وحسبما يبين له الحق من الواقع والأدلة التي قد تتوافر لدى غير ذي الحق ويعجز عنها ذو الحق.

يقول الرسول - عليه الصلاة والسلام -: "إنكم تختصمون إليَّ وإنما أنا بشر مثلكم، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" [الإحكام في أصول الأحكام: جـ1 ص3].

وظاهر من قول الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يقضي في النزاع والقضاء هنا بمعنى إنفاذ الأمر، حسب الظاهر، وطبقًا لم تثبته البينات وتقوم عليه الأدلة التي يقدمها كل من طرفي النزاع ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام إن أحد الطرفين قد يكون أقوى حجة من الآخر وأقدر على تقديم البرهان، ورغم ذلك قد لا يكون صاحب حق، فإذا ما قضى له - عليه الصلاة والسلام -، أي أنفذ الأمر لصالحه، فليس معنى ذلك أن ما لم يكن له حق قد صار له حق بل هو رغم القضاء وإنفاذ الأمر لم يزل محرمًا عليه ولذا ينهاه الرسول عليه الصلاة والسلام عن أخذه ويعلمه أنه إن أخذه فإنما يأخذ قطعة من النار.

وإذا كان هذا هو شأن قضاء رسو الله - صلى الله عليه وسلم -، والقضاء هنا بمعنى إنفاذ الأمر، وهو المعصوم عليه الصلاة والسلام من الخطأ في معرفة حقيقة حكم الله والوهم في فهم الآية وحقيقة مقصود الله تعالى منها فغيره ممن يرد عليه في معرفة حقيقة حكم الله ومن الوهم في فهم الحركة أو الحديث كما يرد عليه الجهل ببعض الشرائع، هذا الغير حكمه لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالاً ويبقى كل من طرفي الخصومة مأمورًا بالتحاكم إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - أي بالرد على نصوص الشريعة، ومأمورًا باتباع الحق الذي يقر في قلبه نتيجة ذلك التحكيم ولو خفي ذلك الحق على ولي الأمر أو القاضي وحكم بخلافه [يقول الإمام الشافعي عليه رضوان الله تعليقًا على ما حكى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ لاعن بين أخوي بني العجلان "ففي حكم اللعان في كتاب الله ثم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دلائل واضحة ينبغي لأهل العلم أن ينتدبوا لمعرفته ثم يتحروا أحكام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غيره على مثله، فيؤدون الغرض وينتفي عنهم الشبهة التي عارض بها من جهل لسان العرب وبعض السنن، وغابى عن موضوع الحجة.. منها أن الله تعالى أمره أن يحكم على الظاهر ولا يقيم حدًا بين اثنين إلا به، لأن الظاهر شبه الاعتراف من المقام عليه الحد أو بينه ولا يستعمل على أحد، في حد ولا حق واجب عليه، دلالة على كذبه، ولا يعطي أحدًا بدلالة على صدقه، حتى تكون الدلالة من الظاهر في لعام لا من الخاص.

فإذا كان هكذا في أحكام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان من بعده أولى ألا يستعمل دلالة ولا يقضي إلا بظاهر أبدًا: فإن قال القائل: ما دل على هذا؟ قلنا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتلاعنين: "إن أحدكما كاذب" فحكم على الصادق والكاذب حكمًا واحدًا: أن أخرجهما من الحد، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن جاءت به أُحيمر فلا أراه إلا كذب عليها وإن جاءت به أديعج فلا أراه إلا قد صدق" فجاءت به على النعت المكروه، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أمره لبين لولا ما حكم الله" فأخبر أن صدق الزوج على المتلاعنة بدلالة على صدقه أو كذبه بصفتين، فجاءت دلالة على صدقه، فلم يستعمل عليها الدلالة وأنفذ عليها ظاهر حكم الله تعالى من إدراء الحد وإعطائها الصداق مع قوله - عليه الصلاة والسلام - إن أمره لبين لولا ما حكم الله، في مثل معنى هذا من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: "إنما أنا بشر وأنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" فأخبر أنه يقضي على الظاهر من كلام المتخاصمين وإنما يحل لهما ويحرم عليهما فيما بينهما وبين الله تعالى على ما يعلمان" "الأم: للإمام الشافعي جـ5 ص121 نقلا عن هامش الرسالة ص151-157".

وفي هذا المعنى أيضًا يقول الإمام ابن حزم: "وحكم القاضي لا يحل ما كان حرامًا قبل قضائه ولا يجرم ما كان حلالاً قبل قضائه وإنما القاضي منفذ على الممتنع فقط لا مزية له سوى هذا، وبعد أن أورد الحديث قال: فإذا كان حكمه عليه الصلاة والسلام وقضاؤه لا يحل لأحد ما كان عليه حرامًا فكيف القول في قضاء أحدٍ بعده؟" انتهى. "المحلى لابن حزم: جـ9 ص422"].

وبالاحتكام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرف ما قضى به فيتعين الرضاء به والتسليم به تسليمًا أي الاعتقاد والجازم أنه الحق من الله - عز وجل - الواجب طاعته وهذا كله يتم ويكون سواء وجدت حكومة إسلامية أم لم توجد، بل إن وجود الحكومة الإسلامية لا يكفي لتحقيقه، فقد توجد الحكومة الإسلامية ويعتقد شخص بخلاف حكم الله فلا يُحَكِّمَ بذلك الرسول - عليه السلام -، أو لا يسلم قلب إنسان بما قضى به - عليه الصلاة والسلام - في مسألة من المسائل.

وليس أبين في أن التحاكم إلى شريعة الله لا يتوقف على وجود ولي الأمر المسلم من ذات النصوص قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: من الآية 59)، والرد المنصوص عليه في هذه الآية هو وبلا شك التحاكم، فإذا كان التحاكم على شريعة الله على قولهم لا يكون إلا عن طريق ولي الأمر المسلم فكيف يمكن أن نرد ونتحاكم إلى الله ورسوله إذا وقع النزاع بيننا وبين ولي الأمر؟ ولقد أسلفنا الأحاديث الآمرة بطاعة أولي الأمر والتي تنص أيضًا أنه لا سمع ولا طاعة في معصية، ونحن لا نستطيع أن نعرف إذا كان أمر ولي الأمر معصية لله أم لا إلا إذا رددنا وتحاكمنا إلى الله ورسوله، أي عرضنا الأمر الصادر من ولي الأمر على الكتاب والسنة، فنتبين أن فيه خروجًا ومعصية ومخالفة لهما فنعرف أنه معصية، فإذا كان التحاكم إلى الرسول لا يتم ولا يكون كما يقولون إلا عن طريق ولي الأمر لعجزنا عن رد أمر ولي الأمر إلى الرسول وتبين ما إذا كان معصية لله أم طاعة له تعالى.

والحق أن إنفاذ حكم الله وإجراء الأحكام الشرعية – وليس التحاكم – هو الذي يقتضي ويوجب قيام الحكومة الإسلامية، وما ولي الأمر المسلم أو الحكومة الإسلامية، على ما سبق أن بينا إلا تلك التي تنفذ أحكام الله تعالى وتجري الأحكام الشرعية على العباد.

فنحن إذ نحتكم إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - نعرف أن السرقة حرام وأن السارق والسارقة حكم الله فيهما أن يعاقبا بحدٍ معين هو قطع اليد، وهذا الاحتكام يتم سواء وجدت الحكومة الإسلامية أم لا، ولكن لابد حتى ينفذ حكم الله في السارق والسارقة من وجود السلطة العامة بين أمة المسلمين التي تقوم بإنفاذ تلك العقوبة المحددة في الشريعة.

فالاحتكام إلى شريعة الله والرضاء بما يحكم به اله تعالى ورسوله: قضية.

وإنفاذ حكم الله تعالى الذي يعرف نتيجة الاحتكام: قضية أخرى.

وكل خطاب من الله تعالى ورسوله إنما يعطينا حكم ما فيه، ولا يعطينا حكم ما في غيره، فمثلاً خطاب الله تعالى إلينا بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (النساء: من الآية 103)، يعطينا حكم أن الصلاة فرض على المؤمنين، وأنه فرض موصوف بوصف معين هو الوقت وهذا هو كل ما يعطينا حكمه ذلك الخطاب، أما ما خرج عن مدلول معنى خطاب الآية فلا حكم لها فيه، فالآية لا تعطينا حكم تارك الصلاة كما لا تعطينا حكمًا في السارق والزاني وشارب الخمر إلى غير ذلك.. وإنما حكم ذلك كله نجده ونطلبه من خطاب يتضمنه.

والآية الكريمة من سورة النساء والتي نحن بصددها ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ (النساء: من الآية 65)، إنما تعطينا الحكم بوجوب تحكيم الرسول - عليه الصلاة والسلام - والرضاء والتسليم بما قضى به، وتعطينا أيضًا حكم من لم يحكِّم الرسول أو لم يرض ويسلم بقضائه - عليه الصلاة والسلام -.

وليس في الآية حكم من لم ينفذ حكم الله تعالى والرسول - عليه الصلاة والسلام -.

فهذه القضية الأخيرة خارجة عن مدلول خطاب الآية الكريمة التي نحن بصددها فالحكم فيها متوقف على الدليل الذي يرد فيها.

كذلك فإن الخطاب الموجه إلينا بالآية الكريمة التي نحن بصددها ليس فيها تكليف لنا برد ودفع ما قد يقع من عدوان يمنع من التحاكم إلى الرسول، وإنما خطابها إلينا قاصر على وجوب تحكيم الرسول - عليه الصلاة والسلام - والرضاء بقضائه – وقد علمنا من آيات وأحاديث رفع الإثم عن المكره أن حكم الآية التي نحن بصددها غير واردٍ على من أكره على التحاكم إلى غير ما قضى به الرسول ما دام قلبه مطمئنًا بالإيمان.

وليس كل تكليف بأمر يتضمن حتمًا تكليفًا برد العدوان المانع من تنفيذ الأمر.

فالأمر بإقامة الصلاة – كما قدمنا – لا يتضمن تكليفًا برد عدوان مانع من إقامتها.

والأمر بأداء فريضة الحج لا يتضمن أمرًا بمقاتلة ومدافعة من منع من أدائها.

فالأمر والخطاب الوارد بتكليف ما: قضية.

ورد العدوان المانع من تحقيق الأمر والتكليف قضية أخرى وشريعة أخرى يقوم الدليل على وجوبها من نصوص أخرى كقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: الآية 39) وكقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ﴾ (البقرة: من الآية 139) إلى غير ذلك من النصوص التي أوجبت رد العدوان ومدافعة المعتدين والقتال لتكون كلمة الله هي العليا وتغيير المنكر على ما سبق شرحه.

أما القول بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فهذا مصطلح من وضع البشر غير المعصومين لم يرد به نص من قرآن أو سنة، والذين وضعوا هذا المصطلح إنما عبروا به عن معنى لاحظوه في نصوص تأتي بتكاليف قالوا إنها ليس مقصودة لذاتها، ولكن خدمة لمقصود آخر يراد تحقيقه، فالأمر بالوضوء مقصود به، حسبما قالوا، التطهر للصلاة، والأمر بطلب الماء مقصود به تحقيق الوضوء والأمر بغض النظر ومنع الملامسة مقصود به ما قد يترتب على ذلك من الوقوع في الوطء الحرام المنهي عنه، فعبروا عن هذه المعاني التي لاحظوها بذلك المصطلح، أما حيث يكون الخطاب بالأمر يتضمن الإتيان بأعمال لابد منها لتنفيذ الأمر، فقد اعتبر بعض الفقهاء تلك الأعمال من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والحق ما قال به آخرون من أن تلك الأعمال هي من مدلول ذلك الخطاب ومما يقتضيه حتمًا تنفيذ الأمر، إذ لا يأتي تنفيذه بحال من الأحوال بدونها فهي جزء من ذات الأمر [كالأمر بالحج: فالحج لغة هو القصد في الأمر بالقصد إلى البيت الحرام معناه اللغوي: إتيان الحركات اللازمة للانتقال من حيث يوجد المرء إلى حيث يوجد البيت الحرام فليس الانتقال إذن إلى البيت الحرام بالسفر من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به إنما هو ذات التكليف المأمور به].

ذهب البعض إلى محاولة اتخاذ مصطلح "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" كقاعدة شرعية، غير أنهم اختلفوا في تطبيقها.

وحتى الذين حاولوا جعل ذلك المصطلح قاعدة فإنهم لم يزعموا أن حكم ما لا يتم الواجب الأصلي إلا به، ولذا اعتبروه واجبًا هو ذات حكم الواجب الأصلي، فعدم غض النظر أو الملامسة غير المشروعة ليس حكمها الزنا.

وحيازة الخمر وبيعها إثم لا شك فيه ولكن حكم الحائز والبائع ليس حكم الشارب والعبرة في تحديد الأحكام بالنص الوارد في شأن كل منها.

وعلى ذلك فإنه لو صح – وهو ولا يصح – أن الآية الكريمة ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ. . ﴾ (النساء: من الآية 65)، تتضمن تكليفًا برد العدوان الذي قد يقع ويمنع من التحاكم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنها لا تتضمن حكم القاعدة عن أداء ذلك التكليف ورد العدوان.

ومن ذلك يتضح وجه الخطأ في التفسير الذي قالوا به لهذه الآية ووجه الخطأ في الاستناد إليها للزعم بانتفاء الإيمان عن الناس ما لم تقم الحكومة الإسلامية.

على أنه يتعين علينا أن نفرق بين القول بانتفاء الإيمان عن كافة أفراد الأمة إذا لم تكن الحكومة الإسلامية قائمة، وبين حكم الفرد الذي يستجيز عدم قيامها، فالمستحل عدم قيام الحكومة المسلمة بعد علمه بالنصوص القاطعة الدلالة على وجوبها، جاحد للنص مستجيز خلاف الله تعالى ورسوله، وهذا كافر مشرك بلا خلاف، أما المعتقد بوجوبها، وأن أمر الله أن تقوم الحكومة الإسلامية، فإنه إن قعد عن العمل على قيامها فهو فاسق آثم كما قدمنا ما لم يكن معذورًا بعذر شرعي مقبول.

والحق أن القول بانتفاء اسم الإيمان عن جميع أفراد الأمة إذا لم توجد الحكومة الإسلامية يؤدي إلى نتائج خطيرة تعارض النصوص القاطعة والإجماع، إذ مما لا شك فيه أن الآية ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ﴾ (النساء: من الآية 65)، خطابها عام موجه إلى جميع الإنس والجن، ومقتضى القول الذي قالوا به أنه لا يؤمن أحد حتى تقوم الحكومة الإسلامية التي تحكم العالم كله وتمنع الحاكم في أي جهة ما وفي أي بقعة من الأرض غير شريعة الله تعالى، كما أنه – طبقًا لذلك القول – ينتفي اسم الإيمان عن جميع المسلمين وعن جميع الناس إذا وجد مسلم في بقعة من الأرض مكرهًا على التحاكم إلى شريعة غير شريعة الإسلام، كما أنه إذا عدل الحاكم المسلم في قضية ما عامدًا عن أمر الله فإنه ينتفي اسم الإيمان عن جميع أفراد الأمة لأنه متى عدل الحاكم عامدًا عن أمر الله تعالى في قضية ما فقد انتفت عنه فيها صفة الإمام الحق، فينتفي في لحظتها وجود ولي الأمر المسلم، وتكون قد سادت بحكمه غير الموافق للشريعة، شريعة غير شريعة الله تعالى، ومعنى هذا أنه لم يكن هناك مسلم على وجه الأرض في أي وقت ما غير الرسول - عليه الصلاة والسلام -.

ونحن نقول بعون الله تعالى: إن الحكم الوارد في تلك الآية هو تكليف موجه إلى كل فرد بعينه أن يحكم الرسول - عليه الصلاة والسلام - فيما يعرض له من كافة شئون حياته سواء في ذلك المعتقدات أو العبادات أو المعاملات وغيرها فيرد في ذلك كله إلى شريعة الله تعالى، فيعرف ما قضى به الرسول وحيًا عن ربه ثم يعتقد جازمًا أن ذلك هو الحق الواجب الاتباع فيسلم به تسليمًا، وإن من لم يرتض تحكيم الرسول بقلبه أو بقوله أو لم يسلم تسليمًا بقضائه فقد انتفى عنه اسم الإيمان.

وسبق بيان عذر الجاهل بجهله والمخطئ في اجتهاده بخطئه، والمكره والمضطر بما هو واقع عليه من إكراه واضطرار.

أما الآية الكريمة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (المائدة: من الآية 68) فيكفي لبيان وجه الخطأ للاحتجاج بها في هذا المقام أنها بعض سور المائدة التي نزلت بالمدينة بعد هجرة الرسول - عليه الصلاة والسلام -إليها، وبعد أن كانت دعوة الإسلام موجهة للعالمين وللناس كافة بما فيهم أهل الكتاب، وكان الفرض على هؤلاء أن يؤمنوا أن محمدًا عبد الله ورسوله وأن يؤمنوا بجميع ما جاء به ـ عليه الصلاة والسلام ـ فينصاعوا لحكمه ولجميع الشرائع التي أتى بها ولا شك أن شريعته ناسخة لكافة ما سبقها فلا يتأتى أن يكون أهل الكتاب كانوا مكلفين في ذات الوقت بإقامة دولة أو حكومة لإنفاذ حكم التوراة والإنجيل والشرائع التي وردت بهما بعد نسخها، اللهم إلا إذا قيل إن المقصود إقامة ما في التوراة والإنجيل من شرائع لم تنسخ تقضي بأن الله واحد لا شريك له، ومن نصوص منذرة بمبعثه عليه ودالة على صدق رسالته وأن الناس جميعًا ومنهم أهل الكتاب عليهم أن يؤمنوا به عليه الصلاة والسلام وبكل ما جاء به وأن يخضعوا لحكمه وينضووا تحت لوائه.

أما الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: الآية 51) فحق، وهي تكليف شخصي لكل فرد، وليس فيها حكم عام ينسحب على مجموع من الناس، بصرف النظر عن موقف كل منهم وعقيدته وقوله وعمله، وما سبق أن قلناه هو ما حكمت به هذه الآية وغيرها من الآيات التي سبق لنا الاستدلال بها ونحن نقول بما قاله الله عز وجل من أنه ليس بمؤمن من إذا دعي إلى الله تعالى ورسوله لمعرفة الحكم في أمر متنازع عليه، أبى وأعرض مستكبرًا مستحلاً خلاف الله تعالى ورسوله ولم يقل سمعنا وأطعنا.

وقد سبق أن قلنا إن من أعرض حرًا مختارًا عن حكم الله، وأبى الاحتكام إلى شريعة الله تعالى التي بلغته وعاند بلسانه أو بقلبه فهو كافر مشرك بلا خلاف، وأما من عاند بعمله بعد أن سلّم بقلبه، أي عمل عملاً على خلاف الأمر معتقدًا بطلان عمله وأنه بعمله عاصٍ لأمر الله ورسوله الواجب لهما الاتباع والطاعة، فذلك فاسق عاصٍ وإن لم يخرج عن الإسلام ولم ينتف عنه اسم الإيمان.

الحكم والمعلوم من الدين بالضرورة:

قال البعض: إن الحاكم بمعنى ولي الأمر، الذي لا يحكم بما أنزل الله كافر بصريح قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: من الآية 44)، وقالوا إن حكم هذه الآية من المعلوم من الدين بالضرورة، وإن حال الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله معروف لدى الناس بالضرورة أيضًا فلزم من ذلك ضرورة أن يقطع كل مكلف بكفر ذلك الحاكم وأن يعتقد ذلك فيه بقلبه ويعلنه بلسانه، فمن توقف عن الحكم على ذلك الحاكم بذلك فهو قد أنكر معلومًا من الدين بالضرورة فهو كافر، ومن باب أولى من لم يتوقف، بل لم يوافق على الحكم بتكفير ذلك الحاكم، وأن من لم يحكم بتكفير ذلك الحاكم فهو بدوره لم يحكم بما أنزل الله فهو وكافر، وهكذا.

ونرى أنه يلزمنا أن نبدأ بتعريف المقصود بالمصطلح الموضوع "المعلوم من الدين بالضرورة".

الأصل في الإنسان: الجهل وعدم العلم، وهذا ثابت بصريح نص القرآن: قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (النحل: من الآية 78)، ثم بالبديهة التي ركبها الله في الإنسان وعن طريق الحواس مثل السمع والبصر والمذاق واللمس يكتسب الإنسان ما يعلم، وما يعلمه الإنسان قد يقصد إليه قصدًا فيتعمد أن يتعلمه فيعلمه، وقد لا يقصد الإنسان تعلم شيء ولكنه يعلمه على غير إرادته بل يعلمه ولو على كره منه، فإذا وقع البصر على شيء فقد علم من وقع بصره عليه وأدرك منه ما شاهده سواء قصد النظر إلى ذلك الشيء أم لم يقصد، ومن وصل إلى أذنه كلام فإنه قد علم بمضمون ذلك الكلام ومعناه ولو كان الصوت قد وصل إلى أذنه على غير رغبة منه.

وبطبيعة معيشة الإنسان ضمن جماعة من الناس فإنه لابد وأن يقع بصره على كثير من أحوالهم الظاهرة وأن يصل إلى سمعة الكثير من أقوالهم وأصواتهم التي يجهرون بها.

فيعلم بالضرورة ما يصل إلى سمعه وما يقع عليه بصره وما تدركه سائر حواسه.

وما يصل إلى علم الإنسان من أخبار تختلف طرقها، فقد يراه ببصره من حال شخصه واحد أو مجموعة من الناس، وقد يسمعه من شخص أو مجموعة من الناس، وأقوى وأصدق طرق نقل الأخبار ما نقله كافة الناس جيلاً بعد جيلا بغير اختلاف ولا تبديل، ومع التسليم من الجميع بصحة الخبر وصدقه، إذ من الممتنع في طبيعة البشر أن تتفق الجموع المختلفة المشارب والأهواء والطبائع والمصالح على ابتداع قصة مكذوبة أو خبر غير صحيح وتتناقله فيما بينها جيلاً بعد جيل دون أن يظهر الكذب أو تختلف في شأنه الروايات أو ينقسم الناس حياله ما بين مصدق ومكذب، ومسلِّم ومستريب، ومن ثم فإن الخبر المنقول نقل الكافة دون اختلاف مع الإجماع على حقيقته، يوجب ضرورة العلم، ويقين صدق الخبر.

ومن المعلومات ما لابد أن يعلمه الشخص لينصف بصفة معينة فإذا جهله انتفت عنه تلك الصفة.

فإذا ما تقرر هذا قلنا إن المعلوم من الدين بالضرورة ينقسم إلى قسمين:

أولهما: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فهذه لابد أن يعلمها الإنسان حتى تلحقه صفة الإسلام، ويقع عليه اسم المسلم أو المؤمن، فمن لم يعلم هذه الشهادة وينطق مقرًا بها فهو ليس في أحكام هذه الدنيا في عداد المسلمين، وسبق أن قدمنا البرهان على ذلك.

ثانيهما: أحكام بشرائع كرر الرسول - عليه الصلاة والسلام - الأمر والعمل بها على ملأ من الناس واستفاض العلم بها بين المسلمين، ونقل إلينا خبر وجوبها وفرضها أو النهي عنها نقل الكواف عن الكواف مع الإجماع على أنها فرض أو نهي دون أي خلاف بين المسلمين في ذلك، أي أنها نقلت إلينا عن طريق موجب ضرورة التصديق وبات حكمها خارجًا عن مجال الاجتهاد واحتمال الخطأ وهي لم يزل خبرها مستفيضًا بين المسلمين مسلمًا بصحته ومعمولاً به جهارًا بين الناس، فلا يعيش إنسان فترة بين جماعة من المسلمين إلا ويشاهد من أحوالهم ويسمع من أقوالهم التي يجاهر بها ما يوجب ضرورة علمه بتلك الفرائض والنواهي، فلا يقبل منه بعد الادعاء بجهلها أو المجادلة في صحته، مثال ذلك: وجوب الصلوات المفروضة وأنها خمس صلوات في اليوم والليلة وعدد ركعات كل منها بالنسبة للمقيم وهيأتها العامة من حيث ضرورة استقبال الكعبة ثم قيام وركوع وسجود، ووجوب صيام شهر رمضان ولزوم الحج إلى البيت الحرام وأن ثمة زكاة مفروضة في أموال الأغنياء وحرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم وكما قدمنا فإن أساس افتراض العلم بهذه الشرائع كثرة العمل بها جهارًا بحيث لا يخفى أمرها على أحد وبحيث لابد وأن يقع بصر المقيم بين المسلمين ويصل إلى سمعه ما يوجب علمه ضرورة بها، وأن الجميع مُسَلِّم بوجوبها وأنها فريضة من فرائض الإسلام شرعها الله تعالى، لا يختلف أحد في ذلك، وقاعدة "المعلوم من الدين بالضرورة" لم يرد بها نص من كتاب الله تعالى أو سنة الرسول - عليه الصلاة والسلام -، وإنما هي نتيجة استقراء حال الناس وملاحظة الواقع المشاهد، وإذ لا يعلم الغيب إلا الله - عز وجل -، فإن أحدًا لا يستطيع أن يقطع على الغيب باستحالة أن يكون قد شذ عن تلك القاعدة شاذ، فلم يصله العلم رغم تواجده في الظروف المفترض فيها أن يكون قد وصله العلم، ولذا فإن جمهور فقهاء المسلمين على أنه إذا ما قام ما يستراب معه أن يكون الشخص قد وصله العلم فعلاً فلم نستطع أن نتيقن من ذلك ونقطع به، فإنه يتعين عدم مؤاخذة ذلك الشخص واعتباره جاهلاً معذورًا بجهله فلا ينتفي عنه اسم الإيمان بجهله تلك الشرائع أو بعضها أو لإنكاره إياها، وإنما يبلغ الحق ويعلّم ما جهل ومتى قامت عليه الحجة، ومن ظهر له نقل الكافة والإجماع، لم يقبل منه جدل ولا إنكار، وسبق أن قدمنا مثلاً عن واقعة حدثت فعلاً، تلك الخاصة بالأعجمية التي كانت جارية لعبد الرحمن بن حاطب والتي لما استراب عثمان بن عفان - رضي الله عنه - في أنها تجهل حرمة الزنا، إذ رآها تستهل بما قارفته ولا تنكره كأنها لا تعلم حرمته، فإنه لم ير وجوب الحد عليها ورأى أن تعذر بجهلها ووافقه عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - على ذلك.

وقد توهم البعض أن قول الله عز وجل: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: من الآية 44) مقصود به الحاكم بمعنى ولي الأمر أو القاضي وهذا غير صحيح، وإنما الآية عامة في كل من حكم في دين الله تعالى سواء كان ولي أمر أم قاضيًا أم مفتيًا أم غير ذلك من عامة الناس إذ تخصيص النص بغير برهان مما لا يجوز شرعًا.

ذلك أن معنى الحكم: إنفاذ الأمر في قضية ما وهو في الدين تحريم أو إيجاب أو وإباحة مطلقة أو بكراهة أو باختيار [الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: جـ1 ص49].

فالحكم إذن هو وبإنفاذ الأمر أو وضع صفة شرعية للشيء أو الفعل.

قال صاحب أساس البلاغة: أحكم الشيء استحكم، وحَكمَ العرس. وأحكمه: وضع عليه الحكمة، وحكموه: جعلوه حكمًا، وحكمه في ماله فاحتكم وتحكم، وفي الحديث: "إن الجنة للمحكَّمين" وهم الذين حكموا في القتل والإسلام فاختاروا الثبات على الإسلام، وحاكمته إلى القاضي أي رافعته: وهو يتولى الحكومات: يفصل في الخصومات.

وقال صاحب مختار الصحاح: الحكم: القضاء، وقد حكم بينهم بحكم بالضم حكمًا، وحكم له وحكم عليه، والحكم أيضًا: المتقن للأمور، وقد حَكُمَ أي صار حكيمًا، وحكمه في ماله تحكيمًا، إذ جعل إليه الحكم فيه فاحتكم عليه في ذلك.

وقال صاحب القاموس المنجد: حكم حكمًا وحكومة: بالأمر وللرجل أو عليه وبينهم، قضى وفصل وحكمه في الأمر: فوض إليه الحكم فيه، تحكم في الأمر: حكم فيه وفصل برأي نفسه من غير أن يبرز وجهًا للحكم فيه، احتكم في الشيء: تصرف فيه وفق مشيئته، الحكم: القضاء، الحكم: منفذ الحكم، الحاكم: الفاصل.

وإذ ذلك هو معنى الحكم فإن كل معتقد في دين الله يكون، باعتقاده حاكمًا فيما اعتقد ويكون كل قائل في دين الله حاكمًا بقوله فيما قال به، ويكون كل عامل حاكمًا بعمله الذي فعله ويستوي في ذلك ولي الأمر والقاضي والمفتي وأي شخص آخر.

ولقد سبق أن قدمنا البرهان من كتاب الله وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام - على أن العامل من المسلمين على خلاف أمر الله تعالى لا يكون كافرًا إلا ما استثنى بنص خاص يقضي بأن فاعله ينتفي عنه اسم الإيمان رغم نطقه بالشهادتين، ومن ثم خرج الحاكم بعمله من عموم نص الآية الكريمة غلا أن يكون جاهدًا.

ولقد اختلف موقف الفقهاء بالنسبة لولي الأمر أو القاضي حين يحكم أي يأمر بتنفيذ أمر على خلاف حكم الله تعالى، وهذا الاختلاف سبق أن أشرنا إليه فيما نقلناه عن شارح العقيدة الطحاوية [انظر ص49 من هذا البحث] وسبق ذكر خلاف لفظي قاصر على التسمية إذ إجماع أهل السنة على أن الحاكم بمعنى المنفذ للأمر أو والآمر بتنفيذ أمر على خلاف حكم الله لا ينتفي عنه اسم الإيمان إلا أن يكون جاحدًا، ونزيد هذه المسالة بعض الإيضاح فنقول بعونه تعالى: "إن المتكلمين من الفقهاء في معنى الإيمان انقسم قولهم على أربعة أوجه:

الأول: القول بأن الإيمان هو مجرد التصديق بالقلب أي المعرفة والعلم بالقلب فقط، ولو نطق اللسان على خلاف ذلك، وهذا القول خرج من قال به من الإسلام لجحده النص الصريح على وجوب النطق باللسان، ولكان مقتضاه الحكم بإسلام فرعون، إذ هو قد استيقن أن موسى عليه السلام رسول من عند الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل: من الآية 14)، ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاَءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الإسراء: من الآية 102)، ومقتضاه أيضًا أن اليهود والنصارى هم من أهل الجنة لأنهم عرفوا الله واستيقنوا أن محمدًا عليه الصلاة والسلام رسول حق من عند الله ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: الآية 146).

ثانيًا: القول بأن الإيمان هو القول باللسان فقط دون عقد القلب أي التصديق بالقلب، وهذا القول أيضًا خرج القائلون به عن الإسلام لجحدهم النص الصريح بضرورة التصديق بالقلب: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: من الآية 5) ولجحدهم النص الصريح أن المنافقين، وهم الذين قالوا بألسنتهم بالإيمان ولم يعقدوا ذلك بقلوبهم، كاذبون، وفي الدرك الأسفل من النار.

ثالثًا: القول بأن الإيمان تصديق أي عقد بالقلب وقول باللسان ولا يزيد ولا ينقص، وأما الأوامر والنواهي فهي من شرائع الإيمان وليست من الإيمان، وما ورد من النصوص بتسميتها إيمانًا كقول الله - عز وجل -: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 143) أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فهو على سبيل المجاز، وبهذا القول يقول الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه -.

رابعًا: ما قال به جمهور فقهاء المسلمين [كتاب الإيمان لابن تيمية ص194 وهو قول سائر فقهاء أهل الرأي في جميع الأقطار منهم مالك ابن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري والأوزاعي وابن حنبل والطبري وابن حزم ومن سلك سبيلهم]، من أن الإيمان مصطلح شرعي معناه التصديق بالقلب والقول باللسان والعمل بالجوارح أي الامتثال للأوامر والنواهي، والتصديق بالقلب لا يزيد ولا ينقص وهو بعض الإيمان، ويزيد الإيمان بالطاعة وينقص بالمعصية.

وتبعًا لهذا الاختلاف في مسمى الإيمان بين أهل الإسلام أي أصحاب القولين الثالث والرابع، اختلفوا في تسمية من حكم بغير ما أنزل الله بمعنى أنفذ الأمر أو أمر بإنفاذ الأمر على خلاف ما أمر الله تعالى به، فالذين قالوا بأن الأعمال ليست من الإيمان وإنما هي من شرائع الإيمان وإنما تسمى على سبيل المجاز، قالوا إنه يسمى كافرًا أيضًا كفرًا عمليًا أو كفرًا دون كفر أي ليس بالكفر المخرج عن الإيمان، وبعضهم الآخر قال: إنه متى قام الدليل بالإجماع على أنه ليس بخارج بعمله هذا عن الإسلام، فإن ذلك مفاده تخصيص الآية، وأنها لا تشمله فلا يجوز تسميته كافرًا، وإنما هو فاسق عاصٍ شأنه شأن كل عامل على خلاف الأمر.

أما الحاكم على خلاف الأمر بمعنى المعطي صفة شرعية للشيء أو الفعل على خلاف أمر الله فهو بالإجماع مستجيز خلاف الله ورسوله جاحد للنص المعلوم له، كافر مشرك.

وإذا تبين هذا، وعلمت ما سبق أن شرحناه في تعريف المعلوم من الدين بالضرورة وعلمت أن الفرق واضح بين ما تقتضيه البديهة من ضرورة علم المسلم بوجوب طاعة الله، وبين مالا يتأتى له من علم بحكم المخالف لأمر الله تعالى إلا بوصول أمر اله إليه في هذا الشأن وبلوغ الحكم إليه في ذلك، وإذا ما علمت أن أحدًا من الفقهاء لم يقل بأن الحكم الشرعي المستنبط من الآية الكريمة ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: من الآية 44)، بالإضافة إلى غيرها من الآيات على ما سبق شرحه هو من المعلوم من الدين بالضرورة، وإذا ما كان واقع حال الناس يشهد أن الغالبية لا تعرف شيئًا عن مضمون الآية والأحكام الشرعية التي تدل عليها بالانضمام إلى غيرها من الآيات، وإذا علمت أيضًا أن الأخبار الصحاح قد وردت بأن الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما الذي ضمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له قائلاً: "اللهم علمه الكتاب" [البخاري: جـ1 ص29] والتابعي الجليل طاووس اليماني قائلا: إن الآية ليست على ظاهرها وإطلاقها وإن الكافر هو من حكم بغير ما أنزل الله جاحدًا، وأن من أقر بحكم الله وحكم أي أقام الأمر على خلافه، فهو ظالم فاسق: وبذلك قال السدي وعطاء وجميع فقهاء أهل السنة [هو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل وابن حزم وابن القيم وابن تيمية وجميع الفرق الإسلامية إلا الخوارج والمعتزلة الذين قالوا بتكفير مرتكب الكبيرة] وأن هذا هو المدون في كتب الفقه وتفاسير القرآن المتداولة بين أيدي الناس، وإذا أضفت إلى ذلك أن تبين الجحود مما يدق وتختلف فيه أوجه النظر خاصة بالنسبة لمُظْهر شعائر الإسلام، وضح لك عدم صواب القول بأن الآيات الكريمة والحكم الذي قالوا إنه مضمونها من المعلوم من الدين بالضرورة وما بنوه على ذلك من أحكام بتكفير عامة الناس.

والحق أن من لم يظهر له وجه الحق في مسألة أو عجز عن فهم حكم الله في موضوع أو وكان علمه دون أن يستطيع استنباط الأحكام الشرعية من مجموع الآي والأحاديث فإن واجبه أن يمسك عن القول في ذلك بحكم لا يعلم صوابه من خطئه فقد نهاه الله عن ذلك، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: من الآية 36)، وقال عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: الآية 33)، وسبق أن ذكرنا خبر عجز عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن فهم آية الكلالة رغم تكرار سؤاله للرسول عليه الصلاة والسلام وما قدح ذلك في إيمانه شيئًا.

 

الفصل التاسع

الكفر بالطَّاغوت

﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: الآية 256)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (النساء: من الآية 60) وقال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى (الزمر: من الآية 17). وما ماثل ذلك من الآيات وقالوا إن الله أمر بالإيمان به تعالى والكفر بالطاغوت فلا سبيل إلى قسم ثالث فإما إيمان بالله وكفر بالطاغوت وذلك هو الإسلام وإما اتباع للطاغوت وذلك كفر بالله.

وقالوا أيضًا إن الكفر بالطاغوت مقتضاه الحكم عليه بأنه كافر ومن لم يعتقد ذلك فيه بقلبه وينطق معلنًا ذلك بلسانه فهو لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، ومن لم يحكم بكفر هذا الأخير فهو بدوره لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر وهكذا..

ونحن نقول بعون الله تعالى:

إن الطاغوت في اللغة: من الطغيان، وهو كل ما زاد على الحد المقرر له، وكانت العرب تطلق اسم الطاغُوت أيضًا على كل من عُبِدَ من دون الله، يقول القرطبي [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: جـ3 ص281]: "والطاغوت مؤنثة من طغا يطغو، أو طغا يطغى، إذا جاوز الحد بزيادة عليه، وقيل: أصل طاغوت في اللغة مأخوذ من الطغيان يؤدي معناه من غير اشتقاق، قال الجوهري: والطاغوت: الكاهن، والشيطان وكل رأس في الضلال والجمع طواغيت" انتهى.

وعلى ذلك فإن الطاغوت قد يكون الوثن أو الصنم أو الشخص، وقد يكون ذات الشريعة الزائدة عن حد الله تعالى.

والنصوص السالف ذكرها صريحة في أمرها أن نكفر بالطاغوت وأن تجتنبه.

ومعنى الكفر بالشيء أن نجحده ونستره أن ننكره ونكذب بدعواه ونعتقد بطلانه وأنه غير حق.

واجتناب الطاغوت معناه ألا نتبعه وألا نعتقد أن له طاعة واجبة وألا نطيعه فعلاً.

وفرق كبير بين أن نكفر بالطاغوت فننكره ونجحده ونكذب بدعواه، ولا نتبعه ولا نطيعه، وبين أن نصدر عليه حكمًا بأنه كافر.

فهذه قضية وتلك قضية أخرى متمايزة عنها مختلفة والواجب عدم الخلط بين القضيتين والآيات التي أوردناها وما جاء في معناها من نصوص أخرى، إنما فيها إلزامًا بالكفر بالطاغوت فيكفينا أن نعرف أنه أمر خارج عن حد الله تعالى فننكر عليه ذلك الخروج ونجحده ونكذب بدعواه الخارجة عن حد الله تعالى، وألا نعتقد أنه واجب الطاعة، ولا نطيعه فعلاً.

فإذا كان الطاغوت وثنًا أو صنمًا فإننا ننكر أن يكون ذلك الوثن أو الصنم حقيق بالتعاظم أو الإجلال ويتعين أن نكون على يقين من أنه لا يضر ولا ينفع ولا يتعين علينا اجتنابه أي اجتناب تعظيمه وإجلاله وإقامة الشعائر له أو طلب البركة منه، فمن وفقه الله تعالى لذلك فقد استوفى الأمر الوارد بالنصوص، أما الحكم والاعتقاد بأن الصنم أو الوثن كافر فهذا ما لا ذكر له في تلك النصوص بل إن الله عز وجل أعلمنا أن ذلك الصنم أو الوثن جماد غير عاقل ولا مميز ولا مكلف ولا يحكم عليه بكفر أو إسلام.

وقد يكون الطاغوت شريعة، من قال بها ليس بكافر ولا بعاصٍ بل محسن مأجور عن الله تعالى، فلو أن عالمًا مجتهدًا ورعًا لم يصب وجه الحق في إحدى فتاويه وظهر لنا خطأه واضحًا لا لبس فيه، فإن فتواه تكون شريعة طاغية من اتبعها بمعنى الاتباع في الشرع الذي سبق أن أوضحناه فهو قد اتبع الطاغوت ما دام ظهر له بطلانها، وذلك لا يغير شيئًا من أن الذي أفتى بتلك الفتوى مجتهد محسن مأجور عند الله تعالى على اجتهاده وقصده وجه الحق وإن أخطأه.

والقول إن الله تعالى قد أمرنا بالإيمان به، والكفر بالطاغوت حتى خالص.

والقول إن الله تعالى قد أمرنا بطاعته واتباع رسوله عليه الصلاة والسلام حق خالص واجب اعتقاده والعمل به وتنفيذه.

والقول بأن الله أمرنا بعدم اتباع الطاغوت: حق خالص سواء أكان الاتباع بالمعنى الشرعي أي الانقياد المطلق أم بالمعنى اللغوي أي مجرد العمل بالأمر ولو مع اعتقاد بطلانه، ذلك بأن الله تعالى لم يأمرنا قط بالعصيان.

أما القول: أن من اتبع الطاغوت فهو كافر: فتلك جملة تحتاج إلى تفسير وإيضاح سبق ذكرهما، وقلنا إنه إذا كان الاتباع بمعنى الانقياد المطلق ووجوب الطاعة من دون الله فإن المتبع بهذا المعنى يكون كافرًا بلا جدال وأما إذا كان الاتباع بالعمل دون الاعتقاد بضرورة الانقياد المطلق أي مع الإقرار بأن العمل عصيان لأمر الله، وأمر الآمر على خلاف ذلك لا يغيره، فإن المتبع أو المطيع بهذا المعنى عاصٍ ليس بكافر إلا ما ورد فيه النص بأن عامله ينتفي عنه اسم الإيمان بمجرد العمل.

وقد أسلفنا أيضًا الفرق بين المعصية والكفر، وقد علم الله تعالى أن عباده يعصون بعض أوامره ونواهيه ويتبعون في ذلك – بالعمل دون العقيدة – الشيطان والهوى، وفرق سبحانه وتعالى، رحمة بنا، بين العصيان الذي سماه شركًا وكفرًا وبين العصيان الذي سماه سبحانه وتعالى ذنبًا يغفر أو قد أو قد لا يغفر ويجازي مرتكبه بالعذاب ولكن لا يخلد في النار وتلك هي المعصية "المعاصي" التي حكم الله تعالى أن مرتكبها لا ينتفي عنه اسم الإيمان، وقلنا إن الأسماء لله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ (النجم: من الآية 23).

وقلنا إنه لا يجوز أن نطلق اسم الكفر أو الشرك على من ليست هذه صفته في دين الله كما لا يجوز أن نطلق اسم الإيمان أو الإسلام على من ليست هذه صفته في شريعة الله تعالى.

وأوضحنا أن هذه معانٍ شرعية يلزمنا الوقوف عندها واعتقادها والعمل بها، وإلا حرفنا الكلام عن مواضعه، وابتدعنا أسماء وصفات ما أنزل الله بها من سلطان.

وقال البعض: إن الطاغوت مصطلح شرعي لا يسمى به إلا من كان كافرًا مشركًا، ومن ثم فإنه يتعين الحكم بكفر الطاغوت،ن ونحن لا نعلم نصوصًا تؤيد ذلك وتحدد أن الطاغوت لا يسمى به إلا الإنسان المشرك الداعي إلى الضلال، وإذا ورد نص بذلك قلنا به وصرنا إليه.

ولو صح ذلك القول فإنه ولابد – حتى يكون الواجب على كافة الناس الحكم بكفر الطاغوت وشركه – أن يكون معلنًا بالكفر وأن يكون متبرئًا من دين الإسلام جملة وعلانية بحيث لا يجوز الاختلاف في حقيقة صفته، أما من يظهر الإسلام ويأتي علنًا شعائره ولكن يكون كفره من جهة تحتاج إلى علم ببعض أعماله وأقواله على حقيقتها وعلى حقيقة أمر الله تعالى فيها، فهذا في الأغلب مما تختلف فيه الآراء، ويخفي أمره على كثير من الناس خاصة عامتهم، فلا يتأتى القول بأن عامة الناس أو المتأولين في شأنه قد خرجوا عن الحكم الواجب وصفه به، وأنهم بذلك آثمون أو كافرون.

وسبق أن أوضحنا عذر الجاهل بجهله والمخطئ بخطئه، وقلنا بالبرهان إن من خفى عليه أمر فواجب عليه أن لا يقول فيه بحكم لا يتحقق من صوابه.


 

الفصل العاشر

التعامل المباشر مع القرآن الكريم

"أيحسب أحدكم متكئًا على أريكته قد يظن أن الله تعالى لم يحرم شيئًا إلا ما في هذا القرآن ألا وأني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن". حديث شريف [عن العرباض بن سارية: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: جـ2 ص21، 22].

قال البعض إن العربي إنما كان يسمع الآية من آيات القرآن ليعمل بمقتضاها ببساطة ويقوم بتنفيذها على الفور وإن علينا أن نفعل مثله.

وقال البعض إن الأحكام الشرعية التي قال بها الفقهاء إما قالوا بها لتكون مناسبة في الظروف التي أحاطت بها وإنَّ منهم من خضع لتوجيهات الساسة أصحاب السلطان ممن كانوا في عصرهم وأن الظروف التي تمر بها دعوة الإسلام في الوقت الحاضر لم يسبق أن مرت بها، وأنه لذلك يجب علينا أن نطرح ذلك الفقه القديم جانبًا وأن نتعامل مباشرة مع القرآن الكريم ونستمد منه أحكامًا تلائم الظروف التي نعيش فيها والملابسات التي تمر بها دعوة الإسلام في عصرنا هذا.

أما عن القول بما كان يفعله العربي، فإننا لا ندري المقصود من "البساطة" المنسوبة إليه فإن كان المقصود أنه يتعين تنفيذ أوامر الله تعالى ورسوله دون تردد أو تهاون ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، فما نظن أن ذلك موضع اختلاف، ولا يظن في شيء مما سبق أن قلنا به أنه معارض لذلك.

أما إذا كان المقصود "بالبساطة" العمل بالآية أو الحديث إثر سماعها دون مقابلة وجمع بين مختلف الآيات والأحاديث المتعلقة بالموضوع: فذلك قول لا يصح، بل الفرض علينا الرجوع إلى آيات القرآن الكريم والصحيح الثابت من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام وضم الآيات والأحاديث بعضها لبعض والمقابلة بينها لمعرفة مراد الله منها جميعًا وحكم الله المقصود.

فهكذا شاء الله عز وجل أن يجعل بعض الذكر متلوًا منظومًا على نمط خاص معجز متعبدًا بتلاوته وذلك هو القرآن الكريم، وبعضه الآخر أحاديث غير منظومة على النمط الأول وجعل في كل منهما مراده تعالى وأحكامه المقصودة، وجعل بعضه مبينًا لبعض ومفصلاً لبعض: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: من الآية 44).

ولو شاء الله تعالى لجعل كل الأحكام في القرآن الكريم فقط أوفى الأحاديث الشريفة فقط ولو وشاء الله لجعل حكم كل مسألة نصًا عليها بعينها تجده في آية واحدة أو في حديث واحد لا يختلف شخصان في فهم المراد منهما.

فليس يعجز الله تعالى عن شيء، ولكن مشيئته تعالى جرت على غير ذلك ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: الآية 23).

فوجدنا مثلاً ثانية سور القرآن الكريم وهي سورة البقرة تتضمن أحكامًا متعلقة بالطلاق، ثم وجدنا في سورة الأحزاب وهي في الثلث الأخير من القرآن الكريم سورة الطلاق وبها الكثير من أحكام الطلاق، ووجدنا فضلاً عن ذلك أحاديث صحاحًا ثابت إسنادها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلقة بذات الموضوع، فكان لزامًا علينًا أن نجمع جميع ذلك لنعرف مراد الله تعالى منا وحكمه المطلوب اعتقاده وتنفيذه، ولو أننا عملنا ببعض الآيات دون بعضها أو ببعض الأحاديث دون بعضها أو بالآي دون الحديث أو بالحديث دون الآي لكنا آثمين عاصين لعدم طاعته تعالى وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام فيما تركناه ولم نعمل به ولكنا متعمدين تغيير حكم الله تعالى وتحريف الكلم عن مواضعه والقول على الله تعالى بالكذب، إذ الناقل بعض الكلام دون بعض محرف للكلم عن مواضعه.

وقد علمنا رسول الله عليه الصلاة والسلام الجمع بين الآيات والأحاديث والمقابلة بينهما ومعرفة الخاص منها والعام واستنباط الحكم الشرعي الواجب العمل به بعد ذلك.

فمثلاً: فإن في الخبر الصحيح الثابت، أنه عليه الصلاة والسلام نادى شخصًا وهو يصلي فلم يجبه المصلي عملاً بالأمر العام "إن في الصلاة لشغلا" وإن الصلاة لا يصح فيها الكلام والأعمال التي تجوز في غيرها، فلما قضى المصلي صلاته سأله عليه الصلاة والسلام عما منعه من أن يجيبه إذ ناداه، فلما أجابه بأنه كان مشغولاً بالصلاة عارضه الرسول عليه الصلاة والسلام بقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 24) [انظر رواية الواقعة في الإحكام في أصول الأحكام: جـ3 ص31]، والأمثلة على ذلك كثيرة من عمل الرسول عليه الصلاة والسلام وعمل الصحابة رضوان الله عليهم،وسبق أن ذكرنا أن عثمان رضي الله تعالى عنه أمر برجم التي ولدت لستة أشهر، فذكره علي كرم الله وجهه بقول الله عز وجل: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ (الأحقاف: من الآية 15)، مع قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: من الآية 233)، وبالحكم الشرعي المستنبط من الجمع بين الآيتين وهو وأن مدة الحمل قد تكون ستة أشهر، فعدل عثمان عن الأمر بالرجم، وليس أمر المقابلة بين الآي والأحاديث بالبدعة المستحدثة.

أما القول بضرورة التعامل مع القرآن الكريم مباشرة، فإننا نقول بعون الله تعالى: إن الله لم يأمر أحدًا أن يتبع ما سوى أمره تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، ولذا فإن الفرض على المسلم أن يرجع ما أمكنه إلى كتاب الله تعالى والثابت الصحيح من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يتبع الدليل منها المؤدي إلى معرفة الحكم الشرعي، فإن عجز عن ذلك وتلقى عن غيره، فمن المتعين عليه أن يكون على اعتقاد جازم بأنه إنما ينفذ حكم الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام لا أنه ينفذ أمر أحد سواهما.

وليس ثمة من له الحق أن يحجر على أحد أن يتعامل مباشرة مع القرآن الكريم وأن يجتهد ويستنبط من آياته الأحكام التي يقوم البرهان على أنها حكم الله الواجب اتباعه، وهو إذ يفعل ذلك فإنه لابد أن يجد في آيات القرآن الكريم النصوص القاطعة على وجوب اتباع الرسول وأن كلامه عليه الصلاة والسلام، بالقرآن الكريم أو بالأحاديث الشريفة كله حق يتعين العمل به جميعه، ومن استقل بالقرآن الكريم وأعرض عن الأحاديث الشريفة فقد خالف نصوص القرآن الكريم القاطعة الصريحة، وضل بلا شك عن معرفة حقيقة حكم الله، على أنه يتعين على من يتصدى للتعامل مع القرآن الكريم والأحاديث الشريفة لاستنباط الأحكام أن يكون أهلاً لذلك: وذلك بأن يستوفي ما شرطه الله تعالى على من يتصدى لمثل هذا الأمر "ففرض عليه أن يتقصى، حسب طاقته، أحكام القرآن الكريم وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ورتب النقل، وصفات النقلة ومعرفة السند الصحيح مما عداه من مرسل وضعيف، وفرض عليه أيضًا أن يتعلم كيفية إقامة البراهين التي يميز بها الحق من الباطل، وكيف يعمل فيما ظاهره التعارض" "قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (التوبة: من الآية 122) [والتفقه هو تعلم أحكام القرآن وأحكام أوامر النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذين أصل الدين] والتفقه هو وتعلم أحكام القرآن وأحكام أوامر النبي صلى الله عليه وسلم هذين أصل الدين.

وقال تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: من الآية 6)، فوجب بذلك معرفة عدول النقلة من فساقهم.

وقال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل: من الآية 64)، فوجب بذلك معرفة كيفية إقامة البرهان وبناء الحديث بعضه على بعض ومع القرآن وبناء الآي بعضها مع بعض.

وقال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (البقرة: من الآية 106)، فوجب معرفة الناسخ من المنسوخ.

وفرض على من قصد التفقه في الدين ونصب نفسه للنذارة أن يستعين على ذلك بسائر العلوم بما تقتضيه حاجته في فهم كلام الله تعالى، وكلام نبيه عليه الصلاة والسلام.

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم: من الآية 4) وقال تعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ (الشعراء: الآيات 194، 195)، ففرض على الفقيه أن يكون عالمًا بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي نزل به القرآن وبه يفهم معاني الكلام التي يعبر عنها باختلاف الكلمات وبناء الألفاظ، فمن جهل اللغة، وهي الألفاظ الواقعة على المسميات، ومن جهل النحو الذي هو علم اختلاف الحركات الواقعة لاختلاف المعاني، فلم يعرف اللسان الذي خاطبنا به الله تعالى ونبيه عليه الصلاة والسلام، ومن لم يعرف ذلك، لم يحل له الفتيا فيه لأنه يفتي بما لا يدري، وقد نهاه الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: من الآية 36)، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الحج: من الآية 3).

كما أنه فرض على الفقيه أن يكون عالمًا بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام ليعلم آخر أوامره وأولها، وحربه عليه السلام لمن حارب وسلمه لمن سالم، وليعرف على ماذا حارب ولماذا وضع الحربن وحرم الدم بعد تحليله، وأحكامه عليه الصلاة والسلام التي حكم بها".

"فلا يوجد مفتٍ أبدًا إلا أحد ثلاثة أناس: إما عالم فيفتي بما بلغه من النصوص بعد البحث والتقصي كما يلزمه، فهذا مأجور أخطأ أو أصاب، وواجب عليه أن يفتي بما علم، وإما فاسق يفتي بما له وهو يدري أنه يفتي بغير واجب، وإما جاهل ضعيف العقل يفتي بغير يقين علم وهو يظن أنه مصيب، ولم يبحث حق البحث،ولو كان عاقلاً لعرف أنه جاهل فلم يتعرض لما لا يحسن؟" [الإحكام: جـ5 ص124] انتهى.

ويقول الإمام الشهرستاني: "إن شرائط الاجتهاد خمسة: قدر صالح من اللغة بحيث يمكنه فهم لغات العرب والتمييز بين الألفاظ الوضعية والمستعارة، والنص والظاهر، والعام، والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمفصل، وفحوى الخطاب ومفهوم الكلام، وما يدل على مفهومه بالمطابقة وما يدل بالتضمن، وما يدل بالاستتباع فإن هذه المعرفة كالآلة التي يحصل بها الشيء.

ومن لم يحكم الآلة والأداة لم يصل تمام الصنعة.

ثم معرفة تسير القرآن خصوصًا ما يتعلق بالأحكام وما ورد من الأخبار في معاني الآيات، وما رئي من الصحابة المعتبرين كيف سلكوا مناهجها وأي معنى فهموا من مدارجها.

ثم معرفة الأخبار بمتونها وأسانيدها والإحاطة بأقوال النقلة والرواة عدولها وثقاتها ومطعونها ومردودها، والإحاطة بالوقائع الخاصة بها، وما هو عام ورد في حادثة خاصة، وما هو خاص عمّ في الكل حكمه.

ثم الفرق بين الواجب والمندوب والإباحة والحظر، والكراهة حتى لا يشذ عن وجه من هذه الوجوه ولا يختلط عليه باب بباب.

ثم معرفة مواقع إجماع الصحابة والتابعين من السلف الصالحين حتى لا يقعع اجتهاده في مخالفة الإجماع" [الملل والنحل للشهرستاني على هامش الفصل في الملل والنحل: جـ2 ص160-162] انتهى.

وليس المقصود مما قلناه الإحاطة بجميع الشرائع والأحكام، فما من فقيه إلا وعلم شيئًا وجهل أشياء، وكل من علم مسألة واحدة من دينه عليا لرتبة التي ذكرنا من قبل جاز له أن يفتي بها، وليس جهله بما جهل من غيرها بمانع من أن يفتي بما علم، كما أن علمه بما علم ليس مبيحًا له أن يفتي بما جهل.

ومن توافرت له تلك الخصائص التي تجعله أهلاً للنظر والاجتهاد واستنباط الأدلة والإفتاء أي التوقيع عن رب العالمين، ثم حرم نفسه من محصول وفير من آراء السلف الصالح ذوي القرائح النيرة والذكاء الوقاد، أهل التقى والورع المشهود لهم بالصبر والثبات على دين الله، ذوي الهمم العالية والعزائم القوية الذين مكنوا لدين الله وباعوا أنفسهم في سبيل نصر دعوة الحق فقد حرم نفسه من خير كثير وبدأ خطته بخطأ خطير.

أما نحن: فإننا ننظر بعون الله فيما قاله أهل اللغة من النحويين واللغويين وما قاله خبراء المحدثين المشهود لهم بالعدالة والعلم والتثبت، وما قاله أئمة فقهاء المسلمين في تفسير الآيات والأحاديث، وما قالوا به من أحكام، استنبطوها من مختلف الآيات والأحاديث لا نحجب أنفسنا عن شيء من ذلك بل ننظر فيه كله ونتدارسه ونرد كل قول على كتاب الله والثابت الصحيح من أحاديث رسول الله، فما قام البرهان من كتاب الله وسنة رسول الله عليه السلام على صحته كان هو الحقن أما غيره فلمن اجتهد وقال به أجر عندالله على اجتهاده، ولكنه بشر يخطئ ويصيب، ونحن لم نؤمر باتباع غير المعصوم عليه الصلاة والسلام الناطق بالوحي من رب العالمين.

وذلك هو الطريق الذي سلكناه في كل ما قدمناه: علمنا بعجزنا وأنا دون التصدر لمطلق الفتيا والاجتهاد، فألقينا ثقلنا على الثقاة، فقلنا ما قرروه ولم نضف إليه من عندنا إلا اليسير مما يسر الله تعالى لنا فهمه من كتابه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

والله نسأل: أن يفعو عما أخطانا، وأن يبارك فيما أصبنا وأن ييسر الحق لمن قصده وأن يهدينا وإخوتنا جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها إلى الحفاظ على عقد قلبي طاهر سليم وإلى فهم وبصيرة بمراده تعالى منا، وإلى عمل صالح متقبلن وأن يؤكد رباطنا بحبله المتين، وأن يؤمن تمسكنا بعروته الوثقى وأن يحيينا بمعرفته على صراطه المستقيم، وأن يميتنا على دينه الحق القويم، وأن يتقبلنا من أهل جنته، وينجينا برحمته وفضله من عذاب جهنم، ومن غضبه وسخطه في الدنيا والآخرة.

اللهم أعل كلمة الحق، وانصر المتمسكين بها، العاملين من أجلها، ابتغاء مرضاتك إنك نعم المولى ونعم النصير.

وصلّ اللهم على سيدنا محمد وسلم، وعلى آله وصحبه وعلى سائر رسلك وأنبيائك أجمعين.

 

تم بحمد الله تعالى يوم الأحد الموافق

6من ذي الحجة 1388هـ

23من فبراير سنة 1969م

تساؤلات حول موضوع البحث

"نحن دعاة لا قضاة" وإجابات فضيلة المرشد العام

الأستاذ حسن الهضيبي - رحمه الله -

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول:

إن الرجل كان حين ينطق بالشهادتين يجد الكيان الذي يعلن دخوله فيه، وبهذا يكون قد انتقل عمليًا من كيان يشرك بالله إلى كيان يسلم لله يعطيه كل ولائه.. وبهذا يكون واضحًا لديه تكاليف النطق بالشهادتين فهمهما أم لم يفهمهما – أما الآن فليس هناك كيان إسلامي يدخل فيه المرء الذي ينطق بالشهادتين ويعطيه وحده ولاءه، ورتب البعض على ذلك أن ولاءه دخول الفرد في الكيان شرط للحكم بإسلامه، ولا يكفي مجرد النطق بالشهادتين وعند السؤال عن الدليل على جعل الكيان شرط في الحكم بإسلام الفرد، قيل إن الواقع نفسه يكفينا كدليل فلم نجد رجلاً بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف إلى مجتمعه ليعيش فيه كما يعيشون، بل يدخل مجتمع المسلمين ويعلن له ولاءه العام حتى لو اضطرته ظروف الحركة أن يعيش بعيدًا عن المجتمع بأمر رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام واستشهد آخر بحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حين يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه: "عليك أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قال: فإن لم يكن لهم جمعة ولا إمام؟ قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعضد بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.

الإجابة:

نقول بعون الله: إن عبارة "الكيان الإسلامي" عبارة تحتاج إلى تحديد وضبط على أسس شرعية حتى لا يقع الاختلاف الجوهري في مدلولها، على أنه على أية صورة يمكن تأويل تلك العبارة إليها، فإن الذي لا شك فيه أنه لم يدخل "الكيان الإسلامي" أحد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فيما تلا ذلك من العهود إلى عهدنا هذا إلا مسلم حكم الرسول صلى الله عليه وسلم بإسلامه – فإسلام المرء شرط يجب أن يتحقق فيه أولاً وصفة يجب أن تثبت له قبل دخوله "الكيان الإسلامي" أي أن ذلك الأمر وتلك الصفة من المتعين اللازم ثبوتهما في حق المرء سابقين على دخوله "الكيان الإسلامي" وانتمائه لأمة المسلمين – وعمل الرسول عليه الصلاة والسلام وقوله المنقولان إلينا نقل الكافة عن الكافة الذي هو أشد وأقوى أنواع التواتر وأقوى درجات الإجماع والذي اتفق عليه المسلمون فقهاؤهم وعامتهم منذ ألف وأربعمائة سنة بدون أدنى شذوذ أن المرء يحكم بإسلامه بنطقه الشهادتين مقرًا بهما وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم جملة وعلى الغيب، والمرء محكوم بإسلامه حين نطقه بالشهادتين وفور نطقه بهما دون أدنى تأخثر ولو طرفة عين، ودون أي شرط آخر يعلق عليه الحكم بإسلامه – فإذا نطق المرء بالشهادتين وحكم بالإسلام كان من نتيجة ذلك دخوله "الكيان الإسلامي" وقبوله فردًا من المسلمين وانتمائه إلى أمة المسلمين – فدخوله الكيان الإسلامي والانتماء إليه هو إذن نتيجة لثبوت عقد الإسلام للمرء وهو وإحدى النتائج الكثيرة التي تترتب على ثبوت عقد الإسلام للمرء.

والقول بأننا لم نجد رجلاً بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف إلى مجتمع ليعيش فيه، بل يدخل مجتمع المسلمين ويعلن له ولاءه التام، هذه القضية إن صحت لا تؤدي إلى النتيجة التي يراد الاستدلال بها عليها، فليس فيها شبهة دليل على أن دخول "الكيان الإسلامي" شرط يعلق عليه الحكم بإسلام الناطق بالشهادتين – وغاية ما يمكن أن تدل عليه إن صحت – أن المسلم المحكوم بإسلامه لنطقه بالشهادتين والذي ثبت له عقد الإسلام بنطقه بالشهادتين مأمور أن يهاجر من بين أظهر المشركين وأن يقيم بين المسلمين، والشأن في ذلك هو ذات الشأن في التزام الناطق بالشهادتين المحكوم بإسلامه بنطقه بهما بالعمل وتنفيذ كافة شرائع الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج وصدق في القول وانتهاء عن الغيبة وعن شرب الخمر وعن الزنا وعن السرقة والتزام الجهاد في سبل الله.. إلى كافة شرائع الإسلام التي تلزمه ويتعين عليه العمل بها سواء علمها حال النطق بالشهادتين أو وجهلها فلم يعلمها كلها أو بعضها إلا بعد النطق بالشهادتين لأن مقتضى نطقه بالشهادتين إعلانه قبول شرائع الإسلام جملة وعلى الغيب، والتزامه أن يعمل بها ويخضع لها وهذا هو معنى الإيمان بجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم جملة وعلى الغيب – فالهجرة إلى دار الإسلام أو التزام جماعة المسلمين شريعة من شرائع الإسلام لا تلزم إلا المسلم الذي ثبت له فعلاً عقد الإسلام ولا تقبل إلا من مسلم محكوم له بالإسلام شأنها في ذلك شأن الصلاة والزكاة والصوم والحج إلى آخر شرائع الإسلام التي ما ترك الرسول عليه الصلاة والسلام أحدًا ممن بايعه وقبل إسلامه إلا وأمره باعتقادها والعمل بها وتنفيذها ولا خلاف أنه لا تقبل صلاة إلا من مسلم محكوم بإسلامه فعلاً قد ثبت له عقد الإسلام يقينًا قبل قيامه للصلاة أو إمساكه عن الطعام أو توجهه إلى البيت الحرام.

فالمرء يحكم له بالإسلام بنطقه بالشهادتين ويثبت له بذلك عقد الإسلام يقينًا وفور نطقه بالشهادتين وفي ذات لحظة تلفظه بهما دون أدنى تأخير أو تأويل وأيًا كانت الظروف التي ينطق فيها بهما، وحتى لو نطق بهما وقد بهره شعاع السيف الذي كاد أن يقتل رأسه من فوق عنقه ثم هو بعد ثبوت عقد الإسلام له مأمور بتنفيذ شرائع الإسلام التي أعلن قبوله لها والتزامه بتنفيذها بنطقه بالشهادتين، فإذا أخل بشريعة من الشرائع ولم يعمل بها، نظرنا إلى ما أمرنا الله ورسوله به في شأن المخالف للأمر الذي وقعت فيه المخالفة فما حكم الله تعالى بأن فاعله يعتبر مرتدًا عن الإسلام بعد ثبوت عقد الإسلام له حكمنا على فاعله بذلك، وما حكم الله بأن فاعله – وإن عصى وفسق واستحق القتل أو قطع اليد أو الرجم أو الجلد – لا يعتبر مرتدًا عن الإسلام بل باق له عقد الإسلام أجرينا عليه حكم الله فيه فالناطق بالشهادتين إذا بلغه الأمر بأن عليه أن يهجر الإقامة بين المشركين وأن ينضم إلى أمة المسلمين أو أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم وجب عليه تنفيذ ذلك الأمر والعمل به والشأن في ذلك هو ذات الشأن فيما إذا بلغه الأمر بوجوب الصلاة والزكاة والحج والانتهاء عن السرقة وشرب الخمر والزنا والغيبة، وبفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. إلخ.

فإذا لم يبلغه الأمر بذلك كله أو بعضه فهو معذور بجهله ثم نقول لمن قال أننا لم نجد رجلاً بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف إلى مجتمعه الذي كان يعيش فيه من قبل – نقول له إن اشتراط الحضور إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ومبايعته مشافهة ومصافحة وجهًا لوجه لم يكن لحظة ما في تاريخ الإسلام شرطًا لصحة إسلام المرء – وكم من ضارب في أعماق الصحاري علم بدعوة الرسول عليه الصلاة والسلام فنطق بالشهادتين وآمن به عليه الصلاة والسلام رسولاً من عند الله لا ينطق بالشهادتين وآمن به عليه الصلاة والسلام رسولاً من عند الله لا ينطق إلا بالحق، ومات على الإسلام دون أن يلتقي بالرسول عليه الصلاة والسلام ثم ليعلم قائل هذه المقالة أن النجاشي رضي الله عنه ما برح أرض الحبشة، وما التقى برسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفاه الله وهو مقيم بين قومه صاحب السلطان فيهم، وهو مع ذلك يخفي إسلامه عنهم وعن غيرهم وكان من المعجزات التي أجراها الله على لسان رسولنا عليه الصلاة والسلام وأنه – أي النجاشي – مات على الإسلام، وجمع عليه الصلاة والسلام من شاء الله أن يجمعهم من الصحابة فصلوا على النجاشي صلاة الغائب، فكيف يجوز بعد ذلك لقائل أن يقول أن دخول "الكيان الإسلامي" بمعنى الانتقال والهجرة للإقامة بين المسلمين شرط للدخول في الإسلام، وأن الناطق بالشهادتين يبقى حكمه معلقًا لا هو مسلم ولا هو غير مسلم حتى تتم الهجرة، وقد يطرح هنا سؤال وهو:

ما حكم المسلم الذي لم يهاجر من بين ظهراني المشركين إلى جماعة المسلمين؟

نقول بعون الله: إن ذلك المسلم إن كان يجهل لزوم تلك الشريعة له فلا شيء عليه، وهو معذور بجهله محكوم بإسلامه بنطقه بالشهادتين، فإذا بلغه الأمر وقامت عليه الحجة فهو إن جحد الأمر واستحل خلافه كان مرتدًا محكومًا عليه بحكم المرتد عن الإسلام بعد ثبوت عقد الإسلام له – وفرق كبير بين من لم يصح إسلامه أصلاً وبين من ثبت له عقد الإسلام ثم ثبتت عليه الردة، فمثلاً إذا كان الناطق بالشهادتين في الأصل من اليهود والنصارى وقيل إنه بنطقه بالشهادتين لم يثبت له عقد الإسلام فإنه لا يعتبر مرتدًا ويكون معصوم الدم والمال بأداء الجزية إذا خضع بلده لسلطان المسلمين، أما إذ قلنا بالحكم بإسلامه بنطقه بالشهادتين فإن جحوده النص بعد ذلك واستحلاله مخالفته مؤداه أنه يحكم بقتله، ولا تقبل عودته إلى اليهودية أو النصرانية أو أي دين آخر حاشا الإسلام، ولا يكون له مع المسلمين عهد ولا ذمة.

أما المقيم بين أظهر المشركين بعد نطقه بالشهادتين وبعد بلوغ الأمر إليه بضرورة الهجرة إلى الجماعة المسلمة، إذا لم يكن جاحدًا الأمر فهو إما معذور بعذر منعه من الهجرة أو وغير معذور، أما غير المعذور فقد وقع الاختلاف في شأنه فقال البعض إنه يعتبر مرتدًا عن الإسلام بإقامته بين أظهر المشركين وذلك لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين" وقالوا إن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يبرأ إلا ممن خرج عن الإسلام، ومن القائلين بهذا الرأي الإمام ابن حزم "انظر المحلى جـ11 ص198".

ورد البعض على هذا الرأي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أثبت لمن تبرأ منه اسم المسلم وصلة المسلم، فالحديث فيه ثبوت اسم المسلم وصفته لمن حصلت البراءة منه، فدل ذلك على أن البراءة ليست براءة خروج من الدين، بل فقط في التزام بودي "أي إعطاء الدية" من يقتل منهم أو يصاب أثناء الإغارة على المشركين الذين يقيم بينهم على الظن أنه منهم يؤكد صحة هذا القول قول الله عز وجل في سورة الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾ (الأنفال: من الآية 72)، فأثبتت الآية اسم وصفة المؤمن لمن لم يهاجر رغم إثباتها انتفاء الولاية بينها وبين المهاجرين، أي الدولة الإسلامية أو الجماعة المسلمة، كما أثبتت الآية وحدة الدين بقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ (الأنفال: من الآية 72)، وإذا كان ثمة خلاف في شأن من ليس له عذر فليس ثمة خلاف في شأن من يقيم بين ظهراني المشركين عن عذر، فالاتفاق بأنه محكوم بإسلامه بنطقه بالشهادتين ثابت له عقد الإسلام بمقتضاهما معذور بعذره لا يكفر ولا يفسق ولا يعصي.

وسواء أخذنا بهذا الرأي أو ذاك فيما يتعلق بحكم المقيم بين أظهر المشركين بغير عذر، فيجب التنبيه إلى أن هذا الحكم خاص بالمسلم الذي يقيم بين أظهر المشركين لا الذي يقيم بين مسلمين عصاة.

أما الولاء للإسلام والمسلمين لأمر آخر غير الهجرة وهو أمر متعلق بالإحساس والشعور مفروض فيمن نطق بالشهادتين بافتراض صدقه وإخلاصه في النطق بهما والمنهي عنه شرعًا تولي غير المسلمين من دون المسلمين أي مناصرته لهم على المسلمين، وفاعل ذلك ليس من الله في شيء فهو مرتد، ونكرر القول هنا بأنه محكوم له بالإسلام بأصل نطقه بالشهادتين حين نطقه بهما، ثم هو محكوم بردته عن الإسلام وبخروجه عن الإسلام بعد سابقة إسلامه بتوليه الكافرين دون المؤمنين حين يأتي   ذلك.

ثم نقول بعون الله: إن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحة قاطعة الدلالة على أن من نطق بالشهادتين محكوم بإسلامه حال نطقه بهما ثابت له عقد الإسلام في التو واللحظة معصوم الدم والمال بنطقه بهما منهي عن أي محاولة لتأويل نطقه بهما أيًا كانت الظروف التي نطق بالشهادتين فيها، وقد فصلنا هذا وأقمنا الأدلة القاطعة على ثبوته وصحته في بحثنا – والذي لا شك فيه أن حكم إسلام الناطق بالشهادتين الذي قرره الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أخبر به عليه الصلاة والسلام وحيًا عن الله ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: الآيات 3، 4) وحيًا من الله عز وجل الذي علم ويعلم ما كان وما هو كائن وما سوف يكون، فكيف وقد نبأ عليه الصلاة والسلام بما سيكون عليه أمر المسلمين وأنه يأتي عليهم زمان لا يكون لهم فيه جماعة ولا إمام ولا كيان، وفي ذات حديث حذيفة بن اليمان الذي أشار إليه السائل التنبؤ بتلكم الحال والذكر الصريح لها، وقد سمى الرسول عليه الصلاة والسلام الطريقة التي يلزمها بما يقطع أنه تبقى للفرد صفة المسلم ويثبت له عقد الإسلام والإيمان رغم انعدام الجماعة والإمام..

ولو كان النطق بالشهادتين يختلف أمره من الزمان الذي يكون فيه للمسلمين جماعة وإمام عن الزمان الذي لا يكون لهم فيه ذلك لأوضح لنا الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك الأمر الهام الذي هو الحد بين الكفر والإسلام ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (مريم: من الآية 64).

ثم نقول للذي يفترض ضرورة دخول "الكيان الإسلامي" كشرط لصحة إيمان الناطق بالشهادتين ثم هو يقول في نفس الوقت إن ذلك الكيان معدوم في هذا الزمان الذي يعيش فيه، نقول له: أما تنبهت كيف حكمت على نفسك وإنك بذلك تقضي على نفسك بعدم صحة إسلامك؟ فإن قلت إنك داع وعامل على إيجاد "الكيان الإسلامي" كان الواضح أنك استبدلت شرطًا بشرط فأنت أولاً ادعيت أن الشرط هو دخول "الكيان الإسلامي" فعلاً وقررت أن ذلك الكيان معدوم الوجود ثم إنك عدت تصحح إسلامك بشرط آخر وهو وأنك عامل ومجاهد لتحقيق "الكيان الإسلامي" والعمل على تحقيق الكيان الإسلامي أمر مختلف وشرط مخالف لشرطك الأول، فما دليلك عليه من كتاب الله وسنة رسوله؟ وقد أسلفنا الأدلة القاطعة على أن حكم الله أن يحكم بإسلام الناطق بالشهادتين حال نطقه بهما، وأن كل تكليف وكل شريعة غير شريعة النطق بالشهادتين لا تقبل من أحد إلا بعد أن يثبت له عقد الإسلام بنطقه بالشهادتين بل ولا تتطلب من أحد ولا تلزمه إلا بعد أن يثبت له عقد الإسلام بنطقه بالشهادتين.

وإذا كان هذا هو الحكم الشرعي فإن الجماعة التي تنتسب إليها قد اعتنقته مبدأ أساسيًا من مبادئها منذ نشأت ومنذ بدأت تزاول نشاطها لم تحد عن ذلك لحظة وواقع حالها وحال منشئها رضوان الله عليه والقائمين عليها لا يجعل مجالاً لمناقشة في هذا الأمر، والذي يحاول الجدل في هذا الأمر إنما يحاول عبثًا إنكار الوقائ المادية الثابتة ثبوتًا لا شك فيه، ثبوتًا لا يقبل تأويلا على أي وجه من الوجوه، ومن حاول مثل ذلك كان من مبطلي الحقائق فلا يقبل منه قولٌ ولا فائدة من مناقشة أو نصحه وهو يعتبر غير ملتزم بالجماعة ولا بمنهجها – وقد أورد الإمام الشهيد في رسالة التعاليم البند العشرين فقال: "ولا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض – برأي أو معصية ما لم ينكر معلومًا من الدين بالضرورة أو كذب صريح القرآن أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً إلا الكفر".

والمتأمل لهذه العبارة يجدها مطابقة تمامًا لما قمنا في بحثنا من شرح للعبارة المأثورة "ولا نكفر مسلمًا بمعصية ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب" وقد أجهد بعضهم نفسه محاولاً التعلق بقول الإمام الشهيد "ولا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما" فادعى ضرورة العمل بالإسلام بمعنى ضرورة العمل بكافة الشرائع والأحكام وهذا تمويه فاسد لأن معنى هذا القول أن يكون ما جاء بعده من تقرير عدم اتهام المسلم بالكفر برأي أو معصية لغوًا.

لأن الذي لا شك فيه أن المعصية خروج عن مقتضى العمل بالشهادتين إذا فسرت هذه العبارة على إطلاقها دون مراعاة الاصطلاحات الفقهية المتعارف عليها والتي كان الإمام الشهيد رضي الله عنه من أكثر الناس معرفة بها ودراية بأصولها وأوجه استعمالها، ولذا حدد تحديدًا دقيقًا الأحوال التي يجوز فيها اتهام المسلم بالكفر وهي أن ينكر معلومًا من الدين بالضرورة أو يكذب صريح القول أو أن يفسر القرآن على وجه لا تتحمله أساليب اللغة العربية بحال من الأحوال أو أن يأتي عملاً لا يحتمل تأويلاً إلا الكفر، ولقد كان سير الإمام الشهيد بالجماعة والخط الذي رسمه لها سواء في معاملته أعضاء الجماعة أو من كانوا أعضاء بالجماعة ثم وقع منهم الشقاق والانفصال أو ومن لم يكونوا أصلاً من أعضاء الجماعة، أقول كانت سيرته رضي الله عنه تطبيقًا عمليًا صادقًا أمينًا لما جاء برسالة التعاليم ونكرر القول إن شأن الجماعة وما استقرت عليه منذ نشأتها في هذا الأمر واضح لكل ذي بصر بحال الجماعة أو علم بسيرتها وهو ما رسخ واستقر وبات معلومًا بالضرورة لكل من اتصل بالجماعة وعرف شيئًا عنها.

انتهى.

السؤال الثاني:

هناك من يقول إنه لا يكفر أحدًا نطق بالشهادتين ولكن ليس معنى هذا أن يحكم للناس مجتمعين بالإسلام وهو متأكد تمامًا أن فيهم كثرة تأتي أعمالاً وأقوالاً هي بنفسها تخرج عن الملة – وكما أنه لا يستطيع أن يرميهم جملة بالكفر فهو كذلك يتحرج من وصفهم جملة بالإسلام.

وهو يسال ما الفرق بين أن يقال أن الناس في جملتهم مسلمون وأن يقول مجتمع مسلم – وهل الأصل أن يحكم للفرد في هذه المجتمعات القائمة حاليًا بالإسلام ولا يخرج عن الملة حتى نتبين أنه هو وبنفسه أتى فعلاً أو قولاً يخرج به عن الملة أو أننا لا نحكم له بالإسلام إلا أن نتأكد من نطقه هو بالشهادتين أو ما يدل عليهما من أعمال وليس لأصل وجوده في هذه المجتمعات اعتبارٌ يحكم له بالإسلام بمقتضاه؟.

الإجابة:

ورد بالبند الخامس من رسالة التعاليم ما نصه:

"وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعًا" وفي حدود هذا الأصل نجيب على هذا السؤال فنقول بعون الله: إن هناك أحكامًا تنبني على النظر في حال الغالب من الناس أي حال الظاهر للمجتمع مثل إلقاء تحية الإسلام ومثل ديانة اللقيط الذي لا يعرف له أبوان فأنت تلقي تحية الإسلام على من لا تعرف من الناس آخذًا بالظاهر العام من أن الناس أغلبهم مسلمون مع احتمال أن يكون من ألقيت عليه السلام أو بعض من ألقيت عليهم ليسوا مسلمين.

أما فيما عدا ذلك من الأحكام فإنك أيها الأخ لو أنك عشت في عصر الخلافة الرشيدة لكان الفرض عليك آنذاك كما هو الفرض عليك الآن أن تتبصر حال من تعامله أو ترتبط به – فأنت دائمًا في العلاقات الفردية تستطيع أن تدرك من أحوال من يعاملك ما يظهرك على حاله – وما دمت تسلم بالأصل المتفق عليه من أن من نطق بالشهادتين قد ثبت له عقد الإسلام، وأن من أتى عملاً دل على إسلامه فهو مسلم على ظاهر حاله حتى يقوم الدليل على عكس ذلك فلن تقع بإذن الله في حرج ولن تخرج بعون الله عن السبيل القويم أما الفرق في قولنا في أن الناس في جملتهم جميعًا مسلمون وبين أن تقول مجتمع مسلم فهو كالفرق بين قولك عن شخص إنه مسلم رغم ما يقترفه من ذنوب ومعاصٍ بينما يعز عليك أن تقول أن خلقه خلق إسلامي مع تسليمك بأنه لم يخرج عن الإسلام ولم يرتد إلى الكفر وأن بعض ما يأتيه هو وعمل بشرائع الإسلام وإن كان ذلك قليلاً إلى جانب ما يقترفه من معاصٍ.

أما التساؤل عن الأصل في الحكم على الفرد في هذه المجتمعات القائمة حاليًا وعما إذا كنا نحكم له بالإسلام حتى يظهر منه ما يخرجه إلى الكفر أو أننا لا نحكم له بالإسلام أي نحكم عليه بالكفر حتى نتأكد من نطقه بذاته بالشهادتين أو ما يدل عليهما من أعمال وعما إذا كان لأصل وجوده في هذه المجتمعات اعتبار يحكم له بالإسلام بمقتضاه.

فالجواب على ذلك هو: أننا نحكم على الفرد في المجتمع الذي عم فيه الإسلام بالإسلام حتى نتبين خلاف ذلك، هذا رغم عدم سماع غالبية المسلمين للفظ الشهادتين من كل من في هذا المجتمع، وإنما يكفي للعلم بأن الشخص مسلم وأنه نطق بالشهادتين أنه تصدر عنه أعمال مما وردت في شرائع الإسلام كأن تراه يؤذن أو يردد الأذان أو يصلي على الرسول عليه الصلاة والسلام أو يقرأ القرآن أو يدعو الناس إلى الإسلام أو إلى إقامة شريعة الله أو يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.. إلخ.

كما أن حكم من يولد لأبوين مسلمين أو لأب مسلم وأم كتابية حكمه الإسلام، وليس له أن يختار عند البلوغ دينًا غير الإسلام، فإن فعل فإنه مرتد، وعلى ذلك فإننا نحكم لكل من يولد هكذا بالإسلام ويدل على ولادته كذلك الاسم الذي أطلقه والده عليه إن كان مما لا يسمى بمثله غير المسلمين، فهذا كسابقيه يحكم له بالإسلام ويطالب بشرائعه ويلزم أحكامه إلا أن يخرج عنه بما يخرج عن الإسلام أو دخل في دين آخر – فهذا مرتد بعد إسلامه وليس كافرًا من الأصل ولو كان صبيًا خرج من الإسلام لحظة بلوغه.

من هذا يتعين أن لأصل وجود الفرد في هذه المجتمعات أثرًا في الحكم عليه بالإسلام بالرغم من أننا متأكدون من أن فيهم الكثير ممن خرج عن الإسلام وارتد عنه فمن علمنا عنه ذلك بذاته حكمنا بردته، وكفره بعد إسلامه.

انتهى

السؤال الثالث:

الجاهلية من الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وقد شاع استعمالها في الفترة الأخيرة دون أن يتحدد معناها أو مفهومها، ولم يطرق البحث من قريب أو بعيد، ولم يُورِدْ فيها قولاً واضحًا، وماذا عما يسمى بالمجتمع الجاهلي؟ وماذا تعني هذه التسمية على وجه التحديد؟ وهل يصح إطلاقها على المجتمعات القائمة الآن؟.

الإجابة:

نعود فنلفت النظر إلى أن البحث السابق إرساله إنما قصد منه فقط الرد على أقوال معنية ظهرت أخيرًا رأينا خطورتها وخروجها على أصول دعوتنا، فعنينا بالرد على ما وجدنا أنه يلزم الرد عليه من هذه الأفكار دون استقصاء لها جميعًا ونكرر القول بأننا لم نكتب بحثًا في الدعوة بمفهومها الكامل أو برنامجها الشامل وما كان لنا حاجة بذلك وللدعوة رسائلها وكتبها وليس الوقت ولا الظروف التي نعيش فيها بالمناسبين للكلام في شئون الدعوة على وجه التفصيل – ولذا فإننا إنما بحثنا ما اضطررنا على بحثه والرد عليه درءًا لخطر أكبر من الأخطار التي تهددنا بالكتابة في الظروف التي تحيط بنا.

والجاهلية كالضلال والعصيان والفسوق والظلم من الألفاظ التي استعملت في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية، وتعني الخروج على أحكام الدين ذلك الخروج الذي لا يبلغ أحيانًا حد الخروج عن الملة وأحيانًا يبلغ حد الخروج عن الملة والردة عن الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه: "إنك امرؤ فيك جاهلية" ويعلق البخاري الذي أورد هذا الحديث فيقول: "المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك" "البخاري جـ1 ص14".

ومن ذلك يتضح لك أن كلمة الجاهلية يقصد بها كل خروج على أحكام الدين، أما تحديد ما إذا كان ذلك الخروج قد بلغ حد الردة عن الإسلام أم لا، فيرجع فيه للأحكام الشرعية التي تحدد الفرق بين المعصية التي لا يعتبر مرتكبها مرتدًا وبين تلك التي يعتبر مرتكبها مرتدًا – والقول أن المجتمع جاهلي يوازي القول أن المجتمع ضال أو المجتمع فاسق، فجميع هذه الألفاظ إنما تدل على أن فيه خروج ظاهر على أحكام الدين – وأن تلك الصفة الغالبة على حال أفراده وأنظمته ولكن لتحديد ما إذا كان ذلك الخروج قد بلغ بفرد معين أو وبالمجموع كله حد الردة والكفر أم لا، يتعين الرجوع إلى أحكام الشريعة المأخوذة من الآيات والأحاديث في هذا الشأن.

انتهى

السؤال الرابع:

ما هو دور الجماعة وما هو وشرعية وجودها وأهميته إذا حكم الناس بالإسلام – والحاكم لم يرد فيه نص قاطع في البحث؟

الإجابة:

بالنسبة للحاكم، لقد عنينا في بحثنا بذكر القاعدة الشرعية أما تطبيقها على شخص أو أشخاص معينين فليس من مهمتنا، ولقد لقنا مرارًا إن الجماعة منذ نشأتها التزمت أصلاً لا محل للخروج عليه وهو ألا تتعرض للأشخاص بحكم ما وإنما الجماعة تعلن الأحكام الشرعية تالية على الناس آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام مستشهدة إذا لزم الأمر بأقوال أئمة الفقه واللغة والحديث تاركة لكل مستمع أن يضع نفسه في الموضع الذي هو أعلم بنفسه أن ينطبق عليها – وقلنا مرارًا أننا دعاة ولسنا قضاة – فالقول بأن الحاكم لم يرد فيه نص قاطع: إذا كان السائل يطلب حكمًا على شخص أو أشخاص فقوله مردود – أما إذا كان يسأل عن رأي فقهي فإن في رسائل الجماعة التي وضعها الإمام الشهيد الرد على السؤال كما أننا أوردنا في بحثنا أقوال الفقهاء في هذا الشأن بما يتفق مع الاختيار الفقهي للجماعة منذ نشأتها.

أما دور الجماعة فنقول باختصار قال الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: الآية 104)، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (آل عمران: الآية 110)، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ (الحجرات: من الآية 9)، وقال عليه الصلاة والسلام: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" وقال عليه الصلاة والسلام: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده" وقال عليه الصلاة والسلام: "ما من نبي بعثه الله في أمة إلا كان له من أمته حواريون يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

وهل من بغي أوضح من تعطيل شرائع الله والحكم بين الناس وإنفاذ الأمر بينهم على خلاف أمر الله ورسوله؟!!.

وهل من بر يجب التعاون عليه كأمر الله – أعظم من إنفاذ أوامر الله وشرائعه والتمكين لدينه والجهاد لتكون كلمة الله هي العليا؟ وهذا هو الهدف الذي قامت الجماعة أصلاً لتحقيقه وهو أمر واجب على كل المسلمين ولا يمكن أن يحققوه أفرادًا فلزم العمل في جماعة تهدف لتحقيق هذا الهدف الكبير، ومن تخلف عن الانضمام لمثل هذه الجماعة والعمل معها يأثم كإثمه عن ترك أي فرض أو تكليف شرعي، ولا نخرجه من الملة بسبب ذلك إلا أن يجحد الهدف وهو تحكيم شرع الله فيكون كافرًا مرتدًا".

انتهى

السؤال الخامس:

النقطة التي عالجت مسألة الإكراه في حاجة إلى مزيد من الإيضاح، ويرى البعض أن الأخذ بالرخصة لا يصلح ليجتمع عليه صف يريد أن يتحمل عبء الدعوة..

الإجابة:

لقد استوعبنا في بحثنا كافة النصوص المتعلقة بموضوع الإكراه والكثير من أقوال الفقهاء استيعابًا يكاد يكون حاصرًا لها، ولقد أثبتنا حكم الرخص لما شاهدناه من استسهال البعض إلقاء تهمة الكفر على غيرهم لمجرد الترخص دون إلمام بالأحكام الشرعية، وأوضحنا ما أوضحناه عملاً بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ (البقرة: الآية 159)، ولأننا نؤمن بأنه ليس في الدين سر يكتم عن أحد، وإنما الأحكام الشرعية يجب أن يعرفها الناس جميعًا وأن يتصرف كل امرئ وهو على علم بها وفهم لها..

ونحن نؤمن بأن الأخذ بالرخصة لا يصلح لأن يجتمع عليه صف يريد أن يتحمل عبء الدعوة، وقد أوفى الإمام الشهيد رضي الله عنه هذا الموضوع حقه من الشرح في رسائله إلى الإخوان "راجع رسالة بين الأم واليوم".

ولقد قلنا في بحثنا: "إن الله تعالى قد ندبنا للصبر والثبات والعمل على إعلاء كلمة الحق والجهر بها والتمكين لها ودفع المظالم ورد البغي والعدوان وجعل للعاملين في سبيل ذلك أعظم الأجر وأعلى درجات الرفعة عنده في جنات النعيم" ".. والحق أن سنن الحياة تؤكد أن الدعوات والأمم إنما تنتصر ويعلو شأنها بمن يسخرهم الله عز وجل بفضله ورحمته من الصادقين الصابرين الثابتين الذين يشرون الدنيا بالآخرة ويبتغون في كل قول وعمل وجه الله تعالى ولا يخافون في الحق لومة لائم أو ذهاب دنيا أو ضياع جاه ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111)، ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ (الأحزاب: الآية 39)، وإنما اجتمع صفنا على العزيمة وبها بعون الله نأخذ ونأمر إخوتنا أن يستعينوا بالله وبلزومها".

ملاحظة هامة:

البحث لم يكن توجيهًا عامًا ولكنه رد محدد على أفكار محددة فلا مجال لمن يستنتج أنه يدعو إلى الترخص.

السؤال السادس:

النقطة التي عالجت موضوع الجماعة والبيعة جاءت مقتضبة وأثارت أسئلة منها حديث ابن مسعود: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث منها التارك لدينه المخالف للجماعة" وحديث: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" وحديث: "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع" وتساءل البعض هل يصح أن يوجد المسلم بغير جماعة؟ وهل يعني خروجه عن الجماعة خروجه عن الملة؟ وتساءل آخرون هل إذا عمل الشخص في منظمة معروف أنها تتعارض مع ما يقرره الإسلام أو أنها تعمل لمحاربة جماعة الإسلام فهل يحكم له بالإسلام؟

الإجابة:

الذي عنينا بالرد عليه في بحثنا بيان حكم الجاهل بضرورة لزوم الجماعة وبضرورة البيعة، وأيضًا حكم المخالف لنا في فهم معنى البيعة ومعنى لزوم الجماعة أو معنى الجماعة ذاتها وأنه لا يجوز لنا أن نتهم غيرنا بالكفر في غير الأحوال التي يثبت فيها حكم الكفر شرعًا ويقينًا على الشخص، وقد أسلفنا القاعدة التي وضعها مؤسس الجماعة رضي الله عنه في البند العشرين من رسالة التعاليم كما أوضحنا السياسة التي التزمتها الجماعة من أنها تقرر الأحكام الشرعية، ولكنها لا تنصب نفسها قاضية لتحكم على الأفراد.

وزيادة في الإيضاح نقول بعون الله إن الجماعة التي ورد ذكرها في الأحاديث المشار إليها في السؤال قد وردت معرفة بأل العهدية والعلمية، فخرج بذلك من مفهوم النصوص أن يكون المقصود أية جماعة من المسلمين، وإنما المقصود جماعة خاصة معينة لها شروطها وأحكامها.

وهناك اختلاف كبير بين الفقهاء في بيان الجماعة وشروطها وأحكامها ومعنى البيعة وحكم من لم يبايع.

ومن المسلم به أن جماعة الإخوان المسلمين، مع إيمانها الكامل أنها قامت على الحق ويقينها الذي لا شك فيه أن دعوتها دعوة حق خالصة أمر الله بها أمر وجوب وإلزام فإن المؤكد أن الاختيار الفقهي لمؤسسها لم يكن النظر إليها باعتبارها جماعة المسلمين المقصودة في الأحاديث، وإنما هي داعية بعون الله لتحقيق جماعة المسلمين، يؤكد ذلك أن مؤسس الجماعة رضي الله عنه قد اعترف طوال فترة قيادته للجماعة وجميع صحبه الذين آزروه واجتمعوا معه على دعوته قد اعترفوا لغيرها من الجماعات بأنها جماعات إسلامية كما اعترفوا بصفة المسلم لمن لم يكن منضمًا لجماعة الإخوان المسلمين أو فصل منها.

وقد قرر الإمام الشهيد فصل وكيلي الجماعة السابقين وعشرات غيرها كان بعضهم أعضاء بمكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية ولم يكن قد نسب لأحدهم أنه أتى عملاً أو قال قولاً ارتد به عن الإسلام، ولا زعم أحد أنهم بفصلهم من الجماعة قد أخرجوا من الإسلام – وبعد الإمام الشهيد صدق مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية على فصل عدد غير قليل من أعضاء كانوا بالجماعة منهم من كان عضوًا بمكتب الإرشاد أكثر من مرة ومنهم من تولى مراكز قيادية في الجماعة وأنظمتها، وكان القول الصريح من قيادة الجماعة في هذه المناسبات أن المفصولين مسلمون معصومو الدم والمال ترجو الجماعة لهم أن يخدموا الإسلام بمجهوداتهم الفردية وبأساليبهم الخاصة بعد أن استعصى عليهم توطين أنفسهم على نظام الجماعة والالتزام بمفهوماتها وبرامجها ومناهجها.

وفي رسالة المؤتمر الخامس لجماعة الإخوان المسلمين يقول الإمام الشهيد: "ولعل من تمام هذا البحث أن أعرض لموقف الإخوان المسلمين من الخلافة وما يتصل بها، وبيان ذلك أن الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير فيها والاهتمام بها، ويرى الإخوان أن الأحاديث التي وردت في وجوب تنصيب الإمام وبيان أحكام الإمامة لا تدع مجالاً للشك في أن من واجب المسلمين أن يهتموا بأمر خلافتهم منذ حورت عن مناهجها، ثم ألغيت تمامً إلى الآن، والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم وهم مع هذا يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لابد منها وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لابد أن تسبقها خطوات.

أما التساؤلات عما إذا كان يصح للمسلم أن يوجد بغير جماعة فالإجابة أننا سبق أن قلنا إن المراد بالجماعة الواردة في الأحاديث السالف الإشارة إليها ليس أية جماعة وإنما جماعة خاصة لها أحكامها وشروطها فمن وجد في إحدى الجماعات تلك الأحكام والشروط واعتقد أنها الجماعة المقصودة بالأحاديث لزمه أن يدخلها ويعمل فيها وإن كان اعتقاده هذا ليس حجة على غيره ممن لا يرون في الجماعة التي دخل فيها هذا الرأي – وعلى أي حال فأمر الله لنا بالتعاون على البر والتقوى يتضمن التآلف في جماعة لتنفيذ أمر الله، إذ الانتظام في جماعة ضرورة يقتضيها التعاون المأمور به لتحقيق المقصود المطلوب شرعًا وقد أسلفنا بيان أنه قد ورد في الأحاديث النبوية الشريفة التنبؤ أنه يأتي على المسلمين زمان لا يكون لهم جماعة فيه ولا إمام وأن ذلك لا ينفي عنهم صفة الإسلام وإن كان ذلك بطبيعة الحال لا يعفيهم من فرض المجاهدة لتحقيق الجماعة وتنصيب الإمام.

أما الذي يعمل في منظمة تحارب الإسلام والمسلمين فهو متول للكافرين – وليس من الله في شيء – وتلك قاعدة عامة أما تطبيقها على الأفراد فيحتاج إلى تحقيق واستيضاحات قلما تتوافر لغير ذي سلطة ما لم تكن المنظمة متبرئة من الإسلام جملة بحيث لا يشتبه على أحد أنها خارجة على الإسلام محاربة له – ونكرر القول أننا دعاة ولسنا قضاة.

انتهى

السؤال السابع:

إذا كان واقع الناس وظاهرهم متفقًا تمامًا مع البعد عن شريعة الله، أليس ذلك معناه أن هناك خللاً اعتقاديًا، فدليل الإيمان والعمل به، والقائل بهذا الرأي يستشهد بالآية ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ فجعل تعالى اتخاذهم أولياء مترتبًا على عدم إيمانهم دليلاً عليه.

الإجابة:

ونقول بعون الله أن لو فرض جدلاً صحة القول بأن الخروج أو البعد عن أحكام الشريعة دليل على وجود خلل اعتقادي لدى الخارج، فإن مردَّ الحكم على الخارج ليس إلى آرائنا، ولكن ما حكم الله أن الخروج عن أحكام الشريعة فيه دليل على أن الخلل الاعتقادي قد بلغ حدًا يجعل الخارج مرتدًا عن الإسلام كافرًا مشركًا، قلنا نحن بحكم الله فيه، أما من حكم الله بأن بعده أو وخروجه عصيان لا يجعله مرتدًا وأنه باق له حكم الإسلام، فواجب علينا أن نحكم بحكم الله فيه، ولا يجوز لنا أن نبتدع من عند أنفسنا حكمًا آخر إلا كنا نحن الحاكمين بغير ما أنزل الله وهذا بذاته موضوع التفرقة بين المعاصي التي لا تكفر صاحبها ولا تخرجه عن الملة،وتلك التي تخرج صاحبها عن الملة ويعتبر مرتدًا، وقد سبق استيفاء ذلك بالبحث مع وضوح أن هذه الأحكام تكون بالنسبة لكل فرد بذاته وليس على عامة الناس بجملتهم..

تم بحمد الله